الدكتور محمد ميشال الغريب

الدين المسيحي اوصلني الي الاسلام

 علي نوري

 

     الاستاذ الدكتور محمد ميشال الغريب، مفكر لبناني ولد و ترعرع في احضان المسيحيه الماروينه، و نتيجه لقربه من المسلمين و معايشته اياهم توفرت له فرصه الاطلاع علي حياتهم و تعاليم اسلامهم، فاعجب بها، و راح يتطلع للتعرف عليها اكثر فاكثر، حتي شهر اسلامه عام 1985 م.

     بغيه التعرف علي اهم محطات رحلته هذه، التقيناه في لبنان، فكان لنا معه الحوار الآتي:

·                               كيف بدأت علاقتك بالاسلام؟

     - علاقتي بالاسلام بدأت منذ تدرجي بالمحاماه. رحت اقرأ القرآن الكريم و نهج‌البلاغه، تفصيحا لمرافعتي امام المحاكم. فولجت في عمق الآيات، و دهشت لبلاغتها و عظيم فلسفتها التي تتعدي قدره البشر علي مثلها. فتكونت لدي القناعه الاساسيه، بان هذا الدين مكمل للرساله المسيحيه التي كنت سبرت اغوارها في صباي. هذا فضلا عن اني كنت اسمع في صباي الاذان تصدح به المآذن فكان يشدني اليه و أثر في كثيراً حتي بدأت اعشقه، و كان له دور مهم في اندفاعي للتعرف علي الاسلام.

·                               ما هي الآيات و الاحاديث الشريفه التي اثرت في نفسك و دفعتك الي اعتناق الاسلام؟

     - يصعب تعداد كل الآيات و الاحاديث الشريفه التي شدتني  و مازالت الي الاسلام. فالدين كل متكامل، يتمم بعضه بعضا. و قد وضعت لنفسي مصنفا هجائيا و موضوعيا لكل النصوص ذات المغزي البارز و الصريح، استرشد و استشهد بها عند الحاجه. اني اختلف عن معظم المسلمين في انهم ورثوا دينهم ارثا، بينما انا ادرسه درسا. و تستوقفني فلسفته الاجتماعيه البديعه، التي لن ترقي اليها ايه فلسفه دنيويه.

     ففي فاتحه القرآن الكريم، اتوقف كثيرا عند آيه «اهدنا الصراط المستقيم». و أعظ المسلمين لتقصي هذا الصراط، و السير عليه في كل دقيقه من حياتهم. فهو الطريق الذي سلكه الانبياء و الصالحون.

     و من اجمل الاحاديث النبويه الشريفه: «انما بعثت لاتمم مكارم الاخلاق».

     و الامام علي (ع) احبه و اجله من صميم قلبي. و اعترف صادقا باني لا اري شبهه لدي السلف الصالح، خلا النبي محمداً (ص). زهده و تقشفه و بساطته و عدله، صفات لم يبلغ ذراها سواه. أليس هو القائل، لدي توزيعه النقود الذهبيه و الفضيه علي الناس: «يا صفراء و يا بيضاء غري غيري»؟

·                               هل تقرأ القرآن الكريم؟

     - اني اثابر علي قراءه القرآن الكريم، في عده فترات. و احتفظ دائما في جيبي بصفحات منه. عند ركوبي سياره الاجره مثلا، او لدي انتظار دوري في مكان ما، املأ فراغي بالاستفاده من عبر الآيات البينات. و كم تسعدني سماعها، مع شرحها في مختلف الاذاعات، فجر كل يوم.

·                               ما هو السبيل لنشر الاسلام في الاوساط المسيحيه؟

     - ان المسيحيين كثر الذين سيقبلون علي الاسلام، فيما لو تعلموه. و هذا يتطلب وسائل اعلاميه نشطه و مثابره. فاعلام حكومتنا لا يرحب بذلك ابدا، بل يستبعده و يحاربه. ففيما خصني شخصيا، الدوله تمنع ظهوري ولو مره واحده علي شاشاتها، رغم المحاضرات الكثيره التي دعيت الي القائها في مختلف مدن لبنان و قراها. اصبحت مكروها من الاجهزه الاعلاميه الرسميه، منذ اعتناقي الاسلام.

     صحيح ان هناك بعض الوسائل الاسلاميه الاذاعيه و لكنها قليله و ضعيفه. ففي بعلبلك اذاعه تلفزيونيه تابعه لحزب الله اجرت معي مقابله يتيمه واحده خلال السنوات العشر. و في بيروت قناه تلفزيونيه لصديقي الكبير، سماحه السيد محمد حسين فضل ‌الله، لم تشرفني بمقابله مرثيه ايه مره. فكيف اوصل صوتي و تجربتي الي عشيرتي السابقه؟

·                               بعد اشهار اسلامك، هل أوذيت من قبل اهلك؟

     - لا. لم اري اذي. انا محكوم بالإعدام من قبل حزب الكتائب و حاولوا تنفيذه اكثر من مره. و مازالت زياراتي محدوده، لا اذهب الي المناطق الشرقيه الا بحذر. المضايقه اليوم هي اولا لعدم معرفتهم لأسباب اعتناقي الاسلام، لم استطع ان اشرح لهم لا في الاذاعه و لا في التلفريون و لا في صحيفه، فكيف سيعرفون؟

·                               بعد ان اسلمت هل دعوت اصدقاءك و اقاربك الي الاسلام؟

     - انا دعوت و لكن مع الأسف اصواتنا لا تصل الي اخواننا المسيحيين. انا احب ان اجتمع بكل المسيحيين سواء مواجهه بندوات اطلعهم بتجربتي او بوسائل الاعلام، و لكن كلها مقفله، علي سبيل المثال اذكر لكم حادثه. دعيت من قبل اتحاد علماء لبنان لإلقاء محاضره بخصوص دعوه مسيحيي لبنان الي الاسلام، و بعد المحاضره كان من ضمن الاسئله التي طرحت موضوع زياره البابا الي لبنان. وقد دعوت الي استنكارها، لان البابا اعترف باسرائيل و تبادل معها السفراء فكيف نرحب بمن يعترف بعدونا و يتعاون معه. نحن نرحب به لو لم يعترف باسرائيل، نرحب به لو يساعدنا في استرداد حقوقنا المغتصبه في فلسطين. لوكان يسعي لايقاف القصف اليومي علي جنوب لبنان، لرحبنا به، نحن لسنا طائفيين، و لكن تعاونه مع الصهيونيه، سيجعلنا نرفض مجيئه بشده. بعد يومين استدعاني مدير الامن العام الي مكتبه و حذرني من اعاده الكلام بهذا الموضوع.

·                               كيف تنظرون الي موقف الثوره الاسلاميه في ايران تجاه الصهيونيه؟

     - اني اتوقع للثوره الاسلاميه الايرانيه دورا مهما و خطيراً في العالم المقهور، الذي يسميه الغرب احتقارا «عالما ثالثا».

     ففي توجهها الانساني لنصره كل المستضعفين، كما كان يردد الامام المؤسس، روح الله الخميني (قده)، نقيض للاستكبار الصهيوني المدعوم من الاستعمار الغربي.

     فاشعاعها الفكري الانساني، يغنيها عن اي حرب عسكريه قد يخطط لها هذا الاستعمار.

·                               باعتقادكم ما هي انجع السبل للدعوه الي الاسلام و تعريف المسيحيين بحقائقه و تعاليمه؟

     - الطريق الافضل هو ان تنمح فرص اعلاميه للمسيحيين الذين اعتنقوا الاسلام للاعلان عن دوافع اعتناقهم الاسلام و السبل التي قادتهم الي هذا الاقتناع، و التجارب التي مروا بها خلال رحلتهم من المسيحيه الي الاسلام. لابد من تنشيط الاعلام الاسلامي في هذا المجال و تخصيص مساحات معلومه لهذا الجانب من جوانب نشاطات الدعوه الاسلاميه. ينبغي عقد الندوات و المطارحات الجماهيريه يبن اقطاب الاسلاميين و المسيحيين ليتعرف الناس علي حجه كل منهما.

     * لقد ذكرت بانك زرت ايران قبل سنوات، كيف رأيت الشعب الايراني؟ و ما هو انطباعك

عنه؟

     - كانت زياره مفيده، لدرجه اني احب تكرارها اذا امكن مع زوجتي. لقد اعجبت كثيرا بزياره المشاهد المقدسه، خاصه في مدينه مشهد، فمدينه مشهد رائعه لاسيما صحن الامام الرضا(ع). هذا التاريخ موجود علي الارض و ليس في الكتب و هو الأهم، و سيره هولاء الائمه تغني الفكر و تزيد القناعه بمحاسن الاسلام ان وجد من يعيشه، اذا لم تعش فكرك فيبقي فكرك كتبا جامده.

·                               علي ذكر سيره الائمه، هل كانت لك مطالعات خاصه بسيره الائمه؟

     - طبعاً دائما اطالع ما يستجد من الكتب، و قد اهداني مؤخرا الشيخ يوسف عمرو و هو قاض شيعي كتابا عن عن الامام علي(ع) اسمه «ابو تراب» اعجبت كثيرا به. انه كتاب جميل، يصف الامام علياً بشكل لطيف: ينام علي التراب يأكل علي التراب و الانسان من التراب، و بالنتيجه سيدفن في التراب و كل بهرجه هذه الدنيا لا تنفعه. المطالعه يجب ان تستمر دائما، و في القرآن الكريم «قل ربي زدني علما» لا احد يستطيع ادعاء اكتفائه العلمي، انا مازلت طالبا، في سن الثانيه و الستين مازلت طالبا، هذه شهادتي و مازلت ادرس، عن الامام علي الرضا و الامام موسي الكاظم، شيء جميل و رائع أقرأ و اطوي صفحات الكتب و اسجل بالقلم عن اهم الاقوال و استشهد بها في دروسي و محاضراتي و كتاباتي.

·                               هل هناك من اشهر اسلامه نتيجه لتأثره بدروسك و محاضراتك؟

     - لقد استفسر مني الكثير و قد ارشدتهم و هديتهم، و هناك الكثير ممن اشهروا اسلامهم و توجد لهم سجلات محفوظه عند الشيخ عبدالامير قبلان، و هنا في الدار الافتاء السنيه. حاولت ان احصي اسماءهم الا ان مسؤولي دار الافتاء السني عارضوا الفكره و قالوا: لا يجوز افشاء الاسماء، و كأنها قضيه مخجله، بل علي العكس يجب ان يفتخر الانسان بموقفه هذا، و قد وعدني المفتي قبلان بانه سيتكلم مع المسؤول عن ذلك و سيضعون هذه المعلومات تحت تصرفي.

     * بعد اعتناقكم الاسلام و تعرفكم علي افكاره و تعاليمه، باعتقادكم ما هي نقاط الخلاف بين الاسلام و المسيحيه؟

     - في رأيي لا يوجد اختلاف في الجوهر. الجوهر واحد (الله تعالي واحد) و في احكامنا الدينيه و لا ينبذ الفكر المسيحي، علي العكس انا عندما يسألني المسيحيون اقول لهم: مازلت احب المسيح و صرت احبه اكثر بعد ما اعتنقت الاسلام و قد اجريت احصاء فوجدت ان في القرآن الكريم (احدي عشره آيه تذكر السيد المسيح)، بخير طبعا، و تذكره كعيسي ابن مريم خمسا و عشرين مره، و يذكر الانجيل في القرآن اثنتي عشره مره، كما يذكر ان في الانجيل هدي و نورا فماذا يريد المسيحيون اكثر من هذا. وقد ذكرت السيده مريم في الانجيل في اربعه و ثلاثين آيه، و المسيحيون انفسهم لا يعلمون بذلك، و انا نفسي ما كنت اعرف ايضا. ان الذين المسيحي هو الذي اوصلني الي الاسلام. طبعا بوجود نبي جديد، في افكار جديده في تطوير جديد و الا فما نفع تكرار الانبياء، لو كلهم كانوا يقولون الشيء نفسه لم يكن لزوم لتكرار الانبياء، و لكنا اكتفينا بآدم او بسيدنا ابراهيم، و لكن تكرار النبوات هو تطوير للانسان و سد حاجاته دنيويا و أخرويا. لذلك انا اري ان هناك تكاملا، من حيث الاخلاق هي نفسها، ما من نبي دعا الي السرقه او القتل او الي الكذب او الي الاعتداء. و لم يخسر المسيحيون شيئا، بالاعتراف بهذه الحقيقه.

·                               هذا يعني ان رفضهم و عداوتهم للاسلام نتيجه لجهلهم؟

     - نعم. الامام علي(ع) يقول: «الانسان عدو ما جهل» هم يجهلون، و حتي المسلمون يجب عليهم ان يتعرفوا علي الدين المسيحي، ان الانجيل فيه هدي و نور. صحيح الانجيل يحتوي علي آيات محرفه، لكن الباقي شيء جيد فلنطلع عليه و نطلع الآخرين، حتي ان مدير الامن العام قد لامني، علي دعوتي الي قراءه انجيل (برنابا). قال لي: ما هو انجيل برنابا؟ قلت له: برنابا هو احد تلامذه المسيح مثله مثل الذين كتبوا الانجيل، الكنيسه تعترف باربعه اناجيل، كتبها «يوحنا، متي، لوقا، و مرقس» و برنابا ايضا هو تلامذه المسيح وضع انجيلا، و لانه قد ضمن انجيله آيه تذكر احمد بالاسم، فقد استبعد من الكنيسه، و قد اعترض مدير الامن العام علي هذا و قال لي: ليس من حقك ان تعرف هذا الانجيل. هذا كتاب موجود و معظم الائمه يعترفون به.

·                               هل حدث عند تلاوه القرآن ان انقدح في ذهنك سؤال لم تعثر علي اجابه له؟

     - انا استعمل فكري عند ذلك. الله تعالي توجه الي كل انسان بمفرده. و في بعض الاحيان تكون لي آرائي و اناقش بها الآخرين، و القضايا المعقده في القرآن الكريم اصبحت معروفه و نادراً ما اقرأ شيئا في القرآن الكريم و لم افهمه. لاني اعتمد البداهه و ألجأ الي الالهام و افكر.

·                               قبل ان تسلم هل كتبت كتابا حول المسيحيه و تأييد الدين المسيحي؟

     - لم أكتب كتاباً، كتبي تتجاوز العشرين كتابا ليس فيها شيء مختص بالدين المسيحي و لكن انا كنت استشهد و مازلت استشهد باقوال السيد المسيح و مازلت الي اليوم انا معجب بالسيد المسيح.

·                               تحفل غرفتك بلوحات فنيه يبدوا انها من عملك. هل تمارس في الرسم؟

     - كان والدي خليل الغريب فنانا، يمتهن حرفه الرسم، اي يرسم صور الاشخاص مقابل اجور، كذلك كان يرسم القديسين للكنائس و يصطحبني معه الي اديره الرهبان، حيث نقيم فيها حتي نكمل رسم الصوره. ملازمتي لوالدي هذه ربما اثرت في. فضلا عن ان الفن موهبه يهيها الله سبحان للانسان. و انا احب الفن كثيرا و أمارسه بما يسمح به وقتي. الفن جميل، خصوصا اذا كان مزينا بآيات قرآنيه كما نلاحظ ان معظم الاعمال الفنيه تتضمن احاديث شريفه. مثلا انا رسمت عنقود عنب كتبت عليه آيه: «كلوا من طيبات ما رزقناكم» شيء جميل للانسان انه عندما يأكل شيء يتذكر قول الله تعالي. و كثيرا ما استفدت من كلمات الامام علي(ع)، انا معجب بالامام علي ليس فقط بصفته الروحانيه، بل هو عالم و فيلسوف ذو مقدره خارقه، ليست احاديثه من الآيات القرآنيه و لكنه كان عبقريا في فكره و في حياته.

     * القائد سماحه السيد الخامنئي يقول: «ان كل اثر يجب ان يكون ممتزجا بالفن حتي يكون خالدا» ما هو رأيك بهذا القول؟

     - «لا يخلد اي فكر ما لم يكن ممتزجا بالفن» شيء جميل، اشكرك علي هذا و هذا يشجعني علي العمل الفني اكثر. و قد زرت في ايران معارض عديده، و مما يؤسف له ان عندنا من يقول: ان التصوير حرام. و يقولون انه ممنوع و محرم في الاسلام، انا اجيب، لقد كانت هذه الامور محرمه أيام الوثنيه و ايام عباده الاصنام، حيث دخل سيدنا محمد الكعبه و حطم الاصنام و قبله السيد المسيح كذلك دخل علي هيكل سليمان في القدس و حطم الاصنام التي كانت هناك. نحن لا نصور شيئا لنعبده بل «انما الاعمال بالنيات»، و اذا اعتبرتم التصوير حراما فلماذا تستخدمون التلفزيون، انه يعرض تصاوير متحركه فحطموه لانه يعتبر عبادات صنيمه. لا! هذا شيء باطل.

 

الوحده العدد 167