الفنان ناصر آراسته

الايقاع و التنوع من ضروريات اللوحه

رانيا مسعودي

 

     الفنان ناصر آراسته، من مواليد كرمانشاه عام 1942. يمارس فن الرسم منذ ما يقارب الاربعين عاماً.. درس فن الرسم اولاً في معهد الرسم، ثم واصل دراسته في كليه الفنون الجميله، و تخرج منها بدرجه امتياز، فأهله ذلك لأن يحصل علي بعثه دراسته كل من فرنسا و ايطاليا.. بعد عودته عام 1971، بدأ تدريس ماده الرسم في العديد من جامعات البلاد، كما قام بتأسيس معهد شخصي لتعليم الرسم، يتولي الاشراف عليه شخصياً.. خاص الفنان آراسته تجربه الرسم للاطفال، فقام بتصوير قصص كليله و دمنه.. حاز الفنان آراسته علي العديد من الجوائز منها جائزه مسابقه رسوم جامعات البلاد، و جائزه مسابقه رسوم الدفاع المقدس، و جائزه رسوم كليله الفنون الجميله لجامعه طهران.. مارس الرسم بمدارسه المختلفه ولديه الان- اكثر من ألفي لوحه موزعه في البيوت و الصالات و المتاحف. و ها نحن نلتقيه في معرضه الشخصي، فكان الحوار الآتي:

 

     ** الفنان آراسته، كيف تنظر الي فن الرسم؟

     * في تصويري ان اقل عمل يمكن ان يؤديه الرسام، فضلاً عن معني اللوحه و مضمونها، ايجاد خط بصري لدي المخاطب، تماماً كالمتعه التي نحس بها لدي سماعنا الموسيقي، و لذلك تراني استخدم الالوان الاساسيه المتضاده او المتناسقه، و احد من خلال الخطوط و المستويات الملونه انسجاماً يبدو احياناً بصوره تركيب تجريدي تماماً، و في احيان اخري ذات اشكال تصويريه انتزاعيه. و في كلتا الحالين اهدف الي ايجاد علاقه معنويه و خط بصري مع المخاطب. كما اعتقد ان اللوحه المرسومه اذا ما استطاعت ان توجد ألقاً و وجداً لدي المخاطب، تكون قد ادت رسالتها و تركت اثرها. و في هذا الصدد اتصور ان الرسم الايراني و الشرقي عموماً يبقي شرقياً في اي مكان انجز من العالم. لان نمطه شرقي.

     الموضوع الآخر الذي أهتم به كثيراً في الرسم هو موضوع الحركه في اللوحه. و يتجلي ذلك بوضوح في لوحتي المركبه التي تم اختيارها في معرض الرسوم الايرانيه بمثابه عمل متميز.

     ** برأيكم ألا يؤدي التزام الرسام باداء اسلوب خاص في الرسم تقييد ابداعه؟

     * بطبيعه الحال ان الالتزام بنمط خاص او اسلوب محدد في الرسم يحول دون الإبداع الي حدما. لأن الخلاقيه و الابداع وليدا الابتكار و التغيير، و تباين الاساليب. و مع ذلك يبقي الرسام او الفنان عموماً مطالباً بتحديد. معالم شخصيته الفنيه. و هذا يعني انني لو فكرت في اقامه المعرض التالي لاعمالي بعد خمس سنوات من الآن مثلاً، فانه ينبغي لاعمالي ان تكون امتداداً طبيعياً لما هي عليه رسومي في هذا المعرض.

     ** المتابع لاعمالك يلحظ بوضوح تأكيدك علي اللون و تركيبه الالوان. هل يمكن اعتبار اعمالك هذه مستوحاه من المذهب الانطباعي في الرسم؟

     * في البدء لابد من القول ان الرسامين الانطباعيين هم رسامو اللحظه. و نظراً لأن ظهور هذا المذهب في الرسم تزامن تقريباً مع اختراع كاميرا التصوير، لذا ترك الرسامون مراسمهم و اهتموا بالاجواء المفتوحه. و طغي تصوير اللحظه و النظره الواحده علي اهتماماتهم. فالانطباعيون كانوا قد اعلنوا صراحه بأنه ينبغي لنا تجسيد اللون علي اللوحه مباشره في اللحظه ذاتها التي يخطف اللون ابصارنا. لأن اللون و الظلال المضيئه تختلف من لحظه الي اخري طوال اليوم. ففي الصباح لها حال و في الظهيره لها حال آخر. و كان الانطباعيون يسجلون اللحظات مع مرور الوقت.

     و عموماً فأنا قلما استفيد في رسومي من الالوان القائمه، بل افضل كما تري- الاستفاده كثيراً من تركيبه ثلاثه الوان؛ الحمر و الأخضر و الازرق. و علي ايه حال لا يمكن القول ان لوحات هذا المعرض مستوحاه من المدرسه الانطباعيه. بل من الممكن ان تجد مكانا لها بين الاعمال التجريديه.

     ** يقال ان اللون بالنسبه للرسام هو كالمفرده بالنسبه للشاعر. كيف تنظر الي اهميه اللون في اللوحه، و ما هي المكانه التي يحتلها في اعمالك؟

     * لا معني له، الرسم يعني اللون. و في اعتقادي ان كل لوحه لها طاقه خاصه و قدره علي استيعاب الالوان. فلو افترضت لوحه تضم جميع الالوان الاساسيه، فلكي تكون لها تركيبتها المناسبه و جذابيتها الخاصه، لابد من مراعاه حجم كل واحد من هذه الالوان، سواء في الجانب الحسي او بلحاظ التقنيه. و بطبيعه الحال ان ذلك يرتبط بحس الرسام نفسه و مهاراته. فعلي سبيل المثال ما هو مقدار اللون و حجم المساحه التي يشغلها، حتي لا تبدو اللوحه مؤذيه للناظر‌؟ اساساً لابد للألوان ان يكمل بعضها بعضاً، بلحاظ الأثر البصري، لا أن يطغي بعضها علي بعض او يمحوه. و بشكل عام يمثل تعادل الالوان في اللوحه جانباً مهماً من أهميه اللوحه و قيمتها الفنيه.

     ** كيف تقومون أعمال الرسامين الايرانيين في الوقت الحاضر؟

     * المعارض الفنيه التي تقام في الوقت الحاضر، سواء من قبل وزاره الثقافه و الارشاد الاسلامي، أو المؤسسات الثقافه و المراكز الفنيه، تساعد الي حد كبير في اغناء تجارب الرسامين الايرانيين و تعريفهم الي هواه هذا الفن.

     كما ان زياده عدد الجامعات الفنيه و الاقبال الجيد الذي تحظي به بين صفوف الطلبه الجامعيين، ساعد في ان يخطو فن الرسم في ايران علي طريقه الصحيح و المنشود، و في انتظاره مستقبل زاهر جداً. هذا فضلاً عن ان رسامي الثوره استطاعوا ان يوجدوا تحولاً نوعياً باهراً في فن الرسم الايراني. و الي جوارهم يقف رسامون مبدعون يبذلون كل ما في وسعهم لتطوير في الرسم الايراني اكثر فاكثر.

     ** اذا ما اخذنا بنظر الاعتبار التباين البنيوي بين الفن الشرقي و الغربي. باعتقادكم هل هناك امكانيه ايجاد نوع من العلاقه بين هذين الفنين؟

     * الفن الشرقي فن خاص و عظيم، و لابد لنا من العمل علي الحفاظ علي آثاره و مواصله ابداعاته. و في هذا المجال ينبغي ان لا تتواني ايضاً عن استخدام المهارات الفنيه و انواع التقنيه لتطوير فنوننا.

     من الممكن ان نشاهد تواصلاً بين الفنون الشرقيه و الفنون الغربيه. فعلي سبيل المثال يمكن القول ان اعمال رسامي المينياتور المنمنمات- تنتمي في الحقيقه الي ما يطلق عليه في الغرب بالمذهب الواقعي. و ان جماليه الرسوم المينياتوريه تكمن في كونها بعيده عن في الرسم المنظوري- رئايه- اذ أنها تستفيد من الالوان الاساسيه و الخالصه. ان رسوماً مثل «ماتيس» قد تأثر بالفن الشرقي و استفاد منه بدرجه ابدع فيه اكثر من الرسام الشرقي. و لعل في ذلك ما يؤكد امكانيه استخدام تقنيه الرسوم الاجنبيه مع الالتزام باصول فنوننا القديمه. و بالتالي ابداع اعمال تتسم بهويتها الشرقيه و تضاهي الفنون العالميه. الا ان ذلك عمل شاق و بحاجه الي وقت طويل. علما ان معظم رسامينا يتطلعون الي ذلك. فأنا شخصياً اريد ان استفيد من الاشكال الايرانيه و الابقاء علي هويتي الشرقيه، و في الوقت نفسه اتطلع للاستفاده من المهارات الاجنبيه.

     ** برأيكم، فن الرسم الي اي الفنون اقرب؟

     * في تصوري، الرسم اقرب الي الموسيقي من اي فن آخر. هناك علاقه مباشره بين الرسم و الموسيقي. فالموسيقي تتألف من انغام متعدده، و ان سماعها يبعث علي الارتياح و النشاط. فاذا ما فقدت الموسيقي هذا التنوع في الإيقاع، تصبح ممله و متعبه و قد تكون مؤذيه للمستمع. و الشيء نفسه يصدق علي اللوحه المرسومه. خصوصاً اللوحه التجريديه، لانها في الحقيقه حصيله تناغم الخطوط و مستويات الالوان و التنسيق و الانسجام، و ان كل هذا مجتمعاً يوجد في الواقع نشاطاً و خطاً بصرياً لدي المخاطب و المشاهد. يعني الشيء نفسه الذي يوجده اللحن أو النغم.

     ** بحكم تجاربك الفنيه و اتصالك المباشر مع الجمهور الفني، برأيكم كيف يتسني حث الناس للاهتمام بأساليب الفن الحديث؟

     * عموماً ان الغالبيه العظمي من الناس تنتظر من اللوحه المرسومه ان تصور لها الطبيعه، و ان يكون الرسم تعبيراً لما يشاهدونه علي الطبيعه. بيد أن بأمكان الرسم ان يستهلم افكاره من الطبيعه الا انه في خاتمه المطاف ينتج عملاً مبدعاً خلاقاً. او مسخاً و تشويهاً لما هو موجود. او ان يصور المفهوم الطبيعي الموجود في اذهان الناس كالورود و المناظر و حالات الناس- بصوره اخري. و من هنا فاذا ما ذهب الرسم ابعد من الطبيعه، ابعد من التصور الطبيعي لحقيقه الاشياء، ففي هذه الحال لابد من تحلي المخاطب بمعرفه فنيه اوليه مسبقه، و اصولاً ينبغي للمعارض الفنيه ان تولي اهتماماً لهذا الجانب من تعليم روادها تعليماً فنياً صحيحاً.

     ** هل انت راض عن الاقبال الذي تحظي به معاهد الرسم. و هل من كلمه تقولها الي هواه الرسم و عشاقه؟

     * ينبغي لهواه الرسم ان يتجهوا اصلاً لاستيعاب و معرفه مباديء‌ الفنون التشكيليه و أصولها، التي تعتبر بمثابه ألفباء معرفه الرسم. و ان يغنوا تجاربهم بالعمل المتواصل، ذلك ان التجربه تزيد من آفاق الانسان، و تغني افكاره. و بامكان الرسام، لثناء‌ تعلمه المهارات الفنيه، ان يبدع و ينجز اعمالاً خلاقه. ان باستطاعه هواه الفن ان يحققوا وعياً فنياً صحيحاً من خلال الزيارات المتواصله للمعارض، و من خلال العمل الجاد و المعرفه الصحيحه لاصول الفن و تاريخه، و التعرف علي اساليب الرسم و مدارسه، الي غير ذلك. علي ايه حال أنا أؤمن بالتجربه. و الرسام الحقيقي لا يستغني عن التجارب ابداً، فمادام علي قيد الحياه فهو تعلم متواصل. فمن خلال المهارات اللازمه التي يتمتع بها، يتمكن ان يصنع من كل لوحه من لوحاته اثراً فنياً جديداً و حديثاً.

     ** الملاحظ انك تستفيد كثيراً من الالوان المائيه في تنفيذ

     * السر هو انني اعتقد ان الالوان المائيه اكثر حسيه و اكثر آنيه. و ان باستطاعه المرء الذي يجد في نفسه شوقاً للرسم، ان يجسد بكل سهوله بالالوان المائيه افكاره الخلاقه و المبدعه علي اللوحه. و اضيف هنا، انني اذا ما بدأت يوماً برسم اللوحه بالالوان المائيه فانني احرص علي إتمامها في اليوم نفسه، لأن اليوم التالي فضاءً آخر للرسم.