إمام علي في المدينة المنورة

 

هذا أخي

     عندما وصل رسول الله صلّى الله عليه و آله و سلّم إلى المدينة المنوّرة هو و مَنْ هاجر معه و استقرّ بهم المقام، بَدَأ يخطط لمرحلة جديدة بحسب الظروف، و أنجز كثيراً من المهمّات، كبناء المسجد و بيوتات المهاجرين، كما آخى صلّى الله عليه و آله و سلّم بين المسلمين لما لهذا العمل من تأثير نفسي يساعد على رفع المعنويات و يعوّضهم ما فات من المادّيات.
     يقول ابن هشام: قال ابن اسحاق: ((و آخى رسول الله صلّى الله عليه و آله و سلّم بين أصحابه من المهاجرين و الأنصار، فقال ـ فيما بلغنا، و نعوذ بالله أن نقول عليه ما لم يُقَلْ ـ: تآخَوا في الله أخَوين أخَوين؛ ثمّ أخذ بيد عليّ بن أبي طالب، فقال: هذا أخي ..)).
     ثم ذكر في الهامش: قال السهيلي: ((آخى رسول الله صلّى الله عليه و آله و سلّم بين أصحابه حين نزلوا بالمدينة، ليُذهب عنهم وحشة الغربة، و يؤنسهم من مفارقة الأهل و العشيرة، و يشدّ أزر بعضهم ببعض..)).
     و قال السيد جعفر مرتضى العاملي في هذا الصدد: ((كان لابدّ من إيجاد روابط وثيقة تشدّ هذا المجتمع بعضه إلى بعض، و بناء عواطف راسخة، قائمة على أساس عقيدي، تمنع من الإهمال و من الحيف على أيّ فرد من أفراد هذا المجتمع الجديد، بحيث يكون الكل مشمولين للرعاية التامّة التي تجعلهم يعيشون الحبّ و الحنان بأسمى و أجلّ معانيه))
     نعم، إن للمؤاخاة أثراً بالغاً في تخفيف وطأة الغربة و المعاناة، و رفع الروح المعنوية لدى المسلمين، مهاجرين و أنصار كي يشعروا بأنهم يدٌ  واحدة تعمل و تكافح من أجل بناء مجتمع إسلامي موحّد، تربطه عرى المحبّة و الإيمان، و تشدّ أواصره تلك الأخوّة النابعة من تعاليم الرسالة المحمدية السمحاء.
     فإلى مزيد من الإخاء و الألفة و التحابب و التعاضد في الله و في سبيل الله.

 

الزواج الميمون

     كتب السيد محمد كاظم القزويني في كتابه (علي من المهد إلى اللحد) تحت عنوان (اقتران النورين) نبذة مختصرة عن الأعمال التي قام بها الرسول الأكرم صلّى الله عليه و آله و سلّم للقضاء على العادات الجاهلية و الأعراف التي ما أنزل الله بها من سلطان، من وأد البنات و غيرها، ثم ذكر كيفية العلاج العملي الذي قام به الرسول الأكرم صلّى الله عليه و آله و سلّم لدرء المفاسد الاجتماعية، ليقرن القول بالفعل. ثم تطرق إلى قضية زواج عليّ و فاطمة (سلام الله عليها)، و كيف أن الرسول صلّى الله عليه و آله و سلّم تساهل في قضية المهر بخفّة المؤونة، قائلاً: ((إنه زوّج ابنته الطاهرة سيدة نساء العالمين فاطمة الزهراء عليها السلام بأبسط ما يمكن، و تجسّم التساهلُ في ذلك الزواج المبارك بخفّة المؤونة، و انتهاء الأمر بكل بساطة، بعيداً عن التكاليف المجهدة المتعبة التي يفرّ من شبحها الشباب المغلول بسلاسل التقاليد، و يفضّل العزوبة على الزواج المقرون بالمشاكل)).

الزواج الفريد

     و تحت عنوان (الزواج الفريد) جاء في كتاب (سيرة رسول الله صلّى الله عليه و آله و سلّم و أهل بيته عليهم السلام) حول قضية مهر فاطمة عليها السلام: ((إنه مهر مثالي ينمّ عن عظمة رسول الله صلّى الله عليه و آله و سلّم و فاطمة، و يثبّت مبدأً إسلاميّاً للمرأة المسلمة، و يعطي درساً عملياً لحل أخطر مشكلة اجتماعية يواجهها الإنسان في عملية الزواج، و هي مشكلة غلاء المهور، و التباهي بضخامتها؛ فهذه فاطمة خيرة النساء، و بنت رسول الله صلّى الله عليه و آله و سلّم تتزوّج عليّاً لدينه و إخلاصه و مبادئه، لا للمال و الثروة و عَرض الحياة الدنيا، و تقترن به بمهر زهيد متواضع يحطّم قيد المادة، و يلغي دورها الخدّاع في مشروع الزواج و الاقتران الروحي النبيل، و يُحلّ القيم و المعاني الإنسانية بدلاً منها)).

 

 إن الله قد زوجها في السماء!

     في السنة الثانية للهجرة، كان الرسول الأعظم صلّى الله عليه و آله و سلّم في دار أمّ سلمة حينما جاء عليّ عليه السلام ليخطب فاطمة عليها السلام .. كان حياء أمير المؤمنين يمنعه من المجيء إلى بيت النبي الأكرم و طرح هذا الأمر المهم، علماً بأنه لايملك سوى (سيف، و درع، و جمل)! و لكنّ الزواج ضرورة لايستغني عنها إلا من شذّ و ندر، ثم إن أميرالمؤمنين عليه السلام لايجد من هي أفضل من فاطمة عليها السلام، و كذلك ليس هناك من كفء لها سواه؛ ((لولا عليّ لم يكن لفاطمة كفء)).
     بينما كان عليّ عليه السلام يمشي على استحياء و هو في طريقة إلى بيت رسول الله صلّى الله عليه و آله و سلّم نزل الأمين جيرائيل ليُخبر محمداً صلّى الله عليه و آله و سلّم بهذا الأمر، و ما أن طرق الباب حتى قال الرسول صلّى الله عليه و آله و سلّم لأمّ سلمه: ((قومي يا أمّ سلمة و افتحي له الباب، و مُريه بالدخول؛ فهذا رجل يحبّه الله و رسوله و يحبّهما)).
     و لمّا دخل عليّ عليه السلام سلّم على رسول الله صلّى الله عليه و آله و سلّم، فردّ عليه السلام و قال له: اجلس. فجلس علي عليه السلام و هو مطرق الى الأرض غالب عليه الحياء، فبادره الرسول صلّى الله عليه و آله و سلّم بأنه يرى أنه جاء طالباً حاجة، و طلب منه أن يسأل حاجته و يُبدي ما في نفسه، و بيّن له أن حاجته مقضيّة و طلبه مجاب، فقال علي عليه السلام: ((فداك أبي و أمي، إنك لتعلم أنك أخذتني من عمك أبي طالب و من فاطمة بنت أسد و أنا صبي، فغذيتني بغذائك و أدّبتني بأدبك، فكنت إلىَّ أفضل من أبي طالب و من فاطمة بنت أسد في البرّ و الشفقة، و إنّ الله تعالى هداني بك و على يديك، و أنت (و الله) يا رسول الله ذخري و ذخيرتي في الدنيا و الآخرة.. يا رسول الله، فقد أحببت ـ مع ما شدّ الله من عضدي بك ـ ان يكون لي بيت، و أن يكون لي زوجة أسكن إليها، و قد أتيتك خاطباً راغباً، أخطب إليك ابنتك فاطمة؛ فهل أنت مزوّجي يا رسول الله؟)).
     فتهلّل وجه رسول الله صلّى الله عليه و آله و سلّم فرحاً، و راح يتبادل مع علي عليه السلام أطراف الحديث حول ما تحت يده من أموال يمكنه أن يتزوّج بها؛ فقال علي عليه السلام: ((فداك أبي و أمي، و الله ما يخفى عليك من أمري شيء؛ أملك سيفي و درعي و ناضحي (البعير الذي يحمل عليه الماء)، و مالي شيء غير هذا)).
     فقال رسول الله صلّى الله عليه و آله و سلّم: ((يا علي، أمّا سيفك لا غنى بك عنه تجاهد به في سبيل الله و تقاتل به أعداء الله، و ناضحك تنضح به على نخلك و أهلك، و تحمل عليه رحلك في سفرك و لكني قد زوّجتك بالدرع، و رضيت بها منك .. يا علي، أبشِّرك؟ فقال علي: نعم، فداك أبي و أمي، بشّرني فإنك لم تزل ميمون النقيبة، مبارك الطائر، رشيد الأمر، صلى الله عليك.
     فقال صلّى الله عليه و آله و سلّم: ((أبشر، فإن الله قد زوّجكها في السماء قبل أن أزوّجك في الأرض …)).

 

 عقد القران

     راح علي عليه السلام و باع درعه ليهيء المبلغ المطلوب لمهر فاطمة عليها السلام، و بعد ترتيب الاوضاع، جاء بالمبلغ و مقداره (470) درهماً و قيل (500) درهم، و بعد أن استلم رسول الله صلّى الله عليه و آله و سلّم المبلغ المذكور، أراد أن يعلن عن تزويج علي عليه السلام من فاطمة عليها السلام، فأمر أنس بن مالك أن يجمع الصحابة في المسجد ليكون الاعلان هناك و عندما اجتمعوا، صعد رسول الله صلّى الله عليه و آله و سلّم المنبر فقال: ((الحمد لله المحمود بنعمته، المعبود بقدرته، المطاع بسلطانه، المرهوب من عذابه و سطوته، النافذ أمره في سمائه و أرضه؛ الذي خلق الخلق بقدرته، و ميّزهم بأحكامه، و أعزّهم بدينه، و أكرمهم بنبيه محمد صلّى الله عليه و آله و سلّم .. ان الله تبارك اسمه و تعالت عظمته، جعل المصاهرة نسباً لاحقاً و أمراً مفترضاً؛ أوشح به الأرحام، و ألزم الأنام، فقال عزّ من قائل:
     [و هو الذي خلق من الماء بشراً فجعله نسباً و صهراً و كان ربك قديراً] فأمر الله يجري إلى قضائه، و قضاؤه يجري إلى قدره، و لكل قضاء قدر، و لكل قدر أجل، و لكل أجل كتاب؛ [يمحو الله ما يشاء و يُثبت و عنده أمّ الكتاب]. ثم إن الله تعالى أمرني أن أزوّج فاطمة بنت خديجة من علي بن أبي طالب)).
     و بعد الخطبة جرت مراسم عقد القران لعلي و فاطمة (عليهما السلام) على يد الرسول الأكرم صلّى الله عليه و آله و سلّم، حيث قال صلّى الله عليه و آله و سلّم لعلي عليه السلام: ((إن الله أمرني أن أزوّجك فاطمة …))، فقال علي عليه السلام: ((قد رضيت بذلك يا رسول الله …)). ثم راح النبي صلّى الله عليه و آله و سلّم و المؤمنون يدعون لهما بالبركة و النسل الطيٌب، إذ قال صلّى الله عليه و آله و سلّم: ((جمع الله شملكما، و أسعد جدّكما، و بارك عليكما، و أخرج منكما كثيراً طيّباً)). يقول أنس بن مالك ـ كشاهد على هذه الواقعة مؤيداً قول الرسول صلّى الله عليه و آله و سلّم ـ ((فوالله، لقد أخرج الله منهما الكثير الطيب)).
     و في ليلة الزفاف ((أنفذ رسول الله صلّى الله عليه و آله و سلّم إلى علي عليه السلام ثم دعا فاطمة عليها السلام، فأخذ يدها و وضعها في يده و قال: بارك الله في ابنة رسول الله. يا علي، نعم الزوجة فاطمة؛ و يا فاطمة، نعم الزوج علي، ثم قال: يا علي هذه فاطمة وديعتي عندك))!.
     ثم دعا صلّى الله عليه و آله و سلّم لهما بالخير و البركة قائلاً: ((اللّهمّ اجمع شملهما، و ألفّ بين قلوبهما، و اجعلهما و ذرّيتهما من ورثة جنّة النعيم، و ارزقهما ذرّية طاهرة طيبة مباركة، و اجعل في ذريتهما البركة، و اجعلهم أئمة يهدون بأمرك إلى طاعتك، و يأمرون بما يرضيك. اللّهمّ انهما أحب خلقك إليّ، فأحبّهما و اجعل عليهما منك حافظاً، و إني أعيذهما بك و ذريتهما من الشيطان الرجيم)).

 

ذريّتي في صلب هذا!

     عن ابن عباس قال: ((كنت و العباس جالسين عند رسول الله صلّى الله عليه و آله و سلّم، إذ دخل علي بن أبي طالب فسلّم، فردّ عليه رسول الله صلّى الله عليه و آله و سلّم السلام، و قام إليه و عانقه و قبّل بين عينيه، و أجلسه عن يمينه. فقال العباس: يا رسول الله، أتحبّ هذا؟ فقال رسول الله صلّى الله عليه و آله و سلّم: يا عمّ و اللهِ، للّهُ أشدُّ حبّاً له منّي؛ إن الله جعل ذريّة كل نبي في صلبه، و جعل ذريّتي في صلب هذا)) كما جاء في المصدر نفسه ص 746 قوله صلّى الله عليه و آله و سلّم: ((كل ولد أب فإن عصبتهم لأبيهم، ما خلا ولد فاطمة، فإني أنا أبوهم و عصبتهم)).
     و قد كان النبي صلّى الله عليه و آله و سلّم يخاطب عليّاً عليه السلام بقوله: ((… يا علي، أنت وصيّي، و أبو ولدي، و زوج ابنتي …)).

 

خصائص الإمام علي

     هناك خصائص كثيرة امتاز بها الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام عن غيره، تناولتها أشهر المصادر و الكتب التي تحدثت عن سيرته، باعتباره إماماً و علماً من أعلام الهدى .. حاولنا حصر الأهم منها في هذه الوجيزة، و هي:
     1 ـ سبقه إلى الإسلام، و عدم سجوده لصنم قطّ.
     و قد قال العلامة السيد محسن الأمين شعراً في هذا الصدد:

سبقتَ إلى الإسلام كل موحّدٍ      و قد عمّ أصناف الورى الشرك و الكفرُ

فكنتَ و ما في الأرض غير ثلاثةٍ      يصلّون للرحمن إذ إزِف الظهر

عليٌّ و أمّ المؤمنين خديجةٌ      و أحمدُ لا عمروٌ هناك و لا بكرُ

     2 ـ منزلته من الرسول صلّى الله عليه و آله و سلّم حيث قال له: ((أنت مني بمنزلة هارون من موسى، إلاّ أنه لا نبيّ بعدي)).
     و هذه هي منزلة (الوزارة) بكل ما تعطيه هذه الكلمة من معنى، و قد صرّح القرآن بهذه الوزارة لهارون عليه السلام حكاية عن لسان موسى عليه السلام، حيث قال تعالى: {و اجعل لي وزيراً من أهلي هارون أخي}.
     3 ـ مبيته على فراش النبي صلّى الله عليه و آله و سلّم ليلة الهجرة و فداؤه بنفسه؛ فلم ينافسه في ذلك أحد، و لم يأمر النبي صلّى الله عليه و آله و سلّم بالمبيت على فراشه غيره عليه السلام.
     4 ـ انفراده بمؤاخاة رسول الله صلّى الله عليه و آله و سلّم. و قد مرّ ذكرها حينما أخذ النبي صلّى الله عليه و آله و سلّم بيد علي عليه السلام و قال: ((هذا أخي)).
     5 ـ انه حامل راية رسول الله صلّى الله عليه و آله و سلّم أو لوائه في المواطن كلها؛ ((ففي غزوة ودان، التي هي أول غزوة حُمل فيها راية، كانت رايته مع علي بن أبي طالب، و في غزوة بدر الأولى كان لواؤه معه، في غزوة بدر الكبرى كانت رايته معه، و في غزوة أحد كانت رايته و لواء المهاجرين مع علي … و في غزوات حمراء الأسد و الحديبية و حنين و ذات السلال كان اللواء مع علي عليه السلام و …)).
     6 ـ شجاعته، و تسخيرها في الجهاد في سبيل الله، قال ابن أبي الحديد: و أمّا الشجاعة، فإنه أنسى الناس فيها ذكر مَنْ كان قبله، و محا اسم من يأتي بعده. و مقاماته في الحرب مشهورة يُضرب بها الأمثال إلى يوم القيامة؛ و هو الشجاع الذي ما فرّ قطّ، و لا ارتاع من كتيبة، و لا بارز أحداً إلاّ قتله؛ و لا ضرب ضربة قطّ، فاحتاجت الأولى إلى ثانية؛ و في الحديث ((كانت ضرباته وتراً)).
     و لمّا دعا معاوية إلى المبارزة ليستريح الناس من الحرب بقتل أحدهما، قال له عمرو: ((لقد أنصفك)). فقال معاوية: ((ما غششتني مذ نصحتني إلاّ اليوم؛ أتأمرني بمبارزة أبي الحسن، و أنت تعلم أنه الشجاع المطرق؟! أراك طمعت في إمارة الشام بعدي))!.
     7 ـ قوّته الخارقة؛ ((و حسبك في ذلك قلعه باب خيبر و جعله جسراً على الخندق، و كان يغلقه عشرون رجلاً! و تترّسه يومئذٍ بباب لم يستطيع قلبه ثمانية نفر))!.
     8 ـ الفصاحة و البلاغة ((فهو عليه السلام إمام الفصحاء و سيد البلغاء؛ و في كلامه قيل: دون كلام الخالق، و فوق كلام المخلوقين)).
     و قال الشريف الرضي في مقدمة نهج البلاغة: ((كان اميرالمؤمنين عليه السلام مشْرع الفصاحة و موردها، و منشأ البلاغة و مولدها؛ و منه عليه السلام ظهر مكنونها، و عنه أُخذت قوانينها، و على أمثلته حذا كلّ قائل خطيب، و بكلامه استعان كل واعظ بليغ؛ و مع ذلك فقد سبق و قصّروا، و تقدّم و تأخّروا؛ لأن كلامه عليه السلام الكلام الذي عليه مسحة من العلم الإلهي، و فيه عَبقة من الكلام النبوي)).
     9 ـ العلم الغزير و اختصاصه بقول الرسول صلّى الله عليه و آله و سلّم: ((أنا مدينة العلم و عليّ بابها)).
     عن ابن عباس: ((و الله، لقد أعطي علي بن أبي طالب تسعة أعشار العلم، و أيم الله لقد شارككم ـ أو شاركهم ـ في العشر العاشر؛ و كفى في ذلك قوله صلّى الله عليه و آله و سلّم: أنا مدينة العلم ـ أو الحكمة ـ و علي بابها)).
     ((و قد روى العامة و الخاصة قوله صلّى الله عليه و آله و سلّم: أقضاكم علي)).
     و كذلك نزول قوله تعالى:  و تعيها أذن واعية في حقّه عليه السلام؛ فقد جاء في أعيان الشيعة للسيد محسن الأمين نقلاً عن حلية الأولياء قول رسول الله صلّى الله عليه و آله و سلّم: ((يا علي، إن الله أمرني أن أدنيك و أعلمك لتعي، و أنزلت هذه الآية و تعيها أذن واعية؛ فأنت أذن واعية لعلمي)).
     كما أنه لم يقل أحد قبله: ((سلوني قبل أن تفقدوني)) و لم يدّع ذلك أحد غيره.
     10 ـ نزول قوله تعالى: (إنّما وليكم الله و رسوله و الذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة و يؤتون الزكاة و هم راكعون * و من يتولَّ الله و رسوله و الذين آمنوا فإنّ حزب الله هم الغالبون) في حقّه، حينما تصدّق بخاتمه و هو في الصلاة.

 

قصة حول نزول الآيتين

     ذكر العلامة الطبرسي في تفسير الآيتين (55 و 56) من سورة المائدة قصة شيّقة، نوردها هنا للفائدة و الاستزادة و هي:
     ((بينا عبد الله بن عباس جالس على شفير زمزم، يقول قال رسول الله صلّى الله عليه و آله و سلّم، إذ أقبل رجل متعمم بعمامة، فجعل ابن عباس لايقول قال رسول الله إلاّ قال الرجل قال رسول الله، فقال ابن عباس: سألتك بالله، من أنت؟! فكشف العمامة عن وجهه، و قال: أيّها الناس، من عرفني فقد عرفني، و من لم يعرفني فأنا أعرفه بنفسي؛ أنا جندب بن جنادة البدري، أبوذر الغفاري، سمعت رسول الله صلّى الله عليه و آله و سلّم بهاتين و إلاّ فصمّتا [يعني أذينه]، و رأيته بهاتين و إلاّ فعميتا [يعني عينيه]، يقول: ((علي قائد البررة، و قاتل الكفرة؛ منصور من نصره، مخذول من خذله)).
     أما إني صليت مع رسول الله صلّى الله عليه و آله و سلّم يوماً من الأيام صلاة الظهر، فسأل سائل في المسجد، فلم يعطه أحد شيئاً، فرفع السائل يده إلى السماء، و قال: ((اللّهمّ اشهد أني سألت في مسجد رسول الله، فلم يعطني أحد شيئاً)). و كان عليّ راكعاً، فأومأ بخنصره اليمنى إليه، و كان يتختم فيها، فاقبل السائل حتى أخذ الخاتم من خنصره، و ذلك بعين رسول الله صلّى الله عليه و آله و سلّم.. فلمّا فرغ النبي صلّى الله عليه و آله و سلّم من صلاته، رفع رأسه إلى السماء و قال: ((اللّهمّ إن أخي موسى سألك، فقال: [ربِّ اشرح لي صدري * و يسّر لي أمري * و احلل عُقدة من لساني يفقهوا قولي * و اجعل لي وزيراً من أهلي * هرون أخي * أشدد به أزري و أشركه في أمري]، فأنزلت عليه قرآناً ناطقاً [سنشدّ عضدك بأخيك و نجعل لكما سلطاناً فلايصلون إليكما]، اللّهمّ و أنا محمد نبيّك و صفيّك؛ اللّهمّ فاشرح لي صدري، و يسّر لي أمري، و اجعل لي وزيراً من أهلي، عليّاً، اشدد به ظهري)).
     قال أبوذر: فوالله، ما استتم رسول الله الكلمة، حتى نزل عليه جبرائيل من عند الله، فقال يا محمد، اقرأ. قال: و ما أقرأ؟ قال: اقرأ: [إنّما وليّكم الله و رسوله و الذين آمنوا …].
     11 ـ هو نفس الرسول صلّى الله عليه و آله و سلّم بصريح القرآن؛ فقد قال تعالى في آية المباهلة: [فمن حاجّك فيه من بعد ما جاءك من العلم فقل تعالوا ندعُ أبناءنا و أبناءكم و نساءنا و نساءكم و أنفسنا و أنفسكم ثم نبتهل فنجعل لعنة الله على الكاذبين].
     و قد ذكر المفسرون آنه لم يخرج مع النبي صلّى الله عليه و آله و سلّم للمباهلة ـ يومئذٍ ـ غير علي و فاطمة و الحسن و الحسين (عليهم سلام الله أجمعين)؛ فالحسنان عليهما السلام يمثلان قوله: {أبناءنا}، و فاطمة عليها السلام تمثل قوله: {و نساءنا}، و علي عليه السلام يمثل قوله: {و أنفسنا}، قال: الطبرسي في تفسيره {و أنفسنا} يعني علياً خاصة و لايجوز أن يدعو الإنسان نفسه و إنما يصح أن يدعو غيره و إذا كان قوله {و أنفسنا} لابدّ أن يكون إشارة إلى غير الرسول، وجب أن يكون إشارة إلى عليّ، لأنه لا أحد يدّعي دخول غير أمير المؤمنين علي و زوجته و ولديه في المباهلة.. و هذا ما يدّل على غاية الفضل، و علوّ الدرجة و البلوغ منه إلى حيث لايبلغه أحد، إذ جعله الله نفس الرسول)).
     12 ـ اختصاصه بتأدية سورة براءة في موسم الحج في السنة التاسعة للهجرة، و نزول جبرائيل على النبي صلّى الله عليه و آله و سلّم قائلاً: ((لايؤديها عنك إلاّ أنت أو رجل منك)).
     فانطلق علي عليه السلام لينادي بجمع الحجيج: {إن الله بريء من المشركين و رسوله …}، مبلّغاً إيّاهم أنه ((لايحجنّ بعد العام مشرك، و لايطوفنّ بالبيت عريان…)).
     13 ـ ((تزويجه بفاطمة سيدة نساء العالمين، و لولاه لم يكن لها كفء، و قول النبي صلّى الله عليه و آله و سلّم للزهراء ما أنا زوَّجتك بل الله تولّى تزويجك، و انحصار نسل رسول الله صلّى الله عليه و آله و سلّم في أولاده)).
     14 ـ اختصاصه بحديث الغدير المشهور لدى عامّة المسلمين، حيث قال الرسول صلّى الله عليه و آله و سلّم في خطبة طويلة بحجة الوداع، عند غدير ((خم))، و قد رفع يد علي عليه السلام: ((من كنت مولاه فهذا علي مولاه)). بعد أن استشهد المسلمين على أنه أولى منهم بأنفسهم. و قد أنشد حسان بن ثابت شاعر الرسول شعراً بهذا المناسبة، حيث قال:

                                 يناديهم يوم الغدير نبيّهم      بخمّ و أسمعْ بالرسول مناديا

                                 و قال فمن مولاكمُ و نبيكم      فقالوا و لم يُبدوا هناك التعاميا

                                 إلهك مولانا و أنت نبيٌنا      و لم تلق منٌا في الولاية عاصيا

                                  فقال له قم يا علي فإنني      رضيتك من بعدي إماما و هاديا

                                  فمَنْ كنت مولاه فهذا وليّه      فكونوا له أنصار صدق مواليا

                                  هناك دعا اللّهمّ والِ وليّه      و كن للذي عادى عليّاً معاديا

     فقال له رسول الله صلّى الله عليه و آله و سلّم: ((لاتزال يا حسّان مؤيّداً بروح القدس ما نصرتنا بلسانك)).
     … عن ابن الطفيل عامر بن واثلة قال: جمع علي الناس في الرحبة فقال: أنشد بالله كل امرئ سمع رسول الله صلّى الله عليه و آله و سلّم يقول يوم غديرخم ما سمع. فقام أناس فشهدوا أن رسول الله صلّى الله عليه و آله و سلّم قال يوم غديرخم: ((ألستم تعلمون أني أولى بالمؤمنين من أنفسهم))؟ و هو قائم، ثم أخذ بيد علي فقال: ((من كنت مولاه فعلي مولاه؛ اللّهمّ والِ من والاه، و عادِ من عاداه)).
     قال أبن الطفيل فخرجت و في نفسي منه شيء، فلقيت زيد بن أرقم، فأخبرته، فقال: أو ما تنكر؟! أنا سمعته من رسول الله صلّى الله عليه و آله و سلّم.
     … عن ابن عباس، عن بريدة قال: خرجت مع عليّ إلى اليمن، فرأيت منه جفوةً، فقدمت على النبي صلّى الله عليه و آله و سلّم فذكرت عليّاً، فتنقّصته، فجعل رسول الله صلّى الله عليه و آله و سلّم يتغيّر وجهه، و قال: ((يا بريدة، ألست أولى بالمؤمنين من أنفسهم))؟ قلت: بلى، يا رسول الله. قال: ((من كنت مولاه فعلي مولاه)).
     15 ـ تسميته عليه السلام بـ (أميرالمؤمنين) و اختصاصه به دون غيره.
     ذكر أصحاب السيرة أن اسم (أميرالمؤمنين) من مختصّات الإمام علي عليه السلام و لم يُسمّ به غيره حتى الأئمة عليهم السلام من ولده؛ فقد جاء رسول الله صلّى الله عليه و آله و سلّم: ((لمّا أسري بي إلى السماء، كنت من ربي قاب قوسين أو أدنى، فأوحى إليّ ربي ما أوحى .. ثم قال: يا محمد، اقرأ على علي بن أبي طالب أميرالمؤمنين. فما سمّيتُ به أحداً قبله و لا أسمّي بهذا أحداً بعده)).
     كما جاء عن بريدة أنه قال: ((أمرنا النبي صلّى الله عليه و آله و سلّم أن نسلّم على عليّ عليه السلام بإمرة المؤمنين)).
     ما معنى أميرالمؤمنين؟
     … عن جابر أنه سأل الإمام ابي جعفر عليه السلام: ((قلت: جعلت فداك، لِمَ سمّي أميرُالمؤمنين أميرَالمؤمنين؟! قال: لأنه يميرهم العلم؛ أما سمعتَ كتاب الله عزَّ  و جلَّ {و نميرُ أهلنا}؟!.
     ثم يذكر العلامة المجلسي (ره) ثلاثة وجوه للتسمية اقتبسنا الثالث منها لأنه اعتبره أظهر الوجوه:
     ((ان أمراء الدنيا إنّما يسمّون بالأمير لكونهم مكلّفين لميرة الخلق و ما يحتاجون إليه في معاشهم ـ بزعمهم ـ، و أما أميرالمؤمنين عليه السلام فإمارته لأمر أعظم من ذلك، لأنه يميرهم ما هو سبب لحياتهم الأبديّة و قوّتهم الروحانية، و إن شارك سائر الأمراء في الميرة الجسمانية)).
     16 ـ الفيصل بين المؤمن و المنافق!
     … عن عليّ عليه السلام: ((و الذي فلق الحبّة و برأ النسمة، إنّه لعهد النبي الأمّي صلّى الله عليه و آله و سلّم إليَّ: لايحبّني إلا مؤمن، و لايبغضني إلاّ منافق)).
     17 ـ من سبّ عليّاً فقد سبّ رسول الله صلّى الله عليه و آله و سلّم:
     … عن أبي عبد الله الجدلي قال: دخلت على أمّ سلمة، فقالت: أيسبُّ رسول الله صلّى الله عليه و آله و سلّم فيكم؟! فقلت: سبحان الله أو معاذ الله. قالت: سمعت رسول الله صلّى الله عليه و آله و سلّم يقول: ((من سبّ عليّاً فقد سبّني)).
     كما جاء عن طريق أبي بكر بن خالد بن عرفطة قال: رأيت سعد بن مالك بالمدينة، فقال: ذُكر لي أنكم تسبّون عليّاً. قلت: قد فعلنا. قال لعلّك سببته! قلت: معاذا الله! قال: لاتسبّه، فإن وضع المنشار على مفرقي على أن أž