إطلالة على حياة الإمام علي عليه السلام

 

ذريّة بعضها من بعض

     كان عليّ بن أبي طالب من سلالة ذرية طيّبة و عائلة كريمة في صفاتها، صالحة في أخلاقها و سيرتها، محمودة في خصالها، رفيعة في شمائلها، متميّزة في رجالها و سيادتها، فبنو هاشم، سادة قريش بل سادة الدنيا، «ملح الأرض، و زينة الدنيا، و حلى العالم، و السنام الأضخم، و الكاهل الأعظم، و لباب كلّ جوهر كريم، و سرّ كلّ عنصر شريف، و الطينة البيضاء، و المغرس المبارك، و النصاب الوثيق، و المعدن الفهم، و ينبوع العلم...».
     فقد كان منها أكرم خلق الله تعالى على الإطلاق، محمّد بن عبد الله و كان منهم آله الطاهرون، و أعظمهم و أفضلهم سيّدهم عليّ بن أبي طالب الذي اجتمع فيه من الخصال ما لم يجتمع لغيره، و من المكارم ما لم يحظ بها أحد غيره، و من السجايا ما لم يحظّ بها الآخرون، فحسبٌ شريف، و خلقٌ عالٍ، و فطرةٌ سليمة لم تتلوّث ببراثن الجاهلية، و عقيدةٌ صافية، و علم جمّ، و شجاعة لا مثيل لها...
     فأبوه: شيبة بني هاشم شيخ قريش و زعيمها و سيّد قومه أبوطالب، الذي انطوت نفسه على خصال كريمة كلّها شموخ و عزّة و فضائل...
     و هو الكافل المدافع الذابّ عن رسول الله صلّى الله عليه و آله و سلم، و الذي أحاط رسول الله بعناية عظيمة و رعاية قلَّ نظيرها خصوصاً إذا عرفنا مكانته في قريش و بين زعمائها و ما سبّبه ذلك من إحراج له و ضيق و أذىً، و مع هذا كلّه فقد صبر أيما صبر دفاعاً عن محمّد و رسالته حتّى إنّ قريشاً لم تكن قادرةً على أذى رسول الله صلّى الله عليه و آله و سلم مع رغبتها في ذلك حتّى توفي أبوطالب فراحت تكيد له..
     يقول رسول الله صلّى الله عليه و آله و سلم: «و الله ما نالت قريش منّي شيئاً أكرهه حتّى مات أبوطالب». و  لم يهاجر إلى المدينة إلاّ بعد وفاة عمّه رضوان الله عليه. هذا أبوه.
     و أمّا جدّه: فهو عبدالمطّلب شيبة الحمد أمير مكّة و سيّد البطحاء له ولاية البيت الحرام من السقاية و الرفادة.. و كان ذا مهابة و وقار و ميل إلى الدين و النسك، و هو الذي قام بحفر بئر زمزم التي تفجّرت تحت قدمي جدّه إسماعيل من قبل، بعد أن غاب أثرها و لم يهتدِ إليها أحد حتّى هتف به هاتف في منامه، فراح يحفر حتّى اهتدى إليها مستعيناً بابنه الحارث الذي كان وحيده وقتذاك.
     ثمّ هو الذي خذل اللهُ على يديه ابرهة الحبشي و جنده الذين جاؤوا لهدم الكعبة و صرف الحاجّ عنها إلى بيت بناه في اليمن، و لمّا التقى ابرهة بعبدالمطلب أراد أن يستميله إلى جنبه، فما وجد منه إلاّ الرفض، و إلاّ الثقة العالية بالله، متكفياً بأن يرد إليه إبله و شويهاته التي أخذها جنده.
     فقال ابرهة: كنت في نفسي كبيراً و سمعت أنّك وجيه في قومك، فلمّا سألتك عن حاجتك و ذكرت الإبل و الشياه و نسيت بلدك و أهلك و بيتك المقدّس سقطت من عيني.
     فقال عبدالمطلب: الإبل لي، و للبيت ربّ يحميه.
     فقال ابرهة: ما كان ليمتنع منّي.
     فقال عبد المطلب: أنت و ذلك، و صعد على الجبل و تضرّع إلى الله و أنشد:
                                       يا رب عادِ من عاداك      وامنعهموا أن يهدموا حماك
     ثمّ راح يستحثّ قومه على ترك مكّة و اللجوء إلى الجبل خشية بطش ابرهة و جيشه، و التوجّه إلى الله بالدعاء. فحلّت الكارثة بابرهة و جنده... و هناك سورة الفيل تحكي هذه الحادثة..
     أُمّه: فاطمة بنت أسد بن هاشم فهي ابنة عمّ أبي طالب و هي أوّل هاشمية تزوّجها هاشمي، و عليّ أوّل مولود (مع اخوته) ولد لهاشميين فقد تعوّد بنوهاشم أن يصهروا إلى اُسر اُخرى. كانت ذات منزلة رفيعة، جعلتها من اللائي امتازت حياتهنّ بمواقف جليلة في حركة الأنبياء و مسيرتهم عبر التاريخ فقد أثنى عليها رسول الله صلّى الله عليه و آله و سلم و كان شاكراً لها و لمعروفها و رعايتها له، فكان يدعوها «اُمّي بعد اُمّي التي ولدتني» و راحت هي الاُخرى تفضّله على جميع أولادها الأربعة، فقد كان طالب أكبر أولادها ثمّ عقيل، ثمّ جعفر ثمّ عليّ، و كلّ واحد أكبر من الذي بعده بعشر سنوات، و كان عليّ عليه السلام أصغر أولادها.
     حظيت هذه السيّدة و المرأة المؤمنة الطاهرة بمكانة عظيمة في قلب رسول الله، و تركت في نفسه آثاراً طيّبة راح يذكرها طيلة حياته، و يترحّم عليها و يدعو لها.. تقول الرواية:
     لمّا ماتت فاطمة بنت أسد أُمّ عليّ ـ و كانت قد أوصت لرسول الله صلّى الله عليه و آله و سلم و قَبِل وصيتها ـ ألبسها النبي صلّى الله عليه و آله و سلم قميصه و اضطجع معها في قبرها، فقالوا: ما رأيناك يا رسول الله صنعت هذا!
     فقال: إنّه لم يكن أحد بعد أبي طالب أبرَّ بي منها، إنّما ألبستها قميصي لتكسى من حُلل الجنّة و اضطجعت معها ليُهوَّن عليها.
     و في دعاءٍ خاص لها قال: اللّهم اغفر لاُمّي فاطمة بنت أسد، و لقنها حجّتها، و وسِّع عليها مدخلها. و خرج من قبرها و عيناه تذرفان.
     لقد كانت رضوان الله عليها لرسول الله صلّى الله عليه و آله و سلم بمنزلة الاُمّ، بل كانت أُمّاً بكلّ ما تعنيه هذه الكلمة من معنى، و قد كانت بارّة برسول الله صلّى الله عليه و آله و سلم «لم يكن بعد أبي طالب أبرّ بي منها»، فحنانها و شفقتها و رعايتها له بلغت مبلغاً عظيماً حتّى فاقت رعايتها لأبنائها و كأنّها تعلم أنّ له مكانة عظيمة و شأنا جميلاً، تقول بعض الروايات كان أولادها يصبحون شعثاً رمصاً و يصبح رسول الله صلّى الله عليه و آله و سلم كحيلاً دهيناً. هذا في مداراتها لرسول الله صلّى الله عليه و آله و سلم و حبّها له.
     أمّا في إيمانها فقد كانت بدرجة عظيمة، و من السابقات إلى الإسلام و المهاجرات الأُول إلى المدينة و هي بدرية.
     فذاك أبوه و جدّه و هذه اُمّه، فهو وليد هذه الاُسرة الهاشمية المباركة.
     ثمّ بعد هذا كان عليّ عليه السلام قد اختصّ بقرابة من رسول الله صلّى الله عليه و آله و سلم فهو إضافة إلى كونه ابن عمّه و قد ربّاه في حجره تربية الوالد لولده و... كان زوجاً لابنته الزهراء التي كانت بضعة منه صلّى الله عليه و آله و سلم، و أباً لريحانتيه المباركتين الحسن و الحسين عليهما السلام و كان أخاه يوم المؤاخاة، و كان خليفته و وصيه و وزيره و عيبة علمه....

 

بين يدي النبوّة

     لقد كنت سيّدي شجرة طيّبة توسّطت روضة فيحاء و باحة خضراء و دوحة معطاء، فكان أصلها ثابتاً و فرعها في السماء تؤتي اُكلها كلّ حين بإذن ربّها.
     ففي ربى النبوّة أبصرت النور بعد أن انبرى رسول الرحمة لرعايتك و تربيتك، و من نسيمها العذب و أريجها الفوّاح تنشقت الحياة، و من نمير ساقيتها الصافي الذي كانت النبوّة نبعه الدافق ارتشفت أوّل قطرة ماء، و على أديمها الأخضر كانت أوّل خطواتك. كان حضن النبوّة يرعاك فكنت في جنّة عالية، قطوفها دانية.
     شممت رائحة النبوّة في مراحل حياتك الأولى، و رأيت نور الوحي و الرسالة بعد أن وضعك رسول الله صلّى الله عليه و آله و سلم في حجره و ضمّك إلى صدره و كنفك في فراشه و مسّك جسده الطاهر و أشمّك عَرْفه.. فجنيت بروض النبوّة و رداً وذقت بكأسها شهداً.
     و كيف لاتجني ذلك كلّه و قد اختارتك السماء برعماً تحتضنك شجرة النبوّة و الرسالة، ثمّ لتكون بعد ذلك بقية النبوّة و الامتداد الطبيعي للرسالة..؟!
     روت فاطمة بنت أسد «اُمّ عليّ»: بينا أنا أسوق هدياً إذ استقبلني رسول الله صلّى الله عليه و آله و سلم، و هو يومئذ غلام شاب قبل البعثة فقال لي: يا أمّاه إنّي أُعلمك شيئاً فهل تكتمينه عليَّ؟
     قلت: نعم.
     قال: اِذهبي بهذا القربان فقولي: كفرت بهبل (كبير آلهة المشركين و هو أوّل صنم نصب بمكة) و آمنت بالله وحده لا شريك له.
     فقلتُ: أعمل ذلك لِما أعلمه من صدقك يا محمّد، ففعلت ذلك.
     فلمّا كان بعد أربعة أشهر، و محمّد يأكل معي و مع عمّه أبي طالب، إذ نظر إليَّ و قال: يا اُمّ مالَك! مالي أراك حائلة اللون؟!.
     ثمّ قال لأبي طالب: إن كانت حاملاً اُنثى فزوجنيها.
     فقال أبو طالب: إن كان ذكراً فهو لك عبد، و إن كان اُنثى فهو لك جارية و زوجة.
     فلمّا وضعتُه ـ في الكعبة ـ جعلته في غشاوة، فقال أبوطالب: لاتفتحوها حتّى يجيء محمّد فيأخذ حقّه.
     فجاء محمّد ففتح الغشاوة فأخرج منها غلاماً حسناً فشاله بيده، و سمّاه عليّاً، و أصلح أمره، ثمّ إنّه لقمه لسانه فما زال يمصّه حتّى نام.
     و قد سمّته أوّل الأمر حيدرة بمعنى أسد على اسم أبيها، فغلب عليه اسم عليّ الذي سمّاه به محمّد صلّى الله عليه و آله و سلم.
     ثمّ راح عليّ عليه السلام الذي ما إن فتح عينيه في بيت أبي طالب حتى وجد محمّداً صلّى الله عليه و آله و سلم يضمّه إلى صدره و يبثّه كلماته و يعلمه خطواته...
     و بدأ عليّ عليه السلام يلتهم زاده من الوحيد مبادئ السماء و قيمها حتّى شحن بها فكره الثاقب، و غدت نفسه الطاهرة ترتشف الايمان و تستنشق عقيدته و عبيرها؛ لتسمو نفسه و لتصبح مصباحاً يستضيء به من حوله.

 

اخترتُ من اختاره الله

     و لمّا مرّ أبوطالب في سنة أصابته بل أصابت قريشاً و قحط حلّ بهم و هو ذو عيال كثيرة، و يبدو أنّ الابتلاء هذا كان عامّاً لقريش بسبب ما عانته من الجفاف.
     تقول الرواية: إنّ قريشاً أصابتها أزمة و قحط، فقال رسول الله صلّى الله عليه و آله و سلم لعمّيه حمزة و العبّاس: ألانحمل ثقل أبي طالب في هذا المحل؟.
     فجاءوا إليه و سألوه أن يدفع إليهم وِلدَه ليكفوه أمرهم، فقال: دَعُوا لي عقيلاً و خذوا من شئتم ـ و كان شديد الحبّ لعقيل ـ فأخذ العبّاس طالباً، و أخذ حمزة جعفراً، و أخذ محمّد صلّى الله عليه و آله و سلم عليّاً، و قال لهم: «قد اخترتُ من اختاره الله لي عليكم، عليّاً».
     فكان علي عليه السلام في حجر رسول الله صلّى الله عليه و آله و سلم منذ كان عمره ستّ سنين.
     و الذي أميل إليه أنّ عليّاً عليه السلام لم يكن ذلك القحط و هذا الجفاف هما السبب في ملازمته لرسول الله صلّى الله عليه و آله و سلم، بل إنّ الأمر سبق هذا كلّه و سبق هذا العمر الذي يحددونه لبداية هذه الملازمة (6 سنوات) نعم الانتقال من بيت أبي طالب إلى بيت رسول الله قد يكون تمّ و عليّ له 6 سنوات، إلاّ أنّ تلك الرعاية من رسول الله صلّى الله عليه و آله و سلم لعليّ و ذلك الاهتمام كان منذ اليوم الأوّل لولادته عليه السلام فرسول الله صلّى الله عليه و آله و سلم حينما عاد من غار حراء و قد بشّر بولادة علي راحت يده المباركة تتوسّده و تضفي عليه بركات انعكست ثمارها على حياته عليه السلام في كلّ الميادين...

     تقول الرواية عن يزيد بن قعنب: ولدت (فاطمة بنت أسدا) عليّاً... في بيت الله الحرام، إكراماً من الله عزّ اسمه و إجلالاً لمحلّه في التعظيم...، فحبّه رسول الله صلّى الله عليه و آله و سلم حبّاً شديداً و قال لها: «اجعلي مهده بقرب فراشي»، و كان يتولى أكثر تربيته، و كان يطهّر عليّاً في وقت غسله، و يوجره اللبن عند شربه، و يحرِّك مهده عند نومه، و يناغيه في يقظته، و يحمله على صدره.
     و هنا نعيش لحظات جميلة مع عليّ عليه السلام نفسه، و هو يصوِّر لنا منزلته من رسول الله صلّى الله عليه و آله و سلم و يصف رعايته له و تعلّقه به و ملازمته له حتّى يمكن وصفها بأنّها ملازمة الظلّ لصاحبه لايفارقه إلاّ في أوقاته المخصوصة، فتواشجت روحه مع أجواء ذلك البيت الطاهر و هي أجواء الرسالة و النبوة و الوحي، انظره في خطبة القاصعة حيث يصف تلك الملازمة و المواشجة بشكل دقيق طفلاً و صبياً و فتىً..
     «و لقد علمتم موضعي من رسول الله صلّى الله عليه و آله و سلم بالقرابة القريبة و المنزلة الخصيصة، و ضعني في حجره و أنا وليد، يضمّني إلى صدره، و يكنفني في فراشه، و يمسّني جسده و يُشمني عَرْفه، و كان يمضغ الشيء، ثمّ يلقمنيه، و ما وجد لي كذبة في قول، و لا خطلة في فعل، و لقد قرن الله به صلّى الله عليه و آله و سلم من لدن أن كان فطيماً أعظم ملك من ملائكته، يسلك به طريق المكارم و محاسن أخلاق العالم، ليله و نهاره، و لقد كنت أتبعه اتباع الفصيل إثر اُمّه، يرفع لي في كلّ يوم من أخلاقه علماً، و يأمرني بالاقتداء به. و لقد كان يجاور في كلّ سنة بحراء، فأراه و لايراه غيري».

 

لم يسجد لصنم قطّ

     بعد نعمة تربية رسول الله صلّى الله عليه و آله و سلم له و صناعته كما تريدها السماء، راحت نعمُ الله تترى على هذا العبد الصالح، و تواكبه فلم تنجّسه الجاهلية بأنجاسها، لم يعبد صنماً قطّ بل لم تمل نفسه إليها أبداً، و هذا أمر ليس سهلاً خاصةً و هو يعيش في مجتمع حالك متسربل برداء الشرك يعيش ركاماً من الجهل و العبودية و الطغيان، في بيئة أنّى اتجهت وجدت صنماً يُعبد و تمثالاً يركع له و يسجد، و من حوله كبار قريش و زعماؤها و قد ملئت بيوتهم بهذه التماثيل و كانوا لها عاكفين.
     في مجتمع فاسد كهذا تمّت صياغة علي عليه السلام لأنّ رسول الله صلّى الله عليه و آله و سلم أحسن غذاءه و تنشئته و إعداده، و راحت يداه المباركتان ترعاه أحسن رعاية و تحفظه من كلّ تحديات مجتمعه و انحرافاته، فولد و عاش طفولته و صباه و قد كرّم الله وجهه من أن يسجد للآت أو يركع للعزّى أو يشطط به قدم هنا و هناك، و مثل هذا ما نراه في كلام العقّاد الآتي فيما بعد.
     و كيف يسجد لصنم أو ينحرف به السير.. و لحمه لحم رسول الله و دمه دمه و هو و علي من نور واحد و من شجرة واحدة و في صلبه ذرية رسول الله صلّى الله عليه و آله و سلم و هو من رسول الله و رسول الله منه؟!.
     ثمّ كيف يسجد لصنم و هو يكرهها صغيراً بل و هو جنين فبغضه لها من بغض رسول الله صلّى الله عليه و آله و سلم لها ـ و هو الذي راح يقلعها كبيراً و يطهِّر الأرض منها و القلوب؟!.
     يقول عليه السلام: انطلق رسول الله صلّى الله عليه و آله و سلم إلى الكعبة فقال لي: اجلس.
     فجلست، فصعد على منكبي.
     فقال لي: انهض.
     فنهضت فعرف ضعفي تحته.
     قال لي اجلس.
     فجلست، ثمّ نهض بي رسول الله صلّى الله عليه و آله و سلم فخيّل إلي أنني لو شئت نلت أُفق السماء، فصعدت إلى الكعبة.
     و تنحّى رسول الله صلّى الله عليه و آله و سلم و قال: ألق صنمهم الأكبر، صنم قريش. و كان من نحاس مُوتّدٍ بأوتاد من حديد في الأرض.
     فقال رسول الله صلّى الله عليه و آله و سلم: عالجه.
     فجعلت أُعالجه، حتى استمكنت منه. فقال: اقذفه، فقذفته حتّى انكسر. و نزلت من فوق الكعبة، و انطلقت أنا و النبي صلّى الله عليه و آله و سلم نسعى و خشينا أن يرانا أحد من قريش و غيرهم.
     و هناك مصادر تقول: إنّ هذه القصّة مع بعض التغيير وقعت بعد فتح مكّة.

 

إسلامه

     و قد تعدّدت و اختلفت أقوال المؤرِّخين في عمره الشريف حين إسلامه. و تصديقه بالنبوّة، بين من يقول كان له ثمان سنين و بين من يقول له تسع و آخر يقول له عشر، و رابع يقول له إحدى عشرة سنه و خامس يقول له اثنتا عشرة سنة و سادس يقول له ثلاث عشرة سنة و هناك من يقول: له خمس عشرة سنة أو ست عشرة سنة، و كلّ هذا إنّما يدلّ على تحديد عمره المبارك وقت أن أعلن الرسول رسالته للخاصّة من مريديه و موقفه الرسمي إن صحّ التعبير منها، و إلاّ فإنّ روحه لم تتلوّث بالشرك فهو الذي لم يكفر بالله قط. و هذا ما نجده في الروايات أعلاه و في قول الإمام زين العابدين جواباً عن سؤال من سأله عن عمر الإمام عليّ عليه السلام عند إيمانه، فقال عليه السلام: أو كان كافراً؟! إنما كان لعلي حين بعث الله عزّ و جلّ رسوله صلّى الله عليه و آله و سلم عشر سنين و لم يكن كافراً.
     و الذي يؤيّد أن عمره كان عشر سنوات أنّ عمر الدعوة الإسلامية في مكّة ثلاث عشرة سنة و هاجر إلى المدينة و له ثلاث و عشرون سنة و أنه استشهد سنة 40 هـ و هو ابن ثلاث و ستّين سنة.
     و يميل ابن أبي الحديد إلى أنّ عمره الشريف كان ثلاث عشرة سنة، متقيداً من قوله عليه السلام: «لقد عبدتُ الله قبل أن يعبده أحد من هذه الأمّة سبع سنين»، و قوله عليه السلام: «كنت أسمع الصوت و أبصر الضوء سنين سبعاً، و رسول الله صلّى الله عليه و آله و سلم حينئذ صامت ما أُذِنَ له في الإنذار و التبليغ».
     و ذلك ـ و القول ما زال لابن أبي الحديد ـ لأنّه إذا كان عمره يوم إظهار الدعوة ثلاث عشر سنة، و تسليمه إلى رسول الله صلّى الله عليه و آله و سلم من أبيه و هو ابن ستّ، فقد صحّ أنّه كان يعبد الله قبل الناس بأجمعهم سبع سنين، و ابن ستّ تصحّ منه العبادة، إذا كان ذا تمييز، على أنّ عبادة مثله هي التعظيم و الإجلال و خشوع القلب....
     و قد جاء في ترجمة الإمام علي عليه السلام في الاستيعاب أنّ: المروي عن سلمان و أبي ذر و المقداد و خبّاب و أبي سعيد الخدري و زيد بن أسلمه أنّ علياً عليه السلام أوّل من أسلم و فضّله هؤلاء على غيره.
     و قال ابن إسحاق: أوّل من آمن بالله و بمحمّد رسول الله صلّى الله عليه و آله و سلم علي بن أبي طالب عليه السلام و هو قول ابن شهر آشوب إلاّ أنّه قال: من الرجال بعد خديجة.
     و عن ابن عبّاس قال: سمعت عمر بن الخطّاب و عنده جماعة فتذاكروا السابقين إلى الإسلام فقال عمر: أمّا عليّ، فسمعت رسول الله صلّى الله عليه و آله و سلم يقول فيه ثلاث خصال لوددت أنّ لي واحدة منهنّ، فكان أحبّ إليَّ ممّا طلعت عليه الشمس، كنت أنا و أبو عبيدة و أبو بكر و جماعة من الصحابة إذ ضرب النبي صلّى الله عليه و آله و سلم بيده على منكب عليّ فقال له: يا عليّ أنت أوّل المؤمنين إيماناً و أوّل المسلمين إسلاماً و أنت منّي بمنزلة هارون من موسى.
     يقول جورج جرداق عن إسلام أمير المؤمنين عليّ عليه السلام:
     و إذا أسلم بعض الوجوه من قريش منذ أوّل الدعوة احتكاماً للعقل و تخلّصاً من الوثنية، و إذا أسلم كثير من العبيد و الأرقّاء و المضطهدين طلباً للعدالة التي تتدفّق بها رسالة محمّد و استنكاراً للجور الذي يلهب ظهورهم بسياطه، و إذا أسلم قوم بعد انتصار النبي امتثالاً للواقع و تزلّفاً للمنتصر كما هي الحال بالنسبة لأكثر الأمويين. إذا أسلم هؤلاء جميعاً في ظروف تتفاوت من حيث قيمتها و معانيها الإنسانية و تتّحد في خضوعها للمنطق أو للواقع الراهن فإنّ علي بن أبي طالب قد ولد مسلماً؛ لأنّه من معدن الرسالة مولداً و نشأةً و في ذاته خلقاً و فطرةً، ثمّ إنّ الظرف الذي أعلن فيه عمّا يكمن في كيانه من روح الإسلام و من حقيقته لم يكن شيئاً من ظروف الآخرين و لم يرتبط بموجبات العمر؛ لأنّ إسلام عليّ كان أعمق من ضرورة الارتباط بالظروف، إذ كان جارياً في روحه كما تجري الأشياء من معادنها و المياه من ينابيعها، فإنّ الصبي ما كاد يستطيع التعبير عن خلجات نفسه حتى أدّى فرض الصلاة و شهد بالله و رسوله دون أن يستأذن أو يستشير.
     لقد كان أوّل سجود المسلمين الأوّل لآلهة قريش، و كان أوّل سجود عليّ لإله محمّد! إلاّ أنّه إسلام الرجل الذي اُتيح له أن ينشأ على حبّ الخير و ينمو في رعاية النبي و يصبح إمام العادلين من بعده و ربّان السفينة في غمرة العواصف و الأمواج.
     كما أنّ العقاد يقول عن إسلام علي:
     ولد عليٌّ في داخل الكعبة، و كرّم الله وجهه عن السجود لأصنامها، فكأنّما كان ميلاده إيذاناً بعهد جديد للكعبة و للعبادة فيها. و كاد عليٌّ أن يولد مسلماً.. بل لقد ولد مسلماً على التحقيق إذا نحن نظرنا إلى ميلاد العقيدة و الروح؛ لأنّه فتح عينيه على الإسلام و لم يعرف قط عبادة الأصنام....

 

الذبيح الثالث

     إنّ من قدّر له أن يتصفّح حياته عليه السلام لايجد فيها شيئاً من الخوف أو التردّد من الموت، إنّ قاموس حياته المباركة خالٍ من ذلك كلّه. إنّ عليّاً عليه السلام قهر الموت و قضى عليه فمن أي شيء يا ترى يخاف؟!.
و لهذا تراه يستسلم و يطيع رسول الله صلّى الله عليه و آله و سلم حينما يُلقي به في لهوات الحرب و يرمي به في أحلك الأمور و أعسرها.
     حان الوقت، و جاء اليوم الموعود و تشابكت خيوط المؤامرة و تسابق القوم من هنا و هناك، و اجتمع زعماء القبائل في دار الندوة في مكة، و كان فيهم أبوجهل و عروة بن هشام و أبوالبختري، و قرّروا أن يضعوا لهذا الأمر نهاية و أن يطووا صفحته إلى الأبد. فجمعوا شجعانهم ليضربوا محمّداً ضربة رجل واحد فيتوزّع دمه هنا و هناك على جميع القبائل فيضيع و تضيع المطالبة به، و حدّدوا لمكرهم هذا وقتاً و موعداً.
     هاجر رسول الله صلّى الله عليه و آله و سلم خفيةً و أمر عليّاً بالمبيت تلك الليلة في فراشه، ليعتّم عليهم هجرته، إنّه فراش الموت، فما كان من عليّ إلاّ التسليم و الانقياد و هو يعلم جيّد أنّ القوم قد تآمروا على ابن عمّه رسول الله صلّى الله عليه و آله و سلم و أنّهم قاتِلوه في فراشه، و أنّهم مباغتوه لا محالة، و لاينجو منهم إلاّ و هو أشلاء ممزّقة و أعضاء مقطّعة، مؤامرة نافذة واقعة لا شكّ فيها و لا ريب.
     اختاره الرسول صلّى الله عليه و آله و سلم لهذه المهمّة و هو شاب يافع في مقتبل العمر! إنّه ثالث قربان يقدَّم بعد إسماعيل و عبدالله والد النبي صلّى الله عليه و آله و سلم و شتّان بين الذبيحين عليّ و إسماعيل، و عليّ و عبدالله، فكلّ منهما بيد أب شفيق رحيم يرقّ قلبه و ترتجف يده، و هو بسيف عدوٍّ نزعت الرحمة من قلبه، و بخنجر يمسك بقوّة حاقد بغيض، و بيدٍ صلبة لاينتابها الخوف و لاتربكها الرحمة..
     إنّه امتحان عصيب لهم جميعاً، و لكن أي الثلاثة أشدّ محنّة و أقسى؟! و أيّ امتحان هذا لإيمانه و انقياده و استسلامه؟!.
     لقد تيقّن فتى بني هاشم أنّه ما إن يغمض عينيه حتّى تنهال عليه مديّهم التي امتشطوها و سيوفهم التي حملوها و تبضعه خناجرهم.. فلاتردّد و لا خوف بل لسان حاله يقول: نعم ستجدني إن شاء الله من الصابرين..
فأنجاهما الله برحمته من كيد المشركين و مكرهم، و أنزل في ذلك: (وَ إِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرَجُوكَ وَ يَمْكُرُونَ وَ يَمْكُرُ اللهُ وَ اللهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ).

 

الزواج المبارك

     كان عمره عليه السلام حينما هاجر إلى المدينة بعد هجرة رسول الله صلّى الله عليه و آله و سلم ثلاثاً و عشرين سنة، و هناك كانت بضعة رسول الله صلّى الله عليه و آله و سلم فاطمة الزهراء عليها السلام التي طالما تمنى التشرف بها كبار الصحابة؛ و من أهل السابقة في الإسلام و الفضل و الشرف و المال؛ لأنّها بنت رسول الله صلّى الله عليه و آله و سلم و لكثرة ما كانوا يسمعون منه صلّى الله عليه و آله و سلم في ثنائه عليها و احترامها و تقديرها، لموقعها العظيم منه صلّى الله عليه و آله و سلم. راحت نفوسهم تطمح للاقتران بها، و كانوا كلّما تقدّم واحد منهم لم يجد عنده صلّى الله عليه و آله و سلم إلاّ أن يعرض بوجهه الكريم حتّى يخرج منه القادم و هو يظنّ أنّه صلّى الله عليه و آله و سلم ساخط عليه و غير راضٍ عنه، و إلاّ الرفض، و أنّه ينتظر في زواجها أمر الله و قضاءه.
     تقدّم عليٌّ عليه السلام بخطوات يكتنفها الحياء، و راحت نظراته تتوزع هنا و هناك، نظرة إلى وجه رسول الله صلّى الله عليه و آله و سلم و أخرى يرسلها بعيداً، و ثالثة إلى ما بين يديه، ماذا يقول و يده خالية.
     حانت نظرة من رسول الله صلّى الله عليه و آله و سلم إليه فعرف ما يريد: إنّ علياً جاء لحاجة، و حاجة عليّ يمنعه حياؤه من التحدّث بها فبادره رسول الله صلّى الله عليه و آله و سلم مشجّعاً حتّى ينطق، و ما إن نطق حتّى كان ذلك البيت من أبهى و أزهى و أزكى و أعظم بيوت الدنيا بل و أغناها إيماناً و طهارةً و أثراها أخلاقاً و علماً... إنّه بيت عليّ و فاطمة ثمّ ريحانتي رسول الله صلّى الله عليه و آله و سلم الحسن و الحسين عليهما السل