من اعلام مدرسه اهل بيت عليهم‌السلام

الحسين بن روح النوبختي

«السفير الثالث»

حسين الشاكري

 

     هو الشيخ ابوالقاسم الحسين بن روح بن ابي بحر النوبختي، ثالث السفراء في الغيبه الصغري للامام الحجه بن الحسين صاحب العصر و الزمان (عج)، مرقده ببغداد جانب الرصافه، مشهور و معروف مشيد عامر، فوق قبره شباك مجلل، يزدحم عليه الزائرون و المتعبدون، و تقام فيه الصلوات جماعه من بعض ائمه علماء الشيعه الاماميه، و ‌آخر عالم لهذا الجامع - عندما كنت في بغداد - السيد جعفر شبر قدس‌ سره.

     يقع قبره في (النوبختيه) في الدرب الذي كانت فيه دار علي بن احمد النوبختي النافذ الي التل و الدرب الآخر الي (قنطره الشوك)، بهذا عرفت قديماً، كما صرحت به النصوص التاريخيه، و في عصرنا يعرف موضع قبره في (سوق الشورجه) التجاري ببغداد في زقاق غير نافذ، و يعد مرقده اليوم من المراكز الشيعيه الاماميه ببغداد، و له حرم و ضريح في وسط جامع، عامر بالمصلين و قبه كبيره شاهقه.

     كان الشيخ ابوالقاسم عطرالله مثواه من اوثق الناس و اعظمهم و ادهاهم و اعرفهم بالامور، مبجل عندالخاصه و العامه، و كانت العامه تعظمه و تري فيه الصدق و المعروف، و لين الجانب، و عدم المعانده، و كان يحسن استعمال مواطن التقيه، حتي اثر عن العامه ببغداد - في ضمن احاديث - انهم كانوا يحملون علي من يرميه بالرفض و العناد1.

     استلم السفاره بعد وفاه الشيخ الخلاني سنه 305 ه الي يوم وفاته رحمه‌الله في شهر شعبان من سنه 326 ه فكانت مده سفارته 21 سنه.

     و لم نجد تحديداً لتاريخ ولادته، و اول ما يعرف كوكيل مفضل لابي جعفر محمد بن عثمان العمري، يلقي اليه باسراره لرؤساء الشعيه، و كان خصيصاً به، حتي انه كان يحدثه بما يجري بينه و بين جواريه لقربه منه و انسه به، فكان قريباً من نفوس الشيعه، محبباً اليهم لمعرفتهم باختصاصه بابي جعفر و توثيقه عندهم، و انتشار اخبار فضله و دينه، و ما كان يحتمله من هذا الامر، فمهدت له الحال في طول حياه ابي جعفر العمري، الي ان انتهت الوصيه بالنص عليه في خلافته بالسفاره للناحيه المقدسه، فلم يختلف في امره و لم‌ يشك فيه احد2.

     و قد روي انه قدم بعض الموالين بمالٍ علي ابي جعفر العمري مقداره اربعمائه دينار للامام عليه‌ السلام، فامره باعطائها الي الحسين بن روح، و حين تردد هذا الشخص في ذلك، باعتبار عدم وصول السفاره اليه يومنذٍ، فاكد ابو جعفر عليه ذلك، و امره مراراً باعطاء المال لابن روح، و ذكر له انه ذلك بامر الامام المهدي‌ عليه‌السلام، و كان ذلك تمهيد لتوليه امر السفاره في عهد ابي جعفر العمري، سيما اذا عرفنا ان تحويله المال الي ابي القاسم بن روح قبل موت ابي جعفر بسنتين او ثلاث3.

     و عندما اشتدت بابي جعفر العمري حاله؛ اجتمع لديه جماعه من وجوه الشيعه، منهم ابوعلي بن همام، و ابوعبدالله بن محمد الكاتب، و ابوعبدالله الباقطاني، و ابوسهل اسماعيل بن علي النوبختي، و ابو عبدلله بن الوجناء، و غيرهم من الوجوه و الاكابر. فقالوا له: ان حدث امر، فمن يكون مكانك؟ فقال لهم: هذا ابوالقاسم الحسين بن روح بن ابي بحر النوبختي، القائم مقامي، و السفير بينكم و بين صاحب الامر عليه ‌السلام، و الوكيل و الثقه الامين، فارجعوا اليه في اموركم و عولوا عليه في مهماتكم، فبذلك امرت، و قد بلغت4.

     و روي عن جعفر بن احمد بن متيل، و هو من متقدمي اصحابه و اجلالهم، انه قال: لما حضرت ابا جعفر محمد بن عثمان العمري الوفاه، كنت جالساً عن رأسه اساله و احدثه، و ابوالقاسم الحسين بن روح عند رجليه، فالتفت الي ثم قال: امرت ان اوصي الي ابي القاسم الحسين بن روح.

     قال ابن متيل: فقمت من عند راسه،‌ و اخذت بيد ابي القاسم و اجلسته في مكاني، و تحولت الي عند رجليه5، الي غير ذلك من تاكيدات ابي جعفر عليه، و اعلانه لوكالته.

     و السبب المهم في هذا التاكيد، هو كون الحسين بن روح، لم ‌يكن قد عاش تاريخاً حافلاً باطراء و توثيق الائمه عليه ‌السلام كالسفراء السابقين، و من هنا احتاج ابو جعفر العمري ان يكرر الاعراب عن مهمته في ايكال الامر الي الحسين بن روح، و دفع الاموال اليه في حياته، لاجل ترسيخ فكره نقل السفاره الي الحسين بن روح، و توثيقه في نظر قواعده الشيعيه المواليه لخط الائمه عليه ‌السلام.

     و كان لابي جعفر غير الحسين بن روح بعض الوكلاء في بغداد يصل عددهم الي عشره رجال، و كان اذا احتاج الي حاجه او الي سبب فانه ينجزه علي ايديهم، و لم تكن للحسين بن روح خصوصيه دونهم، و لما كان وقت مضي ابي جعفر العمري رحمه ‌الله وقع الاختيار علي الحسين بن روح، فكانت الوصيه اليه6، و اوكلت السفاره الي الحسين بن روح، فسلم به الاصحاب، و كانوا معه و بين يديه، كما كانوا مع ابي جعفر رضي ‌الله.

     و لم يزل جعفر بن احمد بن متيل من جمله اصحاب ابي القاسم بن روح و بين يديه كتصرفه بين يدي ابي جعفر العمري، الي ان مات رضي ‌الله فكل من طعن علي ابي القاسم الحسين بن روح فقد طعن علي ابي جعفر العمري، و طعن علي الحجه عليه ‌السلام7.

     تولي الحسين بن روح مهام السفاره عن الامام المهدي عليه ‌‌السلام بموت ابي جعفر العمري سنه 305 ه الي ان لحق برضوان ربه في شعبان 326 ه، فتكون مده سفارته حوالي 21 سنه.

     و كان اول كتاب تلقاه الحسين بن روح من الامام المهدي عليه ‌السلام، كتاب يشتمل علي الثناء عليه، و تعريفه الي الراي العام و الاصحاب ممن سار علي خط الائمه عليه ‌السلام، و قد مثل هذا الكتاب اهم و آخر خطوه في هذا الطريق، لكي يبدأ الحسين بن روح بعدها مهمته بسهوله و يسر، و قد دعا له الامام المهدي عليه ‌السلام في الكتاب، و قال: عرفه الله الخبر كله و رضوانه، و اسعده بالتوفيق، و قفنا علي كتابه، و ثقفنا بما هو عليه، و انه عندنا بالمنزله و المحل اللذين يسرانه، زاد الله في احسانه اليه، انه ولي قدير، و الحمدلله لا شريك له، و صلي الله علي رسوله محمد و آله و سلم تسليماً كثيراً.

     و قد وردت هذه الرقعه يوم الاحد لست خلون من شوال سنه 305 ه بعد حوالي الخمسه اشهر من وفاه ابي جعفر العمري، الذي توفي في جمادي الاولي من نفس العام8.

     و قد اضطلع ابوالقاسم منذ ذلك الحين بمهام السفاره، و قام بها خير قيام، و تولي في ايام سفارته الحمله ضد ظاهره الانحراف عن الخط، و ادعاء السفاره زوراً، بتبليغ القواعد الشعبيه توجيهات الامام المهدي عليه‌السلام في ذلك، و شجبه لهذه الظاهره بكل ما اوتي من اسباب القوه.

     و بقي ابوالقاسم مضطلعاً بمهامه العظمي، حتي لحق بالرفيق الاعلي عام 326 ه، و دفن النوبختيه في الدار التي كانت فيه دار علي بن احمد النوبختي النافذه الي التل، او الي درب الاخر و الي قنطره الشوك رضي ‌الله، و قبره اليوم في بغداد معروف - في اهم اسواق بغداد المعروف ب«الشورجه» يقصده الناس للتبرك و الزياره9.

 

ملحق:

     وكلاء الامام المهدي عليه‌السلام في الغيبه الصغري:

     جاء في كتاب الغيبه و تاريخها ان الامام المهدي عليه‌السلام اختار اربعه رجال خلال الغيبه الصغري، و اوكل اليهم مهمه السفاره، و عهد اليهم بان يكونوا واسطه بينه و بين اتباع اهل البيت في مختلف المناطق، و قد ذكرنا تراجمهم و بعض تواريخهم فيما تقدم.

     و جاء ايضا انه عليه ‌السلام قد اختار خلال فتره الغيبه الصغري جماعه من ثقات الشيعه، و اوكل اليهم مهمه مسانده السفراء الاربعه في بعض مهامهم، لتذليل الصعوبات التي كانت تعترض تحركاتهم بسبب مراقبه الحكام و اجهزتهم.

     و كانت مهمه الوكلاء محدوده بالقياس الي مهمه السفير، ذلك لان السفير كان يتصل بالامام عليه‌السلام مباشره، و يأخذ منه التعليمات و التواقيع، و يقوم باكثر الوكيل في الغالب في حدود منطقته، و لا تتعدي استلام الاخماس، و تسهيل اتصال الشيعه بالسفراء ليرفعوا اليهم حوائجهم، و تبليغ الاحكام و التوجيه و نحو ذلك.

     و من الوكلاء:

     1- جابر بن يزيد، و جاء فيه عن الحسن بن عبدالحميد انه قال: شككت في امر جابر، فجمعت شيئاً ثم صرت الي سامراء، فخرج الينا جواب الامام عليه ‌السلام: ليس فينا شك، و لا فيمن يقوم مقامنا بامرنا، رد ما معك الي جابر بن يزيد.

     2- و منهم ابوطاهر محمد بن علي بن بلال قبل انحرافه مع‌المنحرفين و المشغوذين، و قد عبر عنه الامام المهدي عليه ‌السلام في بعض التوقيعات المنسوبه اليه بالثقه المأمون العارف بما يجب عليه، و ليس ببعيد ان يكون في بدايه امره من الموثقين، و لكنه انحرف بعد ذلك، كما حدث لغيره ممن كانوا من الثقات بين اصحاب الائمه عليه ‌السلام، ثم ظهر منهم مايدل علي الانحراف عن الجاده10، كما سياتي بيانه.

     3- ابراهيم بن مهزيار، و كان من وكلاء الامام عليه‌السلام، و سيأتي بيان ذلك في ذكر ابنه محمد بن ابراهيم.

     4- و منهم محمد بن ابراهيم بن مهزيار، و عده ابن طاووس من السفراء و الابواب الذين يختلف الاماميه فيهم، كما جاء في جامع الرواه، و لابد ان يكون المراد في سفارته ما يشمل الوكاله، لان انحصار السفراء الاربعه من المتفق عليه بين الاماميه من اتباع اهل البيت عليه‌السلام.

     و جاء في غيبه الطوسي ان محمد بن ابراهيم بن مهزيار كان يقول: شككت عند مضي ابي محمد العسكري عليه ‌السلام، و كان قد اجتمع عند ابي مال كثير، فحمله و ركب السفينه، و خرجت معه مشيعاً فوعك و عكاً شديداً، فقال: ردني فهو الموت، و اتق الله في هذا المال، و اوصي الي و مات.

     و مضي يقول: فحملت المال بعد الفراغ من امره، و قدمت العراق، و اكتريت داراً علي الشط، و بقيت اياماً، فاذا انا برسول معه رقعه فيها: يا محمد، معك كذا و كذا من المال، و قص علي جميع ما تركه ابي من المال، و لم اكن اعرفه علي حقيقه، فسلمت المال الي الرسول، و بقيت اياماً، فخرج الي التوقيع يقول عليه ‌السلام فيه: قد اقمناك مقام ابيك فاحمد الله11.

     5- و منهم احمد بن اسحاق بن سعد بن مالك الاشعري، ‌و كان واسطه بين القميين و الائمه: الجواد، و الهادي، و العسكري عليه‌السلام، و ادرك شطراً من غيبه الامام المهدي عليه ‌السلام، و هو الذي عرض عليه الامام العسكري عليه‌السلام ولده المهدي عليه ‌السلام حينما ساله عن خليفته، و أراه اياه، و حدثه ببعض ما يكون من امره خلال غيبه الصغري و الكبري. و قد خرج التوقيع في مدحه مع جماعه منهم: ابراهيم بن محمد الهمداني، و احمد بن السيع12.

     6- و منهم محمد بن صالح بن محمد الهمداني الدهقان، و جاء في رجال الكشي انه ورد في توقيع الامام المهدي عليه ‌السلام الي اسحاق بن اسماعيل: اذا وردت بغداد فاقراه علي الدهقان و كلينا و ثقتنا الذي يقبض من موالينا. 

     7- و منهم ابوالحسين محمد بن جعفر الاسدي، و قد وصفه الامام المهدي عليه ‌السلام بالامانه و الثقه، و امر بدفع الاموال اليه، كما جاء في روايه النجاشي و الشيخ في الغيبه، و خرج التوقيع بحقه: محمد بن جعفر العربي، فليدفع اليه، فانه من ثقاتنا، و في توقيع آخر: ان اردت ان تعامل احداً فعليك بابي الحسين الاسدي بالري13.

     8- و منهم: القاسم بن العلاء من أذربيجان.

     9- و محمد بن شاذان بن نعيم النيسابوري.

     10- و الحسين بن علي بن سفيان البزوفري14.

     و غير هولاء ممن اوكل اليهم الامام عليه ‌السلام بعض ما يهمه من امور المسلمين و قبض الاخماس و قضاء الحاجات، و كانوا يتصلون بالامام عليه‌السلام احياناً عن طريق سفرائه، الذين اعتمدهم لقضاء الحوائج و حل المشاكل، و اخري عن طريق المراسله، و كان بعض وكلائه و سفرائه عليه ‌السلام يتعاطي مهنه التجاره التي تساعده علي التجول و حريه الحركه، لتضليل اجهزه الحكم الذين كانوا يراقبون الامام و تحركات سفرائه و وكلائه.

     هذا ملخص ما عثرنا عليه في بعض المصادر المعتبره، و الله ولي التوفيق.

 

الهوامش:

1.                               مراقد المعارف: للشيخ محمد حرز 1: 249، طبعه قم 1412هـ/1992م.

     2. راجع غيبه الطوسي: 227.

     3. راجع غيبه الطوسي: 224-225.

     4. راجع غيبه الطوسي: 227.

     5. راجع غيبه الطوسي: 226.

     6. راجع غيبه الطوسي: 225.

     7. راجع غيبه الطوسي: 225.

     8. راجع غيبه الطوسي: 228.

     9. الغيبه الصغري/ محمد الصدر: 406، المجالس السنيه 5: 684، في رحاب ائمه اهل البيت (ع) 5: 19، بحار الانوار 51: 352.

     10. راجع ترجمته في المجالس السنيه 5: 689، في رحاب ائمه اهل البيت عليه‌السلام 5: 22، بحارالانوار 51: 369.

     11. بحارالانوار 51: 364/12.

     12. بحارالانوار 51: 363.

     13. بحارالانوار 51: 362.

     14. راجع سيره الائمه الاثني عشر/ الحسني 2: 554-556، المجالس السنيه 5: 687، في رحاب ائمه اهل البيت عليه‌السلام 5: 21.