الامام الجواد رجل من بيت الرساله

جعفر البياتي

 

     الدارس لتاريخ الديانات السماويه يخرج فيما يخرج به: أن كل نبي، لابد له من وصي، يحفظه علي الامه في الدين الذي جاء به من عند الله «سبحانه و تعالي»، و يخلفه من بعده لئلا يزول الحق عن مقره، و يغلب الباطل علي اهله ثم ليكون حجه بينه علي العباد، اذ الوصي بعد النبي هدي من الضلال، و نور من العمي، فلا تبقي الامه في ضياع او حيره. و هذه القاعده يصطلح عليها اهل العقائد بـ(قاعده اللطف)، حيث من لطف الله ان لا يدع عباده بلادها من بعد المنذر جاء في تفسير ابن جرير الطبري / ج 13 ص 72، و التفسير الكبير للفخر الرازي، و الدر المنثور للسيوطي، و كنز العمال للمتقي الهندي / ج 6 ص 157 عن ابن عباس قال: لما نزلت «انما انت منذر و لكل قوم هاد» سوره الرعد / 7 وضع النبي (ص) يده علي صدره فقال: «انا المنذر، و لكل قوم هاد»، و أومأ بيده الي منكب علي (ع) فقال: «انت الهادي يا علي، بك يهتدي المهتدون بعدي»، ذكره الشبلنجي في نور الابصار، و المناوي في كنز الحقائق، و غيرهما. فخلافه الاوصياء الأمناء صيانه للتنزيل، و بيان للتأويل، و تعميق للرساله في حياه الامه، و عصمه للشريعه من التحريف.

     و لكن الوصي المستحفظ يواجه باهل التشكيك، الذين يحاولون ان يتهربوا من كل مسؤوليه حضاريه يدعو اليها الدين، فيكون بالضروره- ذلك الوصي علي علم لا يستعصي عليه أي سؤال، او إشكال، و علي هدايه لا تسري اليها أي حال من اللبس و التوهم، و علي تقوي لا يطرأ عليها أي انحراف، و علي درجه من الصبر و الفراسه لكي يعطي الجواب المناسب لكل سائل. فمن السائلين من هو مستفهم، و منهم من هو مستهزي، و منهم من هو مراء او مجادل او مغرض او متحد،

     لذا فالمهمه ليست باليسيره، انما تحتاج الي خزنه علم و ورثه معارف الانبياء، و الي الراسخين، المؤيدين برعايه الله (جل و علا).. و كان منهم محمد بن علي الجواد «سلام الله عليه»، الذي كانت قلوب الناس تهوي اليه رغم انه لم يكن سلطانا يخشي ظلمه او ترجي دنياه بل كان اشبه بالحبيس تطوقه عيون السلطه العباسيه، حتي لم تدعه يتجاوز السنه الخامسه و العشرين من عمره، اذ عاجلته بدس السم اليه ليقضي شهيداً يدفن الي جنب جده موسي الكاظم في بغداد.

 

الدليل، و الاعتراف

     لم يعش الامام محمد الجواد رضوان الله عليه مع أبيه علي الرضا (ع) الا سبع سنين و أشهرا. لكنه اذا سئل في معضلات المسائل و الاحكام أجاب علي الفور. و قد شهدت علي ذلك مناظراته مع قاضي القضاء‌ «يحيي بن اكثم» الذي كان قد اعترض علي تزويج المأمون له من ابنته «أم الفضل» و هو ابن تسع سنوات، لكن ابن أكثم هذا لم يقف أمام هذا الصبي كما تنقل الروايات الا دقائق قصيره حيت انقطع، و لم يخف علي احد من اهل المجلس انقطاعه، و تحير الناس عجبا من اجوبه الامام الجواد. فامر المأمون تكتب تلك الاجوبه، ثم التفت الي اهل بيته الذين انكروا ترويجه فقال لهم: هل فيكم من يجيب هذا الجواب؟ قالوا: لا و الله، و لا القاضي يا اميرالمؤمنين، كنت اعلم به منا. فقال المأمون: و يحكم، اما علمتم ان اهل هذا البيت ليسوا خلقا من هذا الخلق؟ اما علمتم ان رسول الله (ص) بايع الحسن و الحسين و هما صبيان، و لم يبايع غير هما طفلين؟ اما علمتم ان أباهم علياً آمن برسول الله (ص) و هو ابن تسع سنين، فقبل الله و رسوله ايمانه و لم يقبل من طفل غيره، و لا دعا رسول الله طفلا غيره!؟، او لم تعلموا انها ذريه بعضها من بعض، فجري لآخرهم ما يجري لاولهم؟!).

 

شواهد علميه

     روي احمد بن الفضل الخاقاني فقال: قطع الطريق «بجلولا» علي السابله من الحجاج و غيرهم، و أفلت القطاع، و طلبهم العامل حتي ظفر بهم، ثم كتب بذلك الي المعتصم فجمع الفقها‌ء و ابن أبي دؤاد، ثم سأل الآخرين عن الحكم و ابو جعفر الجواد حاضر، فقالوا: قد سبق حكم الله فيهم في قوله: «انما جزاء الذين يحاربون الله و رسوله و يسعون في الارض فساداً ان يقتلوا او يصلبوا او تقطع ايديهم و ارجلهم من خلاف او ينفوا من الارض» سوره المائده / 33، و الأمير المؤمنين أن يحكم بأي ذلك شاء. فالتفت المعتصم الي الامام الجواد و هو شاب غض، قائلا له: اخبرني بما عندك فقال: انهم قد أضلوا فيما افتوا به. و بهذه الجمله القصيره يبين الامام الجواد بان الفقهاء الحاضرين ليسوا فقهاء‌، انما هم جهال مضلون، و مفتون علي غير علم، جرأه منهم علي الله، و تملقا الي السلطان. ثم اشار (عليه السلام) علي المعتصم ان ينظر في هؤلاء القطاع للطريق قائلا له: فان كانوا اخافوا السبيل فقط و لم يقتلوا احد و لم يأخذوا مالاً امر بايداعهم الحبس، فان ذلك معني نفيهم من الارض باخافتهم السبيل. و ان كانوا اخافوا السبيل و قتلوا النفس امر بقتلهم. و ان كانوا اخافوا السبيل و قتلوا النفس و اخذوا المال امر بقطع ايديهم و ارجلهم من خلاف، و صلبهم بعد ذلك). وسائل الشيعه / للحر العاملي ج 18 ص 536.

     و قال قاضي القضاه (احمد بن دؤاد): ان سارقا اقر علي نفسه و سأل الخليفه المعتصم تطهيره باقامه الحد عليه، فجمع لذلك الفقهاء و احضر (محمد بن علي الجواد (ع)، فسألنا عن القطع، في اي موضع يجب؟ فقلت الكرسوع، - و هو طرف الزند النائي مما يلي الخنصر  فقال المعتصم؛ و ما الحجه في ذلك؟ قلت: لان اليد هي الاصابع و الكف الي الكرسوع، يقول الله تعالي في التيمم «فامسحوا بوجوهكم و ايديكم» سوره النساء / 43. و اتفق معي علي ذلك قوم، و قال آخرون: بل يجب القطع من المرفق، لان الله تعالي لما قال «و ايديكم الي المرافق» سوره المائده / 6 دل علي ان حد اليد هو المرفق. فالتفت المعتصم الي الجواد و ألح عليه بالاجابه مقسماً عليه، فقال: اني أقول انهم أخطأوا في السنه، فان القطع يجب ان يكون عن مفصل اصول الاصابع، فيترك الكف. فقال المعتصم: و ما الحجه في ذلك؟، قال: قول رسول الله(ص): السجود علي سبعه اعضاء: (الوجه و اليدين، و الركبتين و الرجلين)، فاذا قطعت يده من الكرسوع او المرفق لم يبق له يد يسجد عليها، و قال الله تعالي «و ان المساجد لله» سوره الجن / 18 يعني به هذه الاعضاء السبعه التي يسجد عليها، و ما كان لله لم يقطع. فأعجب المعتصم بذلك، و امر بقطع يد السارق من مفصل الاصابع دون الكف). تفسير العياشي ج 1 ص 319.

 

من نفحاته

     و اما قصار حكم الامام محمد بن علي الجواد «عليه السلام» فاختر ما شئت منها و انهل ما تشاء، فهي لكل امر يعتريك، و كل معضله تلم بك او تضنيك، و قل: هي لكل حال طرأت او ستطرأ، فخذ عدتك منها، و تأملها باذني قلبك.

     جاء عنه فيما جاء من حكم بليغه:

     * «تأخير التوبه اغترار، و طول التسويف حيره، و الاعتلال علي الله هلكه، و الاصرار علي الذنب أمن لمكر الله ».

     * «المؤمن يحتاج الي ثلاث خصال، توفيق من الله، و واعظ من نفسه، و قبول ممن ينصحه».

     * «القصد الي الله تعالي بالقلوب، ابلغ من إتعاب الجوارح بالاعمال». * «من أطاع هواه، أعطي عدوه مناه».

     * «كفي بالمؤمن خيانه ان يكون أمينا للخونه».

     * «الايام تهتك لك الامر عن الاسرار الكامنه».

     * «من سلامه الانسان: قله حفظه لعيوب غيره، و عنايته باصلاح عيوب نفسه».

     * «لا يضرك سخط من رضاه الجور».

     * «اهل المعروف الي اصطناعه احوج من اهل الحاجه اليه، لان لهم اجره، و فخره و ذكره، فمهما اصطنع الرجل من معروف فانما يبتدي فيه بنفسه».

     * «العامل بالظلم، و المعين عليه، و الراضي به: شركاء».

 

هذا ما كان و جري

     و اذا كان بعض الناس قد عمي عن الحقيقه او تعامي، او حبس انفاس الثناء‌، فان الكثير اعترفوا - و لابد لهم بفضائل مولانا الجواد «رضي الله عنه»

     - فهذا الاسقف بعد ما سمع بمعجزاته قال: «يوشك ان يكون هذا الرجل نبيا، او  من ذريه نبي».

     - و هذا ابو العيناء يقول له: «انت تجل عن وصفنا، و نحن نقل عن وعظك، و في علم الله ما كفاك». المناقب/ لابن شهر آشوب ج 2 ص 413.

     - و هذا احمد بن يوسف الدمشقي القرماني يقول: «أما مناقبه فما امتدت اوقاتها، و لا تأخر ميقاتها، بل قضت عليه الاقدار الإلهيه بقله بقائه في الدنيا فقل مقامه، و عاجله حمامه، و لم تطل ايامه، غير ان الله عز و جل خصه بمنقبه شريفه، و آيه منيفه» اخبار الدول/ ص 116.

     أجل، عاجله حمامه، بل خصومه، و لم يمهله حساده حتي وشوا به، و حرضوا عليه سلطان الجور في زمانه، - و هو المعتصم العباسي-، الذي لم يرع فيه لله حرمه، اذ اوعز الي أم الفضل بنت المأمون ان تدس له السم، و كان الجواد رضوان الله تعالي عليه صائما، فافطر علي طعام مسموم ظل يعاني منه بعد ان اغلقت عليه الابواب فاجتمعت في بدنه اربع حرارات: حراره السم، و حراره الشباب و حراره الصوم، و حراره الجو، فكان شهيدا بعد ثلاثه ايام مطروحه علي سطح الدار. نقل منه الي جنب قبر جده الامام الكاظم (ع) ليدفن عنده في مدينه بغداد  عام 220 ه، عن عمر لم يتجاوز الخامسه و العشرين.

 

الوحده العدد 167