الامام الحسن العسكري رجل من بيت الرساله

جعفر البياتي

 

     هو الحسن بن عليّ الهادي، إبن محمّد الجواد، إبن عليّ الرضا، حتّي ينتهي نسبُه الي الامام عليّ بن أبي طالب «عليهم جميعاً أفضلُ الصلاه و السلام». كنيته: أبو محمّد، و ألقابه التي خلعها عليه ربُّه «عزّ و جلّ» و جرتْ علي ألسنه الناس: الزكيّ، و التقيّ، و العسكريّ، و السراج، و الخالص، و المرضيّ.

 

نبذه من حياته

     وُلد الامام الحسن العسكريّ «عليه السلام» في المدينه المنوّره يوم الجمعه لثمانٍ خلون من ربيع الآخر سنه اثنتين و ثلاثين و مائتين من الهجره النبويه المباركه، في مقطع تاريخيّ حسّاس يتطلّب همّه عاليه للنهوض بالمهمّات الثقيله و الصعاب الجسيمه، حيث همين الظلم العباسيّ علي شؤون البلاد، و سائر العباد، فلم يُبقِ مصلحاً الاّ عاجله بالقتل، و لم يَدعْ جماعه مؤمنه الاّ و طالها بالحبس و التشريد و التجويع و الفتك.

     و قد اصطحبه أبوه الامام عليّ الهادي «عليه السلام» الي «سُرّ مَن رأي» حيث استُدعي الي هناك ليكون تحت رقابه إرهاب السلطه، تحصي عليه الحركات و السكنات، و تعزله عن القاعده المواليه لآل الرسول «صلي الله عليه و آله»، و تضيّق عليه من كلّ جانب، لئلاّ يكون له شأن في أوساط الأمّه الاسلاميه. فعاش الامام العسكري «عليه السلام» منذ طفولته جواً خانقاً رهيباً قاسياً، .. و مع هذا كلّه كان له دورُِ مهمّ في إصلاح الناس، و تبيان معالم الدين الحقّ، و دفع سُحب الضلال السود عن سماء الأمّه الاسلاميه.

 

مهمّات رساليه

     في تلك الظروف الصعبه انصبّ جهدُ الامام العسكريّ «عليه السلام» علي ثلاث مهمّات رساليّه:

     الاولي: توحيد المسلمين بخلقْ اجواء الألفه و المحبّه و التقارب فيما بينهم. و ذلك يثمر أمرين: آ تقارب الآراء من خلال تبيان الحقّ في أجواءٍ أخويّه و أحاديث علميّه. ب تفويت الفرصه علي النظام الحاكم، الذي يحاول بثّ الفرقه او استثمارها لتقويه كيانه الظالم بانشغال المذاهب و الفئات في تناحرها و صراعها.

     الثانيه: شدّ القاعده الي الإمام واجب الطاعه، و إثبات أحقيّه الخلافه لأوصياء النبيّ الأكرم «صلي الله عليه و آله و سلم»، من خلال الأدلّه: العقليّه، و النقليّه، و أنّ بني العبّاس غاصبون للسلطه فلا يحقّ لهم تقلّد المناصب أو تسلُّم مقاليد الحكم. و قد بان للناس: ضلالهم و فسادهم، بل إضلالُهم و إفسادهم.

     الثالثه: رعايه شؤون الامه، من: قضاءِ حوائجها الدنيويّه، و إيضاح ما يُصلح أمورها الأخرويه، من خلال الإحسان الي فقرائها، و نُصح ضلاّلها، و الاجابه علي مسائلها، و ارشادها الي سبيل الايمان و العباده و الأخلاق الكريمه.

     و لبيان بعض المصاديق نذكر شيئاً من النصوص الشريفه: جاء في إحدي وصايا الامام العسكريّ « عليه السلام » الي شيعته:

     - أوصيكم بتقوي الله، و الورع في دينكم، و الاجتهاد لله، و صدق الحديث، و أداءِ الأمانه الي مَن ائتمنكم: مِن بَرًّ أو فاجر، و طولِ السجود، و حُسن الجوار، فبهذا جاء محمد «صلي الله عليه و آله»).

     و كتب «عليه السلام» الي عليّ بن الحسين بن بابويه (والد الشيخ الصدوق) «ره» يوصيه:

     - أوصيك: بتقوي الله، و إقامِ الصلاه، و إيتاء الزكاه، فإنّه لا تُقبل الصلاه من مانع الزكاه، و أوصيك: بمغفره الذنب، و كظم الغيظ، و صله الرحم، و مواساه الإخوان و السعي في حوائجهم في العسر و اليسر، و الحلم عند الجهل، و التفقّه في الدين، و التثبّت في الامور، و التعاهد للقرآن، و حسْن الخلق، و الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر، قال الله تعالي: «لا خير في كثير من نجواهم الاّ مَن أمر بصدقه أو معروفٍ أو إصلاح بين الناس» (النساء: 114)، و اجتناب الفواحش كلّها، و عليك بصلاه الليل .. و أمرْ جميع شيعتي بما أمرتُك به حتّي يعلموا عليه .. و أمرْ جميع شيعتي بالصبر، فإنّ الأرض لله يورثها من يشاء من عباده و العاقبه للمتقين) (بحار الأنوار 217:17)

     و فيما كتبه «عليه السلام» الي اسحاق بن اسماعيل النيسابوريّ:

     نحن بحمدالله و نعمته أهلُ بيتٍ نرقُّ علي أوليائنا، و نُسَرُّ بتتابع إحسان الله اليهم، و فضله لديهم .. فاعلمُ يقيناً يا إسحاق أنّه من خرج من هذه الدنيا أعمي فهو الآخره أعمي و أضلُّ سبيلا. يا ابنَ إسماعيل، ليس تعمي الأبصار، و لكنْ تعمي القلوب التي في الصدور، و ذلك قول الله في محكم كتابه حكايه عن الظالم إذْ يقول:

     «ربّ لِمَ حشرتَني أعمي و قد كنتُ بصيرا. قال كذلك أتتْك آياتنا فنسيتها و كذلك اليوم تُنسي» (طه: 125)، وأيُّ آيه أعظم من حجه الله علي خلقه، و أمينه في بلاده، و شهيده علي عباده، من بعد ما سلف من آبائه الأوّلين النبيّين، و آبائه الآخرين الوصيّين «عليهم أجمعين السلام، و رحمه الله و بركاته»، فأين يُتاه بكم؟! .. إنّ الله بمنّه و رحمته لمّا فرض عليكم الفرائض لم يفرض ذلك عليكم لحاجه منه اليكم، بل رحمه منه لا إله الاّ هو عليكم، ليميز الخبيث من الطيّب، و ليبتلي ما في صدوركم، و ليمحّص ما في قلوبكم .. ففرض عليكم الحجَّ  العمره، و إقامَ الصلاه و إيتاء الزكاه، و الصوم، و الولايه، و جعل لكم باباً تستفتحون به أبواب الفرائض، و متاحاً الي سبيله، و لولا محمّدٌ الأوصياء من ولده لكنتم حياري كالبهائم، لا تعرفون فرضاً من الفرائض، و هل تُدخَلُ مدينه الاّ من بابها؟، فلمّا مَنّ عليكم بإقامه الأولياء بعد نبيّكم قال الله في كتابه: «اليومَ أكملتُ لكم دينَكم و أتممتُ عليكم نعمتي و رضيت لكم الاسلام دينا»، ففرض عليكم لأوليائه حقوقاً أمركم بأدائها ). (تحف العقول / لابن شعبه الحرّانيّ: 360).

 

شهادته

     مع ما كان عليه الامام الحسن العسكريّ «عليه السلام» من حال النقيّه فإنّ الحكومه العباسيه كانتْ تنظر اليه بعين الريبه و الشكّ و الامتعاض. و لكنّ هذا لم يحلّ بينه و بين أمرين، أوّلهما: العمل من اجل تبيان معالم الدين، و كشف السحب الضلاليّه السوداء عنه، و ثانيهما: اتّخاذ اسلوب الدعوه الهادئه الي الله «سبحانه و تعالي»، من دون إثاره السلطه العباسيه الحاقده.

     حتّي أنّه «سلام الله عليه» كتب يوماً الي داود بن الأسود:

     اذا سمعتَ لنا شاتماً فامضِ لسبيلكَ التي اُمرتَ بها، و إيّاك أنْ تجاوبَ مَن يشتمنا، أو تُعرّفَه مَنْ أنت). « مناقب، آل أبي طالب / لابن شهر آشوب 442:2».

     لكنّ النظام العباسيّ القائم علي الظلم و البطش قد قرّر التخلّص من الامام العسكريّ «عليه السلام»، إمّا:

     أ لأنّه كان يري الآثار المباركه للإمام بين الناس.

     ب أو لأنه كان يتوجس خيفه من وجود عَلَمِ و إمامٍ يلجأ اليه الناس، فيكون «عليه السلام» بوجوده الشريف و فيوض علومه فاضحاً للواقع العباسيّ الفاسد. و علي أيه حال كان هذا النظام لا يرتاح الي وجودٍ شخص: يخالفهم، أو يخالفهم، أو يختلف عنهم، أو يختلف معهم، فعمدتْ يُده الآثمه الي دسّ السم الي مولانا الامام العسكريّ «سلام الله عليه» بأمرٍ من الحاكم العباسيّ (المعتضد) كما في (اعتقادات الصدوق: 110)-، بعد أن عاصر ثلاثه أئمه جور: المعتزّ، و المهتدي، و المعتمد، و عاش مدّه من عمره في سجون الظالمين، و لا تزال آثار تلك السجون باقيه الي اليوم في مدينه (سامرّاء)، و بعد أن قضي زمناً طويلاً في الإقامه الجبريّه و الحصار السياسيً.

     و أخيراً، استُشهد مولانا الامام العسكريّ «صلوات الله عليه» يوم الجمعه لثمانٍ خلون من ربيع الأوّل سنه مئتين و ستين من الهجره، و لم يكن له الاّ ثمانيه و عشرون عاماً من العمر، ليس الاّ. فدُفن في (سُرّ مَن رأي) الي جنب أبيه عليّ الهادي «عليه السلام»، ليكون لهما ذلك المرقدُ المقدّس الشامخ، تعلوه أكبر قبّه ذهبيه في العالم. بينما مضي أعداؤه و قتلته أدراج الضياع و العفا و مذمّات التاريخ، لأنهم قتلوا من شهد الجميع بفضله.

 

قيل فيه

     1- قال الوزير عبيد الله بن خاقان لابنه: يا بُنيّ! لو زالتِ الإمامه عن خلفاء بني العبّاس ما استحقّها أحدٌ من بني هاشم غيره (أي الامام العسكري «عليه السلام»)، لفضله و صيانته، و زهده و عبادته، و جميع أخلاقه و صلاحه). « الإرشاد: 364».

     2- و قال ابنه احمد بن عبيد الله بن خاقان: ما رأيتُ و لا عرفت في (سُرّ مَن رأي) رجلاً من العلويّه مثل الحسن بن عليّ في هديه و سكونه، و عفافه و نبله، و كبرته عند هل بيته و بني هاشم كافّه، و تقديمهم إيّاه علي ذوي السنّ منهم و الخطر، و كذلك كانت حاله عند القوّاد و الوزراء و عامّه الناس .. و ما سألتُ احداً من بني هاشم و القُوّاد و الكتّاب و القضاه و الفقهاء و سائر الناس الاّ وجدته عندهم في غايه الاجلال و الإعظام، و المحلّ الرفيع، و القول الجميل، و التقديمٍ له علي جميع أهل بيته و مشايخه، فعظم قدره عندي، و لم أرَ له وليا و لا عدواً الاّ و هو يحسن القول فيه، و الثناء عليه) « الإرشاد: 365)».

     - هذا أشدّ ما كان يخشاه بنو العباس.

     3- و قال بختيشوع الطبيب: هو أعلم في يومنا هذا من هو تحت السماء) « بحار الأنوار 170:12».

     4- و قال له آنوش النصراني كاتب الحاكم العباسي إنّا وجدناكم في هذا الإنجيل مثل المسيح عيسي بن مريم عند الله). «صحيفه الأبرار 332:2».

     5- و قال له راهب دير العاقول بعد أن شاهد بعض معاجزه و كراماته فأعلن اسلامه -: هذا نظيره (أي نظير المسيح «ع» في آياته و براهينه) «صحيفه الأبرار 329:2».

     6- و قال كمال الدين محمد بن طلحه الشافعيّ: و أمّا مناقبه، فاعلم أنّ المنقبه العليا، و المزيه الكبري التي خصّه الله «عز و جل» بها، و قلّده فريدها، و منحه تقليدها، و جعلها صفه دائمه لا يبلي الدهر جديدها، و لا تُنسي الألسنه تلاوتها و ترديدها: أنّ المهديّ نسله) «مطالب السؤول: 88».

     7- و قال سبط ابن الجوزيّ: كان (الامام العسكري «ع» عالماً ثقه) «تذكره خواصّ الأمه: 203».

     8- و قال ابن الصبّاغ المالكيّ: (فارس العلوم الذي لا يُجاري، و مبيّن غوامضها فلا يجادل و لا يماري، كاشف الحقائق بنظره الصائب، مظهر الدقائق بفكره الثاقب، المحدّث في سرّه بالأمور الخفيّات، الكريم الأصل و النفس و الذات): «الفصول المهمه: 272».

     9- و قال له مهجع بن الصلت: أشهد أنّ حقّك لواجبٌ كوجوب حقَّ أمير المؤمنين و الأئمه من بعده (صلوات الله الذي لا عذرَ لأحدٍ في الجهل به) « بحار الأنوار 170:12».

     فسلامٌ عليه يومَ وُلد، و يومَ استُشهد،

     و يوم يُبعث شفيعاً للمؤمنين، من محبّي محمد و آله الطاهرين، صلواتُ الله عليهم اجمعين.

 

الوحده العدد 182