كيف واجه العالم الاسلامي اعداءه؟

محمد باقر الصدر الانموذج و القدوه

منير مسعودي

 

     التقي الغرب العالم الاسلامي لقاءين تاريخيين مهمين، الاول: وقائع الحروب الصليبيه، حيث واجه عالماً كان بالنسبه له جديدا و عجيبا تماما. و قد استفاد الغرب في هذا اللقاء، من الحضاره الاسلاميه الباهره اشياء كثيره، علي الصعيد الفكري و المعنوي، كان لها تأثير اساس و واضح في التحول التاريخي لنمط الحياه في الغرب و تشكيل حضارته الحديثه.

     اللقاء الثاني حصل بعد ظهور الحضاره الحديثه و بدء عصر الفتوحات الغربيه. حيث جاء الغرب المره الي هذه الجهه من العالم، بدعامه ثقافيه و حضاره حديثه، كانت قد بدأت معالمها مع عصر النهضه و اتخذت لها صوره خارجيه بارزه بعد الثوره الفرنسيه، و اعلن عن وجوده الاستعماري في العالم بما فيه العالم الاسلامي.

     جاء الغرب بمظهره الجديد ليس للاستيلاء علي الاراضي و نهب الثروات الطبيعيه و استغلال الطاقات البشريه فحسب، بل للقضاء علي كل ما هو غير عربي، و من جمله ذلك: الهويه التاريخيه و الثقافيه للشعوب الأخر.

     حمل الغرب في صورته الحديثه للبشريه رؤيه جديده للعالم و نمطاً حديثاً للحياه، ظهرت في قالب مذاهب فلسفيه و اجتماعيه و اقتصاديه، و مثلت الليبراليه و الاشتراكيه اهم هذه المذاهب و اشهرها علي الاقل في القرن الحاضر.

     و من المفيد ان اتناول هنا، بقدر ما تسنح الفرصه، بشكل اجمالي الاوضاع الفكريه و الاخلاقيه و العمليه و الظروف من الهدف الذي انشده من هذا البحث.

     لقد حفلت ظروف الغرب و احواله خلال الفتره الممتده من عصر الرونيسانس و حتي الثوره الفرانسيه- من القرن السادس عشر و حتي القرن الثامن عشر بما يستحق التأمل و الاهتمام. ففي هذه الفتره تم التخلص من حاكميه الكنيسه و بالتالي سلطه الدين علي الحياه الاجتماعيه للناس، و منحت الاصاله لـ«العقل» المقطوع عن «الوحي»، بوصفه المصدر الوحيد لتشخيص الحقيقه؛ و حل العلم، خاصه العلم التجريبي، محل الديانه في اذهان الناس و منطلقاتهم الفكريه و حتي العاطفيه. واضحت اللذه، و الرفاه المادي، مصدر سعاده الانسان و هدفه في هذه الحياه. و بذلك اقصي الله عن اذهان الناس و حياتهم، او انه واضحي مجردا لا حق له في التكليف و التشريع، و فتح الباب امام التطلعات المنظوره، و اصبح التمتع باللذه الدنيويه و الثروه الماديه الدافع المهم للنشاط و التحرك. و امسي الانسان موجودا مخلداً في الارض، جنته الموعوده، و انه بجهده و اعتماده علي العقل و تشخيصه، سيحقق لنفسه هذه الجنه، التي لا تمثل غير الرفاه و التمتع المادي المتنامي. و من الطبيعي في مثل هذه الاجواء الفكريه و العاطفيه، ان تحطي الاحتياجات الماديه بالاولويه و الاصاله، و ان يعتبر كسب الثروه وسعه التحكيم بالطبيعه و استغلالها، و الاستهلاك السهل و الشامل، تقدماً و تطورا. و بتعبير أدق، تصبح رغبات الانسان مبني الافكار و الاخلاق و القيم في الغرب الحديث.

     في مثل هذه الاجواء تشكلت اركان الليبراليه، رغم ان الامر استغرق عشرات السنين حتي تمكن المراقبون الغربيون، و علي ضوء الاستنباط الذي توصلوا اليه من خلال التحولات التي طرأت علي حياه الناس، من تعريف الليبراليه بنحو محدد نسبيا، و عرضها بصوره مذهب مدون.

     علي ايه حال، واصلت الحضاره الغربيه الحديثه و ثقافتها، بفضل الدعم الفكري و القيمي الجديد و العزم علي فرض سيطرتها علي العالم، هجومها ضد الانسان و العالم بما فيه العالم اسلامي، خاصه في القرآن العشرين. و لم يقتصر جهدها علي احتلال اراضي الغير و اقامه الانظمه العميله لها، بل خيرت الشعوب بين انتخاب احد نمطي الحياه الغربيه، الليبراليه او الاشتراكيه او مزيج منهما و كعادتها انطلقت تقارع كل ما لا يتلاءم و افكار الغرب و مصالحه، بصوره مباشره و غير مباشره.

     و في هذا اللقاء الاخير، وجد العالم الاسلامي نفسه يخوض الصراع المحتدم علي صعيدين:

     الف: الصعيد الفكري و العقائدي، حيث راح النظام السلطوي يعمل بقسوه علي مسخ التراث الفكري و الهويه الثقافيه و مصادره الموروث الديني و التاريخي و القومي للشعوب المسلمه و تشويهه، من خلال طرح المذاهب البديله.

     باء‌: صعيد مقارعه الحكومات المتفرعنه، التي رغم انها كانت طوال التاريخ، و بسبب طغيانها و استبدادها، منشأ خسائر و اضرار كثيره، الا انها هذه المره، و من خلال ادائها لدور المنفذ للسياسات الاقتصاديه للنظم الغربيه المستكبره، كانت الممهد للاعتداءات السياسيه و الاقتصاديه و الثقافيه و الماديه التي يمارسها الاجانب ضد البلدان الاسلاميه.

     و علي مدي المئه عام الماضيه، كنا قد شهدنا، بنحو ما، في الكثير من البلدان الاسلاميه خاصه ايران، ثلاثه انواع من ردود الفعل تجاه الغرب تمثلت في:

     1- القبول و التسليم المطلق.

     2- النفي و الرفض المطلق.

     3- المواجهه النابغه عن قناعه و استقلال، عبر رؤ‌يه عميقه و شامله تستند الي الاسلام الاصيل.

     بالنبسه للجناح الاول، الذين قبلوا التسليم الكامل مقابل الغرب، فقد مثله اولئك الذين بهرهم النظام الغربي الفكري و الاجتماعي، حيث توهموا انه ليس امام البشريه طريق للنجاه سوي التسليم في مقابل التقدم المادي المدهش للغرب و بهارج دنياه. و انه لا يوجد نظام للحياه اصلح من ذلك الذي يقدمه العصر الجديد للغرب. و لا يخفي، انني اعني بـ«الغرب» هنا «الغرب الفكري» الذي يتجلي في صورتين. و ان التشبه بالغرب ايضاً كان يظهر احيانا بما يتناسب و الخلفيات الذهنيه و الظروف الاجتماعيه لعديمي الاراده بصوره مناصره لليبراليه، و احيانا اخري اتباع للاشتراكيه. حتي ان احدهم كان يقول: ينبغي ان يتفرج كل شيء من قمه الرأس و حتي أخمص القدم. و طرح آخر التمسك بالاشتراكيه طريقاً للخلاص. و اقترح ثالث مزيجا من «الاشتراكيه و الديمقراطيه».

     ان اجواء النهضه التي يصطلح عليها باليقظه، في المئه سنه الاخيره من تاريخ ايران، شاهد ناطق علي وجود مثل هذه التوجهات، حيث كانت قد ظهرت و تجلت عبر محاكاتها للمعايير الفكريه و الموازين الغربيه القيميه، و ترويجها للثقافيه الغربيه و اشاعتها. كما انها كانت منشأ تشكيل الاحزاب و الفضائل السياسيه المتعدده، و نشاطاتها في ميدان الحياه الاجتماعيه للعالم الاسلامي بما فيه ايران.

     و باستطاعتنا ان نقسم الجناح المبهور او المرعوب بالغرب الفكري، الي ثلاث فئات: الملحده، و المنافقه، و الالتقاطيه. و قد مثل الفئه الاولي اولئك الذين انكروا بصريح العباره الذين و دوره في الحياه الاجتماعيه، و لم يألوا جهداً في بسط آرائهم المعاديه للدين. و ان نماذج هذا التيار في العصر الحديث لتاريخ بلادنا ليست قليله.

     اما بالنسبه للفئه الثانيه فهي رغم انها لا تصرح بموقفها من الدين و الوحي، بل ان حقيقه عقائدها و افكارها ليست غير الالحاد، و لكنها نزلت الميدان بقناع النفاق، و لم تعلن عن محاربتها الدين بشكل علني، و لكنها انكرت ضرورات وجود الدين و مستلزماته كافه، بشكل يمكننا ان نطلق عليها لفظ الفئه المنافقه.

     الفئه الثالثه، مثلها اولئك الذين سيطرت عليهم شهره الغرب و ملأت اذهانهم و عواطفهم. الا انهم في كل الاحوال يحنون الي الاسلام ايضا. و يشاهد في اوساط هذه الفئه افراد متدينون كانوا حقا علي الصعيد الفردي معتقدين بالاصول و متمسكين بالاحكام، الا انهم، علي الاقل في ميدان الحياه الاجتماعيه، قد سلموا بوعي او بغير وعي باصاله الحضاره الجديده و فكرها و حقانيتها، و كانوا يحاولون بكل السبل فهم الاسلام و التعرف علي صدق ادعاءاته من خلال المعايير التي استعاروها من الغرب، و يحرصون علي اظهاره بمظهر المنسجم مع الاسس الفكريه و الاخلاقيه التي طرحتها الحضاره الجديده. و في هذا المجال بذلت جهود كبيره، و بالاستفاده المنقوصه من النصوص الاسلاميه و التأويل و التفسير بالرأي الباطل، للبرهنه علي موافقه الاسلام لليبراليه او الاشتراكيه.

     ان المحاورات الواسعه التي ظهرت في العالم الاسلامي خلال المئه سنه الاخيره، من قبل بعض المفكرين او اشباه المفكرين في مجال تطابق الاسلام مع المباني الغربيه الفلسفيه و القيميه و الاجتماعيه، ليست خافيه علي الباحثين في تاريخ التطورات الاخيره للمجتمعات الاسلاميه. كم كانت هناك مساع واسعه في العقود الاخيره لبلوره صوره للاشتراكيه الاسلاميه، و قد كان لها شهره واسعه بين اوساط المسلمين المقهورين من قبل الاستعمار خاصه الشباب المنظم. اذ ان الغرب الليبرالي هو الذي جاء بالاستعمار و ان الكثير من الشعوب الاسلاميه و الشرقيه كان يمقت استعمار الغرب الرأسمالي بسبب الفجائع التي شهدها، الا انه كان مبتلي بالتغريب علي الصعيد الفكري، و انه لم يكن يري طريقا للخلاص غير ذلك عرصه الغرب ايضاً بصوره ما. و بالنتيجه اختاروا الاشتراكيه اقتداء بقادتهم الاشتراكيين الغربيين.

     يذكر المرحوم الدكتور حميد عنايت في احدي مؤلفاته:

     «قال لي استاذ احدي الجامعات المصريه: في الوقت الذي يسعي اللادينيون بشكل خفي الي تبرير الاشتراكيه من وجهه نظر الاسلام، فان شيوخ الازهر منهمكون في اثبات الاسلام عن طريق الاشتراكيه.»(1)

     و بعد كتاب «اشتراكيه الاسلام» لمؤلفه مصطفي السباعي، العالم السوري، الذي طبع و نشر عام 1959، من اشهر الكتب التي الفت للدفاع عن الاشتراكيه التي اصطلح عليها بالاسلاميه. و علي ‌الرغم من ان هناك الكثير ممن خطا في هذا الطريق و جهدوا في اقامه الادله علي مزاعمهم، الا ان «القيمه الحقيقه لكتاب السباعي تكمن في الاحصاء الدقيق اللغه الصريحه لهذه الاستدلالات»(2) علي حد قول المرحوم الدكتور عنايت-.

     و علي ‌الرغم من امكانيه وجود حسن نيه لدي الرواد الاوائل لهذه الحركه، الا ان مثل هذه الحركه تقود مع الاسف في الكثير من الحالات، و بشكل طبيعي، الي انكار الاسلام و الوحي، و التسليم الكامل بذلك الذي كان مبني الحركه في النشاط الذهني الدؤوب، ذلك نظراً لاتصافها بذهنيه مسبقه تعطي الحقانيه للغرب، من دون معرفه كافيه بالاسلام و معارفه و اساليبه في استنباط الاحكام الالهيه، و افتقارها للنظره الشامله لدي الخوض في المصادر الاسلاميه.

     الجناح الثاني: في مقابل الجناح انف الذكر الذي لم يكن يري في مواجهه الغرب سبيلا غير التسليم، كان هناك جناح آخر ايضاً يرغم الدفاع عن الاسلام و الذود عنه، و بوهم المواجهه مع الاجانب الكفار غض الطرف عن رؤيه الكثير من الحقائق و الواقعيات، و سجن نفسه في حصار ضيق خانق، لم يؤد الا لاي الهزيمه. و اعتبر افراد هذا الجناح طريق المواجهه منحصراً بالانكار المطلق للغرب و اغلاق كل الابواب في وجهه. و نتيجه لذلك اسدل ستار كثيف امام الانظار حتي لم تتم رؤيه الكثير من الواقعيات ايضا.

     ان اهميه عمل هذا الجناح تكمن في انه احسن بالخطر بشكل اجمالي، و وعي ان هناك سيلاً عارماً انطلق من صوب الغرب و راح يهدد اساس الاسلام و استقلال المسلمين. بيد ان الخطأ الذي ارتكبه افراد هذا الجناح كان في تشخيص طريق المواجهه. اي بدلا من تجهيز انفسهم و المجتمع الاسلامي بالسلاح و الفكر و كل مستلزمات الصراع الضروريه و المناسبه، انطلقوا الي اغلاق جميع الابواب في وجه الغرب، و اصروا علي رفض كل شيء يمت للغرب بصله، حتي كان هناك علي سبيل المثال- من حرم الاستفاده من مكبره الصوت.

     ان ما يستحق التقدير في هذا التحرك هو المعارضه الجديه لسلطه الغرب المستكبر السياسيه و الثقافيه و الاقتصاديه التي تجلت احيانا في صوره صراع مصيري حاسم، و التي سجلتها صفحات مشرقه من تاريخ المئه عام الماضيه للعالم الاسلامي لاسيما تاريخ ايران. بيد ان الخطا الذي ارتكبه هؤلاء، نتيجه لجهلهم بالعصر و تحولاته، و عدم معرفتهم الصحيحه لعدوهم و رقيبهم، هو انهم كانوا يتصورون ان من الممكن بكل سهوله اغلاق ابواب المجتمع في وجه الغرب، و كانوا يعتقدون بانه اذا ما اغلقت المنافذ المنظوره، فسوف يفتقر العدو قدره النفوذ، غافلين عن ان الغرب لم يكن خيالاً، بل حقيقه واقعه ذات وجود خارجي، و انه و من خلال الدعامه العسكريه المقتدره المتسلحه بالفكر و الاخلاق الجديده، و امتلاكه للمذاهب التي من الممكن ان تكون ذات سحر و جاذبيه للكثيرين، و النزعه السلطويه للاستيلاء علي ثروات العالم التي تتسم بها هذه القوه المجهزه و التي تستند الي بنيه اقتصاديه قويه، و علوم تجريبيه و تكنولوجيه، كل ذلك كان قد وفر له امكانيه النفوذ و التوغل، و مكنه من اختراق جميع الحدود الجغرافيه و السياسيه و الفكريه، و التدفق كالسيل العارم الي مختلف انحاء الارض و بسط نفوذه فيها عاجلاً ام آجلاً.

     ان التعامل مع هكذا ظاهره عملاقه يتطلب نظره عميقه شامله، مجهزه بجهاز فكري و اعلامي و ثقافي و سياسي، و هذا ما كان يفتقر اليه مع الاسف- الجناح المذكور، بل لم يكن يشعر اساسا بضروره الحصول علي ذلك ايضا.

     لقد مثل «العصر الغربي الحديث» اكبر «حادثه واقعه» كان ينبغي للعلماء و المفكرين الدينيين ان يتعرفوا عليها بشكل جيد. و ان ينطلقوا عبر تمسكهم بالقرآن الكريم و بقيه مصادر الفكر الاسلامي، و من خلال ايجاد اسس فكريه محكمه تنسجم و روح العصر و السعي لاستقرارها و ثباتها لخوض الصراع مع العدو و الرقيب. الا ان اي واحد من هؤلاء‌ لم يكن يقترح طريق حل غير الرفض المطلق، الذي كان يقود عملياً الي انكار حقيقه الغرب. و كونهم لم يروا الحقائق،‌ كانوا في الواقع يتركون الميدان مفتوحاً لتوغل الغرب و نفوذه في صلب الثقافه و اداره المجتمع، و يتخلفون عن مواقعهم الواحد بعد الآخر في مقابل العدو. و النتيجه انزواء‌ المتدينين و عزل الدين المتزايد عن ميدان الحياه الاجتماعيه، و بالتالي شيوع الاعتقاد القائل بان الدين يعارض اي نوع من التغيير و الابداع، و هو عاجز عن مواجهه المعضلات و ايجاد الحلول للمعاناه الحقيقه للمجتمع. حتي ان العدو ايضا راح يشيع مثل هذا التصور خاصه في اوساط طبقات المجتمع المتعلمه.

     الجناح الثالث: اما رد الفعل الثالث في مقابل الغرب، فهو ذلك الموقف الذي كان ينبغي ان يكون. و ان من بين افراد هذا الجناح المدافع عن الاسلام الاصيل و عزه المسلمين، وجوها عظيمه كالشهيد الصدر و الشهيد مطهري، تحطي بسطوع خاص في الفتره المتأخره من تاريخ الاسلام. و في الحقيقه ان الجهاد الفكري لهؤلاء العظام يفتح ابواب مرحله جديده في تاريخ الفكر الاسلامي و جهاده. حيث بنيت اركان هذا التيار علي نظره واسعه و اجتهاد فاعل و متناسب مع مقتضيات الزمان للتعريف علي الاسلام و تعريفه، بوصفه ديناً جامعاً متكاملاً متمتعاً بالقوه و المتانه، و قادراً علي تحقيق سعاده الانسان في كلا الحياتين، و يتمكن من تربيه المجتمع و ادارته بشكل متوازن علي اساس العدل و القسط.

     ان التاثير الذي تركه و يتركه هؤلاء المفكرون، و هم ليسوا بكثيرين، علي الحياه الفكريه و الاجتماعيه للمجتمعات الاسلاميه، تأثير واسع و عميق، و هو في الحقيقه يمهد الارضيه لتحول اساس في تاريخ الامه، تحول يؤهل المسلمين للدخول في عهد جديد. و في ظل هذا التحول الروحي و الفكري يجد الاسلام الارضيه المناسبه للخوض في آفاق الحياه الجديده، و البرهنه علي قدراته المدهشه في تفسير حياه الانسان الحقيقه و الاخذ بها الي الكمال و السعاده الواقعيه، و فتح آفاق جديده أمام اهل الفكر و الذكر في العالم الاسلامي تبعث علي الامل.

     لقد تناولنا بالدراسه و البحث الشخصيه الفكريه و الاجتهاديه للشهيد السامي آيه الله مرتضي مطهري، الذي هو من الممثلين البارزين لافراد هذا الجناح، في مكان آخر من هذه الدراسه، و سنتناول هنا و بشكل اجمالي، بما تسنح به الفرصه، بالبحث و الدراسه شخصيه ممتازه لواحد آخر من الوجوه الساطعه لحركه الفكر الاسلامي المصيريه هذه، شخصيه الشهيد العظيم آيه الله السيد محمد باقر الصدر، و مكانته الساميه في حوزه الفكر و الجهاد الاسلامي.

     الشهيد الصدر مجتهد مجاهد، و فقيه مقتدر، و شخصيه نابغه متمكنه من الفسلفه و علم الكلام و المعارف الاسلاميه، و ان من ابرز مؤشرات جهوده الفكريه و الاجتهاديه، محاولاته طرح الاسلام، باسلوب علمي و منطقي، بمثابه المدرسه المثلي في مقابل المذاهب الفكريه الحديثه المعروفه.

     الملاحظه البارزه الاخري، التي اتصف بها الاجتهاد العلمي و الجهاد الفكري لهذا العظيم، و التي هي في الواقع ثمره من ثمار الرؤيه الاولي، هي انه سعي للبرهنه علي ان الاسلام ليس قادراً علي اداره المجتمع الانساني فحسب، بل اعتبر احلال النظام الاسلامي محل النظم البشريه الصرفه، لاسيما صروح الفكر الغربيه و الشرقيه، هو من اعظم وظائف علماء الاسلام المؤمنين و اهم مسؤوليات المسلمين، الذين كانوا دائما عدا فترات قصيره من حياتهم التاريخيه يرزحون تحت سلطه الظلمه و المستكبرين.

     في الواقع ناصر الشهيد الصدر النهضه البناءه التي انطلقت قبل عشرات السنين بقياده قائد الثوره الاسلاميه الفذ سماحه الامام الخميني بدافع اسقاط كيان الطاغوت، و اقامه الجمهوريه الاسلاميه، و تحقيق الاستقلال و الحريه. و بفضل حنكه الامام و ببركه التغيير الذي حصل في روحيه المجتمع الايراني، تكللت النهضه باقامه الجمهوريه الاسلاميه، و تبدلت الاحلام التي كانت تراود مجاهدي طريق الحق و المجتهدين الحكماء علي مدي اربعه عشر قرناً من تاريخ الاسلام الدامي، الي حقيقه واقعه ظاهره للعيان.

     لا يدرك قيمه الجهود القيمه للشهيد الصدر سوي اولئك الذين آمنوا بالاسلام بكل وجودهم و ينشدون عظمته و سيادته من جهه. و يحيطون علما باوضاع عصرنا الراهن و ظروفه المضطربه و المعقده من جهه اخري.

     لقد اشرنا كثيراً الي ان الحضاره الغربيه الحديثه و ثقافتها لم تكتف بانكار الاسس الفكريه و القيم الاجتماعيه التي هي محل اعتقاد الشعوب الاخري و قبولها، بل تعمل علي وضع الشعوب امام خيار نمط الحياه و صوره النظام الذي تريده، و ذلك عبر طرح المذاهب المنظمه و المبتنيه علي رؤيه و افكار جديده. ذلك ان الدافع المركزي للحركه الجديده هو الشموليه في ميدان الفكر، و العالميه و السلطويه في ميدان السياسه.

     و واضح تماماً، ان المواجهه السليمه و المدروسه لهذه الحركه كانت تتطلب ولاده افكار و طاقات فكريه و جهاديه جديده تتناسب و الاوضاع الجديده، ليتمكن المفكرون المجاهدون في ضوئها و في ذات الوقت الذي يثقون بانفسهم و قدراتهم في الذود عن الاسلام و تفنيد الاسس الماديه و الالحاديه للمذاهب الفكريه حديثه الظهور من التعرف علي المواضيع الحديثه التي كانت تطرحها هذه المذاهب، و تلك التي كان يطرحها اناس العصر الجديد و يلوذون بهذه المذاهب للتعرف علي اجابات لها، و العمل باسم الاسلام و الفكر الاسلامي، و برؤيه متفحصه، علي تفسيرها و تحليلها مع الحفاظ علي وفائهم للاصول الدينيه الاصيله المسلم بها.

     ان عظمه شخصيه ضخمه كالعلامه الشهيد الصدر، لم تقتصر علي ثراء معرفتها الدينيه و العلميه و الاجتماعيه وسعتها فحسب، بل تجلت ايضاً في ادراكها للعصر، و في جهودها القيمه في تحديد معالم الطريق للباحثين عن الحقيقه و طلاب الحق في عصر يعج بالحوادث و الاضطرابات، بلغه و افكار تتصل صله مباشره بالعصر و انسان العصر.

     و مما يجدر ذكره، انه و منذ بدايه ظهور تماس الغرب بصورته الحديثه و وضعه الجديد بالعالم الاسلامي، ظهرت مساعٍ و جهود عديده للذود عن الاسلام و مواجهه التحدي الفلسفي و الفكري، و الاعتداء السياسي و الاقتصادي و العسكري للقوي الاستعماريه المجهزه و اذنابها، يستحق كل واحد منها الاحترام و التقدير، اضافه الي انه كان مصدر تأثير في التوجيه، و في انطلاقه الحركات البناء التي ظهرت بعد ذلك.

     و ما هو معروف عن العالم الجديد، الذي نقف فيه في مواجهه المذاهب المختلفه، انه يحفل بحركه نشطه في نقد كل مذهب للمذاهب الاخري و تفنيده لأسها. و في هذا المجال نشر كلا الجناحين الفكريين للحضاره الغربيه الكثير من الكتب في نقد الجناح الآخر و تفنيده.

     و لكن ما هو مهم بالنسبه لنا في هذا البحث، هد اي نقد و رد انطلق من قاعده الاسلام الاستدلاليه؟ و الي اي حد كان موفقاً؟ فكما ان الرفض المطلق للغرب لم يحل دون نفوذه، كذلك النقد الفلسفي و العلمي للمذاهب الغربيه ايضاً لا يكفي بمفرده للتحرر من سلطه الغرب، الا اذا اتصف بالوعي و الانصاف، و رافقه عرض لسبل حل المشاكل و المعضلات ايضا.

     ان الجهل بالاسلام من جهه، و عدم معرفه الغرب بصوره صحيحه من جهه اخري، و عدم استيعاب حساسيه الموضوع و تعقيداته و التعامل معه بشكل سطحي، كل ذلك يقود احيانا الي جهاله مضاعفه، و لن تكون نتيجه سوي القاء النفس و المجتمع في مهب ريح الحوادث المتفاقمه الرهيبه.

     كذلك اذا ما كنا غير مؤمنين بضروره حاكميه الاسلام، فاننا سوف لا نثق بقدره الاسلام علي تلبيه احتياجات انسان العصر الواقعيه و المعنويه و الماديه، و سيكون المذهب المنتصر في ميدان حياه الانسان المعاصر هو الذي يتمكن من تلبيه احتياجاته و من تقديم الاجابات عن اسئله الناس و تطلعاتهم، علي‌الرغم من ان من الممكن ان يكون الكثير من هذه الاجابات غير صحيح.

     لقد كان هناك في العالم الاسلامي- العديد ممن كانت لهم دراسات في الاشتراكيه و الليبراليه تناولتهما بالبحث و النقد. و لكن و نظراً لافتقارهم للخصوصيات التي اشرت الي الكثير منها، فانهم لم يتمكنوا من ايجاد حلول ناجعه لمعاناه ال