واقع النهضه و متطلبات التغيير

مرتضي مطهري رجل عصره

د. محمد خاتمي

 

     يعد وعي مقتضيات الزمان و ادراك مستلزماته، من الشروط الاساس لمعرفه الاسلام، و تحقيق اصلاح المجتمع الديني. فإذا ما كان البعد عن الحوات العلميه و جهل اسلوبها في الاجتهاد، يقود المفكر الي وادي الاباحيه الخطير، الالتقاط الباطل، و الالحاد لا سمح الله -، فمما لاشك فيه أن فقدان شرط وعي مقتضيات الزمان سيقود العالم الديني و المفكر الي وادي الجمود و التحجر المضر و المدمر.

     بيد أنه لو اجتمع هذان الشرطان، فسوف يشهد المجتمع الاسلامي تفتح اجتهاد جامع و مثمر و ازدهاره، بنحو يتمكن من قياده سفينه مصير الانسان و المجتمع الاسلامي حتي في اشد مراحل التاريخ اضطراباً و عتمه.

     و قد اتضحت اهميه هذين الشرطين، في التفكير الديني الغني الذي تضمنته أحاديث قائد الثوره الاسلاميه الملهم الامام الخميني و كلماته، خاصه تلك التي صدرت في السنوات الاخيره من عمره الشريف، حيث جسَّد ذلك بقوه و ثبات. و مراعاه للاختصار، ادعو الراغبين في التعرف الي ذلك للرجوع الي «صحيفه النور» و بقيه المصادر و سأكتفي هنا بذكر نصوص للشهيد مطهري نفسه، تتناسب و بحثنا، و اعتمد عليها:

     «ظهرت في القرون الاخيره للأسف الشديد بين اوساط الشباب و ما يصطلح علي تسمستهم بطبقه المثقفين المسلمين، توجهات للتغرب و انكار الاصاله الشرقيه و الاسلاميه، و محاكاه المذاهب الغربيه و التسليم لها بشكل مطلق. و لسوء الحظ ان هذا التوجه في طريقه الي الاتساع. و لكن، و لحسن الحظ، بدأ يشاهد بوادر صحوه و وعي اخذت تظهر في مقابله هذا النوع من التوجهات العمياء المثبطه. و تعود جذور هذا الضياع المثبط، الي التصور الخاطيء الذي يحمله هؤلاء في اذهانهم عما يطلق عليه بالبعد «العقيدي» للاحكام الاسلاميه. و قد ساعد سكون الاجتهاد خلال القرون علي اشاعه هذه التصورات الخاطئه. و من هنا فان واجب المسؤولين و هداه القوم، الوقوف و بأسرع وقت و بشكل منطقي، في وجه هذا النوع من التوجهات غير السليمه.

     ان علل هذا التيار و عوامله ليست خافيه علي احد. و لكن ما ينبغي الاعتراف به هو ان الركود الفكري و الجمود الذي ساد العالم الاسلامي في القرون الاخيره، و بالخصوص تخلّف الفقه الاسلامي عن التحرك، و ظهور الرغبه في التمسك بالماضي، و الامتناع عن مواكبه روح العصر، تعتبر من اسباب هذه الهزيمه. ان العالم الاسلامي اليوم بحاجه، اكثر من اي وقت آخر، الي نهضه دستوريه تقنينيه -، برؤيه جديده واسعه و شامله، نابغه من اعماق التعاليم الاسلاميه، لفك قيود الاستعمار الفكري الغربي من ايدي المسلمين و ارجلهم.»(1).

     كذلك «ان الجمود و التشبث بنظره خاصه لعصرٍ ما و مرحله تاريخيه معينه، هما من ارشد اعداء القرآن. و ان اكثر ما كان يحول دون التعرف علي الطبيعه، هو ان العلماء كانوا يعتقدون ان معرفه الطبيعه هي هذه الصوره التي تحققت في الماضي علي يد افراد من قبيل ارسطو و افلاطون و غيرهم. في حين ان القرآن الكريم، و كذلك الاحاديث الجامعه للرسول الاكرم (ص)، يدعو للبحث و التأمل الذي لا ينتهي، و يحذّر من تضييق الرؤيه  تحديدها. كما انه كان ايضاً و منذ البدايه محل اهتمام أئمه الاسلام العظام، و كانوا يوصون به تلامذتهم و اتباعهم. و قد اشار الرسول الاكرم (ص) مراراً و تكراراً في احاديثه بقوله: لا تقصروا فهم القرآن علي نظره خاصه بعصر و زمان محدودين»(2).

     و في مكان آخر، يقول الشهيد مطهري في هذا الصدد:

     «من هنا يمكننا ان نفهم جيداً، ان الاجتهاد مفهوم «نسبي» متطور و متكامل، يوجب في كل عصر و زمان رؤيه و فهماً خاصين. و ان النسبيه هذه نابغه من امرين، الاول: حيويه المصادر الاسلاميه و قدرتها غير المتناهيه علي الكشف و التحقيق. و الثاني: التكامل الطبيعي للعلوم الانسانيه و آرائها. و هذا هو سر عظمه الخاتميه»(3).

     كما انه ينبغي أن لا ننسي حسَّاسيَّه الزمان و أهميه الموقف، إذ اننا اليوم اصحاب حكومه دينيه، و أننا نسعي لقياده المجتمع علي اساس الاسلام. و أنَّ ما ينتظر منا ليس اداره ايران بصوره سليمه فحسب، بل البرهنه علي ان نهجنا و أسلوبنا هما من افضل الاساليب و اكثر المناهج مناسبه لإداره العالم. ففي مثل هذا الظرف الحسّاس فان موفقيتنا في اداء هذه الرساله المهمه منوطه بالاعتماد علي المعارف و الاساليب التي ورثناها من السلف الصالح، و كذلك بادراكنا لعصرنا و زماننا بصوره صحيحه. و ان عظمه الاستاذ الشهيد تجلّت في تجسيده لهذين الشرطين بأبهي صوره. و مما يؤسف له فقدانه في هذا الوقت، يا لفقدانه من خساره مؤلمه.

     و بالطبع ان المفكرين و اصحاب الرأي و المتنورين ليسوا قلّه، خاصه بين اوساط الفضلاء الشبان الذين يواصلون طريق مطهري. و لكن كان يؤمل ان يظهر، ذلك الذي تجلّي في نجوم معدوده كالشهيد مرتضي مطهري و الشهيد محمد باقر الصدر، بصوره تيّار متدفق في الحوزات بعد انتضار الثوره و استقرار الحكومه الاسلاميه، سيما و ان الامكانيات و الآفاق المناسبه التي فتحت امام الحوزات العلميه و المفكرين قد فاقت بكثير ما كان في السابق. و ما زال هذا الامل باقياً حتي الآن علي قوته.

     لقد قلت من قبل إننا نعاني أزمه فكريه، و ليس في ذلك ما يدعو للتلق. و لكن التأكيد علي هذه الملاحظه ضروري و هي انه ينبغي لنا التعامل مع هذه الازمه بوعي و حذر شديدين، ذلك ان الازمه وليده انتصار الثوره الاسلاميه و ما يعبه من مساعٍ لتشكيل نظام جديد، و ان ما هو مهم جداً و حياتي بالنسبه لنا هو ان نختار اسس نظامنا بالتدبير و الرؤيه الشامله. صحيح ان المجتمع يعتقد بالاسلام، و ان الاوفياء للثوره الاسلاميه يعتبرون الاسلام قاعده العمل، و لكن السؤال المطروح هو: اي اسلام، و اي فهم اسلامي؟. و ان السعي للاجابه المناسبه عن هذا السؤال هو من اهم مسؤوليات المفكرين الملتزمين و هداه القوم المتنورين.

     و رغم ان الاجابه المناسبه معروفه في هذه المرحله، الا انها بحاجه الي شرح و توضيح لكي يعيها المجتمع و يكون مستعداً للدفاع عن الحقيقه في مواجهه الاخطار التي تداهمها.

     فمن الواضح، من وجهه نظر الامام و الاوفياء للثوره، ان اسس نظامنا المنشود في هذه المرحله ينبغي ان تستلهم من الرؤيه و الافكار نفسها التي اوجدت الثوره و قادتها و حققت انتصارها. يعني من فكر الامام الخميني و افكار عظام من امثال مطهري. الافكار التي جاهد من اجلها عظاؤنا اليوم بدءاً بسماجه القائد و انتهاءً بالكثير من مسؤولي البلاد المحترمين، و لاقوا بسببها العذاب و السجون، وضحوا في سبيلها، و قاتلوا التحجر و الالتقاط و الاستبداد و الاستكبار لدفاع عنها. و لكن يجب ان لا نغفل، فالآخرون موجودون ايضاً، ممن يرفضون هذه الرؤيه و الافكار، علي الرغم من أنه قد يتصف بعضهم بحسن النيه.

     فللزمان و المكان دور مصيري في المعرفه الاسلاميه، التي دعا اليها الامام و مطهري و امثالهما، و التي نرغب في ان تكن اليوم قاعده نظامنا. ان طريقنا هو طريق القرآن. و الطريق الذي يحدده القرآن هو اكثر كل الطرق احكاماً و ثباتاً: «ان هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم»(4). بيد انه ينبغي ان لا نغفل عن ان الاجابه التي يقدّمها القرآن تتناسب و طبيعه المسائل التي نعرضها علي القرآن. فالانسان الذي يعيش هموم عصره يمتلك من المسائل ما لا تخطر اصلاً ببال الانسان الآخر الذي يفكر العصور الأخر، فضلاً عن ان يجد الحلول اللازمه لها. و من الطبيعي ان القول بتأثير الزمان علي عقليه الفرد و شخصيته، لا يعني ان الزمان وحده هو العامل المصيري في شخصيه الفرد و كيانه.

     ان التأمل في القرآن، و التمعن في مصادر المعرفه الاسلاميه، يفيدان هذه النكته الشريفه و هي ان للانسان جوهراً اصيلاً لا يتحدد بحدود الزمان و المكان، يتملك الانسان بسببه مجموعه من الاسئله الثابته و الاحتياجات الدائمه، و هي لا تتأثر بمرور الزمان. و من الطبيعي ان تكون الاجابه ثابته ايضاً، علي هذه الاسئله و الاحتياجات الدائمه و الثابته. و هذا هو ايضاً ملاك وحده الدين و انسجامه مع التحولات التي تطرأ في مصير البشريه و مسيره الحضارات.

     فمن وجهه نظر الاسلام لا يعتبر الانسان موجوداً فاقداً للشكل، و ان الزمان و المكان وحدهما اللذان يشكلان شخصيته. بل يمتلك الانسان فطره و شأناً ثابتاً، و ان الدين الحقيقي هو الذي يرسم له طريقه الثابت و الخالد، الذي يتلاءم مع شأنه هذا و ينسجم مع فطرته. و هذا ايضاً احد الاسرار الباقيه للدين الاسلامي الحقيقي الخالد.

     بيد ان هذا الجزئ الثابت هو شأن من الوجود، و أحد أبعاد شخصيه الانسان و ليس كلها. اذ ان الشخصيه الانسانيه في أبعادها الأخر قابله للتبدل، و في حال تحول و تطور مستمرين. ذلك ان الانسان يحيا في صلب الطبيعه و المجتمع، و هو باستمرار يواجه قضايا جديده، فالذي يعيش ظروف عصره يستطيع في كل وقت ان يعي هذه القضايا و يدرك الموقعيه الحقيقيه و التاريخيه لانسان ذلك العصر و مجتمعاته. فلو كان هناك انسان ما يحيط بجميع المعارف الاسلاميه، و كان مطلعاً بما فيه الكفايه علي آراء جميع الاساتذه و الفلاسفه و الفقهاء و المفكرين الاسلاميين، و لم تكن تشغله غير مسأله بدويه الانسان، فانَّ كل هذه الثروه الفكريه و الجمود في فهم القرآن و السنه، سوف تقتصر علي لاجابه عن هذه المسآله و هي بدويه الانسان. و بذلك لن تحل، بأي وجه، ايه معضله من معضلات الانسان المعاصر. و بالتأكيد فان الاسلام الذي يطرح وفقاً لهذه الرؤيه و هذا التفكير، يتناسب مع زمان و مكان منصرمين لا وجود لهما الآن. ان المدرك لمتطلبات عصره، هو وحده الذي يثري المعارف الاسلاميه و يغنيها، و يحص علي تكاملها و الاستفاده منها.

     فذلك الغافل عن الانسان و ما مرّ عليه طوال التاريخ

     و ذلك الذي لا يعنيه ما يعاني المجتمع البشري

     و ذلك الذي لا يفكر مطلقاً بحقوق الناس و المجتمع، و بضروره الدفاع عنهما مقابل العناصر التي تتهددهما، و يجهل احتياجات انسان عصره

     و ذلك الذي لم يدرك روح عداله الاسلام

     و ذلك

     كيف يستطيع ان يجد الحلول الاسلاميه لكل هذا و مئات المواضيع الاخر المشابهه؟. كيف يتمكن الاسلام، الذي يروج له، ان يلبي حاجه البشريه؟

     ان المعارف بالاسلام، الواعي للعصر، هو الذي يتمكن من ذلك، هو الذي يستطيع بجده و مثابرته و بالتمسك بالمصادر الاسلاميه و معارفها، ان يوجد الاجابه المناسبه لكل ذلك. و هكذا كان الشهيد مطهري. كان عالماً اسلامياً بارزاً، مدركاً للعصر، واعياً لآلام الانسانيه.

     ان هذا الذي اشرت اليه من خصوصيات الشهيد مطهري، ليس سوي لمحات سريعه من الوجود المبارك لذلك العظيم، و لم اكن بصدد احصاء الخصوصيات البارزه لشخصيه الاستاذ الشهيد مطلقاً. لقد امسي مطهري، بفضل هذه السمات و الخصوصيات الكثيره الاخري، وجهاً علمياً و اجتهادياً و فكرياً دينياً لامعاً في عصرنا، و احتل مكانه ممتازه فيه. و ان الآثار العلميه التي خلّفها في مجموعها عديمه النظير. و لعلّ من المناسب هنا ان نشير الي لمحات من جهوده الفكريه و الاصلاحيه.

 

مطهري و علم الكلام الجديد

     ادرك الاستاذ مطهري جيداً الخطر الذي يتهدد المعتقدات الاسلاميه و كيان المسلمين في ظروف اجتماعيه تاريخيه خاصه، و جنّد له كل قواه بشجاعه مدهشه. و قد استطاع ان يبرهن في جميع المجالات، علي سطحيه الافكار المهاجمه و وضاعتها، و ان يثبت قوه التعاليم الاسلاميه و سموها و استحكامها. و كذلك تمكن من افشاء المؤامرات السياسيه المتنوعه التي كانت تتخذ من الفكر الاسلامي و ثقافيه نقاباً لها. و كان موفقاً في ذلك الي حد كبير. و المسلَّم به هو ان الاستاذ مطهري كان من اكثر الشخصيات الفكريه و العلميه الاسلاميه اقتداراً في طرح علم الكلام الجديد و بسطه، بشكل جامع و مدون، لاسيما ما يتعلق بالمسائل الفكريه المهمه المطروحه في هذا العصر. و ان الاهتمام الذي ابداه الاستاذ بمسائل علم الكلام الجديد و مباحثه، و شموليه الابحاث التي تطرق لها و عمقها و حيويتها، ليس له نظير في العالم الاسلامي المعاصر، حيث تركت جهود الاستاذ الفكريه علي الاحاطه بالفلسفات الماديه الحديثه و نقدها، و البرهنه علي متانه العلوم العقليه الالهيه و قوه البحوث الاجتماعيه الاسلاميه، و ان مقارنه حصيله جهوده هذه بما انجزه الآخرون في هذا المجال، توضح عمق فكر الاستاذ و ثراءه و كماله.

     كذلك انطلق الشهيد مطهري، و من خلال ادراكه السليم لعصره، و تشخيصه الصائب للوضع الفكري و السياسي و الظروف الاجتماعيه التي كان يمر بها العالم الاسلامي خاصه ايران، و التي قادت الي ظهور تيارات فكريه التقاطيه متأثره بالافكار الرائجه آنذاك، اضافه الي كشف احابيل اولئك الذين سعوا لاخفاء حقيقه الالحاد وراء نقاب اسلامي، انطلق لخوض غمار المواجهه الواعيه التي عرّت كل ذلك و كشفته علي حقيقه، و هذا ما أهلّه لأن يثبت اسمه في تاريخ الفكر الاسلامي المعاصر، ليس بمثابه فارس ميدان المواجهه مع الالحاد فحسب، بل باعتباره بطل ميدان مقارعه الالتقاط الباطل ايضاً. حيث اثبتت آثاره العميقه في هذا المجال، و هن توهمات الذين يقفون وراء الالتقاط و التأويل و وضاعه آرائهم و سذاجتها. في ذات الوقت الذي برهنت علي حقانيه الآراء الاسلاميه و منطقيتها، و قدره دين الله سبحانه علي حل معضلات العصر.

     يقول الشهيد مطهري في وصفه لوجه الماديه المعاصر في ايران، بما فيه الصريح و المنافق:

     «لجأ الماديون مؤخراً الي اساليب مضحكه، تشير يوماً بعد آخر الي فقر فلسفتهم و وضاعتها. و من هذه الاساليب «الاساءه الي الشخصيات». حيث انهم عن طريق تحريف واقع الشخصيات التي تحظي باحترام الناس، يحاولون ان يلفقوا الانظار و الاذهان الي مذهبهم و فلسفتهم»(5). و بعد ان يشير الي نماذج من هذه الاساليب، يواصل البحث في تعريف وجه الماديه المنافق، فيقول:

     «لجأت الماديه في ايران خلال السنه او السنتين الاخيرتين، الي حيله جديده اكثر خطوره من حيله «الاساءه الي الشخصيات»، و هي «تحريف آيات القرآن الكريم» و تفسير مضامين الآيات تفسيراً مادياً مع الابقاء علي المعني الظاهري للالفاظ. و هذه حيله جديده اخذت تمارس في ايران منذ ما يقارب السنتين(6). علماً ان اسلوب هذا المشروع او الحيله ليس بالامر الجديد، حيث كان قد عرضه كارل ماركس قبل مئه عام، بدافع استئصال جذور الدين من اذهان الجماهير المؤمنه»(7).

     و يضيف (رض): «ان الماديه في مظهرها الحديث، و التي وجدت لها موطيء قدم في ايران منذ أقلَّ من نصف قرن، لم تكن تتوقع في البدايه بأنها ستواجه منطق الالهيين بالصوره التي واجهته فيما بعد، و كذلك هذا الحجم من رواج الدين و نفوذه في اوساط عامه الطبقات و بالاخص الجماهير. بل كانت تعتقد انها سوف تتمكن بكل سهوله من القضاء علي الصعيد الاجتماعي. و قد اثبت الميدان العلمي تفاهه حسابها هذا. اما الآن و حيث عجزت عن إثبات وجودها سواء عن طريق المنطق و الاستدلال، او عن طريق ما تصطلح عليه بايجاد الوعي الطبقي بين اوساط الجماهير، بل و اتضح عملياً إن الدين هو اقوي الطاقات و اكثرها نفوذاً في صفوف الطبقات و بالخصوص الطبقه المحرومه و المظلومه، فقد اخذت تفكر في تسخير الدين ضد الدين». و فيما بعد كانت نهايه الاستاذ ايضاً علي يد هذا الالتقاط و الالحاد المقنّع حيث تم اغتياله. ألم اقل ان التأويل و الالتقاط يلجأ الي الارهاب كلما سنحت له الفرصه بذلك؟

 

مطهري و النزعه القوميه

     لم تقتصر جهود لاستاذ مطهري علي البحوث النظريه الصرفه، بل نقل افكاره المقتدره الي ميدان الحياه الاجتماعيه للانسان المعاصر. و قد سعي، من خلال الوعي الصحيح للاحتياجات الفكريه و الاجتماعيه للمجتمع خاصه‌ الجيل الشاب المتعلم، الي إزاله الغموض و الابهام و ايجاد الحلول للمعضلات التي كانت تهدد سلامه المجتمع الثقافيه و اصاله هويته التاريخيه، و استقلاله الفكري و السياسي. و ان نشر الكتاب القيّم «الخدمات المتقابله للاسلام و ايران»، و من جمله الآثار التي باستطاعتها ان توضح سعه افق معرفه الاستاذ مطهري و وعيه الذي ليس له نظير من جهه، و مدي استيعاب المفكر الزاهد الواعي لآلام عصره، و ادراكه لمسؤوليته الفكريه تجاه مصير البلاد و الشعب الايراني و الامه الاسلاميه من جهه اخري. و حتي ندرك اهميه اقدام الشهيد مطهري في هذا المجال، اري من الضروري توضيح النقطه التاليه و هي: ان «النزعه القوميه» تمثل مبني النظم الحديثه لاوروبا و الغرب، و كانت قد ظهرت في مواجهه عالميه الكنيسه و انتصرت عليها. و لها في الغرب جذور و سابقه و مفهوم خاص بها. الا انها، و كبقيه المفاهيم الغربيه، عندما جاءت الي هذه الجهه من العالم المستعمر عملياً وسيله بيد القوي الاستعماريه تتمكن من خلالها، بالكذب و الخداع، من مصادره الهويه القوميه و الثقافيه و الدينيه للمجتمعات المستعمَره، و هذا بحد ذاته من اساليب عصر الاستعمار التي تستحق التأمل.

     و في ايران ايضاً كان هناك متغربون ممن لا يهمهم مصير الاسلام، و لم يكن لديهم اعتقاد صحيح به، و لم يكن لديهم ما يشدهم بايران، الا انهم و باسم الدفاع عن ايران و الايرانيه، انتقضوا لمعاداه الاسلام الذي يمثل في الواقع ماهيه هويتنا الثقافيه و القوميه الاصيله، و للقضاء علي اكبر المعاقل و اشدها مقاومه في مواجهه سلطه الاجانب و نفوذهم، و الناهبين الدوليين. و قد امسي الكثير من هؤلاء بوعي، و بعضهم بغير وعي، الأداه المنفذه للسياسات الاستماريه في ايران.

     في مثل هذه الاجواء، احس مطهري بالمسؤوليه الملقاه علي عاتقه، و من خلال نشاطاته في هذا المجال و التي منها نشر كتاب «الخدمات المتقابله للاسلام و ايران»، كرّس جهوده في اثبات هذه الحقيقه و هي ان الاسلاميه و الايرانيه ليسا فقط لم يتعارضا مع بعضهما، بل كان لديهما ايضا خدمات متقابله قيمه اسداها بعضهم لبعضهم الآخر. و لعل ذكر هذه الفقره من الكتاب، لا يخلو من فائده: «يعلم الجميع انه في الفتره الاخيره بدأ افراد لا يحصون، و تحت شعار الدفاع عن القوميه الايرانيه، حمله واسعه ضد الاسلام. و بذريعه معادات العرب و العربيه راحوا يسيئون للمقدسات الاسلاميه. و اننا نري اليوم آثار هذا العداء للاسلام في ايران في الكتب و الصحف و المجلات الاسبوعيه و غيره، و هي تشير الي انها ليست بالامر الاعتباطي و التصادفي، بل هي خطه محسوبه مبيته»(8).

     و في مكان آخر يتناول (رض) ذلك بقوله:

     « من الممكن اثاره الشبان البسطاء و السذّج، و تحريك مشاعرهم القوميه و العنصريه، ضد الاسلام و قطع ارتباطهم به. و هذا يعني انه اذا لم يكن بمقدورهم احلال المشاعر الدينيه الاخري محل المشاعر الاسلاميه، فان باستطاعتهم تبديل المشاعر الاسلاميه بأحاسيس معاديه للاسلام. و بذلك يتمكنون من اسداء خدمات جليله للمستعمرين الاوروبيين. من هنا فنحن نري افراداً هم اساساً لا يؤمنون بالدين و المذهب و الله مطلقاً، الا انهم يدافعون في مؤلفاتهم و كتاباتهم الفارغه الواهيه، عن الزرادشيته و ايران ما قبل الاسلام. و ان هدفهم من ذلك واضح تماماً. و نحن هنا نريد ان نخوض غمار هذا البحث بالمنطق نفسه الذي تذرع به هؤلاء الافراد في عدائهم للاسلام، اي منطق القوميه و المشاعر الوطنيه و العرقيه. اجل بالمنطق نفسه. علماً ان المشاعر القوميه و الي الذي تتحلي بالسمه الايجابيه، و تصب في خدمه المواطنين، هي محل اهتمام و تقدير. و لكن عندما تتخذ لنفسها سمه سلبيه و تصبح سبباً في التمييز و التفريق، و في رؤيه المحاسن و المساويء أو عدم رؤيتها، و التحيز بسببها، تكون غير اخلاقيه و غير انسانيه.  و لا يخفي ان هناك منطقاً اسمي من منطق الاحاسيس القوميه و المشاعر العرقيه، و وفقاً لهذا المنطق يكون العلم و الفلسفه و الدين فوق مستوي المشاعر و الاحاسيس و اذا كانت المشاعر القوميه و الكبرياء محببه في بعض الاحيان، فهي مرفوضه في البحوث العلميه و الفلسفيه و الدينيه. و نحن هنا لا يهمنا المنطق العقلي و الانساني المتسامي، انما نريد ان نخوض البحث بالمنطق نفسه الذي يخدع الدجالون به شبابنا و يحرفونهم عن الاسلام. نريد ان نخوض البحث بمنطق المشاعر و الاحاسيس. نريد ان نري بمنطق المشاعر القوميه، هل ينبغي لنا ان نعتبر الاسلام من صلبنا، ام ان امر غريب عنا و اجنبي؟ هل ان الاسلام، بمقياس القوميه، جزء من القوميه الايرانيه، و ينبغي للمشاعر القوميه الايرانيه ان تحيط به، ام انه غير ذلك»(9).

     هكذا تمسي معرفه الزمان و ادراك المعاناه سبباً في ان يقدم عالم غظيم علي توضيح الحق و فضح المؤامره ضد الدين و الامه و الثقافه و الاستقلال، و ان يوفق في ذلك.

 

مطهري و مكانه المرأه و حقوقها

     اقدم الشهيد مطهري، بفضل ادراكه الصحيح لمقتضيات العصر، و في الوقت الذي كانت المرأه في المجتمع الاسلامي تعاني من ازمه الهويه و المصير المجهول، اقدم علي اظهار الصوره الحقيقه للمرأه المسلمه التي كانت تعاني من متاهات الافراط و التفريط، و دافع عن مكانتها و مقامها الشامخ اللذين كانا في معرض هجوم رهيب من كلا الجانبين: جانب المخدوعين بمظاهر الحضاره الغربيه و ثقافتها الذين كانوا في الواقع ينفون شخصيه المرأه الاصيله و مكانتها و كمالها، و لم تكن المرأه في صلب نظرتهم اكثر من وسيله و ليست انسانه. حيث كان الذين يقفون وراء الشعارات الخادعه حول المرأه، يسوّغون استغلال المرأه  مادياً و معنوياًَ من قبل الرجل، باسم التجدد و العصرنه، و قد ادّت الجهود غير المقدسه لهذه العده الي اضعاف كيان الاسره، و اشاعه التحلل و الانحطاط في المجتمع.

     و الجانب الثاني: جانب السلفيين المتحجرين الذين يسدَّون باسم الاسلام جميع الطرق امام تكامل المرأه، و يطالبون بحرمانها من جميع حقوقها الطبيعيه و الانسانيه. و ان هذه العده ايضاً كانت تعتبر المرأه ليست اكثر من «شيء» بدلاّ من «فرد». و كانت نساء المجتمع المظلومات يعانين من ظلم مضاعف بسبب كلا الفريقين. و مما يؤسف له ان هذه المضايقات ما تزال موجوده حتي في وقتنا الحاضر.

     لقد اخذ الاستاذ مطهري، و انطلاقاً من الشعور بالمسؤوليه، علي عاتقه مهمه التعريف بشخصيه المرأه المسلمه المنشوده، و الدفاع عن حقوقها و كرامتها. و من جمله ما قدّمه للمجتمع المتعط