في‌ رحاب‌ الشاعرة‌  پروين‌ اعتصامي‌

        ولدت‌ پروين‌ اعتصامي‌ لعائلة‌ آذربايجانية‌ في‌ 15/3/1906 في‌ حي‌ " ششكلان‌ " بـ تبريز ، و تزامنت‌ ولادتها مع‌ صدور النظام‌ الدستوري‌ بعد مواجهة‌ عنيفة‌ بين‌ الشعب‌ و السلطة‌ و كفاح‌ مرير ضد الاستبداد الملكي‌ ، انطلقا من‌ مسقط‌ رأسها تبريز .

            ترعرعت‌ پروين‌ في‌ احضان‌ عائلة‌ مولعة‌ بالادب‌ و العلم‌ ،في‌ اجواء الثورة‌ الا´ذربايجانية‌ (الثورة‌ الدستورية‌ ) ،و في‌ خضم‌ الظروف‌ السياسية‌ ـ الاجتماعية‌ التي‌ احدثت‌ تحو لاّ في‌ المسيرة‌ الادبية‌ لتلك‌ الفترة‌ و كل‌ تحول‌ كبير في‌ شكل‌ الادب‌ و مضمونه‌ لابد ان‌ يكون‌ مسبوقا" بتحول‌ عظيم‌ في‌ الحياة‌ الاجتماعية‌ .

            تربت‌ في‌ احضان‌ امها التي‌ كانت‌ نموذجا" للمرأة‌ الا´ذربايجانية‌ المثقفة‌ ، و تأثرت‌ بها كثيراً فنظمت‌ فيها شعرا" يصف‌ شخصيتها القوية‌ و دورها في‌ تربيتها .

           امها السيدة‌ اختر الملوك‌ (كوكب‌ الملوك‌ ) بنت‌ الميرزا عبد الحسين‌ شوري‌ بخشايشي‌ المقلب‌ بقوام‌ العدالة‌ احد كتاب‌ و خطباء عهد ناصرالدين‌ شاه‌ ، درس‌ الميرزا شوري‌ في‌ تبريز و طهران‌ ، و تميز برهافة‌ حسه‌ و جمال‌ خطه‌ .

            توفي‌ في‌ تبريز عام‌ 1916 مخلفاً ولدين‌ هما غلام‌ علي‌ خان‌ و حسن‌ خان‌ و بنيتن‌ هما خديجة‌ سلطان‌ و الاخري‌ السيدة‌ (اختر الملوك‌) له‌ ديوان‌ بخط‌ النستعليق‌ في‌ المكتبة‌ الوطنية‌ .

           كان‌ المرحوم‌ قوام‌ العدالة‌ معروفا" بتدينه‌ و حسن‌ تعامله‌ مع‌ الاخرين‌ و خصوصا" مع‌ الذين‌ يعملون‌ تحت‌ اشرافه‌ .كان‌ يحرص‌ في‌ اوقات‌ الاستراحة‌ علي‌ المطالعة‌ و نظم‌ الشعر ، و قد عرف‌ بحسن‌ خطه‌ حتي‌ تعد مخطوطاته‌ من‌ آيات‌ الخط‌ الفارسي‌ .

            اما والد پروين‌ فهو يوسف‌ اعتصام‌ الملك‌ ، ولد في‌ تبريز عام‌ 1874 ، في‌ اجواء تشجيع‌ الفن‌ و الادب‌ فجعلت‌ منه‌ شخصية‌ ادبية‌ و ثقافية‌ بارزة‌ ، كان‌ يجيد الفرنسية‌ ، التركية‌ و العربية‌ بصورة‌ كاملة‌ ، وله‌ باع‌ طويل‌ في‌ اللغة‌ الفارسية‌ و آدابها . يقول‌ عنه‌ العلامة‌ دهخدا : " يعد في‌ اللغة‌ العربية‌ و آدابها ـ علي‌ وجه‌ الخصوص‌ ـ من‌ الائمة‌ و الاركان‌ ، حتي‌ انه‌ في‌ معرفته‌ بلغات‌ العرب‌ و احاطته‌ بها لا مثيل‌ له‌ في‌ ايران‌ و يعز مثيلة‌ في‌ مصر والعراق‌ و الشام‌ .

            و قبل‌ ان‌ يكمل‌ العشرين‌ من‌ عمره‌ الّف‌ كتاب‌ : (قلائد الادب‌ في‌ شرح‌ اطواق‌ الذهب‌ ) الذي‌ اتخذ في‌ مصر مادة‌ دراسية‌ ، و لم‌ يمضي‌ وقت‌ طويل‌ حتي‌ توالت‌ تقاريظ‌ ادباء ساحل‌ النيل‌ الغراء لكتابه‌ العربي‌ الاخر (ثورة‌ الهند ) و اخذت‌ مطبعتا بولاق‌ و القاهرة‌ تتسابقان‌ علي‌ شراء حق‌ طبعه‌ .

            و يقول‌ الدكتور مهدي‌ مجتهدي‌ : " لقد اصبح‌ معروفا" ان‌ ارض‌ تبريز ليست‌ عاجزة‌ عن‌ ان‌ تربي‌ رجالا" مثل‌ الخطيب‌ " ، و يضيف‌ : " لأنه‌ لم‌ يسافر الي‌ خارج‌ ايران‌ و ان‌ كل‌ ما تعلمه‌ كان‌ في‌ تبريز ، فاننا ندرك‌ مدي‌

 ما كانت‌ عليه‌ اجواء تبريز من‌ رقي‌ قبل‌ الحركة‌ الدستورية‌ من‌ حيث‌ العلوم‌ القديمة‌ و الحديثة‌ ، و يمكن‌ القول‌ بصورة‌ جدية‌ انه‌ هو الذي‌ عرف‌ ايران‌ بمشاهير شعراء العالم‌ مثل‌ : شكسيبر ، غوته‌ ، ميلتون‌ ، تريو الايطالي‌، تولستوي‌ و مكسيم‌ غوركي‌ .

            و في‌ نثره‌ يظهر بوضوح‌ تأثير الكتاب‌ و الادباء الاتراك‌ مثل‌ نامق‌ كمال‌ و توفيق‌ فكرت‌ و ادباء مصر و الشام‌ المعاصرين‌ و اسلوب‌ الكتاب‌ القاجاريين‌ . و يبدو انه‌ تعلم‌ اللغة‌ الفرنسية‌ من‌ خلال‌ اللغة‌ التركية‌  .

            في‌ كنف‌ هذه‌ الشخصية‌ تربت‌ پروين‌ ، و بدأت‌ منذ صباها تتعرف‌ علي‌ مؤلفات‌ كبار الشعراء و المؤمنين‌، و تنظيم‌ الشعر ـ حتي‌ اضحت‌ فيما بعد اشعر شعراء القرن‌ الرابع‌ عشر الهجري‌ في‌ ايران‌ رغم‌ قصر عمرها . يقول‌ و الدها يوسف‌ اعتصامي‌ : "استطاعت‌ السيدة‌ پروين‌ ان‌ تتميز عن‌ الاخرين‌ باسلوبها و آرائها الفلسفية‌ و كلماتها الاخلاقية‌ . شعر پروين‌ ليس‌ اوقات‌ و احوال‌ و اشخاص‌ ، انه‌ شعر تربية‌ و تهذيب‌ و تعميم‌ الاخلاق‌ الكريمة‌ ، انه‌ شعر روح‌ الرحمة‌ و العاطفة‌ و الفضيلة‌ ، و نغمة‌ شجيعة‌ للسعي‌ و العمل‌ و الهمة‌ و الاقدام‌ ، و نشيد الصحورة‌ و التقوي‌ و الصلاح‌ ...

            پروين‌ تناجي‌ عواطف‌ الانسان‌ و احاسيسه‌ ، تؤاسي‌ القلب‌ الحزين‌ ، و تسكن‌ النفس‌ المتألمة‌ . و حين‌ يقال‌ ان‌ الشعر استولي‌ بتعاقب‌ الزمن‌ ، علي‌ الناحية‌ المعنوية‌ من‌ حياة‌ الانسان‌ ، و حاكي‌ بعد ذلك‌ صور الشعوب‌ و اشكالها ، و في‌ اخر الامر عُدّ روح‌ المجتمع‌ ، فانما تصدق‌ هذه‌ الاوصاف‌ علي‌ شعر كبار الشعراء ، ويأتي‌ شعر پروين‌ ليقف‌ في‌ هذا المصف‌ .

            و يقول‌ العلامة‌ الميرزا محمدخان‌ القزويني‌ بعد مطالعة‌ ديوانها : " طالعت‌ بكل‌ سرور و متعة‌ الجزء الاكبر من‌ هذا الديوان‌ ، و كنت‌ كلما طالعت‌ اكثر كلما ازددت‌ عجبا" كيف‌ تظهر في‌ هذا القحط‌ الذي‌ اصاب‌ رجال‌ الفضل‌ و الادب‌ امرأة‌ هي‌ ملكة‌ النساء الشاعرات‌ في‌ مركز ايران‌ ، و كيف‌ تنظم‌ الشعر بهذا المستوي‌ من‌ الفصاحة‌ و القوة‌ بما يمكن‌ مقارنته‌ لفظا" و معني‌ و فكراً و مضمونا" بافضل‌ قصائد العظماء و خصوصاً ناصر خسرو الذي‌ يبدو ان‌ السيدة‌ تأثرت‌ باسلوبه‌ اكثر من‌ غيره‌.

            في‌ الوقت‌ الذي‌ يشتهر فيه‌ العلامة‌ دهخدا القزويني‌ بالدقة‌ و التشديد في‌ نقده‌ نجده‌ يجعل‌ پروين‌ في‌ منزلة‌ رفيعة‌ و هي‌ في‌ بداية‌ شبابها ، و يضعها في‌ مصف‌ كبار ادباء الفارسية‌ .

            و يقول‌ عنها معاصرها المرحوم‌ ملك‌ الشعراء بهار : " لقد حملت‌ السيدة‌ پروين‌ كل‌ صفات‌ الشاعر ... و لو لم‌ تترك‌ هذه‌ الشاعرة‌ العذبة‌ الا غزل‌ (سفر الدموع‌ ) لكان‌ كافيا" لوضعهافي‌ مكان‌ رفيع‌ في‌ بلاط‌ الشعر و الادب‌ ، فكيف‌ و قد تركت‌ لنا(لطف‌ الحق‌ ) ،(كعبة‌ القلب‌ ) ، ( جوهر الدمع‌ ) ، (الروح‌ الحرة‌ ) ، (البصر و القلب‌ ) ، (بحر النور ) ، (جوهر الحجر ) ، (حديث‌ الرحمة‌ )، (الوادي‌) ، ( نغمة‌ الصباح‌ ) ، و سائر قصائدها الاخري‌ التي‌ تعد كل‌ منها برهانا" ساطعا" علي‌ بلاغتها و فصاحتها .

           و يضيف‌ ملك‌ الشعراء " لو ظهر شعراء مبدعون‌ من‌ جنس‌ الرجال‌ في‌ ايران‌ ، ارض‌ الادب‌ و الثقافة‌ ، لما كان‌ ذلك‌ مدعاة‌ للاستغراب‌ ، ولكن‌ ان‌ تظهر امرأة‌ شاعرة‌ تمتلك‌ مثل‌ هذه‌ القريحة‌ و الموهبة‌ و القدرة‌ ، و تنظم‌ مثل‌ هذه‌ الاشعار الرائعة‌ ، فانه‌ امر نادر يدعو للعجب‌ و ألف‌ تمجيد و استحسان‌ .

            يورد اخوها ابوالفتح‌ اعتصامي‌ في‌ مقدمته‌ لما جمعه‌ من‌ مقالات‌ و اشعار كتبت‌ بمناسبة‌ الذكري‌ السنوية‌ الاولي‌ لوفاتها نبذة‌ مختصرة‌ عن‌ حياتها فيقول‌ : " درست‌ پروين‌ الادبين‌ الفارسي‌ و العربي‌ علي‌ ابيها . و كانت‌ منذ البداية‌ طفلة‌ مجتهدة‌ مفكرة‌ ، و حسب‌ قول‌ السيدة‌ محصص‌ قليلة‌ الكلام‌ كثيرة‌ التفكير ، يندر ان‌ تلعب‌ مع‌ الاطفال‌ . غالبا" ما تكون‌ لوحدها ، و كأنها في‌ منزل‌ غير منزل‌ الاخرين‌ و في‌ مجالس‌ الدرس‌ و البحث‌ كانت‌ دائما" متفوقة‌ علي‌ غيرها.

           بدأت‌ نظم‌ الشعر في‌ ريعان‌ صباها ، و كان‌ منزل‌ ابيها ملتقي‌ لاهل‌ الادب‌ و العلم‌ ، فكانت‌ تذهلهم‌ بموهبتها المميزة‌ و قريحتها السيالة‌ .

            انهت‌ بنجاح‌ دراستها في‌ مدرسة‌ (اناثية‌ ) الاميركية‌ بطهران‌ في‌ عام‌ 1924 بعد ان‌ كانت‌ الافضل‌ بين‌ طالبات‌ المدرسة‌ ، و في‌ حفل‌ التخرج‌ القت‌ كلمة‌ بعنوان‌ : (المرأة‌ و التاريخ‌ ) ،  وعملت‌ لفترة‌ بالتدريس‌ في‌ المدرسة‌ نفسها ، و اقترح‌ عليها الدخول‌ الي‌ البلاط‌ الملكي‌ فرفضت‌ .

            رافقت‌ ابيها في‌ جميع‌ اسفاره‌ ، و لم‌ يكن‌ ابوها يوافق‌ علي‌ طبع‌ ديوانها قبل‌ زواجها رغم‌ اصرار الاصدقاء و الارقاب‌ خشية‌ ان‌ تظن‌ النفوس‌ انه‌ يروج‌ بذلك‌ لتزويجها .

            تزوجت‌ پروين‌ بابن‌ عم‌ ابيها عام‌ 1934 و انتقلت‌ بعد العقد باربعة‌ اشهر الي‌ بيت‌ زوجها في‌ كرمانشاه‌ ، و لم‌ يكن‌ الزواج‌ متكافئاً ، فعادت‌ بعد شهرين‌ و نصف‌ الي‌ بيت‌ ابيها ، و حصلت‌ علي‌ الطلاق‌ بعد ذلك‌ بعام‌ .

            طبع‌ ابوها الكتاب‌ خلال‌ تلك‌ الفترة‌ بعد ان‌ لم‌ يعد هناك‌ مسوّغ‌ للتأخير، و في‌ عام‌ 1926 بعثت‌ وزارة‌ المعارف‌ السيدة‌ پروين‌ وساما" علميا" من‌ الدرجة‌ الثالثة‌ ، فاعادته‌ مرفقا" بهذه‌ العبارة‌ : (الاجدر مني‌ كثيرون‌ )

            دخلت‌ الشاعرة‌ پروين‌ المستشفي‌ في‌ الثاني‌ و العشرين‌ من‌ آذار عام‌ 1941 ، و لم‌ تكن‌ قبل‌ ذلك‌ تعاني‌ من‌ مرض‌ ، و مكثت‌ فيه‌ حتي‌ توقفت‌ انفاسها في‌ منتصف‌ ليلة‌ الرابع‌ من‌ نيسان‌ فحمل‌ جثمانها الطاهر الي‌ قم‌ ودفنت‌ في‌ مقبرة‌ العائلة‌ الي‌ جوار قبر ابيها في‌ صحن‌ السيدة‌ معصومة‌ (ع‌) .