|
سعدي - الشاعر
و الناثر
الذي احيا
الفارسية
لا تدين
اللغة
الفارسية
بعد
الفردوسي
لاحد كما
تدين لسعدي،
فهو استاذ
هذه اللغة
و نموذج
البساطة و
الايجاز و
الفصاحة
فيها. و اذا
كان قد أطلق
عليه لقب "
أفصح
المتكلمين
"، فذلك
يعود الي
تفننه في
الكلام ،و
فصاحته
اللغوية
التي فاقت
اي فصاحة
اخري، والي
ما لعبه من
دور علي
صعيد احياء
اللغة
الفارسية
واعادة
الحيوية
اليها بعد
فترة مظلمة
عاشتها
متخبطة في
ظل التكرار
الممل، و
التقليد
المشين، و
التعابير
الهابطة
علي يد
شعراء و
كتّاب
حرفيين في
التقليد.
و كان
القدماء
يطلقون علي
الشعراء من
الالقاب و
العناوين
بما يتناسب
و مكانتهم
الشعرية و
ابداعاتهم
علي صعيد
الشعر و
اللغة. و
لهذا ليس
غريبا" ان
تنسب فصاحة
الكلام الي
سعدي بعد ان
نفخ في لغة
الادب و
الشعر
الحياة و
قدمها في
صورة جميلة
رائعة أخذت
تجتذب
الناس و
تسحرهم علي
شتي
مستوياتهم،
كما ليس
غريبا" ايضا
ان يلقب
الشاعر حافظ
بـ " لسان
الغيب " و
جامي بـ "خاتم
الشعراء " و
الفردوسي
بـ "الحكيم
" .
و اذا ما
تجاوزنا هذا
اللقب الذي
اضفاه
الناقدون
علي سعدي
في ايام
حياته، فان
اي شيء آخر
عن سعدي
غير واضح
تماما"، و
هناك ضباب
كثيف و
تناقضات
عجيبة تلفّ
حياته، بما
فيها اسمه و
كنيته
ولقبه .
و رغم هذا
فقدا عتمدت
المصادر
المتأخرة
آخر المطاف
علي رواية
ابن الفوطي
الذي عاصر
سعدي و
كاتبه، حيث
اورد ان
اسمه مصلح
الدين، و
كنيته ابو
محمد، و لقبه
مشرف الدين
او شرف
الدين، و
تخلصه سعدي
.
و
هناك
اختلاف
كبير ايضا في
تاريخ
ولادته،
فمنهم من
يقول انه
ولد في عام
606 هـ، و منهم
من يعتقد
انه ولد في
عام 585 هـ
فضلا" عن
وجود تكهنات
عديدة اخري
علي هذا
الصعيد، و لا
تتوفر شواهد
و ادلة
معتبرة
تدلل علي
العام الذي
ولد فيه هذا
الشاعر
الكبير، و كل
ما هو موجود
من الادلة
التي
يطرحها
المخمنون
لايتجاوز
مجموعة من
الحكايات و
الاساطير
التي لا
يمكن
الاعتماد
عليها .
و
يعتمد
القائلون
بأنه ولد
عام 606 هـ علي
ما يستنبطون
من بعض
ابياته
الشعرية .كما
ان
القائلين
بولادته
قبل عام 600
هـ يستندون
في ذلك علي
احدي القصص
الواردة في
الباب
الخامس من
ديوان سعدي
المسمي' "
غلستان " او
مزرعة
الورد .
كما
يقول آخرون
ان سعدي
كان له من
العمر 70 سنة
عندما الف
ديوان الـ "بوستان
" او البستان،
اعتمادا علي
بيت شعري
له يقول :
تعال
يا من بلغ
عمرك
السبعين فهل
ضيّعته
بنومك
ويضيف
هؤلاء: كما
كان سعدي
قد فرغ من
تأليف هذا
الكتاب عام
655 هـ، فلا
بدان يكون
قد ولد في
حدود عام 585هـ.
و كان
الباحث
محيط
الطباطبائي
من بين من
يقول بهذا
الرأي .
و الغريب
ان اغلب
المخمنين
لسنة ميلاد
سعدي،يعتمدون
علي آثاره
في
تخميناتهم،
الاّ انهم
يصلون الي
نتائج
متفاوتة و
غير منسجمة .
و
الحقيقة ان
الشاعر ـ اي
شاعر ـ لا
يتحدث عن
التاريخ و
لا يورخ
الاحداث في
شعره،
فلربما تفرض
عليه
الظروف
التي
يعيشها ان
يجد نفسه و
كأنه ابن
السبعين
بينما هو اقل
من ذلك
بكثير، و قد
يحدث العكس
ايضاً .
فالا´ثار
الادبية ـ و
لا سيما
الشعرية ـ
ليست
تقريرا" لما
يحدث من
احداث في
حياة
الاديب او
الظروف
التي يمر
بها، و انما
نجدها في
غالب
الاحوال
انعكاسا
لعواطفه و
حالاته
النفسية، و
تعبيرا" عن
الخيال
اكثر مما هي
تعبير عن
الحقيقة .
نريد
من كل هذا
ان نقول لا
يمكن ان
نستبط من
آثار سعدي
ترجمة
حقيقية
لحياته،
حتي في تلك
الحالات
التي تسمح
بها صراحة
التعبير.
فكلمات
سعدي توحي
بأنه الف
الـ "غلستان
" خلال اقل
من ثلاثة
اشهر، لكن
هل يمكن ان
تكون هذه
هي الحقيقة؟
و هل
بامكاننا ان
نجزم علي
هذا الاساس
بذلك .ثم
الا يمكن ان
يكون قد كتب
الكثير من
تلك القصص
و الحكايات
خلال مراحل
مختلفة، ثم
رتبها و
نظمها خلال
الاشهر
الثلاثة
التي اشار
اليها. ثم ان
اسماء
الاماكن و
المدن التي
اوردها في
هذا الكتاب،
الايمكن ان
يكون قد
اوردها من
باب شهرتها
لا لانه
سافر اليها
كما توحي
قصصه بذلك .
و
السبب في
كل تلك
الغفلة
التي احاطت
بسعدي، و
عدم تصنيف
كتب مهمة
حوله من
قبل قدماء
الباحثين و
المؤرخين،
يعود برأي
الكثير من
النقاد الي
اللغة
الشعرية
التي تميز
بها فقد كانت
لغته من
النوع
السهل
الممتنع ،و
ادت هذه
اللغة
السهلة الي
تجاهله،
لان
القدماء
كانوا يولون
اهمية
للكلام
المعقد الذي
لا يفهم
بسهولة، و
كان حل
الرموز و
الاحاجي
آنذاك نوعا"
من الفن و
العبقرية .فاذا
كان
الشاعران
الانوري و
الخاقاني
علي سبيل
المثال قد
حظيا بكل
ذلك
الاهتمام،
فلان
الباحثين
كان
بامكانهم
ان يكتبوا
شروحا" علي
ديوان
الانوري و
يصنفوا
التصانيف
في حل
معضلات
اشعار
الخاقاني !
و
كذلك الامر
بالنسبة
للشاعر جلال
الدين
الرومي
المعروف
بالمولوي،
فقد تميز
الجزء
الاعظم من
شعره
بالبساطة و
السلاسة،
الاّ ان
اغلب
المهتمين
بشعره
تجاهلوا هذا
الشعر رغم
روعته و
عذوبته، و
ركزوا
اهتمامهم
علي بعض
ابياته
المعقدة
العويصة
حتي و ان
كانت ضعيفة،
فراحوا
يدرسونها و
يشرحونها و
يقلّبونها
ذات اليمين
و ذات
الشمال . تبلور
شخصيته
الادبية
تشير
الادلة
التاريخية
ان ايران
لم تمر
بمرحلة
اسوأ من
المرحلة
التي كان
يعيش فيها
سعدي .فقد
عاش سعدي
في ايام
الغزو
المغولي
لايران، و
شهد عن كثب
ما كان
يرتكبه
هؤلاء من
اعمال قتل
و مجازر و
تخريب
للمدن و
احراق
للبيوت و
المكتبات
،و اشاعة
الرعب و
الهلع بين
الناس .
امضي
سعدي
طفولته و
صباه فيايام
الاتابك سعدبن
زنكي ،و كان
حاكما علي
فارس حتي
نهاية عمره، اي
حتي عام 623
هـ. و سافر
سعدي قبل
وفاته الي
بغداد طلبا"
للعلم
نظراً لما
كانت تتمتع
به من
مكانة
علمية و ما
يقيم فيها
من علماء و
مفكرين
كبار. و دخل
الي
المدرسة
النظامية
ببغداد التي
كانت
جامعتها
العلمية و
الفكرية،
فتبلورت
شخصيته
فيها علي
كافة
الاصعدة
بما فيها
الصعيد
لادبي و لا
سيما الشعري
. اسلوبه
الشعري
الشعر في
الحقيقة
مجموعة من
الاصوات، و
الاوزان، و
القوافي ، و
الصور و
المعاني،
الا انه
وحدة
متكاملة و
منسجمة، من
كافة هذه
العناصر. انه
كالزهرة
التي تظهر
فجأة ، و
التي لم
نكن نشعر
بالحاجة
اليها قبل
ظهورها،
لكنها ما ان
تظهر حتي
ندرك اننا
كنا نفتقدها .
و
الكلمات
لوحدها ليست
شعرية و غير
شعرية، فكل
كلمة يمكن
ان تستخدم
في الشعر
شريطة ان
توضع في
النص
المناسب و
الموضع
المناسب، و
عمل الشاعر
هو خلق ذلك
النص، و
الذي نريد
به الصياغة
الكلية
للكلام من
حيث
المحتوي' و
المضمون و
الايقاع و
العناصر
الصوتية و
غيرها .
فعندما
يتحدث
الشاعر عن
القتال يجب
ان ينقل
لنا صورة
حقيقية عن
المعركة
فيجسدها لنا
في كلماته،
فنبدوا و نحن
نشهد تلك
الصورة
كأننا نخوض
غمار القتال
.
و
بشكل عام
فان لهجة
سعدي في
قصائده،
خطابية و
أمرية و
حادة، الا
انها في
البوستان
هادئة و
أبوية و
عاطفية،
الا انها
بشكل عام
واثقة و
واضحة و
صريحة و
خالية من
التضرع و
التوسل. و
هذه
الميزات هي
التي تدفع
القاريء
للاقبال
علي شعره و
نثره دون
ان يشعر
بالسأم و
الضجر. يقول
سعدي في
صراحة
اللهجة: "
قائل الحق
يجب ان
يكون لسانه
طويلا"،
اليس حقا"
ما قلت؟ اذا
كان، قل
نعم انني
اقول لك
بما يشترطه
عليّ البلاغ
و أنت مخيّر
بين
الانتصاح و
السأم."
و
النقطة
المهمة في
شعر سعدي
انه تمكن
من ازاحة
الفاصل
الذي كان
قائما" بين
اللغة
الفارسية و
لغة
التعبير لدي
القاريء و
السامع. و
نلاحظ هذا
الفاصل
بشكل واضح
في شعر
الشعراء الا´خرين،
مما يدل علي
انهم كانوا
ينظرون الي
اللغة من
بعيد. اما شعر
سعدي فقد
شدّ القاريء
اليه بقوة
الالقاء و
سحر الكلام
و سلاسته،
حتي انه لا
يكاد يجد
صعوبة في
تفهم هذا
الشعر، بل و
يتفاعل معه
و كأنه صادر
من قلبه .
و
الواقع ان
سعة
المفردات
لا تدل
بمفردها علي
عبقرية
الشاعر، بل
ان ما يكشف
عن هذه
العبقرية
بشكل واضح
هو قدرة
الشاعر علي
زجّ هذه
المفردات
في خدمة
الكلام.
فمقامات
الحميدي و
تاريخ وصاف
اغني
بالمفردات
من غلستان
سعدي،
لكنهما
يبدوان
فقيرين
امامه. فقد
كان سعدي
دقيقا" في
انتخاب
المفردات
كدقته في
انتخاب
الايقاع و
القافية و
الملامح
الفنية و
الخيال
الشعري .
ففي
الفترة
التي كانت
فيها كتب
النثر و
الشعر
الفارسي،
تحرق علي
يد المغول
او تدفن تحت
الانقاض،
كان ظهور
سعدي
بمثابة
معجزة للغة
الفارسية .فقد
احيا بشعره
و نثره هذه
اللغة، و
خلق لغة
ادبية
جديدة
اصبحت
معياراً من
بعده
للادباء و
الشعراء .
فالاساس
في الفن،
الابداع، و
يري البعض
أن مصدر هذا
الابداع
علي الصعيد
الشعري هو
التمرد علي
اللغة
العادية او
لغة
الحوار، الا
ان هذا
الرأي خاطيء
حيث ان
شعراء ايران
الكبار،
انما اصبحوا
كباراً،
لاقبالهم
علي لغة
الحوار، في
مقابل
الشعراء
الذين
اصابتهم
اللكنة
لاهتمامهم
بالتكلف و
البديع.
فشهرة
الشاعر محمد
حسين
شهريار في
العصر
الحديث
مثلا"، لم
تتحقق لانه
كان يتحدث
بلغة سعدي
او حافظ. و
انما
لاستخدامه
للغة
الحوار في
شعره و هو
عمل لم
يجرؤ اي من
شعراء عصره
علي القيام
به .
لقد
كان سعدي
تكرارا"
للمعجزة
التي حدثت
بظهور
الفردوسي.
رغم ان
الادب ـ لا
سيما
العرفاني
قد وصل الي
ذروته علي
يد جلال
الدين
الرومي،
الاّ ان
اسلوب
الشعراء كان
منذ اوائل
القرن
السادس
الهجري،
التكرار و
التقليد و
التصنع،
مثل رودكي
و فرخي و
أنوري،
لهذا كان
الشعر بحاجة
الي شاعر
يمسح عنه
الغبار، و
يتحدث بلغة
تعيد له
بهاءه و
جماله. و
الشعراء
الكبار عادة
يحيون
السنن و
يبتدعون
الاساليب .
و
كان سعدي
هو ذلك
الشاعر الذي
اكتسبت
اللغة
الفارسية
به حياة
جديدة،
فاضحت ليست
مجرد ادوات
مستعملة و
كليشة
قديمة و
وسيلة
للتفنن، بل
فنا" قائما"
بذاته .
فعندما
تكون لغة
الشعر قد
وصلت الي
حالة
الجفاف و
الانهاك،
فهي حينئذ
بحاجة الي
شاعر يحيي
العناصر
الطبيعية و
الملامح
الفنية
الجميلة
المندثرة،
و يرتفع بها
الي سماء
التألق و
الابداع .
و
كان سعدي
شاعرا بهذا
المستوي،
فبظهوره
سرت في جسد
اللغة
الفارسية
حياة جديدة،
و تدفقت في
شرايين
الشعر دماء
جديدة،
فتفاعل
الناس مع
هذه اللغة،
و تحمّسوا
لذلك الشعر،
و اصبح سعدي
رمزا" من
رموز اللغة
و الشعر
الفارسي .
و
العلاقة
بين الشاعر
و اللغة،
علاقة
حافلة
بالرموز و
الاسرار،
فلا يمكن
للشاعر ان
يبلغ كماله
الشعري، ما
لم يكن
عارفا" بتلك
الرموز و
الاسرار، و
لا يمكن ان
يتألق
شعريا" ما لم
تعبّر
كلماته عن
ذهنيته و
افكاره
تعبيرا
حقيقيا".
|