اطلاله علي الشاعر هراتي

سلمان هراتي.. شاعر الوجدان و الحقيقه

عبدالرحمن العلوي

 

     الحياه عند هراتي ليس ان يعيش المرء فحسب، فالكائنات غير العاقله تعيش ايضا بل انها تعني من وجهه نظره، السمو و الارتفاع المتواصل كل يوم باتجاه التحقيقه المطلقه و الكمال، و هي ميزه لا يتميز بها احد سوي الانسان، و انطلاقا من الحب يعشعش في قلبه و يمتزج مع وجدانه، نراه يعشق كل ما يأخذه بيده نحو ذلك الهدف، و يفتح بوجهه آفاق الوصول الي الله، و تحقيق حلمه في رؤيه الدنيا و قد ازدهرت فيها الاشجار الخير و تفتحت براعم العطاء

 

التطلع نحو الامل

     تحدثنا عن شفافيه روح الشاعر سلمان هراتي و رهامتها و تحليقتها الدائمه في سماء الحب: حب الله، و حب الاسلام، و حب الخير، و حب كل ما يقرب الانسان من الله و يعرفه علي ذاته في زمن يجهل فيه الكثيرون ذواتهم.

     فالحياه عند هراتي ليس ان تعيش المرء فحسب فالكائنات غير العاقله تعيش ايضا بل انها تعني من وجهه نظره السمو و الارتفاع المتواصل كل يوم باتجاه الحقيقه المطلقه و الكمال، و هي ميزه لا يتميز بها احد سوي الانسان.

     و انطلاقا من ذلك الحب الذي يعشعش في قلبه و يمتزج مع وجدانه، نراه يعشق كل ما يأخذه بيده نحو ذلك الهدف، و يفتح بوجهه آفاق الوصول الي الله، و تحقيق حلمه في رؤيه الدنيا و قد ازدهرت فيها اشجار الخير و تفتحت براعم العطاء.

     لهذا كان يمد عينيه الي الافق و يتطلع نحو ذلك الامل الغائب الذي تهفو اليه قلوب عشاق العدل و الفضيله، و يرنو الي تلك الشمس التي لابد و ان تبرغ في يوم ما لتكتسخ ظلام الظلم و عتمه الكفر و اسوداد الانغماس في حمأه الرذيله.. و لابد أيضا ان تعيد البسمه الي الشفاء‌ التي لم تعرف البسمه منذ قرون، و الطمأنينه الي القلوب التي ارعبها عواء‌ الجلادين:

     في يوم ميلادك

     الارض في حركه اخري عظيمه

     مزقت ثوبها الاصفر

     و ألقت نفسها في النهر

     لتغسل غبار غزو الظالمين

     الانتظار حصتنا.

     يا دليل حركه الارض، قسما بالفجر

     سنصلب ظلام الدهر

     و نسمع نبض الارض المتعالي

     نحن بانتظار فوحان العطر من البرعم و الزهره

     الارض عطشي و نحن نحفر خندقا باتجاه النهر

     الشمس تشرق من جبينك الطاهر

     و تذوب في افق عينك الصافيه

     لقد ولدت بك المساء ثانيه

     يا طليعه قافله الحب.

     و بلغ ايمانه بالمهدي الموعود (عج) حدا انه كان يراه بعين قلبه، و يشاهده في كل مكان. فلابد ان يعيش هذا الامام هموم الناس و مشاكلهم و يفرح لفرحهم و يحزن لحزنهم.. و هو بهذا لا يقبل بالآراء التي تقول انه منقطع عن الناس او يعيش في اماكن مجهوله، بانتظار الخروج المرتقب:

انه هنا، هنا

     لا في خيال «جابلسا» المبهم

     و لا في الجزيره الخضراء

     و لا في اي مكان بعيد منقطع

     اني اراه في كل عاشوراء

     في مسجد القريه غير المسقف

     مع اخوتي في مأتم الحسين

     رأيته خلف غروب القريه

     مع المزارعين

     رأيته علي الحصير المتواضع

     فلا ننسبه الي اماكن مجهوله

     اليس هو الذي يمسح الألم و العناء عن مرافقنا؟

     و يقسم عند الاستراحه الهدوء بيننا

     انه في الجبهه ايضا

     يطلق الرصاص و الصلوات

     انه في كل مكان..

     انه يعمل، يعرق، يمسح العرق بسبابته

     ليس لديه سياره

     يعيش ببساطه

     انه من أسره الشهداء

     يذهب في ليالي الجمعه الي جنه الزهراء

     و يريق ماء الورد علي قبور الشهداء

     و لم يقف الشاعر سلمان عند هذا الحد، بل ان حبه للامام قد تحول الي انشوده كان يتغني بها دائما، و يعبر من خلالها عن حبه له و شوقه اليه:

     آه من هذا الخريف القارس

     ليتني كان لي منك بستان من الربيع

     انثره بين قدميك

     ليتني امتلك ارواحا كثيره

     كي اهبها لك

     و ليتني كانت لي مثل الشقائق الحمراء

     خلوه في بستان المطر

     لا يكفي غزل واحد للتعبير عن لوعه الفراق ليتني قلت فيك مئات القصائد و الدواوين

 

مع زعيم الثوره

     و انطلاقا من ذلك الحب ايضا، و تلك الروح الباحثه عن الحقيقه و الامل الذي يدغدغ قلبه برؤيه هذ العالم و قد تعبد بأسره لله و خلع عنه ارديه الخضوع و التزلف للطواغيت، كان ينظر الي زعيم الثوره الاسلاميه الامام الخميني (قده) نظره حب و ولاء و تقدير، لانه استطاع ان يرفع رايه الاسلام في سماء بلد اسلامي كبير خضع ردحا طويلا من الزمن للطاغوت المقيت، و عاش قرونا عجافا رازحا في اغلال الشيطان، و عبر الشاعر عن ذلك الحب و الولاء و التقدير اصدق تعبير حينما قال:

     كان الحب حراما

     لم تكن تقام اي خلوه في ذكر الله

     كان الناس يلتقطون صور الذكريات بيأس

     فجئت أبسط من الربيع

     مثل تلاوه آيات القيامه

     و ساءلنا انفسنا: ماذا تعني الحياه؟

     و تعلمنا ان نقول: توكلنا علي الله.

     جبهتك جواب الصناعه

     حضورك اليوم: سماء فيها ما لا يحصي من النجوم

     ماذا تفعل الاقمار الاصطناعيه في السماء؟

     أي يد تزعجك؟

     و أي عين مظلمه منحت القمر الاصطناعي هويه؟

     الاقمار الاصطناعيه ستسقط من عين السماء

     لان مظله يدك خضراء بأكملها

     و تسمح بالبكاء امام الله

     و ابتسامتك معبر يقود الي الفتح

     لقد كانت ايران في مرحله ما قبل الامام و الثوره بستانا لا يسمح المستولون عليه لاشجاره ان تزهر، و اذا ما ازهرت لا يسمحون لها ان تثمر، بل حولها الطاغوت الي صحراء جرداء بعد ان حطم بمعوله كافه ما فيها من اشجار و نباتات، لانه لم يكن يفكر الا في نفسه، و لم تكن تهمه الا مصلحته الخاصه التي كانت تقتضي ان يحول هذا البلد الي بلقع يسبح بحمد الطواغيت الكبار:

     مزارع هذ السهل القديم

     عندما وجد المحصول في خطر

     نثر في البستان بذور الحادثه

     ثم رحل رحله النفي

     ظل هذا البستان بدونه

     بلا ازهار

     و عندما كانت تتفتح فيه الازهار احيانا

     كانت تأتي الفأس عليها

     و جاء صوت الفارس

     من نهايه غضب الصحراء

     ايها المشتاقون لجرعه البدء

     في عينه يختبيء المطر

     ايها الظامئون للمطر!

     جاء لانقاذ هذا البستان

     فزرع الازهار و الربيع

     في شتاء بهمن.

     و الامام الخميني بطبيعه الحال شخصيه رساليه عظيمه احبها الجميع، و نفذت الي قلوب الجميع، تركت بصماتها علي عقول الجميع و افكارهم. و اخذ يصفها كل وفق مذاقه و اسلوبه و نظرته.. غير ان للشعراء لغه في الوصف تختلف عن لغه الكتاب و العلماء و المؤرخين، و لسلمان هراتي لغته التي يتميز بها عن غيره من الشعراء، فهو يقول:

     رسا كلامك عند ساحل الشعر النقي

     ورسا هدوؤك عند الماء

     جبهتك اشهر من الفجر

     ورست عينك عند الشمس

     و بما ان شاعرنا شاعر الحب و الوجدان، فانه لم يجد كلمات اسني و الطف من ان يخاطب الامام:

     ساخبر الحب باسمك

     سأنظر الي الافق بعينك

     يا رئيس قافله السحر

     ساسافر معك حتي الشمس

     و عندما يشعر انه لا يقوي علي سلوك طريق الحب الالهي لما وجده فيه من عقبات و عراقيل، و من اشواك و عواسج، يدرك حينئذ انه لابد عليه من التزود من قوه الامام و عزيمته و حبه.. فيقول له مستنجدا:

     ايقظني يا ترنيمه الربيع

     و زودني بجرأه الشلال

     قلبي يتأكل في طلب الحب

     يا حامل الاخبار، اخبرني عن الحب

 

حب الوطن

     قلنا ان مفهوم الحب عند هراتي واسع و كبير بحيث يستوعب كل القيم و المثل الخيره و المقدسه، و هو نابع بلاشك- من الحب الكبير، اي حبه لله تعالي.

     و حبه الوطن يلتقي ايضا مع كافه روافد الحب المتشعبه عن شلال الحب الكبير، تلك الروافد التي تنتهي جميعها في قلبه العامر بالايمان.. فالوطن من وجهه نظره حب لا يمكن الاستغناء عنه:

     يا وطني، يا حبي

     يا ازدحام الالم

     ان روحي تتألم من اللاألم

     فلم اكن قبل هذا عاشقا

     ايا ايها اللابد منه

     يجب ان تكون ممتلئا كالشمس

     يجب كتابتك بدون ذره تعقيد

     واحسرتاه، العيش بدونك يعمي العين

     و يميت قلبي الكسول

     يا ايها الأبعد مني،

     كبعد السماء عن الارض

     وقفت بروح حائره بين الشمس و الطين

     آه يا قلبي

     يا ايها الماء الراكد في، ما لم تتصل بالسيل

     اني قادم من الصمت

     من الظلام

     من الفراغ، من المجاعه

     من نهايه العبث

     يا وطني، يا حبي

     حبب الي مشاهده العاصفه

     انا وحيد

     قادم، كي اتقاسم معك كل ما تبقي لي

 

القيم المقلوبه

     انطلاقا من الفكر الاسلامي النقي الذي كان يحمله هذا الشاعر و رؤيته الي العالم المنبثقه عن الرؤيه الاسلاميه، فانه كان يرسم علامات الاستفهام علي ممارسات الدول الكبري في العالم و المنظمات المرتبطه بها، و يؤكد علي ان هذه الدول و المنظمات لا تفكر الا بمصالحها الخاصه التي تسوغ لها ان تبتلع كافه مصالح الآخرين، و تدمر كل ما لديهم من قيم و مباديء و كيانات.. لكنها مع ذلك تحاول بكل ما اوتيت من قوه و حيل و اساليب مضلله ان تخدع العالم و تصور نفسها حريصه علي مصالحه و اوضاعه:

     الاقمار الاصطناعيه الكاذبه

     تتدخل في السياسه

     و رغم ان جو العالم ينذر بالعواصف

     الا ان منظمه الانواء الجويه

     تتحدث دائما عن جو معتدل!

     و تتمني نوما حالماً للمستمعين الكرام!

     و يؤكد الشاعر هراتي كذب هذه القوي فيما تدعيه من حرصها علي السلام العالمي، زيف شعارات السلام التي ترفعها، بل ان السلام الذي تريده ليس السلام الحقيقي الذي ينشده المستضعفون في الارض، و تنادي به الاديان السماويه، بل انه سلام من نوع آخر:

     اصحاب حمام السياسه

     يطيرون عده حمامات و رقيه في السماء

     و يحاولون ان يحملوا الدنيا علي التصديق

     بأن جرح ايران سيلتئم بضماد الزيتون!

     و فلسطين المحتله يجب ان تقنع بالتشرد!

     و جراحات افغانستان يجب ان تضمد بمنديل احمر!

     و الا ستظل عيون الخنازير العظمي

     كما يجب عقد السلام بقوه الحراب

     و يتحدث الشاعر عن الاساليب الاستكباريه المقلوبه و الملتويه و التي لا تقيم وزنا للقيم و المثل العليا و لا للامم و الشعوب، و التي تحاول ان تبقي هذه الامم ضعيفه مقلده غير قادره علي الابداع و عاجزه عن الوصول الي مدارج الرقي و الازدهار، كي تستطيع ان تضمن بهذه الطريقه خضوعها و تبعيتها لها:

     جائزه السلام تمنحونها لدجال اعور

     و تعلنون عن امن الشرق الاوسط

     و ترسلون لاميركا بطاقه تهنئه

     يعطون للبنان الفرصه لدفن قتلاه!

     و يقدمون للعالم الثالث!

     الصنعه المونتاج و المثقف المونتاج!

     و لا مجال لاكثر من هذا، و الا:

     فلا تلومن الا نفسك

     رجاء امزجوا لطفكم بالنفثالين

     و احفظوه في محل بارد جاف!

     و لا يجد الشاعر سلمان فرقا بين اميركا او روسيا او فرنسا في زيف الادعاءات و تضليل الناس و كذب الشعارات المرفوعه:

      اشتراكيو فرنسا ليسوا احسن حالا

     انهم ينامون علي تهويده المخابرات الاميركيه

     رأيت في شارع «الشانزليزيه»

     كيف يضعون قشر الموز تحت اقدام الديمقراطيه!

     اين مهد الحريه يا تري؟

     في روسيا، كل الازقه تنتهي بقاعه المسرح

     فالعمال في فضاء ملبد بدخان الافيون

     و قد نالوا جهنم الطبقيه!

     المطبوعات تمدح بلا ملل

     لكن جثمان الاعتراض في سبيريا يزكم الانوف..

     الدنيا نائمه في سرير الحيله

     و الارستقراطيه ادلفت بنفسها علي سلالم المنظمه الدوليه

     و هي ترتدي اجمل حللها

     و تجامل الدنيا بورق الزيتون

     و رغم الرياح الموسميه و الزلزال القادم

     فقد اقاموا حفل عشاء

     بمباركه المخابرات المركزيه

     و وضعوا خرائط العالم علي موائدهم

     بدلا من الخبز