|
الصديقه
فاطمه
الزهراء د.
السيد جعفر
شهيدي
كان الرحيل
الأب، و
مظلوميه
الزوج، و
ضياع الحق؛ و
الأشد من ذلك
التغيير
الذي لحق
بسنه
المسلمين
بعد وقت فصير
علي رحيل
رسول الله؛
وقعه الشديد
علي روح بنت
الرسول
الاكرم، و
بالتالي
آلمها و
أمرضها.
فالزهراء،
كما يذكر
التاريخ،
قبل موت
أبيها لم تكن
تشكو من أي
مرض. و لا تذكر
النصوص ان
الزهراء (ع)
كانت عليله
آنذاك(1). الا
ان بعض
المعاصرين
كتب: ان فاطمه
اصلا كانت
ضعيفه
البنيه(2). و
رغم ان نصوص
كتاب «فاطمه
الزهراء» لا
تصرح بمرض
الزهراء (ع)
آنذاك، الا
انها لا تعدم
الاشاره الي
ذلك. يكتب
العقاد: كانت
الزهراء
نحيفه الجسم
تميل الي
السمره،
شاحبه اللون.
و قد رآها
أبوها قبل
موته فقال: «انت
اول اهل بيتي
لحوقاً بي»(3)
بيد ان اي
واحد من هذين
الكاتبين لم
يذكر ادلته،
و يستشف من
ظاهر عباره
العقاد، ان
النبي (ص) رأي
ابنته شاحبه
اللون
عليله، فقال
انها ستلحق
به.
لا اريد ان
اقول، كبعض
الوعاظ
القدماء،
بان فاطمه (ع)
كانت تنمو في
كل يوم
بمقدار نمو
الآخرين في
شهر، و في كل
شهر بمقدار
عام كامل(4). و
لكن، في حدود
ما اعلم و ما
تفيده
المستندات،
ان الزهراء
لم تكن ضعيفه
البنيه، و لا
شاحبه
اللون، و لا
تشكو من مرض.
ان مرضها الم
بها بعد
تلك
الحوادث. اذ
انها عاشت
ايامها بعد
وفاه
والدها،
معذبه ذابله
باكيه. لم تطق
تحمل فراق
والدها،
لذلك عندما
اخبرها
بلحاقها به
ابتسمت.
لانها كانت
تري سعادتها
في موتها
بدلاً من
الحياه في
غياب والدها. الحادث
المؤلم
ان قصه
اولئك الذين
جاءوا الي
باب دارها، و
ارادوا
إضرام النار
بمن فيه،
التي ذكرتها
المستندات
القديمه،
تكفي وحدها
في ايذائها و
ايلامها؛
فكيف الحال
اذا ما اضيفت
اليها حوادث
اخري ايضاً.
هل صحيح انهم
ضربوا عاتق
بنت الرسول
بالسياط؟ هل
حقاً كانوا
يريدون
اقتحام
الدار
بالقوه، و
كانت
الزهراء
واقفه خلف
الباب، مما
ادي الي
اصابتها؟
من الممكن
ان يكون قد
حصل ذلك في
تلك الحوادث.
و لو صح هذا،
فمن حق المرء
ان يتساءل عن
سبب كل هذا
العنف و
الخشونه، و
من اجل ماذا؟
كيف يمكننا
تصديق هذه
القصه و
تفسير
احداثها؟
كيف يتسني
للمسلمين
الذين
تحملوا اشد
انواع
العذاب في
سبيل الله و
طلباً
لمرضاته، و
من اجل
الإبقاء علي
معتقداتهم..
المسلمين
الذين ضحوا
بممتلكاتهم
و تخلوا عن
أعز أعزتهم،
و تركوا
بيوتهم و
هاجروا في
سبيل الله
الي بلد غريب
أو مدينه
بعيده، و
بالتالي
عرضوا
حياتهم
للموت مرات و
مرات في
ميادين
الحرب و
القتال.. كيف
يتسني لهم ان
يروا مثل هذه
الحادثه و
يجلسوا
صامتين دون
ان ينسبوا
ببنت شفه؟. يا
لها من كلمه
معبره حقاً،
قول ابن
فاطمه: «فاذا
محصوا
بالبلاء قل
الديانون»(5). العصبيه
القبليه
كانت قد
انقضت منذ
اليوم الاول
لدعوه
الرسول و حتي
هذا
التاريخ،
ثلاثه و
عشرون عاماً.
و مرت عشر
سنوات منذ
تاريخ
الهجره و حتي
هذه الايام. و
خلال هذه
السنوات
احتلت جماعه
من عبده
الدنيا، ممن
لم يكن
امامهم خيار
غير قبول
الاسلام،
موقعاً لها
بدخولها
الاسلام.. بعض
هؤلاء كان من
الكسالي
الذين
يتطلعون الي
الزعامه و
الرئاسه و
الحياه
الارستقراطيه.
كانت
اطباعهم
ترفض قيود
الذين و
حدوده، و اذا
أمامهم
خياراً آخر
غير إعلان
إسلامهم.
قريش، هذه
القبيله
المتمرده
التي كانت
تري زعامه
مكه و الحجاز
ملكاً لها
وحدها، رأت
نفسها بعد
فتح مكه أمام
قوه عظيمه
متمثله
بالاسلام. و
لأنها كانت
قد اعتنقت
الاسلام إما
خوفاً علي
ارواحها أو
أملاً في
الزعامه و
الجاه، فقد
سعت الي
احتواء هذه
القوه و
الابقاء
عليها في
صفوفها
وحدها. و اذا
ما اردنا
القول ان
هؤلاء، و
لانهم
جالسوا
الرسول
يوماً أو
يومين و
اكتسبوا صفه «صحابي»
-علي حد
اصطلاح
المحدثين-
كانوا
مسلمين
صادقين في
تقواهم و في
سحق
أهوائهم،
فان ذلك
يحتاج الي
الكثير من
إخفاء
الحقيقه او
حسن الظن. العداء
التاريخي
اذ ليس
خافياً علي
احد التنافس
و الحسد و
العداوه
التي كانت
بين عرب
الجنوب و عرب
الشمال في
القرون التي
سبقت
الاسلام(6).
فأبناء
الحجاز و
بحكم اطباع
البداوه،
كانوا
يعتبرون
ابناء يثرب –الذين
كانوا من
القحطانيين،
و كانوا
يعملون
بالزراعه-
اقل شأناً
منهم و دونهم.
القحطانيون،
أو عرب
الجنوب،
الذين كانوا
يقيمون في
يثرب، هم
الذين دعوا
نبي الاسلام
ليترك مكه و
يأتي الي
مدينتهم. و هم
اول من آمن به
و تحالف معه؛
و قاتلوا
قريشاً في
معارك بدر و
أحد و
الاحزاب و
غزوات اخري،
و من ثم فتحوا
مدينتهم..
قريش لم تطق
هذه المذله
أبداً. و
فضلاً عن
ذلك، فابناء
المدينه
كانوا قد
تطلعوا في «السقيفه»
الي
الخلافه،
الا انهم
تراجعوا
عنها بعدما
ذكرهم
ابوبكر بأن
الرسول قال: «الأئمه
من قريش». فلو
كان الانصار
ملتفين حول
أهل بيته
مثلما
التفوا حول
الرسول؛ ولو
أنهم حافظوا
علي حرمه
حريم هذا
البيت، من
كان يضمن ان
القحطانيين
لم يمرغوا
مره اخري
انوف
العدنانيين
في التراب؟!.
لقد ادرك
اقطاب
السياسه
آنذاك هذه
الحقائق
جيداً.
نحن حتي لو
قبلنا هذ
الواقع، أو
احسنا الظن و
اعتبرنا
جميع اصحاب
الرسول
كانوا في
درجه واحده
من التضحيه و
التقوي- رغم
ان مثل هذا
الإحتمال لا
يمكن تصوره-
فان ذلك لا
يغير من
الحقيقه. لقد
اختفت
العداوه
مؤقتاً بين
الشمال و
الانصار في
المدينه. الا
انه سرعان ما
ظهرت اولي
بوادرها بعد
رحله
الرسول، و
اخذت تتضح
اكثر فاكثر
في السنوات
التاليه. و لا
يخفي علي
المطلعين
علي التاريخ
الاسلامي،
ان هذا
الصراع و
النزاع بقي
قائماً في
مختلف انحاء
البلاد
الاسلاميه
حتي عصر
المعتصم
العباسي.
انا لا ادعي –لا
سمح الله- ان
جميع اصحاب
الرسول
كانوا
يفكرون بهذا
النحو. فبين
المضريين أو
القرشيين
كان اشخاص
يعملون
طلباً
لمرضاه الله
و يخشون الله
في أقوالهم و
أفعالهم، و
لا يعبأون
بالدنيا؛ و
أحياناً
كانوا
يتخلون عن
اخوانهم و
ابنائهم
مراعاه
للحكم
الآلهي. بيد
أن هؤلاء
كانوا
قليلين. هل من
الممكن ان
نتصور
بسهوله ان
كلاً من سهيل
بن عمرو و
عمرو بن
العاص و ابي
سفيان و سعد
بن عبدالله
بن ابي سرح،
كان يؤرقهم
هم الدين و
الانتصار
له؟ انه لمن
السذاجه
القول ان ذلك
صحب الرسول
يوماً أو
شهراً أو
سنه، مصداق
الحديث الذي
نقلوه عن
الرسول (ص)
القائل: «اصحابي
كالنجوم،
بأيهم
اقتديتم
أهتديتم». انا
لا اخوض هنا
في صحه هذ
الحديث من
حيث المتن و
السند، اترك
ذلك الي
المحدثين؛ و
لكن المسلم
به هو أن
اصحاب
الرسول
وقفوا في
مواجهه
بعضهم بعضاً
في تلك
الايام، او
علي الاكثر
بعد سنوات
معدودات،
فكيف يمكننا
القول ان
كلاً من
اولئك الذين
ناصروا
علياً، و
اولئك الذين
لزموا جانب
طلحه و
الزبير و
معاويه،
نهجوا سبيل
الرشاد؟..
ربما يقال ان
الخليفه و
انصاره
كانوا من
المسلمين
الاوائل، و
من فئه
المهاجرين
الاولي. هذا
صحيح، و لكن
اذا ما
تجاوزنا
الخليفه و
شخصاً او
شخصين
آخرين؛ من هم
الذين عملوا
علي تثبيت
اركان
الدوله؟ و
أيه طائفه
تولت
ادارتها؟.
فمن اجل
استقرار
الدوله لابد
من وجود قوه
موحده. و لكي
تتحق هذه
القوه ينبغي
القضاء علي
اي نوه من
المعارضه. و
من الطبيعي
جداً ان
يتغير هذا
المنطق مع
تبدل الظروف. مواقف
متذبذبه
بضعه
الرسول
طريحه
الفراش تئن
من مرضها. فكم
عدد الذين
زاروها في
فتره مرضها
من اولئك
الرجال
الواضعين
أرواحكم علي
الاكف؟؛ من
اولئك
المسلمين
الذين كانوا
علي اهبه
الاستعداد
في مقدمه
الصفوف؟؛ من
اولئك الذين
كان كل ما
عندهم من
بركه والدها.
كم عدد الذين
جاءوا من
هؤلاء
لعيادتها و
مواساتها من
المحرومين و
المظلومين،
من امثال
بلال او
سلمان. و مهما
يكن فان
عاطفه
النساء و
أحاسيسهن
أرق من
الرجال. خاصه
في تلك
الايام، حيث
كانت النساء
بعيدات عن
ميدان
السياسه و لم
يكن لهن دور
مباشر فيما
يدور حولهن.
يكتب الشيخ
الصدوق
بإسناده
الذي يتصل
بفاطمه بنت
الحسين بن
علي (ع):
اجتمعن نساء
المهاجرين و
الانصار
عندها(7). الا
ان عباره
احمد بن ابي
طاهر ذكرت ان
«النساء»
جاءت و لم
تذكر اسم
المهاجرين و
الانصار(8).
حتي و ان كانت
احدي نساء
المهاجرين
قد شاركت في
هذا اللقاء،
فبالتأكيد
لم تكن من
المرتبطين
بالطبقه
الممتازه و
المتصدين
للشؤون
السياسيه.
اما الانصار
فكان لهم شأن
آخر. فهم منذ
البدايه، اي
منذ تلك
الايام التي
دعوا فيها
الرسول الي
مدينتهم،
كانوا قد
تحالفوا مع
أهل بيته و
أحبائه و
احكموا
علاقتهم
معهم. و ان
معظم هؤلاء
كان قد احتفظ
بهذا الود في
علاقته مع
علي و ابنائه
و اهل بيته
فيما بعد.
علي ايه
حال، ان
الجواب الذي
أجابت به بنت
الرسول علي سؤال
النسوه،
يشير الي
المواقف
المتذبذبه
لأناس ذلك
العصر، و
التي لا
تختلف عن
العصور
الاخري.. كانت
بنت الرسول
متألمه
لسلوك رجال
تلك النسوه.
ان خطبتها
البليغه لم
تكن اجابه
علي تفقدهم
اياها، و
انما تتحدث
عن اوضاع
المدينه
آنذاك، و
تخبر عن ذلك
الذي حدث بعد
ربع قرن من
بعثه الرسول. خطبه
الزهراء
ان اقدم نص،
متوفر لدي
الكاتب،
لهذه الخطبه
هو كتاب «بلاغات
النساء». و قد
وردت الخطبه
ايضاً في
مؤلفات من
قبيل أمالي
الشيخ
الطوسي، و
كشف الغمه، و
احتجاج
الطبرسي، و
بحار
الأنوار
للمجلسي، و
غير ذلك من
الكتب، و
نصها:
- كيف اصبحت
من علتك يا
ابنه رسول
الله؟
فحمدت
الله، و صلت
علي أبيها،
ثم قالت:
أصبحت –ولله-
عائفه
لدنياكن،
قاليه
لرجالكن،
لفظتهم بعد
ان عجمتهم، و
شنئتهم بعد
ان سبرتهم،
فقبحاً
لفلول الحد،
و اللعب بعد
الجد، و قرع
الصفاه، و
صدع القناه،
و خطل
الآراء، و
زلل
الأهواء، و
بئس ما قدمت
لهم انفسهم.
أن سخط الله
عليهم و في
العذاب هم
خالدون. لا
جرم لقد
قلدتهم
ربقتها، و
حملتهم
اوقتها، و
شننت عليهم
عارها،
فجدعاً و
عقراً و
سحقاً للقوم
الظالمين.
ويحهم! اني
زحزحوها عن
رواسي
الرساله و
قواعد
النبوه و
الدلاله، و
مهبط الروح
الأمين، و
الطبين
بأمور
الدنيا و
الدين. ألا
ذلك هو
الخسران
المبين. و ما
الذي نقموا
من أبي
الحسن؟
نقموا منه
والله نكير
سيفه، و قله
مبالاته
بحتفه، و شده
وطأته و نكال
وقعته، و
تنمره في ذات
الله عز و جل.
والله
لوتكافوا عن
زمام نبذه
رسول الله
اليه
لاعتلقه، و
لسار بهم
سيراً
سجحاً، لا
يكلم خشاشه و
لا يتعتع
راكبه، و
لأوردهم
منهلاً
صافياً
روياً،
فضفاضاً
تطفح ضفتاه،
و لا يترنق
جانباه..، و
لأصدرهم
بطاناً، و
نصح لهم سراً
و إعلاناً،
لم يكن يحلي
من الغني
بطائل، و لا
يحظي من
الدنيا
بنائل غير ري
الناهل و
شبعه
الكافل، و
لبان لهم
الزاهد من
الراغب، و
الصادق من
الكاذب. «و لو
أن أهل القري
أمنوا و
اتقوا
لفتحنا
عليهم بركات
من السماء و
الارض و لكن
كذبوا
فأخذناهم
بما كانوا
يكسبون» (الاعراف/
94). «و الذين
ظلموا من
هؤلاء
سيصيبهم
سيئات ما
كسبوا و ما هم
بمعجزين» (الزمر/
52).
الا هلم و
استمع، و ما
عشت أراك
الدهر عجباً!
و ان تعجب
فعجب قولهم!
ليت شعري الي
اي سناد
استندوا؟ و
علي اي عماد
اعتمدوا؟ و
بأيه عروه
تمسكوا؟ و
علي ايه ذريه
اقدموا و
احتنكوا؟
لبئس المولي
و لبئس
العشير، و
بئس
للظالمين
بدلاً
استبدلوا
والله
الذنابا
بالقوادم، و
العجز
بالكاهل.
فرغماً
لمعاطس قوم
يحسبون أنهم
يحسنون
صنعاً. ألا
انهم هم
المفسدون و
لكن لا
يشعرون.
ويحهم! «أفمن
يهدي الي
الحق أحق ان
يتبع أم من لا
يهدي الا ان
يهدي فما لكم
كيف تحكمون» (يونس/
35). أما لعمري،
لقد لقحت
فنظره ريثما
تنتج، ثم
احتلبوا ملا
القعب دماً
عبيطاً و
ذعافاً
مبيداً.
هنالك يخسر
المبطلون، و
يعرف
التالون غب
ما أسسه
الأولون. ثم
طيبوا عن
دنياكم
أنفسا، و
اطمأنوا
للفتنه
جأشاً، و
أبشروا بسيف
صارم و سطوه
معتد عاشم، و
هرج شامل، و
استبداد من
الظالمين
يدع فيئكم
زهيداً، و
جمعكم
حصيداً، فيا
حسره لكم، و
اني بكم؟ و قد
عميت عليكم،
انلزمكموها
و انتم لها
كارهون؟ الخطر
الداهم
تظهر هذه
الخطبه عتاب
و شكوي و الم
قلب سيده
مفجوعه و
مظلومه
آنذاك. و هي في
الحقيقه
كانت تنذر
بخطر لم يكن
يهدد
المهاجرين و
الانصار
فحسب، بل
نظام الحكم و
مستقبل
النظام
الاسلامي.. و
لم يمر وقت
طويل حتي
تحقق ذلك
الذي أخبرت
به بنت
الرسول، و هي
في فراش
مرضها، و قبل
ذلك ايضاً، و
حذرت الناس
منه.. ففي
يومها قالوا:
لا تجتمع
النبوه و
الخلافه في
بيت واحد..
قالوا: لابد
لقريش، هذ
العشيره
المغروره و
المسكونه
بحب الزعامه
و الأفضليه،
ان تتواصل
زعامتها.
فيومها لم
يكونوا
يتصوروا
عاقبه
فعلتهم هذه.
لم يدركوا ان
الزعامه
ستنتقل من
قريش الي بني
اميه و ابناء
ابي سفيان و
الحكم بن
العاص و بني
مروان. لم
يكونوا
يدركوا ان
تبعه هذا
القرار
العجول
ستذكي جذوه
العداوه
القديمه بين
العراقيين و
الشاميين.. لم
يدركوا ان
التنافس و
الحسد بين
القحطانيين
و
العدنانيين
سيبدأ من
جديد، و سيقف
الصفان في
مواجهه بعض،
و ستذهب
ارواح خلفاء
ضحيه ذلك، و
بالتالي
اندلاع نار
تعم انحاء
الشرق، و من
ثم الحجاز و
الشام و
المغرب
الاسلامي،
اذ انه: «ان
الله لا يغير
ما بقوم حتي
يغيروا ما
بأنفسهم»(10). الموقف
اللامسؤول
ما هو عدد
الايام التي
رقدت فيها
بنت الرسول
في فراش
المرض؟ لا
نعلم ذلك علي
وجه الدقه. ما
هو عدد
الاشهر التي
عاشتها بعد
رحيل
والدها؟ غير
واضح. ان اقل
فتره ذكرت
بهذا الشأن
هي اربعين
يوماً. و
اطولها
ثمانيه اشهر.
و ما بين
هاتين
الروايتين
توجد روايات
مختلفه
تراوحت
الفتره التي
ذكرتها ما
بين شهرين، و
خمسه و سبعين
يوماً، و
ثلاثه اشهر،
و سته اشهر.
لماذا كل
هذا
الاختلاف، و
هذا التفاوت
في
الروايات؟
ففي هذه
الفتره كان
تاريخ
الحوادث
يتناقل
شفاهاً من
واحد الي آخر.
فمن يستطيع
ان يزعم ان
جميع هؤلاء
الرواه
كانوا
غافلين عن
ذلك و متنحين
جانباً؛ هذا
اذا لم تكن
عوامل اخري
تدخلت في
الامر.
بيد أننا
نعلم ان
الفئات
السياسيه
الموجوده
آنذاك لم تكن
فقدت قوتها
بعد. و من جهه
آخري، كان
المسلمون
منشغلين
بالحروب
داخل البلاد
الاسلاميه.
ففي مثل هذه
الظروف، من
الذي كان
يجرؤ علي ضبط
التاريخ
الصحيح
للحوادث؟
حتي لو
افترضنا ان
اي واحد من
هذين
العاملين لم
يكن له دخل في
هذه
الحادثه،
فلاشك ان
الفئات
السياسيه
التي برزت
الي الواجهه
بعد هذا
التاريخ،
استطاعت ان
تتلاعب
بتاريخ
الحوادث الي
الحد الذي
كان
بمقدورها.
اجل، و كما
ينقل
المجلسي في
دلائل
الأمامه،
طلب اثنان من
صحابه
الرسول –أبوبكر و
عمر- لقائ
الزهراء في
مرضها هذا.
الا ان بنت
الرسول لم
تأذن لهما.
فقال علي (ع):
اني ضمنت
لهما ذلك.
فقالت فاطمه:
ان كنت قد
ضمنت لهما
شيئاً
فالبيت بيتك(11).
و رغم ان ابن
سعد كتب: ان
ابابكر تحدث
قليلاً الي
بنت الرسول،
و هداً من
روعها. الا
انه فيما
يبدو ان هذا
للقاء لم
يحقق
النتيجه
الموجوده
منه.. قالت بنت
الرسول لهما:
ألم تسمعا
رسول الله
يقول: فاطمه
بضعه مني، من
آذاها فقد
آذاني؟. قالا:
نعم. قالت
فاطمه: اني
اشهد الله و
ملائكته
أنكما
اسخطتماني و
ما
أرضيتماني(13).
ثم خرجا من
دارها.
كتب
البخاري في
صحيحه: لما
طلبت بنت
الرسول
ميراثها من
الخليفه، و
قد قال لها:
اني سمعت
رسول الله
يقول: نحن لا
نورث، فلم
تكلمه
الزهراء
بعدها حتي
موتها(14). التأهب
للرحيل
في الايام
الاخيره من
حياتها،
طلبت أسماء
بنت عميس، و
كانت ضمن
المهاجرين،
الي الحبشه و
المقربين
لها. و كما
نعلم ان
اسماء كانت
زوجه جعفر بن
ابي طالب. و
بعد
استشهاده في
معركه مؤته
تزوجت
ابابكر بن
ابي قحافه.
فقالت بنت
الرسول
لاسماء:
- انني لأكره
ان يغطي
جثمان
المرأه
بالقماش، اذ
تبدو من خلفه
معالم الجسد.
- كنت قد رأيت
في الحبشه
شيئاً آخر. و
طلبت بإحضار
جريد النخل،
و صنعت منه
نعشاً و غطته
بالقماش.
فقالت بنت
الرسول:
- شيء جديد. و
هو يميز نعش
المرأه عن
نعش الرجل. و
طلبت من
اسماء ان لا
يقرب احد
جنازتها(15).
و في آخر يوم
من حياتها
دعت بماء
فاغتسلت و
لبست ثياباً
جديده، و
اتجهت الي
حجرتها. طلبت
من خادمتها:
إفرشي فراشي
وسط البيت.
انتقلت الي
فراشها، و
اضطجعت
مستقبله
القبله،
واضعه يدها
تحت خدها. و
قالت: سأموت
هذه الساعه(16).
و ينقل
علماء
الشيعه ان
زوجها علياً
هو الذي قام
بتغسيلها. و
اختار ابن
سعد هذه
الروايه
ايضاً(17). الا
انه و كما
ذكرت، ان ابن
عبدالبر كتب:
طلبت بنت
الرسول من
اسماء ان
تتولي
تغسيلها و
تكفينها. و
يبدو ان
اسماء
تعاونت مع
علي (ع) في
تغسيل فاطمه.
كتب ابن
عبدالبر: لما
فارقت بنت
الرسول
الحياه،
ارادت عائشه
ان تدخل
حجرتها،
فمنعتها
اسماء طبقاً
لوصيه
الزهراء.
فشكت الي
ابيها: لقد
حالت هذه
المرأه
الخثعميه
بيني و بين
بنت الرسول،
و لم تسمح لي
بالاقتراب
من جسدها. كما
انها صنعت
لها حجله
كحجله
العرسان.. جاء
ابوبكر الي
باب حجره بنت
الرسول و قال:
- يا اسماء
لماذا تمنعي
زوجات النبي
من الدخول
علي بنته؟ و
ما هذه
الحجله التي
صنعتيها
لبنت النبي؟
- اوصتني
الزهراء أن
لا يدخل
عليها احد. و
كنت قبل
وفاتها
حدثتها عن
النعش
فأمرتني ان
اصنع لها
مثله.
- اذا كان
الامر كذلك،
فافعلي ما
امرتك به(19).
كتب ابن
عبدالبر:
كانت فاطمه
بنت رسول
الله أول
امرأه في
الاسلام صنع
لها نعش، ثم
صنع بعد ذلك
لزينب بنت
جحش (زوجه
النبي).
و يتفق
علماء
الشيعه و
مؤرخوها علي
ان جثمان بنت
رسول الله
وري الثري
ليلا. كما ان
ابن سعد ذكر
ايضاً في
رواياته عن
ابي شهاب، و
عروه، و
عائشه، و
الزهري، و
آخرين، ان
فاطمه (ع) دفنت
ليلاً و ان
عليا (ع) هو
الذي دفنها(20).
البلاذري
ايضاً ذكر
ذلك في
روايته(21). و
كتب البخاري
ايضاً: «دفنها
زوجها
ليلاً، و لم
يسمح لابي
بكر ان يحضر
جنازتها»(22). الوداع
الاخير
اما
الكليني،
الذي يعد من
كبار علماء
الشيعه و
محدثيها، و
المتوفي في
بدايه القرن
الرابع
الهجري، و
كان قد كتب
كتابه في
النصف
الثاني من
القرن
الثالث،
الذي يعتبر
من أقدم
المستندات
الشيعه، فقد
كتب: لما
توفيت فاطمه (ع)،
دفنها
أميرالمؤمنين
خفيه، و أخفي
معالم القبر:
ثم حول وجهه
الي قبر رسول
الله (ص) و قال:
السلام
عليك يا رسول
الله عني.
السلام عليك
عن ابنتك و
زائرتك، و
البائته في
الثري
ببقعتك، و
المختار لله
لها سرعه
اللحاق بك. قل
يا رسول الله
عن صفيتك
صبري، و عفي
عن سيده نساء
العالمين
تجلدي. الان
ان في التأسي
لي بسنتك في
فرقتك موضع
تعز، فلقد و
سدتك في
ملحوده قبرك
بعد ان فاضت
نفسك بين
نحري و صدري،
و غمضتك
بيدي، و
توليت امرك
بنفسي. بلي، و
في كتاب الله
لي انعم
القبول. إنا
لله و إنا
اليه راجعون.
قد استرجعت
الوديعه، و
أخذت
الرهينه، و
اختلست
الزهراء. فما
اقبح
الخضراء و
الغبراء يا
رسول الله!
أما حزني
فسرمد، و أما
ليلي فمسهد،
و هم لا يبرح
من قلبي، أو
يختار الله
لي دارك التي
انت فيها
مقيم. كمد
مقيح، و هم
مهيج، سرعان
ما فرق الله
بيننا، و الي
الله اشكو، و
ستنبئك
ابنتك
بتصافر امتك
علي، و علي
هضمها حقها،
فاحفها
السؤال و
استخبرها
الحال، فكم
من غليل
معتلج
بصدرها لم
تجد الي بثه
سبيلاً، و
ستقول ويحكم
الله و هو
خيرالحاكمين.
و السلام
عليكما يا
رسول الله،
سلام مودع
لاسئم و لا
قالٍ، فإن
أنصرف فلا عن
ملاله، و ان
اقم فلا عن
سوءظن بما
وعد الله
الصابرين
واهاً واها! و
الصبر أيمن و
أجمل، و لولا
غلبه
المستولين
علينا لجعلت
المقام عند
قبرك
لزاماً، و
التلبث عنده
عكوفاً. و
لأعولت
إعوال
الثكلي علي
جليل
الرزيه،
فبعين الله
تدفن ابنتك
سراً؟! و
يهتضم حقها
قهراً؟! و
يمنع إرثها
جهراً؟! و لم
يطل منك
العهد، و لم
يخلق منك
الذكر، فالي
الله –يا رسول
الله-
المشتكي، و
فيك –يا رسول
الله- اجمل
العزاء،
فصلوات الله
عليها و عليك
و رحمه الله و
بركاته.
و أمام شهره
هذه
الروايه،
يذكر ابن سعد
روايه اخري
تقول ان
أبابكر صلي
علي بنت رسول
الله و كبر
اربعاً. و من
الواضح ان
هذه الروايه
و حديثاً او
حديثين
آخرين، لا
اعتبار لهما
أمام شهره
تلك الروايه.
و من غير
المستبعد تم
نسجها
لمصلحه
موقته.
آلم فقدان
بنت رسول
الله علياً (ع)
بشده. و قد
رأينا صوره
لهذه الالم
في كلامه (ع)
الذي خاطب به
رسول الله. و
ذكرت
المستندات
القديمه
بيتين من
الشعر نسبا
الي
أميرالمؤمنين
يعكسان شده
ألمه و حرقه
مصابه. و في
بعض المراجع
زاد عدد هذه
الابيات علي
ذلك، كما هو
في الديوان
المنسوب الي
الامام، حيث
بلغت احد عشر
بيتاً(23).
كتب الزبير
بن بكار في
كتابه «الاخبار
الموفقيات»،
الذي ألفه في
النصف
الثاني من
القرن
الثالث
الهجري، و
يعتبر من
المراجع
القديمه: ذكر
المدائني: ما
ان فرغ
اميرالمؤمنين
علي بن ابي
طالب (رضي
الله عنه) من
دفن فاطمه،
حتي وقف علي
قبرها و انشد
هذين
البيتين: لكل
اجتماع من
خليلين فرقه
و كل الذي
دون الممات
قليل(24) و
ان افتقادي
واحداً بعد
واحد
دليل علي ان
لا يدوم خليل(25)
و ذكر هذان
البيتان في
بعض المصادر
بهذا النحو: لكل
اجتماع من
خليلين فرقه
و كل الذي
دون الفراق
قليل و
ان افتقادي
فاطماً بعد
أحمد
دليل علي أن
لا يدوم خليل
و أورد
المصحح
الفاضل
للطبعه
الاخيره من
بحارالانوار
(طهران)، في
ذيل الصفحه 187
من الجزء 43: في
بعض النسخ
وردت عباره: «و
ان افتقادي
واحداً بعد
واحد»، و هي
صحيحه لأن
علي (عليه
السلام) تمثل
بهذين
البيتين و لم
ينشئهما. بيد
أن عباره
الزبير بن
بكار هي: «و
أنشأ يقول».
فضلاً عن ان
هذين
البيتين
ذكرا بهذا
النحو في
الديوان
المنسوب الي
الامام. و كتب
المجلسي: روي
اجاب الهاتف
علي شعره. و
ذكر الابيات
الاربعه(27). القسوه
و الالم
و مما يؤسف
له ان مكان
مزار بنت
رسول الله
غير واضح
ايضاً. و يتضح
مما كتب حول
موتها، و
المساعي
التي بذلت في
إخفاء هذ
الخبر، ان
بيت النبوه
كان قلقاً
بهذا الشأن. و
لكني لا اعرف
لماذا كل هذا
القلق و
الاضطراب؟
فربما جزء من
ذل يعود الي
وصيه
الزهراء (ع)،
اذ انها لم
تكن ترغب ان
يحضر تشييع
جنازتها و
الصلاه
عليها و
مراسم
دفنها، أحد
من اولئك
الذين آذوها. و لكن لماذا خفيت معالم القبر؟ لماذا اقيم، بعد دفنها، الي جوار قبرها سبعه قبور وهميه؛ أو أربعون قبراً، في مقبره البقيع أو في بيتها؟ ل |