زعماء الاصلاح و التجديد من مدرسه اهل البيت«ع»

الشيخ النائيني.. مؤسس الفقه السياسي الاسلامي الحديث

عبدالكريم آل‌نجف

 

     من المفترض ان تترجم المكانه المقدسه لـ(الصلح) في المجتمع الاسلامي الي حس اصلاحي يكافئها في الدرجه و حركه اصلاحيه واسعه النطاق ثقافيا و سياسيا و اجتماعيا غير ان المفارقه التي يلمسها الباحث هي ان واقع الحركه الاصلاحيه في المجتمع الاسلامي اقل من هذه الدرجه المفترضه، الامر الذي يسترعي انتباهه و يطلب منه البحث في عوامل هذه المفارقه و اسبابها و سبل حلها من اجل رفع مستوي الحركه الاصلاحيه في الحجم و النوع الي المستوي المطلوب.

 

مشاريع الاصلاح و التجديد.. تاريخ لم يدرس

     لم تدرس حتي الآن حركه الاصلاح و التجديد في المجتمع الشيعي دراسه تحليليه موضوعيه مسهبه تبين نقاط القوه و الضعف في هذه الحركه و تجلي مواطن النجاح و الاخفاق و من ثم عوامل و اسباب ذلك. و تقضي الضروره الآن ببذل الجهود في هذا المضمار ليس تكريما لرواد الاصلاح او محاكاه لما تقوم به المجتمعات الاخري من واجب التكريم لهم فقط و انما خدمه لحركه الاصلاح و التجديد نفسها ايضا.

     فقد اعتني القرآن الكريم عنايه فائقه بالاصلاح حتي وجدنا ماده «صلح» تتكرر فيه اكثر من 180 مره و لا يظن ان مفرده اخري  في حياه الانسان حظيت بهذا القدر من اهتمام القرآن، و في سيره المعصومين«ع» نجد الامام الحسين«ع» يعنون ثورته الخالده بعنوان الاصلاح فيقول «اني لم اخرج بطرا و لا اشرا و لا ظالما و لا مفسدا و انما خرجت لطلب الاصلاح في امه جدي..». و هذا ما يدلل علي المكانه المتميزه للاصلاح في الاسلام بحيث يكون عنوانا لثوره سياسيه و فكريه و اجتماعيه عظيمه كثوره الامام الحسين«ع». و من المفترض ان تترجم هذه المكانه في المجتمع الاسلامي الي حس اصلاحي يكافئها في الدرجه و حركه اصلاحيه واسعه النطاق ثقافيا و سياسيا و اجتماعيا. غير ان المفارقه التي يلمسها الباحث هي ان واقع الحركه الاصلاحيه في المجتمع الاسلامي اقل من هذه الدرجه المفترضه، الامر الذي يسترعي انتباهه و يطلب منه البحث في عوامل هذه المفارقه و اسبابها و سبل حلها من اجل رفع مستوي الحركه الاصلاحيه في الحجم و النوع الي المستوي المطلوب و في هذه السلسله من المقالات سنسلط الضوء علي مشاريع الاصلاح و التجديد في المجتمع الشيعي في تاريخه المعاصر مبتدئين بمشروع الشيخ محمد حسين النائيني الذي يمكننا اعتباره مؤسس الفقه السياسي الاسلامي الحديث و ذلك نظر الي ان الفقه السياسي الاسلامي عاني من ازمه حقيقيه علي المستويين الشيعي و السني معا، فعلي المستوي الشيعي كان اقصاء الائمه «ع» عن الحكم و الدوله و تواصل هذه الحاله طيله عصور ما بعد الائمه ادي من جهه الي ظهور فقه المقاومه بمفردات التقيه و الانقطاع عن الحاكم الظالم. و من جهه اخري الي ضمور فقه الدوله و التجربه السياسيه. و علي المستوي السني كانت نظريات الحكم و الدوله قد أسست في القرن الهجري الثاني و صيغت في ضوء‌ تجارب الحكمين الاموي و العباسي اضافه الي حكم الخلفاء الراشدين و هذا ما صبغ تلك النظريات بالصبغه الامويه و العباسيه.

     و هكذا عاش الفقه السياسي الاسلامي ازمته بين مدرسه معارضه لم تجد نفسها مبتلاه بمسأله الدوله و الحكم و اخري حاكمه تابعت خطوات الحكم القائم و بررته فكانت نظرياتها بعيده عن روح التشريع و جوهر الامامه الاسلاميه و هذا لا يعني ان الفقه الامامي كان خاليا من الاسس و الجذور، ففكره نيابه الفقيه عن الامام«ع» كانت مبثوثه في هذا الفقه منذ القرن الرابع الهجري و هي التي حررت فيما بعد تحت عنوان ولايه الفقيه.

     لكن فقهاء الاماميه لم يطوروا ايا من الفكرتين الي صيغه لنظام سياسي، و اقتصروا فيهما علي معالجه الاغراض الفرديه و لم يتخذوهما اساسا لمعالجات سياسيه حتي جاء الشيخ حسين النائيني فصاغ نظريه سياسيه اسلاميه تقوم علي اساس الدستور و الشوري و امضاء الفقيه. و حيث لم يكن المجتمع السياسي انذاك قد بلغ النضج الذي يسمح باقصاء الملك و احلال الفقيه علي رأس الدوله، لذا حافظ الدستور علي الشكل الملكي للدوله و بسبب ذلك لم تعتبر الدوله الدستوريه المنشوده دوله اسلاميه و انما اعتبرت مرحله وسطي بين الدوله الملكيه المستبده التي لا يحدها قانون و بين الدوله الاسلاميه.

     و مع ان اعلام الحركه الدستوريه الايرانيه كالشيخ حسين خليل و الشيخ كاظم الخراساني و الشيخ عبدالله المازندراني كانوا قد سبقوا الشيخ النائيني الي هذه الفكريه الا ان الزعيم الذي دون هذه الفكره و شرحها و استدل لها استدلالا رائعا من الكتاب و السنه كان هو الشيخ محمد حسين النائيني في كتابه «تنبيه الامه و تنزيه المله» و من هنا استحق ان يعتبر مؤسس الفقه السياسي الاسلامي الحديث.

 

الادوار السياسيه للشيخ النائيني

     قبل ان نستطلع نظريه الشيخ النائيني السياسيه و نستطلع جانبا من حياته السياسيه التي تتمثل في عده ادوار هي:

     1) دوره في دعم و تبني الحركه الدستوريه الايرانيه.

     حيث كان احد اعضاء هيئه العلماء التي شكلت في النجف الاشرف لاداره الحركه الدستوريه. و يعتقد ان اسم «ميرزا محمد» الذي اوردته بعض المصادر و الوثائق بأنه كان سكرتيرا للشيخ الخراساني هو نفسه الشيخ الميرزا محمد حسين النائيني حيث ذكر احد تلامذته و هو آيه الله الميرزا هاشم الآملي ان استاذه النائيني كان يتولي كتابه البرقيات و البيانات التي كانت تصدر باسم الشيخ الخراساني(1) و يذكر الاخ الاصغر للشيخ النائيني ان اخاه كان في جمله العازمين علي الرحيل الي ايران مع الشيخ الخراساني من اجل صد الهجوم الروسي علي شمال ايران و توجيه الحركه الدستوريه من داخل الساحه الايرانيه نحو الاتجاه المطلوب الذي انحرفت عنه اخيرا(2).

     2)عندما اعلن الجهاد ضد الاحتلال الانجليري للعراق عام 1333 هـ (1914 م) كان الشيخ محمد حسين النائيني من جمله العلماء‌ المشاركين فيه و يروي آيه الله السيد شهاب الدين المرعشي انه يتذكر دور الشيخ النائيني المؤثر في الجهاد و الجبهات(3).

     3) في ربيع عام 1921 اعلن مؤتمر القاهره الامير فيصل بن الشريف حسين مرشحا وحيدا لعرش العراق و هنا وقف الشيخ النائيني و معه السيد ابوالحسن الاصفهاني موقفا معارضا لأصل فكره ترشيح ملك للعراق ما لم يضمن اولا الاستقلال بصوره تامه و ناجزه، و بلغت المعارضه درجه الحسن عندما اعلنت الحكومه عزمها علي اجراء انتخابات نيابيه فاصدر الشيخ النائيني و معه السيد الاصفهاني و الشيخ مهدي الخالصي، عده فتاوي تحرم المشاركه في الانتخابات فأقدمت الحكومه علي نفي الشيخ مهدي الخالصي الي خارج العراق فخرجت مظاهره احتجاجيه في النجف الاشرف ضد هذا الاجراء بزعامه الشيخ النائيني و السيد الاصفهاني و عشرات من العلماء و الطلبه الآخرين. و هنا قامت الحكومه بنفي الشيخ النائيني و السيد الاصفهاني و من كان معهما الي ايران في حزيران 1923 و بقي الشيخ النائيني هناك حتي نيسان 1924 حيث جري الاتفاق بين الحكومه و العلماء علي العوده الي العراق و عدم التداخل في الشؤون السياسيه(4).

 

الكتاب الرائد

     يعتبر كتاب «تنبيه الامه و تنزيه المله» خلاصه المشروع التجديدي و الاصلاحي للشيخ النائيني و هو يقع في مقدمه و خمسه فصول و خاتمه. ميز في المقدمه بين نوعين من الحكومه، بين حكومه تتصرف في العباد و البلاد كما يتصرف المالك في ملكه فلها مطلق الاختيار في التصرف و التعامل كالقهر و الغلبه و التعدي و الحكم بما تشاء دون ان يحدها قانون، بل تري ان مثل ذلك القانون نوع من التعدي علي صلاحياتها و حقوقها المطلقه و ليس علي الشعب الا ان يطيع و يخضع، و حكومه اخري لا تجد نفسها مالكه للشعب و البلد و انما هي هيئه موظفه لدي الشعب الذي عينها في هذا المقام و طلب منها اجراء بعض الوظائف فسلطتها محدوده بحدود تلك الوظائف و مشروعه ان كانت لغرض ادائها فاذا تجاوزت تلك الوظائف او اهملتها عادت حكومه غير قانونيه. الحكومه الاولي هي الحكومه المستبده المتسلطه بدون شوري و لا دستور و الحكومه الثانيه حكومه عادله دستوريه، و الحكومه الاسلاميه من النوع الثاني. و الحاكم الاسلامي ان كان معصوما منعته عصمته من تجاوز القانون و التعدي علي الحقوق اذ ليس معني العصمه الا درجه مثاليه من التقليد بالقانون الاسلامي. ان كان غير معصوم احتجنا الي ما يقوم مقام العصمه في مجال حفظ محدود بين الحاكم و الامه. و هنا يصل الشيخ النائيني الي ان ما يقوم مقام العصمه في هذا المجال هو الدستور و الشوري. فاذا كان المكلف البسيط يحتاج الي رساله عمليه تنظم سلوكه الشرعي فمن الاولي ان يحتاج الحاكم الي دستور ينظم سلوكه الشرعي و السياسي ازاء الامه و يعتبر مقياسا لاستقامته او انحرافه. كذلك يحتاج الحاكم الي شوري تقوم بدور النصيحه و التسديد احيانا و بدور المراقبه و المحاسبه احيانا اخري. و هنا يحشد الشيخ النائيني ببراعه الشواهد القرآنيه و التاريخيه من حياه النبي و الائمه «ع» الداله علي ضروره الدستور و الشوري في الحكم و علي كون الحكم المنسلخ عنهما حكما ليس ظالما فقط بل مخلا بأيمان المسلم و بوحدانيه الله ايضا. لان القاهريه و الحاكميه بما يشاء من صفات الله و اسمائه و الحكم المستبد إنما يريد أن يشارك الله في هذه الصفات.

     و يحاول في الفصل الاول من الكتاب ان يثبت ان النظام الاسلامي من النوع المقيد بالدستور و الشوري و ان ولايه الحاكم الاسلامي علي غيره هي من باب ولايه احد المشتركين في الحق النوعي علي اداره ذلك الحق دون ان تؤدي الي زياده حصته فيه. في الفصل الثاني يتحدث عن الوظيفه السياسيه للمسلمين في عصر الغيبه و هي الحيلوله دون ظهور او استمرار الحكم المستبد، و العمل علي اقامه الحكم من النوع الثاني، و في الفصل الثالث يتحدث عن مدي احتياج الحكم الي الدستور و الشوري و ثبت ان هذه الصيغه من الحكم هي المتعينه عند من يراجع القرآن و سيره النبي«ص» و الامام علي«ع» و انها صيغه خاليه من كل اشكال و يخصص الفصل الرابع للرد علي الشبهات و المغالطات الي روجها الحكم القاجاري ضد الحركه الدستوريه كالمغالطه القائله بأن هذه الحركه تريد حريه الفساد و التفسخ الاخلاقي علي غرار ما هو جار في الغرب، و انها تنشد بالمساواه المساواه بين المسلم و الكافر، و الجاهل و العالم، و الصغير و الكبير، و العاقل و المجنون، و ان هذه الحركه بدعه اذ لم يكن هناك في صدر الاسلامي شيء اسمه الدستور و ان عنوان الوكاله الوارد في الفقه لا ينطبق علي نواب المجلس و مع اختلال هذا العنوان يصبح دورهم لاغيا من الناحيه الشرعيه اذ لا يوجد وجه شرعي يصحح هذا الدور، و غير ذلك من الشبهات و المغالطات.

     في الفصل الخامس تحدث الشيخ النائيني عن وظائف نواب المجلس و شروط صحه عملهم و في خاتمه الكتاب تحدث عن قوي الاستبداد و منابعه السياسيه و الاجتماعيه و الثقافيه و عن طرق مكافحته و القضاء عليه.

     هذه فهرسه سريعه لافكار الكتاب و فصوله، يبقي علينا ان نشير اجمالا الي قصه الكتاب الذي طبع لاول مره سنه 1327 هـ (1909 م) في بغداد و صدرت طبعته الثانيه في طهران سنه 1328 هـ (1910 م) و بعد انتكاس الحركه الدستوريه اصبح انصارها في ضيق شديد و لجأ الشيخ النائيني الي جمع الكتاب و شراء نسخه بأغلي الاثمان و اتلافها. و لم يكن ذلك منه تخليا عن نظرينه السياسيه و مشروعه في الاصلاح السياسي. فان احد المصادر التاريخيه يشير الي ان رضاشاه جاء الي العراق سرا سنه 1925 و كان يومها وزيرا للحربيه و اجتمع مع الشيخ النائيني و السيد الاصفهاني و تداول معهما الحديث حول الاوضاع الايرانيه و اعطاهما العهود و الايمان و المواثيق علي ان يسير برأي العلماء إن وصل الي الحكم و خلع احمد شاه عن الحكم فاشترطا عليه ان يكون هناك مجلس شوري يشرف عليه خمسه من المجتهدين و شروطا اخري فوافق عليها، لكنه عندما اصبح ملكا علي ايران قلب لهما ظهر المجن(5). و هذه الحادثه تدلل علي ان الشيخ النائيني ظل وفيا لنظريته و مشروعه حتي اواخر حياته.

     صدرت الترجمه العربيه لاغلب فصول الكتاب في مجله العرفان اللبنانيه في اعدادها الصادره بين عامي 1930-1931 و لكنها ترجمه سقيمه و في مواطن عديده كانت مخله بافكار الشيخ النائيني و اغراضه. و من مواطن الخلل هذه ان المترجم و هو الاديب صالح الجعفري ترجم مفرده «المشروطه» الوارده في اللغه الفارسيه بمعني الدستوريه، ترجمها في مرات عديده بكلمه «الديمقراطيه» الامر الذي شوه فكر الشيخ النائيني بحيث ان دعاه «الديمقراطيه الاسلاميه» جعلوا ذلك دليلا علي صحه دعواهم فيما سجل دعاه الاصاله ملاحظه علي فكر الشيخ النائيني بأنه وقع في اسر المصطلح الغربي. و هي معركه لا اساس لها لأن الشيخ النائيني لم يستخدم كلمه الديمقراطيه في كتابه و لا مره واحده. الامر الذي دعا بكاتب هذه السطور الي بذل عنايه خاصه بالكتاب، و ترجمته الي اللغه العربيه بدقه و امانه و تحقيقه و تخريج نصوصه و توثيق افكاره مع كتابه مدخل اليه.

 

بطاقه شخصيه

     - الشيخ الميرزا محمد حسين النائيني من ابرز مراجع عصره و له مدرسه خاصه في علم الاصول لازالت تهيمن علي اجواء‌ الدراسه في الحوزات العلميه حتي هذا اليوم.

     - ابوه شيخ الاسلام في اصفهان الشيخ عبدالرحيم.

     - ولد سنه 1273 هـ 1857 م في مدينه نائين التابعه لاصفهان.

     - درس في نائين ثم اصفهان ثم سامراء و ابرز اساتذته الشيخ جهانكير القشقائي و المجدد الشيرازي و السيد محمد الاصفهاني و السيد اسماعيل الصدر.

     - من تلامذته آيه الله السيد محسن الحكيم و آيه الله السيد ابوالقاسم الخوئي و آيه الله السيد محمد الشاهرودي و العلامه الطباطبائي.

     - سائد الحركه الدستوريه الايرانيه و لعب من خلال كتابه «تنبيه الامه و تنزيه المله» دور المنظر الفكري لها.

     - شارك في الجهاد ضد الاحتلال الانجليزي للعراق عام 1914.

     - تصدي و بمعيه السيد ابوالحسن الاصفهاني و الشيخ مهدي الخالصي لقياده الحركه الاستقلاليه العراقيه ضد نظام الانتداب في ربيع عام 1921 و نفي الي ايران في حزيران عام 1923 و عاد الي العراق في نيسان عام 1924.

     - توفي سنه 1936 م.

 

الهوامش

     1) الحائري. عبدالهادي. تشيع و مشروطيت. ص 156.

     2) المصدر نفسه، ص 160.

     3) المصدر نفسه.

     4) درس الكاتب مسأله عوده العلماء الي العراق و موافقتهم علي اشتراط الحكومه عليهم بعدم التدخل في الشؤون السياسيه و حللها تحليلا دقيقا في دراسته المنشوره في مجله رساله الثقلين العدد 16 بعنوان «التطور السياسي للمرجعيه الاسلاميه في تاريخها المعاصر».

     5) حرزالدين. محمد. معارف الرجال ج 1 ص 287.