|
بمناسبه
رحيل
العلامه
الطباطبائي ذكريات
و خواطر من
السيره
الشخصيه
خالد
توفيق
اذ كان
البعض يري ان
من غير
اللائق
للفيلسوف و
للعالم
الكبير ان «يهبط»
الي مستوي
الممارسات
الشعائريه و
العباديه
التي تصدر عن
القاعده
الشعبيه
المواليه،
فان السيد
الطباطبائي
كان علي
الطرف
النقيض من
هذه القناعه
تماما. حياته
حافله بما
تحفل به حياه
الانسان
الموالي
العادي، فلم
يكن يترك
حضور مجلس
العزاء في
يوم الجمعه،
و في ايام
شهاده بضعه
النبي فاطمه
الزهراء (سلام
الله عليها)
لم اكتم
فرحتي مره
بحديث عن
النبي
صادفني، و
انا اكتب عن
الرجل الفذ
الشيخ محمد
جواد
البلاغي (1282-1352
هـ)، يقول فيه
رسول الله (صلي
الله عليه و
آله) نصا: «من
ورخ مؤمنا
كانما احياه».
اتساءل: كيف
يكون الحال
اذا كان
المؤمن من
طراز
العلماء
الذين امضوا
عمرهم و
بذلوه لحظه
فلحظه في
سبيل دين
الله و خدمه
لمجتمعاتهم
و
للانسانيه؟
ثم ايه قيمه
ترتفع اليها
حياه هؤلاء و
هي مجلله
بالاستقامه
الي جوار
الفكر، و
بالتزكيه و
هي تقترن
بالعلم؟ العمق
الولائي
كنت مشغولا
باعداد هذا
المقال عن
العلامه
الطباطبائي؛
اتابع ما
يسطره
تلاميذه من
ذكريات مع
استاذهم
عندما
استوقفني
تعبير
للشهيد
مرتضي مطهري
ازاء استاذه
لم يستخدمه
مع غيره، فهو
قلما يذكر
السيد
الطباطبائي
دون ان يقرنه
بعباره: «روحي
فداه» و عندما
سئل عن ذلك،
لم يعلل هذا
الاحترام
الفائق علي
اساس امكانه
الفلسفيه و
العلميه
للسيد
الطباطبائي،
بل اعاده الي
عمق ولائه
لآل بيت
الرسول، حيث
قال نصا: «لقد
رأيت الكثير
من الفلاسفه
و العرفاء،
بيد ان
احترامي
للعلامه
الطباطبائي،
لم يكن بداعي
كونه
فيلسوفا، بل
لانه عاشق
لاهل البيت و
له بهم».
ثم يضرب
مثالا
سلوكيا ذا
دلاله، و هو
يضيف: «كان من
دأب العلامه
الطباطبائي
ان يبدأ
افطاره في
شهر رمضان
بقبله
يطبعها
يوميا علي
الضريح
المقدس
للسيده
معصومه سلام
الله عليها (فاطمه
بنت الامام
موسي بن جعفر
و مرقدها في
مدينه قم) فقد
كان يذهب الي
حرمها مشيا
علي الاقدام
فيقبل
الضريح، ثم
يعود لبيته
يتناول طعام
الافطار. هذه
الخصوصيه في
عمق الولاء
لآل البيت
جعلتني شديد
الحب له،
وطيد التعلق
به».
كان
العلامه
الطباطبائي
يقول: كل ما
لدينا من
تقدير و ما
نحظي به من
احترام
كسبناه من
محمد و آل
محمد صلوات
الله عليه و
عليهم
اجمعين.
و اذا كان
البعض يري ان
من غير
اللائق
للفيلسوف و
للعالم
الكبير ان «يهبط»
الي مستوي
الممارسات
الشعائريه و
العباديه
التي تصدر عن
القاعده
الشعبيه
المواليه،
فان السيد
الطباطبائي
كان علي
الطرف
النقيض من
هذه القناعه
تماما. حياته
حافله بما
تحفل به حياه
الانسان
الموالي
العادي، فلم
يكن يترك
حضور مجلس
العزاء في
يوم الجمعه،
و في ايام
شهاده بضعه
النبي فاطمه
الزهراء (سلام
الله عليها)
كان مواظبا
علي مجلس
عزاء يقيمه
في بيته
بمناسبه
احزان
شهادتها
المشهوره
بايام
الفاطميه،
حريصا علي ان
يحضر ذلك
المجلس جميع
افراد
الاسره و
الاقرباء،
حتي كريماته
اللائي
تزوجن و صرن
في مدن بعيده
عن قم كن
يحضرن
المجلس كل
عام.
له بسيد
الشهداء
الامام
الحسين (عليه
السلام)
علاقه وطيده
حتي سجل
للتاريخ و
لسالكي درب
الولاء من
بعده كلمته
الجليله: «لم
يقدر لاحد ان
يبلغ ايه
مرتبه من
المراتب
المعنويه؛ و
ان يصل الي
مرحله تفتح
باب القلب
الا في حرم
الامام
الحسين او من
خلال التوسل
به».
بالاضافه
الي التزامه
باداء زياره
عاشوراء في
شهري محرم و
صفر، كان
يهتم بزياره
الجامعه
الكبيره و
دعاء
التوسل و يحث
عليهما؛
فيما ينقله
عنه صهره
الشهيد علي
قدوسي.
اما اذا ما
ضاق صدره او
شعر
بالملاله و
التعب فكان
يبعث الي احد
قراء العزاء
فيقرا له
مجلسا
حسينيا يبكي
فيه اشد
البكاء.
و الي مدينه
مشهد عاصمه
اقليم
خراسان كان
يحط رحله
سنويا حيث
مرقد الامام
علي بن موسي
الرضا، و لم
يترك رسمه في
زياره الرضا (عليه
السلام) حتي
في السنين
الاخيره من
حياته، علي
ما كان به من
كبر السن و
شده المرض.
يصف حاله من
رآه يدخل علي
الامام
الرضا: كان
يؤدي في
الصحن صلاه
الجماعه
مؤموما خلف
السيد
الميلاني،
حتي اذا ما
انتهي من
الصلاه،
رايته يدخل
حرم الامام
الرضا، و
يرمي يديه
علي الباب،
ثم يهم بلثمه
و تقبيله من
الاعماق. و في
داخل الحرم
الشريف يبقي
ملتزما
بحاله الادب
و الخضوع تلك
اثناء
الزياره، و
في كل الوقت
الذي يمضيه
هناك، ثم
يختار زاويه
يؤدي فيها
صلاه
الزياره؛
تجلله في
الخطوات
جميعا حاله
حضوريه
مشهوده.
و في مدينه
مشهد توجه
اليه احدهم
ممن يستكثر
علي رجل
الفلسفه و
العلم ان
يواظب علي
اداء
الزياره
كبقيه الناس
من اهل
الولاء،
فساله: هل
تذهب الي
الحرم؟ اجاب
الطباطبائي:
اجل سأل
الرجل: و هل
تقبل ضريح
الامام
كعامه
الناس؟ رد
عليه السيد
الطباطبايي:
ليس الضريح
وحده، بل
الثم الارض و
الخشب في
الحرم و كل ما
يرتبط
بالامام.
و اراد
احدهم مره ان
يثنيه عن
الذهاب الي
ضريح الامام
بذريعه
الازدحام،
فاجابه: و نحن
ايضا جزء من
زحمه الناس
هذه. الادب
الرفيع
كلما تقرأ
في سيره هذا
الرجل يأخذك
ادبه
الرفيع، حتي
ساله احد
تلامذته ممن
رافقه اكثر
من ثلاثه
عقود ان يراف
بهم، لان كل
من يعاشره
يعيش في نفسه
الصغار و
يشعر بقله
الادب ازاء
ادبه السامي
المنيف و ما
ينطوي عليه
سلوكه من
تهذيب شديد و
استقامه،
سواء اكان
ذلك مع
تلاميذه او
مع الاسره في
اجواء البيت
او مع عامه
الناس. و
الامثله
التي ينقلها
المعارف و
التلاميذ
مذهله. فهذا
تلميذه
السيد محمد
حسين
الطهراني
يذكر انه
رافقه ما
يزيد علي
الثلاثه
عقود و لم
يظفر منه
بصلاه
يؤديها خلفه
علي ما يذكر
مفصلا في
ذكرياته.
من اهل
العلم من اذا
احاط بعدد من
المصطلحات
يتحول الي
ارهابي لا
يطاق، علي
طريقه تحويل
المعرفه الي
سلطه للقمع و
التعالي. اما
هذا الرجل
فقد امضي
عمره في
التدريس دون
ان يقبل ان
يرقي
المنبر، بل
كان يجلس الي
الارض يتحلق
الطلاب من
حوله، فيلقي
الدرس و هو
شبه مطرق من
شده الحياء. و
الاكثر من
ذلك كان يرفض
ان يجلس
اثناء القاء
الدرس علي
سجاده او
فراش خاص
يميز مجلسه
عن بقيه
الحضور، و
اروع ما كان
يعلل به رفضه
للفراش
الاضافي،
قوله
لتلاميذه: لو
صرت اعلي
منكم بمقدار
سمك السجاده
او الفراش
الاضافي لما
استطعت ان
اتحدث!
و حيث تسري
في الاوساط
الدينيه
العاده
السيئه
المتمثله
بخفق النعل
وراء الرجل،
ظل العلامه
يرفض بشده ان
يسير وراءه
التلاميذ و
المريدون و
الاصحاب. بل
لم يكن يرضي
ذلك حي
لافراد
اسرته. هذا
نجله يذكر
انه سار خلف
والده يوما
من ايامه
الاخيره في
الحياه، و هو
ذاهب الي حرم
السيده
فاطمه، كي
يحتاط لما قد
يقع له و قد
اشتد به مرض
القلب و
الاعصاب،
فما كان من
السيد
الطباطبائي
الا ان التفت
اليه سائلا:
الي اين
تريد؟ اجاب
الابن: الست
ذاهبا الي
الحرم؟ قال
السيد: اجل،
رد الابن: و
انا اريد
الذهاب الي
الحرم ايضا،
رد الوالد: لم
تعد صغيرا،
اذهب الي
الحرم
لوحدك، و ليس
ثمه ضروره
بان ترافقني!
ظل يتبضع
احتياجات
المنزل
بنفسه، و قد
سجل بعضهم
انه كان يراه
يقف في الصف
مع الناس
بانتظار ان
يحين دوره
ليستلم
ارغفه الخبز.
كان شديد
الاكرام
لضيوفه مع ان
جلهم من
تلامذته،
فكان ينهض
لاستقبالهم،
و يجلس
قبالهم علي
الارض و هم
متوسدون، و
يقدم لهم
الشاي بنفسه.
يساعد اهله
في البيت،
يتباسط مع
الاطفال، و
لم يكن يري في
كل ذلك ما
ينال من
شخصيته، بل
كان يقول: «الله
هو الذي يهب
الشخصيه،
اما الامور
الدنيويه
فلا تمنح
الانسان
الشخصيه
ابدا».
لقد اسقطت
فتنه المال
الكثيرين، و
صار المال
مظنه للشبهه
في بعض
الاوساط
الدينيه، و
لاسيما
الحقوق
الشرعيه في
طريق
جبايتها و
اسلوب صرفها
و سلوك
العاملين
عليها. اما
العلامه
الطباطبائي
فقد رفض حتي
آخر يوم من
ايام حياته
ان يأكل من
سهم الامام،
بل كان يعيش
علي ما يأتيه
من ارضه
الزراعيه في
تبريز، و من
عوائد
مؤلفاته و
ريع ما يطبعه.
لقد حاول
احد
الموسرين ان
يشتري له
دارا من ماله
الخاص بشتي
الحيل، فلم
يفلح، و
عندما عجز
الح علي
العلامه
الطباطبائي
ان يصرف
المبلغ بما
يراه مناسبا
و لمن يشاء،
فأبي الا ان
يعود المال
لصاحبه
يتصرف به اني
شاء. و هذا ما
كان.
عاش كريما
عزيز النفس
لم يذله
المال، حتي
كان يقول: لو
اعمل بيدي و
احصل علي
ثلاثه
تومانات (العمله
الايرانيه)
في اليوم احب
الي من ان
اطرق بيوت
الآخرين
مادا اليهم
يد الحاجه،
بحيث اكون
رهينا لاحد.
يقول ولده:
كنت اتمني ان
يقبل ابي مني
شيئا من
المال. كنت
احيانا اضع
بين يديه
قبضه من
الاوراق
النقديه و
اصر عليه ان
يقبلها او
شيئا يسيرا
منها، فكان
يرفض رفضا
باتا.
يضيف نجله
المهندس
السيد
عبدالباقي:
حصل في آخر
عمره ان نصحه
الاطباء بان
يمضي الصيف
في اجواء
طيبه،
فاستأجرت
بستانا في
دماوند (منطقه
بارده قرب
طهران) و دفعت
اجورها سلفا.
عندما مضت
علي اقامه
الوالد
ثلاثه ايام
طلبني و
سألني: كم
يبلغ اجار
البستان؟
اجبته: ليس
الآمر مهما،
و عندها اصر
علي و هو يقول:
لابد ان اعرف
حتي اري هل
استطيع ان
ادفعه ام لا؟
اجبته: لقد
دفعت
الايجار
سلفا. قال: اما
ان تاخذ مني
المبلغ الذي
دفعته او
اغادر
البستان
عندئذ
اضطررت لاخذ
ما دفعته منه.
عاش
العلامه (رحمه
الله) رفيع
الهمه، صادق
المروءه،
أنفا غيورا و:
«قدر الرجل
علي قدر
همته، و صدقه
علي قد
مروءته، و
شجاعته علي
قدر انفته، و
عفته علي قدر
غيرته».
مضي و شعاره:
«فاذكروني
اذكركم» اذ
ينقل احد
الفضلاء من
تلامذته انه
ذهب لاستاذه
الطباطبائي
قبل ان يسافر
الي الحج، و
قد ساله ان
ينصحه بما
يكون له زادا
في هذا السفر
المبارك،
فاجابه بقول
الله تعالي: «فاذكروني
اذكركم» و
اضاف: كن في
ذكر الله حتي
يكون الله في
ذكرك. و اذا
كان الله
بذكر
الانسان
فسينجيه من
الجهل، و لا
يدعه فيما
يعجز عنه، و
لا يخيله في
المكاره و في
المعضلات
الاخلاقيه،
فلله
الاسماء
الحسني، و له
الصفات
العليا، فهو
لن يدعن
الانسان بل
يكون في ذكره.
هذه
البطانه من
الاستقامه و
التزكيه و
الصدق هي
التي غلفت
وعاء
العلامه
الطباطبائي
من الداخل، و
احاطت
بالتالي بما
تركه من علوم
و ثمار
معرفيه في
موسوعته «الميزان»
و في غيرها
مما ترك. البعد
العلمي
تكاد تنفق
كلمه اهل
العلم علي ان
عالم
العلامه
الطباطبائي
ما يزال
مغلقا الا
علي النزر
اليسير ممن
يملك مفاتيح
الولوج الي
دنياه
العلميه.
و في زمن
تيسير
المعارف و
حاجه
المسلمين
للعلوم ليس
من المعقول
ان تدوم
الحاله علي
ما هي عليه،
بحيث يبقي
تفسير «الميزان»
و مجمل
المنظومه
الفكريه
للطباطبائي
أحاجي و
رموزا و
طلاسم.
من السبل
المتصوره
لتجاوز حاله
الاغلاق، هي
كثره
الدراسات
حول فكر
الطباطبائي،
فكلما
ازدادت
البحوث و
الشروح
اتسعت مساحه
الفهم. فمع كل
بحث يقتنص
الدارس عددا
من الافكار
يضطر لعرضها
و بسطها، و
هذه العلميه
تفضي بذاتها
الي التيسير
و تقود الي
تذليل
الافكار
المعقده.
و الذي
يعاضد
الخطوه هذه و
يزيدها
خصوبه هو
ولوج
الباحثين في
لجه الدراسه
المقارنه،
فمع كل دراسه
مقارنه
للافكار
يندفع
الدارس
لاستحضار
الخلفيات و
الخمائر و
الجذور، و
يمارس العرض
و المقارنه و
النقد. و هذه
خطوه تنفع
كثيرا في
تجليه نقاط
الاغلاق
الفكري و
تسويتها
امام القاري.
لا نستطيع
ان نسجل حكما
نهائيا فيما
حققه فكر
الطباطبائي
علي مستوي
الخطوتين
المذكورتين،
و انما ننقل
للقاري بعض
الارقام. لقد
صدرت عن
السيد
الطباطبائي
ثلاثه كتب
ضخمه بعنوان:
«الكتاب
التذكاري»
اضافه
لعشرات
الملفات و
الندوات و
الملاحق
الخاصه، و
عشرات
اللقاءات و
الحوارات.
و في المده
الاخيره صدر
الي الاسواق
كتابان
احدهما عن
حياته و
الآخر دراسه
عن الصلاه في
تفسير
الميزان.
بالاضافه
الي ذلك صدرت
المجلات و
الدوريات
المختلفه
باعداد خاصه
عن
الطباطبائي،
و هي تضم ماده
مهمه علي
الصعيدين
الشخصي و
العلمي.
وكرقم له
دلالته سعي
احد
الدارسين
لرصد جميع ما
كتب عن
الطباطبائي
خلال ثماني
سنوات، و ضمه
بين دفني
كتاب حمل
عنوان: «مكتبه
العلامه
الطباطبائي»
استقصي فيه و
من خلال (933)
عنوانا كل ما
دار حول
الطباطبائي
من مؤتمرات و
ندوات و ما
كتب عن حياته
و فكره، و ما
جري حياله من
لقاءات و
حوارات
باللغتين
العربيه و
الفارسيه. و
اذا ما اردنا
ان نحذف
المكررات،
فستستقر
الحصيله علي
(600) عنوان
تتراوح بين
المقال
القصير الذي
لا يتجاوز
عده اسطر و
الكتاب الذي
يزيد علي
الاربعمائه
صفحه.
بديهي
تحتاج هذه
الحصيله لكي
تؤتي اكلها و
تتحول الي
دراسات
منهجيه
هادفه حول
المنظومه
الفكريه
للعلامه
الطباطبائي،
الي الجمع و
التنظيم و
التصنيف، ثم
يصار لتحليل
معطياتها
منهجا و
مضمونا. و هذه
مهمه ستبقي
تملك
دوافعها و
اهميتها في
حركه الفكر
الاسلامي
خلال هذه
البرهه من
حياه
المسلمين. |