الدكتاتور

كفاح الحداد

هل تستطيع البوح له بمكنونات قلبها الذي صدر عليه حكم الذبح البطيء كيما يستنزف دما اكثر؟ وانى يكون هذا وهو المارد الذي لايمكن ان تلتقي حدقتها مع حدقة عينه المتقدة ... الامر يبدو اغرب من الخيال.. واحدة من مشاهد الدراما التلفزيونية التي تشد النظر اليها رغم انها متكررة دائما. تناديه دوما باحب كلمة الى نفسها.. ابي .. ولاتنسى ابدا كل ماقام به من اجل تهيئة وسائل الراحة والعيش القرير.. ولكنها ايضا لاتنسى ابدا انها دائما عاشت في خوف قاصم .. وحرية مصادرة من الجذور ، ولهذا لم تكن حياتها كباقي الصبايا.. بل كانت اوامر تطاع ولو على حساب الذات وقيود غير قابلة للتحطيم ابدا..

لكنها اليوم تبدو امام مخاض عسير يوقعها في اسر وعذاب طويل الامد والمدى .. ولكن الى اين المفر؟ انها الحاقة التي تحيق بها وبكل ما عاشته من امنيات وامال كانت هي متنفسها الوحيد في حياة مطوقة بالاسلاك الشائكة.

لابد وان تغير القرار الصادر بشأنها في امر الزواج من شخص لاترغب فيه ابدا.. لكن هذا القرار يجب اطاعته دون اهتزاز رمش والا فالتامر عليه يعني مواجهة شرسة ، مع هذا الاب الدكتاتور الذي بقي 26 عاما متسلطا على كرسي الاحكام الثابتة في الاسرة التي ماعرفت الا الهجوم واستلاب الحريات.. لكن الطامة الكبرى انها لو دخلت في هذه المواجهة الصعبة وهذه الثورة القادمة فستكون لوحدها!!

يا للمصيبة الكبرى! .. ليس هناك من يقف الى جوارها في المحنة الصعبة .. لا احد يدخل حربا يعتقد جازما انه خاسر فيها.. ولهذا ستكون وحيدة في الدفاع والمقاومة.. عليها اذن ان تمسك  بالسيف تدافع عن حقها المغصوب في اختيار الزوج الذي تريده .. وربما سيعود السيف الى نحرها فينزف دمها قطرة قطرة حتى تخرج الروح وينتهي دورها في الحياة!!

كانت رغداء جالسة على اريكة وسط الصالة الكبرى ، عبثا تقلب وتغير القنوات التلفزيونية كي تجد لها مفرا من العيش في اطار حدث اليوم.. يبدو من انتفاخ عينيها انها سهرت كثيرا وبكت اكثر.. تبدو في العشرين عاما.. ذات بشرة سمراء رقيقة وقد استقرت عيناها السوداوان تحت حاجبين كثيفين.. والناظر اليها يدرك مدى البؤس الذي استولى عليها ولا يمكن ان يصدق ابدا.. انها عروس!! تبدو في عالم آخر وفي دوامة طاحنة لكن صوت الام ايقظها من غيبوبتها عن العالم المحسوس سيأتي الوالد اليوم مبكرا على غير عائدته فهو يستعد لمراسم طويلة وعديدة وسيكون له الكلام الفصل في شأن ابنته التي حدد مصيرها بأمر واحد غير قابل للتغيير تقدمت رغداء صوب الام المنشغلة تماما.. حاولت هذه ان تبتسم وان تضفي على الاجواء المكفهرة شيئا من البهجة وبصوت حنين يشوبه انكسار قالت:

- : ستكونين اكثر العرائس حظا ونصيبا.

وتحطمت صروح الصبر الباقية لدى العروس.. فردت على امها بسيل من الدموع والنشيج قائلة : لا يا امي لايمكن ان يتم هذا؟ علت الصفرة وجه الام الذي غضنته السنون وحاولت ان تكون اكثر جلدا .. تقدمت نحو ابنتها التي مازالت تراهاصغيرة  لا تعي امور الحياة وبصوت حنون قالت:

- : ابوك يريد لك الخير .

وصرخت البنت بعصبية : ولكني لا ارغب فيه ، لا اريده وهذا ليس بيدي!

- : نعم يا ابنتي ولكنك ستحبينه فيما بعد.

- : واذا لم يحدث هذا .. فلماذا اجازف؟

ولم تتكلم الام.. ووجدت في الصمت ملاذا وحلا وتمتمت مع نفسها: يا للهم القاتل.. كيف سيكون الحل؟

وعادت البنت الى توسلاتها.

- : اماه.. قولي له ان ينصرف عن هذا الامر.. انا لا اريد الزواج الان.. ارجوك يا اماه.. انا لست لعبة بأيديكما تحطمونها متى شئتما. لكن الام اشاحت بوجهها بعيدا عنها ودوت في اعماقها ضحكة مجلجلة وهزة هستيرية واضحة وكأن وخزا ينزفي قلبها

- : هل يمكن ذلك .. هي .. تقول لا .. ولمن؟ .. لزوجها!! لهذا الوالد والاب الذي لم يستشرها في امر زواج ابنتها.. وضحكت في اعماقها كلمة لا تعني الخاتمة والنهاية.. مزيدا من العقوبات المؤلمة.. هذه الصغيرة على الدنيا لا تدري ماتقول.. انها تدعو الى شن حرب كلنا فيها خاسرون.

لكنها انتبهت الى مايجري.. وكان صوت نشيج العروس عاليا مستمرا وهي تنسلخ من المطبخ..

- : انهالم تشارك في اصدار القرار.. هذا ماقالته الام مع نفسها كي تبرر الموقف..

وسرعان ما وطئت خزانة الذكريات بفيض الاصوات المتوالية وفجأة قفزت صورة ابنتها العروس الباكية امامها آه ياللشقاء.. انها تعيد قصتها هي في تجديد الحزن والعيش مع الهم.. هذا مالم تفكر به سابقا لكنه دوى قويا في اعماقها وهزتها رياح الماضي .. انها ترى صورتها تتكرر من جديد.

في صورة هذه البنت الغارقة في موجات الحزن والالم وتنهدت .. من يجرؤ ان يقول لا.. بل من يستطيع ان ينبس ببنت شفة؟!

وكأن نارا اوقدت في شغاف القلب المكلوم.. اسندت ظهرها الى كرسي قريب.. يا الهي هاهي القصة تتكرر .. ولكن الى متى يبقى المسلسل سائرا على هذا المنوال ومستمرا عرضة بالالوان والصورة والصوت والهم والحزن والبكاء. كأن ما حدث اوقد النار في حزمة حطب يابس فاشعل كل حياتها هي كم تشعر انها كانت انسانا ابدا.. وبقي هو الرب الاعلى الذي لا تجرأ على بث الشكوى له او الحديث معه كانت بعيدة عنه بلبها وروحها وكانت اوامره توجب الصمت والسكون دوما ولهذا كان هذا هو ملاذها للنجاة من بطشه وهو ينهال عليها ضربا وركلا امام كل تأخر بسيط عن استجابة لمطاليبه الكثيرة جدا .. ولم يفكر يوما انها انسان وانه مسؤول عن رعايتهاوحمايتها وانه يعاقب كل العقوبات على ضربها وايذائها .. كان هو الدكتاتور الاعلى وكانت هي المرأة المسلوبة الارادة بالكامل عن كل شيء..

انها ترى الان نفسها ضحية من ضحايا الدكتاتورية الاسرية ورغم ان الشريعة تعاقب من يخيف المؤمن لكن الزوج المستبد يرى حياته في هذا التخويف المتواصل.. من اجل ذلك كله عاشت لاولادها.. وحاولت دوما ان تعوضهم من الامن شيئا ينسيهم بطش الاب المستبد .. بقيت الى جوارهم كي يجدو فيها ملاذا للرحمة والانس..

رن جرس المنزل .. قامت اليه بتثاقل.. انه هو يزمجر كالعادة ويصدر لائحة بالاوامر الجديدة.. وطفر سؤال امامها (هل ترين سمير يناسب رغداء).. انها تعلم انه كان هناك سبب واحد للقبول.. انه ابن اخيه وليس اكثر .

هل ستكون رغداء ضحية جديدة من هذا السجل البشري الضخم الذي ملآته النساء الضحايا؟

وفي غمرة التوجس والالم وجدت الزوج امامها، وهو يحمل الكثير من الاكياس.. واستغرب هذا غياب البنت عن المطبخ.. وتوجه الى غرفتها بعد ان سبقه اليها صوته المتواصل آمرا اياها بالعمل في المطبخ رغم محاولة الام ثنيه بالقول: انها عروس وللعروس شجونها.

ومرت لحظات صمت ثقيلة تكسرت بخشخشة الاكياس وبوقع الاقدام على السلم، اقترب منها مكفهرا يحمل ورقة صغيرة قال بحنق: انها لاتريد.. وكررها ثانية وهو يصرخ .. تقول لا اريد..

وخرج غاضبا بعد ان سقطت الورقة من يدها.. وامسكت الام بيدها ويدها ترتعش.. ماذا فعلت رغداء هل اقدمت على المواجهة؟ رغم انها تعلم انها لوحدها.

تأملت الخط النسائي الضعيف:

ابي العظيم .. احبك كثيرا فانت عظيم في كل شيء حتى في تسامحك .. لكني اعتذر يا ابي فانا لا استطيع الزواج من ابن عمي.. انه اخي ولا استطيع النظر اليه كزوج ابدا.. لقد ذهبت الى بيت جدي .. قل لسمير ان البنات كثيرات وهناك من هي احلى وافضل واحسن مني.. وقل له ان اختك رغداء بعثت اليك بالسلام والاعتذار..

رغداء دخلت المعترك رغم انها تعلم انها لوحدها.. لابد وان تدافع عن حقوقها وكرامتها.. واستيقظ الضمير الذي بقي محبوسا بين عظام الاوامر الطويلة.. شيء ما يتحرك في اعماق الام المتصدعة القلب.. انها جدران تتهاوى لتعلن المواجهة.. لايمكن ان تبقى رغداء وحدها في المواجهة سرعان ما امتطت الام صهوة جواد الشجاعة وتقدمت صوب الاب الدكتاتور دفاعا عن رغداء المستضعفة.. لن تكون هذه ضحية اخرى في هذا البيت المطفيء الانوار ... وبخطوات جريئة تقدمت اليه وهو منتكس وقد احمرت عيناه من الهم.. وتعثرت وتقدمت.. ثم تراجعت وثبتت .. ستعلن سقوط الدكتاتورية وتشييد صرح الابوة الحنونة.. وبمحبة قالت:

- : انها لاتريد الزواج

واشاح هو وجهها عنه ولكنها تقدمت اليه:

- اقول الامر لام سمير.. هذا هو الحل الاخير.

وتردد.. وصرخ: لا.. وعاد مزمجرا لكنه سرعان ماجلس على الاريكة محدقا الى الزوجة البائسة بعينين منذرتين بالشر ولاول مرة شعر بان هناك معارضة تقول له لا..