المرأة‌  بين‌ التحرير والاستعباد

 من‌ اكثر القضايا التي‌ تثير اهتماماً وجدلاً واسعين‌ في‌ اوساط‌ الناس‌ وبالخصوص‌، الشريحة‌ المثقفة‌ منهم‌، هي‌ قضية‌ الحرية‌ في‌ الاسلام‌ وما هي‌ حدودها وضوابطها ومدياتها التي‌ لاتتعارض‌ والثوابت‌ الدينية‌ التي‌ تعتبر خطوطاً حمراء لايمكن‌ تجاوزها بأي‌ حال‌ من‌ الاحوال‌، باعتبار أن‌ اي‌ تفريط‌ بهذه‌ الثوابت‌ المقدسة‌، يؤدي‌ الي‌ تفتيت‌ المجتمع‌ المسلم‌ والسقوط‌ في‌ احضان‌ الاعداء الذين‌ يسعون‌ لاضعاف‌ الامة‌ الاسلامية‌ وشل‌ ارادتها وتجريدها من‌ مقومات‌ وجودها وبقائها والحاقها بركب‌ الغرب‌ الكافر.

 ومع‌ ذلك‌ فنحن‌ مع‌ الحرية‌ باستمرار، فالعبودية‌ لغير الله تعالي‌'، امر لايليق‌ بالانسان‌ ولا يقبله‌ الاسلام‌ ابداً، ولايسمح‌ بان‌ يتحكم‌ الانسان‌ بالانسان‌ تحكماً مطلقاً، خاصة‌ وان‌ الاسلام‌ منذ نزوله‌، حرّر الناس‌ بالايمان‌ بالله وبتعاليمه‌ الالهية‌ الخالدة‌ حرّرهم‌ فكرياً و وجدانياً و خلقياً، و حرّرهم‌ اجتماعياً و اقتصادياً و سياسياً، و حمّلهم‌ تبعات‌ الحرية‌ وتكاليفها وجعلهم‌ مسؤولين‌ ومحاسبين‌ بما اعطاهم‌ الله من‌ العقل‌ والوجدان‌ والهداية‌ والارادة‌، مسؤولين‌ عن‌ اختيارهم‌ واعمالهم‌ والقيام‌ بما اوجبه‌ الله عليهم‌ في‌ مختلف‌ المجالات‌.

 فالمسلم‌ لايتنازل‌ لاحد عن‌ حريته‌ وشريعة‌ ربه‌ التي‌ آمن‌ بها وهو يستفيد من‌ الحرية‌ بمقدار ايمانه‌ وجدارته‌ وعمله‌ وتضحيته‌.

 وان‌ للمسلمين‌ من‌ الايمان‌ بقوة‌ الاسلام‌ ومن‌ الثقة‌ بانفهسم‌ ما يجعلهم‌ يستغلون‌ كل‌ حرية‌ متاحة‌ لمصلحة‌ امتهم‌ .أما الذين‌ يخشون‌ الحرية‌، فهم‌ منهزمون‌ سلفاً ولا ثقة‌ لهم‌ بأنفسهم‌ ولا استعداد لديهم‌ لدفع‌ تكاليف‌ الحياة‌ ولا يمكن‌ ان‌ ينتصر بهم‌ الاسلام‌ مالم‌ يكونوا احراراً.

 الحرية‌ والمنهج‌ الالهي‌

   ان‌ الحرية‌ في‌ المفهوم‌ الاسلامي‌، مسؤولية‌ مرتبطة‌ بالوجود الانساني‌ في‌ الحياة‌ وهي‌: حرية‌ المسلم‌ في‌ تطبيقه‌ للاسلام‌، وحريته‌ في‌ ان‌ يدعو البشر للخضوع‌ لارادة‌ الله: «وان‌ اعبدوني‌ هذا صراط‌ مستقيم‌» يس‌: الا´ية‌(61)  ، واذن‌ فمادام‌ الانسان‌ ضمن‌ شعار العبودية‌ لله فهو يملك‌ كامل‌ الحرية‌.

 ولما كان‌ الايمان‌ بالله هو مصدر سلوك‌ المسلم‌، فان‌ مظهر حرية‌ المسلم‌ هو السلوك‌ المرتبط‌ بمنهج‌ الله وطاعته‌ والخضوع‌ لشرعه‌ في‌ امور الحياة‌ كلها، فالحرية‌ في‌ مفهوم‌ الاسلام‌، هي‌ التي‌ تضمن‌ له‌ السلامة‌ في‌ ماله‌ وعرضه‌ ونفسه‌، وهي‌ التي‌ تحدد الضوابط‌ الحافظة‌ للحريات‌ والمتمثلة‌ بالتمسك‌ بالدين‌ والخوف‌ من‌ الله تعالي‌، وقيم‌ الاسلام‌ واخلاقياته‌، ووظيفة‌ الدولة‌ والمؤسسة‌ التربوية‌ ان‌ تنظم‌ هذه‌ الحريات‌ وتراقبها علي‌ نطاق‌ الافراد والجماعات‌، فلا حرية‌ في‌ الاستجابة‌ لغرائز النفس‌ وشهواتها، لان‌ في‌ ذلك‌ تطاولاً علي‌ حريات‌ الا´خرين‌.

 الحرية‌ ضمن‌ الاطار الاسلامي‌

   يقول‌ العلامة‌ فضل‌ الله في‌ شرحه‌ لمفهوم‌ الحرية‌ في‌ الاسلام‌، ان‌ قصة‌ الحرية‌ ليست‌ هي‌ هذا المفهوم‌ المثالي‌ الذي‌ يحلّق‌ بعيداً في‌ الفضاء من‌ دون‌ حدود، فالحرية‌ في‌ معناها الواقعي‌ الحياتي‌ هي‌ دائماً منتمية‌، والحرية‌ التي‌ لاتنتمي‌ هي‌ فوضي‌'، لان‌ وجود اية‌ قاعدة‌ انسانية‌ او فكرية‌ او واقعية‌ هو تعبير عن‌ انتماء الحرية‌ الي‌ هذه‌ القاعدة‌، ولذلك‌ عندما نريد ان‌ نتحاور حول‌ سلبيات‌ الحرية‌ وايجابياتها، يجب‌ ان‌ يكون‌ حوارنا في‌ سلبيات‌ القاعدة‌ التي‌ ترتكز عليها قضية‌ الحرية‌ هنا، والقاعدة‌ التي‌ ترتكز عليها قضية‌ الحرية‌ هناك‌.

 في‌ المفهوم‌ الاسلامي‌ لانستطيع‌ ان‌ نفصل‌ بين‌ الايمان‌ بالله وبين‌ حركة‌ الحرية‌ في‌ الانسان‌ الذي‌ وُجد في‌ الحياة‌ بارادة‌ الله، ويتحرك‌ فيها بتدبيره‌، وينطلق‌ في‌ الارض‌ ليؤدي‌ دور خلافته‌، وعلي‌ هذا الاساس‌ فلايستطيع‌ ان‌ يكون‌ حراً امامه‌، بحيث‌ يمكنه‌ ان‌ يستغني‌ عنه‌، وذلك‌ لانه‌ اساس‌ الوجود وسرّه‌، فالانسان‌ حرّ امام‌ الكون‌ كله‌ وامام‌ الناس‌ كلهم‌، لكن‌ الاسلام‌ الذي‌ اختاره‌ هو الاطار الذي‌ يتحرّك‌ فيه‌:  «لا إكراه‌ في‌ الدين‌».

 والاسلام‌ ايضاً لايحجر علي‌ الانسان‌ ان‌ يقول‌ رأيه‌ ولكنه‌ يريده‌ ان‌ يتمتع‌ بالشجاعة‌ لتقبل‌ الرأي‌ الا´خر، والقرآن‌ الكريم‌ وردت‌ في‌ آياته‌ كل‌ وجهات‌ نظر الملحدين‌ والمشركين‌ والمنافقين‌، كما انه‌ حدّثنا عما يقال‌ ضد النبي‌(ص‌) من‌ مفردات‌ سلبية‌، عرضها بكل‌ امانة‌ وعرض‌ الرأي‌ الا´خر، فكل‌ رأي‌ يواجه‌ برأي‌ وكلمة‌ تواجه‌ بكلمة‌.

 وعليه‌ فان‌ الحرية‌ الانسانية‌ هي‌ حرية‌ مسؤولة‌ من‌ خلال‌ القواعد الاخلاقية‌ التي‌ تؤكد للانسان‌ انسانيته‌ في‌ نفسه‌ ومع‌ الانسان‌ الا´خر ومع‌ الحياة‌، له‌ ان‌ يسي‌ء الي‌ نفسه‌ وليس‌ له‌ ان‌ يسي‌ء الي‌ الانسان‌ الا´خر او يسي‌ء الي‌ البيئة‌ والحياة‌ الاّ فيما أباحه‌ الله له‌.

 الحرية‌ في‌ المفهوم‌ الغربي‌اللاديني‌

   اذن‌ الحرية‌ بابعادها المختلفة‌ للانسان‌، هي‌ امر فطري‌ والهي‌ واسلامي‌، لكن‌ مواقف‌ الافراط‌ والتفريط‌ من‌ البعض‌ ازاء مفهوم‌ الحرية‌، جعل‌ آخرين‌ ينظرون‌ للحرية‌ بريبة‌ وشك‌ ويعتبرونها هدية‌ من‌ الغرب‌ وانها مقدمة‌ لاضمحلال‌ الدين‌، بينما الحرية‌ الصحيحة‌ والمنطقية‌ تعتبر من‌ اهم‌ نعم‌ الدين‌ للمجتمع‌ لانها تنضج‌ الافكار وتفتّق‌ المواهب‌، وتدعو الي‌ سمو الانسان‌ وتحرّره‌، اما الحرية‌ في‌ نظر الغرب‌، فهي‌ تعني‌ انه‌ لايحق‌ لاي‌ شخص‌ توجيه‌ اللوم‌ الي‌ المسيئين‌ للقيم‌ الاخلاقية‌، وبالنظر للايمان‌ بعدم‌ وجود حقيقة‌ ثابتة‌ فمن‌ المنطقي‌ جداً ان‌ لاتكون‌ هناك‌ اية‌ حدود للحرية‌ في‌ المنظار الغربي‌، اما في‌ الاسلام‌ فان‌ هناك‌ قيماً ثابتة‌ ومفروغاً منها، والحركة‌ صوب‌ الحقيقة‌، تعتبر حركة‌ ذات‌ قيمة‌ تكاملية‌، ولذلك‌ فالحرية‌ محدودة‌ بالقيم‌ الاساسية‌ المُسلَّم‌ بها.

 المرأة‌ والخطاب‌ الغربي‌المرفوض‌

   لابدّ ان‌ تكون‌ الحريات‌ الشخصية‌، لجميع‌ المسلمين‌، رجالاً ونساء، بحيث‌ تُهيأ لهم‌ الفرص‌ لاختيار مشاربهم‌ في‌ الحياة‌ والعمل‌ علي‌ جعل‌ الظروف‌ والامكانيات‌ مُذلّلة‌ امامهم‌ حتي‌ تتحقق‌ الحرية‌ الفعلية‌ التي‌ تضمن‌ الكرامة‌ للانسان‌ ـ ذكراً كان‌ أم‌ انثي‌' ـ والتي‌ من‌ وسائلها التعلّم‌ الذي‌ ينمّي‌ السمو والعزّة‌ الانسانية‌.

 فالاسلام‌ جاء بمنهج‌ يحدّد فيه‌ للانسان‌ طريق‌ السعادة‌ للجنسين‌، وليس‌ في‌ ديننا الحنيف‌ حرية‌ بلا حدود ولا قيود لانها تصبح‌ بذلك‌ فوضي‌' وسبيلاً الي‌ التخريب‌ والتدمير، فمثلاً العلاقة‌ الجنسية‌ مرتبطة‌ بالحياة‌ الزوجية‌ ولا حرية‌ جنسية‌ خارج‌ هذا الاطار.

 اذن‌ .. المشكلة‌ تكمن‌ اليوم‌ في‌ استخدام‌ المرأة‌ استخدامات‌ خبيثة‌ ودنيئة‌ تحت‌ شعار حقوق‌ الانسان‌ وحرية‌ المرأة‌، اما الاسلام‌ فهو لم‌ يستعبد المرأة‌ وانما الانظمة‌ والتيارات‌ الفكرية‌ والعقائدية‌ الوضعية‌ هي‌ التي‌ استعبدت‌ المرأة‌ وسخّرتها كسلعة‌ لاشباع‌ شهوات‌ الرجال‌.

 اذ صارت‌ الحرية‌ الجنسية‌ تخترق‌ حتي‌ الاعراف‌ والقيم‌ التي‌ اتفق‌ عليها البشر علي‌ اختلاف‌ اديانهم‌ واعراقهم‌ وبيئاتهم‌، مثل‌ تحريم‌ العلاقات‌ الجنسية‌ بين‌ ذوي‌ الارحام‌ القريبة‌، فقد أوصت‌ لجنة‌ من‌ القضاة‌ والمحامين‌ البريطانيين‌ بتعديل‌ قانون‌ المخالفات‌ الجنسية‌ بالشكل‌ الذي‌ لايحرّم‌ العلاقة‌ بين‌ الاشقاء اذا كان‌ الطرفان‌ فوق‌ سن‌ الواحدة‌ والعشرين‌.

 هذا هو واقع‌ المرأة‌ في‌ المجتمعات‌ الغربية‌ والنظرة‌ السائدة‌ عن‌ المرأة‌ هناك‌، فالخطابات‌ التي‌ يصدّرها الغرب‌ عن‌ حرية‌ المرأة‌ الغربية‌ ومساواتها بالرجل‌ لامصاديق‌ لها علي‌ ارض‌ الواقع‌، اذ لايزال‌ أجر المرأة‌ دون‌ أجر الرجل‌ وكثيراً ما ينظر اليها علي‌ انها سلعة‌ او أداة‌ لخدمة‌ مصالح‌ النظام‌ الرأسمالي‌، والحرية‌ التي‌ يريدونها للمرأة‌ هي‌ حرية‌ التحلل‌ والابتذال‌ التي‌ تنال‌ من‌ انسانية‌ المرأة‌.

 فلابد من‌ الالتفات‌ الي‌ مظاهر التباين‌ بين‌ مكانة‌ المرأة‌ في‌ الاسلام‌ ومكانتها في‌ الغرب‌، سيما وان‌ الكثير من‌ الكتابات‌ التي‌ تناولت‌ قضايا حرية‌ المرأة‌ ومساواتها بالرجل‌ في‌ بلاد المسلمين‌، انطلقت‌ من‌ مرجعيات‌ غير اسلامية‌ وتبنّت‌ افكار وتوجهات‌ لا جذور لها في‌ المجتمعات‌ الاسلامية‌.

 والمفروض‌ الاستناد الي‌ الشرع‌ الاسلامي‌ في‌ تقييم‌ القضايا والظواهر المتعلقة‌ بحقوق‌ المرأة‌ وادوارها السياسية‌ والاجتماعية‌، لا الي‌ واقع‌ المرأة‌ في‌ بلاد الغرب‌ وما تتعرض‌ له‌ من‌ ممارسات‌ واساليب‌ تستهدف‌ انتزاع‌ كينونتها الانسانية‌ وجعلها مصدراً للاغواء والفتنة‌ والانحطاط‌، فضلاً عن‌ الدور التخريبي‌ الذي‌ مارسته‌ وسائل‌ الاعلام‌ المعاصرة‌ في‌ امتهان‌ كرامة‌ المرأة‌ وتعريضها للابتذال‌ لتكون‌ احدي‌ ادوات‌ الافساد الاخلاقي‌ والاجتماعي‌.

 ان‌ هذه‌ الحرية‌ مرفوضة‌ ـ جملة‌ وتفصيلاً ـ لانها هي‌ الفوضي‌ بعينها والتي‌ تؤدي‌ الي‌ تجريد المرأة‌ من‌ مقومات‌ شخصيتها وانسانيتها وتوريطها في‌ اوحال‌ الفساد والرذيلة‌ تحت‌ شعار الحرية‌ والتحرّر، بينما حدد الاسلام‌ لها واجبات‌ ومسؤوليات‌ سامية‌ لايمكن‌ ان‌ ترتقي‌ المجتمعات‌ البشرية‌، سلّم‌ الحضارة‌ والرقي‌ بدونها.