الاقليات‌ المسلمة‌ في‌ الغرب‌

 من‌ العزلة‌ الي‌ الاندماج‌ الفاعل‌

 

غالب‌ حسن‌ *

 تتصاعد الحاجة‌ الي‌ طرح‌ نموذج‌ اسلام‌ اوربي‌ ليس‌ لقدم‌ المسلمين‌ وتزايدهم‌ المطرد في‌ هذه‌ القارة‌ وحسب‌، بل‌ لضرورات‌ تتصل‌ بالقضايا الكبري‌ التي‌ تهم‌ الذكاء الانساني‌ في‌ هذه‌ الايام‌، فهناك‌ دعوة‌ جادة‌ لتعميق‌ الحوار بين‌ الايان‌، فعلي‌ حد تعبير العلامة‌ هانس‌ كنغ‌ في‌ كتابه‌ القيم‌ «مشروع‌ لاخلاق‌ عالمية‌»: لا سلام‌ عالمياً بلا سلام‌ بين‌ الاديان‌، ولا سلام‌ بين‌ الاديان‌ بلا حوار بين‌ الاديان‌، ولا حوار بين‌ الاديان‌ بلا دراسات‌ جادة‌ وأبحاث‌ موضوعية‌. كما ان‌ هناك‌ رغبة‌ عالمية‌ صادقة‌ وملحة‌ لصياغة‌ انسان‌ جديد يؤمن‌ بالتنوع‌ الثقافي‌ ويدعو الي‌ الموازنة‌ بين‌ الروح‌ والمادة‌، لمواجهة‌ أمراض‌ التكنولوجيا، وفي‌ مقدمتها الغاء الهوية‌، وتفتيت‌ وحدة‌ الكيان‌ الانساني‌، وتمزيق‌ الطبيعة‌ وتعميق‌ الفروق‌ الطبقية‌ بين‌ الناس‌ والشعوب‌ والاوطان‌، وتتأكد هذه‌ الحاجة‌ مع‌ تعالي‌ الصيحات‌ التي‌ تدعو الي‌ توكيد بل‌ الي‌ تأسيس‌ ثقافة‌ التسامح‌ التي‌ تتوقف‌ بدورها علي‌ الاعتراف‌ بثقافة‌ الا´خر، والتخلي‌ عن‌ كثير من‌ المفاهيم‌ الخطيرة‌ والتي‌ لا تستند الي‌ أي‌ مبرر علمي‌، مثل‌ مفهوم‌ المركز والاطراف‌، ومفهوم‌ عقل‌ ما قبل‌ المنطق‌ الذي‌ يدّعي‌ كثير من‌ المفكرين‌ الغربيين‌ بأنه‌ نوع‌ من‌ التفكير المرتبك‌، يتحكم‌ بكل‌ عقل‌   لا ينتسب‌ الي‌ دائرة‌ المجتمع‌ الغربي‌، كذلك‌ تلك‌ الصورة‌ الغريبة‌ التي‌ كونها الفيلسوف‌ الفرنسي‌ رينان‌، حيث‌ يري‌ بموجبها ان‌ العقل‌ الشرقي‌ لم‌ يألف‌ التفكير التحليلي‌ ولم‌ يقدر علي‌ المقارنة‌ والموازنة‌، فضلاً عن‌ تلك‌ الصور السطحية‌ التي‌ تصور العرب‌ والمسلمين‌ مجرد طلاب‌ لذة‌ رخيصة‌، وانهم‌ مخلوقات‌ متوحشة‌ ضارية‌، لا تمتلك‌ أي‌ حس‌ جمالي‌ وذوقي‌، أميون‌ لا يعرفون‌ حتي‌ القراءة‌ والكتابة‌!

 ان‌ ايجاد صيغة‌ اسلامية‌ أوربية‌ حاجة‌ ضرورية‌ لنا نحن‌ كمسلمين‌ ايضاً، لاننا نريد ان‌ نسهم‌ في‌ بناء أوربا الجديدة‌، من‌ اجل‌ خلق‌ مستقبل‌ أوربي‌ افضل‌ يعمل‌ علي‌ تسييد السلام‌ العالمي‌ وتحرير الشعوب‌ من‌ الخوف‌ وتعميق‌ الاحساس‌ بالديموقراطية‌، اننا مواطنون‌ أوربيون‌ ونريد ان‌ نعمل‌ علي‌ خدمة‌ الوطن‌ انطلاقاً من‌ مملكة‌ الضمير الذي‌ يؤمن‌ بالقيم‌ الروحية‌ التي‌ استلهمناها من‌ الاسلام‌، وليس‌ بوحي‌ من‌ منطق‌ المادة‌ فقط‌.

 اننا مسلمون‌ أوربيون‌ نريد ان‌ نبني‌ ونخدم‌ عبر شخصية‌ واضحة‌ المعالم‌، تحمل‌ انتماءها الوطني‌ والديني‌ والقاري‌ في‌ آن‌ واحد، فالشخصية‌ المبهمة‌ الغامضة‌ الفاقدة‌ للهوية‌ لا تستطيع‌ ان‌ تقدم‌ شيئاً رائعاً، فالمسلم‌ في‌ اوربا ينبغي‌ ان‌ يكون‌ واضحاً، وهذا لا يتأتي‌ من‌ خلال‌ الانعزال‌، حيث‌ الخوف‌ من‌ المجتمع‌ وقيمه‌ ونواياه‌، كما انه‌ لا يتأتي‌ أيضاً من‌ الذوبان‌ الكامل‌، حيث‌ تنسلخ‌ الشخصية‌ من‌ هويتها الحقيقية‌، ففي‌ كلا الحالتين‌ تنتج‌ شخصية‌ هزيلة‌، لا تعطي‌ الشي‌ء الرائع‌، تعيش‌ علي‌ هامش‌ التاريخ‌، لا تحظي‌ باحترام‌ المجتمع‌، يعاملها بمنطق‌ الشك‌ او الاستصغار.

 لقد أثبتت‌ التجربة‌ التاريخية‌ الاسلامية‌ الطويلة‌ ان‌ الجمع‌ بين‌ الثوابت‌ الاسلامية‌ والقيم‌ الوطنية‌ والقومية‌ حقيقة‌ ساطعة‌، ولقد كان‌ هذا الدمج‌ من‌ اكبر عوامل‌ استمرار التجربة‌، ولذا كان‌ هناك‌ الاسلام‌ المشرقي‌ والاسلام‌ المغربي‌، وعليه‌ ليس‌ بدعاً الدعوة‌ الي‌ اسلام‌ اوربي‌، انها دعوي‌ طبيعية‌ وضرورية‌، خاصة‌ اذا علمنا ان‌ الثوابت‌ الاسلامية‌ بسيطة‌ تتسم‌ بالوضوح‌ والعقلانية‌، هذه‌ الثوابت‌ لا تتعدي‌ الاسس‌ العقيدية‌ من‌ ايمان‌ بالله‌ والنبوة‌ والمعاد وتلحق‌ بها العبادات‌ التي‌ هي‌ شأن‌ شخصي‌، ومن‌ ثم‌ تأكيد المسؤولية‌ الاخلاقية‌ تجاه‌ الذات‌ والا´خر، وبالاخير مجموعة‌ قليلة‌ من‌ الاحوال‌ الشخصية‌ التي‌ تنظم‌ جزءاً من‌ حياة‌ الانسان‌ المسلم‌ كالزواج‌ والطلاق‌ والارث‌ والارباح‌ والملبس‌.

 ان‌ المسلم‌ الاوربي‌ لا يجد ما يمنعه‌ من‌ ممارسة‌ الديموقراطية‌ كقيمة‌ سياسية‌، ومن‌ الممكن‌ ان‌ يحمل‌ لواء هذا الفكر كقيمة‌ أخلاقية‌ قبل‌ كل‌ شي‌ء، وذلك‌ في‌ ضوء المعايير الاسلامية‌ العامة‌ التي‌ تدعو الي‌ المساواة‌، واكثر الفقهاء يجوّزون‌ الفائدة‌ الربوية‌ من‌ البنوك‌ الحكومية‌، وللمرأة‌ حق‌ الطلاق‌ اذا اشترطت‌ ذلك‌ في‌ العقد، والقوة‌ قيمة‌ رائعة‌ شريطة‌ انضباطها بمبدأ الرحمة‌، وهي‌ لا تخلق‌ الحق‌ بل‌ تحميه‌ وتصونه‌ من‌ عبث‌ الطغاة‌ وهو ما يمكن‌ ان‌ نبشر به‌ في‌ المجتمعات‌ البيضاء، والحرية‌ ليست‌ جزءاً عضوياً من‌ التكوين‌ الانساني‌ بل‌ هي‌ حق‌ علينا ان‌ نناضل‌ من‌ اجله‌، ولكن‌ من‌ منطلق‌ المسؤولية‌ الاجتماعية‌ التي‌ من‌ شأنها تعزيز التماسك‌ الاجتماعي‌، بل‌ اعادة‌ هذا التماسك‌ الي‌ الواقع‌، فمما لا شك‌ ان‌ المجتمع‌ الابيض‌ يعاني‌ من‌ نقص‌ كبير في‌ هذا الجانب‌ ويمكن‌ للعائلة‌ المسلمة‌ الاوربية‌ ان‌ تكون‌ مثلاً حيا لهذا التماسك‌، وان‌ يكون‌ هذا الهدف‌ من‌ متبنياتنا كمواطنين‌ نشعر من‌ الاعماق‌ بمسؤوليتنا ازاء الامة‌ والوطن‌، وان‌ لا نكتفي‌ بالدعوة‌ الصامتة‌. بل‌ الحوار والطرح‌ العلمي‌ والنقاش‌ علي‌ أعلي‌ المستويات‌ الاكاديمية‌، وليس‌ من‌ شك‌ ان‌ القيم‌ المادية‌ ليست‌ مرفوضة‌ في‌ الدين‌ الاسلامي‌، لانها ضرورية‌ لممارسة‌ الحياة‌، والقرآن‌ يدعو صراحة‌ الي‌ التزود الكامل‌ من‌ الحياة‌، ولكن‌ بتأطيرها أخلاقياً، ان‌ الاخلاق‌ تحول‌ دون‌ تأليه‌ المادة‌، اننا لا ندعو الي‌ اخلاق‌ قمعية‌ وانما الي‌ اخلاق‌ تهذب‌ المادة‌ وترشدها، وهي‌ الدعوة‌ التي‌ يمكن‌ ان‌ نجد لها صدي‌ في‌ بعض‌ مدارس‌ الاخلاق‌ المسيحية‌ الجديدة‌، بل‌ ونستطيع‌ ان‌ نقرأ أفكار ماكس‌ فيبر من‌ هذه‌ الزاوية‌ الحية‌، وقد كان‌ المسلم‌ يفكر وفق‌ قواعد المذهب‌ التجريبي‌ حتي‌ في‌ القضايا الغيبية‌، مستفيداً في‌ ذلك‌ من‌ توجيهات‌ القرآن‌ الملحة‌ في‌ دراسة‌ الطبيعة‌، ولذا يمكنه‌ ان‌ يستلهم‌ هذا التاريخ‌ للانسجام‌ مع‌ العقلية‌ الاوربية‌ في‌ هذا الاتجاه‌، وبهذا نحقق‌ خطوة‌ جبارة‌ علي‌ صعيد التكامل‌، ومن‌ منطلق‌ حيوي‌ خلاق‌، ذلك‌ هو المنطلق‌ الذي‌ يتعلق‌ بمنهج‌ التفكير، وفي‌ هذا الضوء سوف‌ نركز علي‌ مبدأ التنوع‌ في‌ الكون‌ وعلي‌ أهمية‌ الاختلاف‌ في‌ الرأي‌، والتعدد في‌ الثقافات‌، سوف‌ ننغمس‌ في‌ دراسة‌ العلاقة‌ بين‌ الاشياء والحوادث‌، وكل‌ هذا يهيي‌ فرصة‌ الاندماج‌ الفاعل‌، وبالتالي‌ سنعطي‌ شيئاً جديداً لهذا المجتمع‌... سنكون‌ في‌ الصميم‌ وليس‌ علي‌ الهامش‌.

 اننا لا نريد ان‌ نناضل‌ من‌ اجل‌ مستقبلنا كمسلمين‌ وحسب‌، ان‌ من‌ مهماتنا الرئيسية‌ تحرير الانسان‌ الابيض‌ من‌ الخوف‌، الخوف‌ منا كوافدين‌، وربما من‌ حقه‌ هذا الخوف‌، خاصة‌ في‌ الجزء الشمالي‌ من‌ القارة‌، لان‌ الهجرة‌ بالنسبة‌ اليه‌ جديدة‌، وهناك‌ جملة‌ من‌ التصرفات‌ التي‌ صدرت‌ عن‌ بعض‌ المهاجرين‌ قد أساءت‌، وللجو البارد اثره‌ السلبي‌ في‌ زرع‌ مبدأ الخوف‌ من‌ الا´خر، وضعف‌ القيم‌ الروحية‌ لا يساعد علي‌ مبدأ الثقة‌ المتبادلة‌، من‌ هنا يكون‌ لزاماً علينا ان‌ نعمل‌ ـ كمسلمين‌ أوربيين‌ ـ علي‌ رفع‌ هذا الخوف‌.

 ضرورة‌ الاندماج‌... ولكن‌!

 ان‌ الاندماج‌ الفاعل‌ ضرورة‌ مصيرية‌، ولابد ان‌ نعمل‌ لتحقيق‌ أعلي‌ درجة‌ ممكنة‌ من‌ هذا الاندماج‌ في‌ نطاق‌ الحفاظ‌ علي‌ الهوية‌. ان‌ سياسة‌ العزلة‌ تولد مزيداً من‌ الخوف‌، وتجعل‌ الطموح‌ متدنياً وهابطاً، كما انها تكرس‌ حالة‌ الشك‌ المتبادل‌، ومن‌ هنا لا أري‌ فكرة‌ المدرسة‌ الاسلامية‌ الخاصة‌ مشروعاً ناجحاً لانه‌ يكرس‌ العزلة‌، كما ان‌ التجمعات‌ العرقية‌ والدينية‌ تساهم‌ في‌ توتير العلاقات‌ بيننا، انها سياسة‌ مغلوطة‌، لا تخدم‌ المجتمع‌، وتساهم‌ في‌ توكيد مفاهيم‌ الغربة‌ والخوف‌، والدعوة‌ الي‌ تكوين‌ أحزاب‌ اسلامية‌ يشكل‌ استفزازاً واثارة‌ في‌ مجتمع‌ قائم‌ علي‌ مبادي‌ العلمانية‌.

 ان‌ البديل‌ الفعال‌ عن‌ كل‌ هذه‌ المظاهر والمشاريع‌ هو أيجاد المؤسسات‌ الثقافية‌ التي‌ تعمل‌ حقاً علي‌ صياغة‌ الوعي‌ الاسلامي‌ الناضج‌، المؤسسات‌ التي‌ تربي‌ علي‌ مبدأ التسامح‌ العميق‌، وتغذي‌ الاجيال‌ بحب‌ الوطن‌، وتمكن‌ أبناءها من‌ اللغة‌ الام‌، وتطلعهم‌ علي‌ تاريخنا، خاصة‌ في‌ مجال‌ الانجازات‌ الحضارية‌ التي‌ كان‌ لها الاثر الكبير علي‌ نهضة‌ أوربا، ولكن‌ بدون‌ مبالغة‌ واسفاف‌، مع‌ الاشارة‌ المركزة‌ الي‌ تاريخ‌ الشعوب‌ الاخري‌، وبيان‌ نقاط‌ الاشراق‌ في‌ تاريخ‌ هذه‌ الشعوب‌، لكي‌ نخرج‌ بحصيلة‌ تاريخية‌ عالمية‌ تساعدنا علي‌ مواجهة‌ التحديات‌، وتمكننا من‌ فهم‌ الا´خر من‌ منظور ايجابي‌، مما يسمح‌ بالتكامل‌ الذي‌ من‌ شأنه‌ صنع‌ مجتمع‌ حي‌.

 ان‌ الحفاظ‌ علي‌ الهوية‌ لا يتم‌ من‌ خلال‌ العزلة‌، ان‌ العزلة‌ تسبب‌ مزيداً من‌ العقد، كما انها تقود الي‌ التعصب‌، وتقتل‌ كل‌ فرصة‌ للتفكير الموضوعي‌، ان‌ الحفاظ‌ علي‌ الهوية‌ يتم‌ من‌ خلال‌ الشراكة‌ الاجتماعية‌، لان‌ هذه‌ الشراكة‌ تتيح‌ فرصة‌ اكتشاف‌ الذات‌، وبالتالي‌ اكتشاف‌ الهوية‌ كقيمة‌ وتعريف‌ وتحديد، ان‌ اكتشاف‌ الهوية‌ يحتاج‌
 الي‌ الوسط‌ المتنوع‌ اكثر مما يحتاج‌
 الي‌ الوسط‌ المتجانس‌، من‌ هنا
 نشدد علي‌ ضرورة‌ التواصل‌ مع‌ الا´خر، وذلك‌ مهما كان‌ دينه‌ ولونه‌ وايديولوجيته‌.

 ان‌ فكرة‌ الاندماج‌ الناضج‌ توجب‌ الاهتمام‌ بالمسجد، اذ ينبغي‌ تحويله‌ الي‌ مشروع‌ ثقافي‌، يجب‌ ان‌ يكون‌ المسجد الاسلامي‌ في‌ اوربا نقطة‌ اتصال‌ بين‌ المسلم‌ والمجتمع‌ وليس‌ بؤرة‌ للتجمع‌ الانهزامي‌، ان‌ اكثر المساجد عبارة‌ عن‌ ملاجي‌ وليس‌ ساحات‌ للانفتاح‌ علي‌ الا´خر ثقافياً واجتماعياً.

 ان‌ ابرز مادة‌ ثقافية‌ ينبغي‌ ان‌ تضطلع‌ بها المساجد في‌ اوربا هي‌ ثقافة‌ التسامح‌، التسامح‌ المستند الي‌ تعاليم‌ الاسلام‌ وما اكثرها وما أعمقها، وليس‌ من‌ شك‌ اننا لا نقصد بالتسامح‌ هنا التهاون‌ في‌ تعاليم‌ الدين‌، وخاصة‌ الثوابت‌ الكبري‌، بل‌ نعني‌ قبول‌ الا´خر واحترام‌ انجازاته‌ والتنسيق‌ معه‌ لخدمة‌ المثل‌ العليا...

 

 الذاكرة‌ السوداء

 لقد كانت‌ هناك‌ مواجهات‌ غير ودية‌ بين‌ المسلمين‌ والاوربيين‌، تبدأ بالقرن‌ السابع‌ الميلادي‌ حيث‌ خسرت‌ أوربا الشرقية‌ ـ لصالح‌ الفتح‌ الاسلامي‌ ـ ولايتها علي‌ مصر وسوريا وفلسطين‌ ـ العزيزة‌ علي‌ الاوربيين‌ لاسباب‌ معروفة‌ ـ وبعد ذلك‌ كان‌ القرن‌ الثامن‌ الميلادي‌، حيث‌ بسط‌ الاسلام‌ وجوده‌ في‌ شمال‌ افريقيا واسبانيا، ثم‌ كانت‌ هناك‌ الحروب‌ الصليبية‌ التي‌ استمرت‌ طوال‌ القرن‌ الثاني‌ والثالث‌ عشر، فقد شن‌ الاوربيون‌ حملات‌ متواصلة‌ علي‌ المسلمين‌ باسم‌ المسيح‌، وتحت‌ شعار تحرير المقدسات‌، فيما كانت‌ الاسباب‌ الحقيقية‌ اقتصادية‌ بحتة‌، وفي‌ القرنين‌ الثاني‌ عشر والثالث‌ عشر فتح‌ المسلمون‌ الاتراك‌ القسطنطينية‌ ومنطقة‌ البلقان‌، الامر الذي‌ ادي‌ الي‌ نقل‌ الاسلام‌ هناك‌، أي‌ في‌ قلب‌ أوربا، وكانت‌ المواجهة‌ القاسية‌ بين‌ الطرفين‌ في‌ القرن‌ التاسع‌ عشر علي‌ اثر التوسع‌ الاستعماري‌ لاوربا، وما تزال‌ المواجهة‌ قائمة‌ بشكل‌ آخر. هذا التاريخ‌ المؤسف‌ ترك‌ جروحاً من‌ الصعوبة‌ ان‌ تندمل‌، وكثيراً ما تتحرك‌ ذاكرتها في‌ الضمائر، مما يجدد حالة‌ الشك‌ المتبادل‌، وهناك‌ بعض‌ الافكار الاوربية‌ والشرقية‌ التي‌ تطرح‌ هنا وهناك‌ من‌ شأنها تحريك‌ الموروث‌ التاريخي‌، وتكريس‌ الموقف‌ العدائي‌ المستمر بين‌ الطرفين‌، وذلك‌ مثل‌ فكرة‌ دار الحرب‌ ودار السلام‌ لدي‌ بعض‌ الفقهاء المسلمين‌ (وهناك‌ رأي‌ فقهي‌ لا يتفق‌ مع‌ هذا التقسيم‌). ومثل‌ فكرة‌ نهاية‌ التاريخ‌ التي‌ بشر بها المفكر الامريكي‌ من‌ اصل‌ ياباني‌ فوكوياما، وفكرة‌ المركز الاوربي‌ والهامش‌ الشرقي‌، واخيراً ما طرحه‌ صاموئيل‌ هانتغتون‌ مستشار البيت‌ الابيض‌ أي‌ فكرة‌ صراع‌ الحضارات‌، وبالتحديد بين‌ الاسلام‌ الشرقي‌ والمسيحية‌ الغربية‌.

 ان‌ المسلمين‌ الاوربيين‌ مدعوون‌ الي‌ مواجهة‌ نزعة‌ الاثارة‌ التاريخية‌، وبامكانهم‌ ان‌ يساهموا بقدر واسع‌ من‌ الفاعلية‌ في‌ نشر ثقافة‌ جديدة‌ في‌ مجتمعاتهم‌ الاوربية‌، تقوم‌ علي‌ احترام‌ الانسان‌ في‌ كل‌ مكان‌ وكل‌ زمان‌، وتعتمد علي‌ تثمين‌ الانجاز الحضاري‌ للانسان‌ مهما كان‌ جنسه‌، ومن‌ الحقائق‌ التي‌ لا تقبل‌ الشك‌ ان‌ الناتج‌ الحضاري‌ الاوربي‌ الحالي‌ هو حصيلة‌ للتراث‌ الانساني‌ عبر العصور ولم‌ يأت‌ من‌ فراغ‌.

 

 لسنا وجوداً طارئاً

 ان‌ المسلمين‌ الاوربيين‌ مدعوون‌ الي‌ طرح‌ مشاريع‌ مشتركة‌ مع‌ نظرائهم‌ في‌ الوطن‌ والقارة‌، كمواجهة‌ الفكر العنصري‌، ومقاومة‌ نزعة‌ التطهير العرقي‌، ومحاربة‌ المخدرات‌، والحد من‌ سباق‌ التسلح‌، ونشر مفاهيم‌ الاسلام‌ والتكامل‌، واشاعة‌ ثقافة‌ التسامح‌ وغيرها من‌ المشكلات‌ الانسانية‌ الاخري‌، والواقع‌ ان‌ المسلم‌ الاوربي‌ اقدر من‌ غيره‌ علي‌ لعب‌ مثل‌ هذه‌ الادوار الحساسة‌، لانه‌ يحمل‌ ثقافتين‌ وتجربتين‌، وعلي‌ صلة‌ بأكثر من‌ محيط‌ جغرافي‌ وبشري‌، فهو الانسان‌ الغني‌ بالفكر والتجربة‌، وهناك‌ فرصة‌ تاريخية‌ في‌ ان‌ يتحول‌ المسلمون‌ الاوربيون‌ الي‌ جسر حضاري‌ بين‌ الشرق‌ والغرب‌، حقاً انها فرصة‌ تاريخية‌، ولكن‌ هذا يتطلب‌ مجموعة‌ شروط‌ جوهرية‌، منها ان‌ لا نشعر بأننا وجود طاري‌ في‌ اوربا، بل‌ نحن‌ وجود أصيل‌، لان‌ معيار الاصالة‌ هو العطاء وليس‌ القدم‌ الزمني‌، ولقد ساهمنا كمسلمين‌ في‌ بناء ألمانيا ـ تجربة‌ الاتراك‌ ـ وهناك‌ مئات‌ من‌ المسلمين‌ يمارسون‌ التعليم‌ في‌ جامعات‌ امريكا وبريطانيا وكندا وفرنسا وألمانيا، منهم‌ رواد في‌ البحوث‌ والدراسات‌ في‌ مجال‌ الفضاء والفيزياء والطب‌ والفلسفة‌، وقد حاز بعضهم‌ علي‌ جائزة‌ نوبل‌، وقاتل‌ المئات‌ من‌ الجزائريين‌ الي‌ جانب‌ قوات‌ التحرير الفرنسية‌ ضد الاحتلال‌ النازي‌، وهذا ما نوه‌ به‌ جاك‌ شيراك‌ في‌ حملته‌ الانتخابية‌، وكثيراً ما يكون‌ المسلمون‌ والمهاجرون‌ علي‌ العموم‌ مادة‌ انتخابية‌، اننا موجودون‌ في‌ قلب‌ أوربا، لاننا كنا بناة‌ حضارة‌ رائعة‌ انتقلت‌ الي‌ أوربا عبر الاندلس‌، ويكفي‌ ان‌ نشير الي‌ شاهد يومي‌ بسيط‌، ذلك‌ ان‌ نظام‌ الارقام‌ المعمول‌ به‌ في‌ اوربا انما انتقل‌ اليهم‌ من‌ خلال‌ الحضارة‌ الاسلامية‌، وقد اخذ شي‌ء من‌ الذوق‌ الغذائي‌ الشرقي‌ طريقه‌ الي‌ المطبخ‌ الاوربي‌، وكثير من‌ الاكلات‌ الشرقية‌ أصبحت‌ وجبات‌ شعبية‌ معروفة‌، وسرت‌ بعض‌ العادات‌ الشرقية‌ والاسلامية‌ الي‌ المجتمع‌ الاوربي‌، وهنا في‌ السويد، وفي‌ مالمو بالذات‌ تتميز المناطق‌ التي‌ يتواجد فيها المسلمون‌ وعموم‌ اللاجئين‌ بالحيوية‌ والنشاط‌ والتنوع‌، ولو ان‌ السلطات‌ المسؤولة‌ اهتمت‌ بهذه‌ المناطق‌ وقامت‌ بعملية‌ تنظيم‌ وتنسيق‌ للنشاطات‌ لاحدثت‌ ثورة‌ ثقافية‌ في‌ المجتمع‌. فينبغي‌ للمسلم‌ الاوربي‌ ان‌ يستذكر هذه‌ الحقائق‌ كي‌ يشعر بوجوده‌ الاصيل‌، وعليه‌ ان‌ يطالب‌ بالفرصة‌ التي‌ تمكنه‌ من‌ البناء، فان‌ خدمة‌ الوطن‌ من‌ الواجبات‌، وهو من‌ علائم‌ الايمان‌ علي‌ حد قول‌ نبي‌ الاسلام‌ (ص‌).

 

 الانعزالية‌ الاوربية‌

 ان‌ ظاهرة‌ الجيتو خطرة‌ ومدانة‌ ويجب‌ محاربتها، وللاسف‌ الشديد بمقدار ما تجد هذه‌ الظاهرة‌ من‌ دعم‌ من‌ قبل‌ بعض‌ المسلمين‌، تلقي‌ هوي‌ لدي‌ بعض‌ البلدان‌ وشركات‌ السكن‌، وذلك‌ تحت‌ ذرائع‌ واهية‌، وكل‌ هذا لا يصب‌ في‌ صالح‌ المجتمع‌ المدني‌، بل‌ يخلق‌ مجتمعاً ممزقاً، والجهات‌ المعنية‌ تتحمل‌ كامل‌ المسؤولية‌ عن‌ مثل‌ هذه‌ النتائج‌ المؤسفة‌، لقد ثبت‌ بالتجربة‌ ان‌ الاختلاط‌ ـ ولو في‌ حدود بسيطة‌ ـ يخلق‌ تفاهماً مشتركاً ويولد قيماً خلاقة‌.

 ان‌ دعاة‌ الانعزالية‌ من‌ الاوربيين‌ يتخوفون‌ من‌ مشروع‌ الاندماج‌، ويدعي‌ بعضهم‌ ان‌ ذلك‌ يهدد الهوية‌ الاوربية‌، وهو منطق‌ غريب‌ جداً، اذ ليس‌ هناك‌ هوية‌ أوربية‌ واحدة‌ كما هو معلوم‌، وبشكل‌ عام‌ يترجم‌ هذا التخوف‌ نوعاً من‌ الضعف‌ والشك‌ في‌ قيمة‌ الهوية‌ بالذات‌، ان‌ بامكان‌ الهويات‌ الاوربية‌ ان‌ تستوعب‌ الاسلام‌ الوافد، وتطبعه‌ بروحها كما هو الحال‌ مع‌ الحضارة‌ الفارسية‌ والهندية‌ فكان‌ هناك‌ المسلم‌ الفارسي‌ والمسلم‌ الهندي‌، ثم‌ هناك‌ حوار جاد يؤكد ان‌ أزمة‌ الهوية‌ في‌ اوربا قائمة‌، وذلك‌ بسبب‌ هذه‌ التحولات‌ التقنية‌ المذهلة‌، التي‌ لا تسمح‌ حتي‌ بمراجعة‌ الذات‌، وفي‌ اعتقادي‌ ان‌ تطعيم‌ الهوية‌ بخبرات‌ اخري‌ قد يساهم‌ في‌ مواجهة‌ هذا الخطر الجاثم‌، ولعل‌ تطلع‌ الكثير من‌ الشباب‌ الاوربي‌ الي‌ الاديان‌ والحضارات‌ الهندية‌ والصينية‌ دليل‌ علي‌ هذه‌ الحاجة‌ الماسة‌، هذا ونحن‌ نؤكد ان‌ الجيل‌ المسلم‌ الاوربي‌ يحمل‌ في‌ ضميره‌ مبادي‌ الثورة‌ الفرنسية‌، وهو مشغول‌ بأهم‌ الافكار والمشاريع‌ التي‌ أفرزتها حضارة‌ الغرب‌، وفي‌ مقدمتها الديموقراطية‌ علي‌ الصعيد السياسي‌ وقيم‌ السوق‌ الحرة‌ في‌ المجال‌ الاقتصادي‌ وحقوق‌ الانسان‌ من‌ الناحية‌ المدنية‌، وجميع‌ هذه‌ الافرازات‌ لها ما يؤيدها في‌ الاسلام‌ مع‌ استثناءات‌ جزئية‌ لاتمس‌ الجوهر، وبهذا يمكننا ان‌ نخلق‌ وجوداً اسلامياً أوربياً لا يشعر بعقدة‌ نقص‌، ويساهم‌ بفاعلية‌ في‌ بناء أوربا الجديدة‌، أوربا المتماسكة‌، القوية‌، القادرة‌ علي‌ قيادة‌ البشرية‌.

 ان‌ هذا التخوف‌ غريب‌ وليس‌ في‌ محله‌ لان‌ هذا الاندماج‌ يولد قيماً حضارية‌ اغني‌ واقدر علي‌ قيادة‌ المجتمع‌، وكيف‌ يتسني‌ لاوربا ان‌ تقود العالم‌ وهي‌ حضارة‌ ذات‌ بعد واحد؟! انه‌ منطق‌ غريب‌، اننا لا نريد أوربا المستعمرة‌، أوربا الحروب‌ الصليبية‌، أوربا القرن‌ التاسع‌ عشر، ولا أوربا القرن‌ العشرين‌، بل‌ أوربا القرن‌ الواحد والعشرين‌، أوربا المتنوعة‌ ثقافياً، ان‌ مفهوم‌ التنوع‌ الثقافي‌ اعمق‌ من‌ مفهوم‌ التعدد الثقافي‌.

 ان‌ هذا التخوف‌ ساذج‌ لانه‌ يتعامي‌ عن‌ كثير من‌ الحقائق‌، فأجيال‌ المهاجرين‌ يتكلمون‌ اللغات‌ الاوربية‌ بطلاقة‌، ومما يذكر هنا حقاً ان‌ تفوز سويدية‌ من‌ اصل‌ مصري‌ بأفضل‌ موضوع‌ انشاء في‌ كل‌ انحاء السويد، اسم‌ هذه‌ المسلمة‌ الاوربية‌ خديجة‌، وهي‌ مسلمة‌ ملتزمة‌ وقد سلمتها الجائزة‌ الملكة‌ بكل‌ احترام‌ وتقدير، وكان‌ موضوعها عن‌ الموت‌، وكيف‌ يجب‌ ان‌ يكون‌ واعظاً أخلاقياً لان‌ هناك‌ مسؤولية‌ ما بعد الموت‌.

 لا محل‌ لهذا التخوف‌، لاننا نري‌ ان‌ هذه‌ الاجيال‌ بدأت‌ تتذوق‌ الموسيقي‌ الغربية‌، وتمزجها مع‌ الموسيقي‌ الشرقية‌ لتخلق‌ جديداً في‌ هذا المجال‌ الفني‌ الخصب‌، كما اننا نري‌ هذه‌ الاجيال‌ تفضل‌ الزواج‌ من‌ الاباعد وهو منحي‌ أوربي‌، وفي‌ الشريعة‌ الاسلامية‌ ما يؤيده‌، ومن‌ الظواهر التي‌ تبين‌ مدي‌ بساطة‌ هذا التخوف‌ ظاهرة‌ الزواج‌ المختلط‌، وقد حقق‌ نسبة‌ نجاح‌ لا بأس‌ بها، وهنا في‌ السويد يكاد ان‌ يكون‌ زواج‌ الرجل‌ السويدي‌ من‌ المرأة‌ الا´سيوية‌ ظاهرة‌ ملموسة‌. ان‌ هذا التخوف‌ يتسم‌ بنظرة‌ ضيقة‌ جداً لانه‌ يتناسي‌ منطق‌ التفاعل‌ العالمي‌ الذي‌ راح‌ يشتد ويقوي‌ بفضل‌ ثورة‌ الاتصالات‌، وللعلم‌ ان‌ الكثير من‌ ساسة‌ أوربا يرون‌ ان‌ الخطر الحقيقي‌ الذي‌ يهدد الهوية‌ الاوربية‌ هو الثقافة‌ الامريكية‌ الوافدة‌، وصرخة‌ شيراك‌ اكبر شاهد علي‌ ذلك‌، وفكرة‌ الاتحاد الاوربي‌ لا تنطلق‌ من‌ أسس‌ اقتصادية‌ في‌ مواجهة‌ الغول‌ الامريكي‌ بل‌ من‌ زاوية‌ ثقافية‌ ايضاً.

 

 حقوق‌ وأهداف‌

 المسلم‌ الاوربي‌ مدعو الي‌ تطوير ذاته‌ لكي‌ يدخل‌ في‌ صميم‌ المجتمع‌ ويساهم‌ في‌ بناء أوربا الجديدة‌، ينبغي‌ ان‌ يكون‌ علي‌ مستوي‌ رفيع‌ من‌ الثقافة‌، محيط‌ بالفكر العالمي‌ ومستجدات‌ العقل‌ البشري‌، ان‌ العطل‌ الثقافي‌ يجرد الانسان‌ من‌ المعني‌ الحي‌ للوجود ويحيل‌ الحياة‌ الي‌ ملهاة‌ او صدفة‌ فيما هي‌ مسؤولية‌، ومن‌ الضروري‌ ان‌ نفرق‌ بين‌ الهدف‌ والحق‌، اذ لكل‌ من‌ المفهومين‌ معناه‌ الخاص‌، ان‌ التأمين‌ المعاشي‌ والصحي‌ والامني‌ حقوق‌، ولكن‌ التفكير بانقاذ الانسان‌ من‌ الديكتاتورية‌ او الجهل‌ او نشر المثل‌ العليا أهداف‌، والانسان‌ الناجح‌ لا يفكر في‌ الحقوق‌ فقط‌ بل‌ يجب‌ ان‌ تكون‌ له‌ اهدافه‌ الانسانية‌، والمسلم‌ الاوربي‌ بل‌ وكل‌ مواطن‌ في‌ القارة‌، يجب‌ ان‌ يتحرك‌ من‌ دائرة‌ الحقوق‌ الي‌ دائرة‌ الاهداف‌، وللاسف‌ الشديد اننا نفتقر الي‌ المنهج‌ التربوي‌ الذي‌ من‌ شأنه‌ خلق‌ مثل‌ هذا الشعور النبيل‌، وعلي‌ امتداد هذه‌ التصورات‌ نري‌ ان‌ من‌ أسباب‌ القوة‌ الايجابية‌ هو الوعي‌ السياسي‌، أي‌ فهم‌ ما يدور في‌ العالم‌ واتخاذ موقف‌ مشرف‌، ان‌ المسلم‌ الاوربي‌ الوافد من‌ العالم‌ الثالث‌، وخاصة‌ الشرق‌ الاوسط‌ غالباً ما يتمتع‌ بهذا النوع‌ من‌ الوعي‌، في‌ حين‌ ان‌ السياسة‌ قيمة‌ ثانوية‌ في‌ اهتمامات‌ المجتمع‌ الاوربي‌، وهو في‌ تقديرنا خطأ، ويساهم‌ في‌ انعدام‌ المسؤولية‌ بشكل‌ عام‌، ان‌ الوعي‌ السياسي‌ الذي‌ نعنيه‌ يتجاوز سماع‌ الاخبار ورؤية‌ المشاهد السياسية‌ من‌ شاشة‌ التلفزة‌، انه‌ اعمق‌ من‌ ذلك‌ بكثير، انه‌ القدرة‌ علي‌ اكتشاف‌ أسباب‌ الحدث‌ السياسي‌، ومن‌ ثم‌ اتخاذ الموقف‌ الذي‌ تمليه‌ المصلحة‌ الانسانية‌، ان‌ المجتمع‌ البعيد عن‌ ممارسة‌ السياسة‌ بوعي‌ وعلم‌ يتسم‌ بالسذاجة‌ مهما كان‌ مستواه‌ الاقتصادي‌ عالياً، ان‌ تحليل‌ القوي‌ التي‌ تحرك‌ العالم‌ ومعرفة‌ نظامها حاجة‌ ضرورية‌ للارتفاع‌ بالانسان‌ الي‌ مستوي‌ فاعل‌ في‌ صميم‌ التاريخ‌، ان‌ تنفير الناس‌ من‌ العمل‌ السياسي‌ مقصود في‌ كثير من‌ الاحيان‌، والهدف‌ هو احتكار قيادة‌ المجتمع‌، في‌ حين‌ ا