|
اخوان
الصفا و
آراؤهم في
التربية لقد
اولى
العلماء
المسلمون
التربية
اهتماما
كبيرا بدافع
من دينهم و
اتباعهم
التعاليم
الاسلامية،
ان حصيلة
افكارهم
الحكيمة
تنفع
الباحثين و
طالبي معرفة «التربية
الاسلامية»
في امرين
اثنين: الاول
هو تقويم مدى
الجهود
التحقيقية
التي بذلتها
الاجيال
السابقة
تقويما
مبنيا على
نظرة
واقعية، و من
ثم تجنب
التعلق
بالظنون
العقيمة. و
الثاني هو
انهم، تحت
ضوء معرفتهم
بعمق نظرات
الفلاسفة
المبدعين و
بصيرتهم،
يزدادون
شوقا في
التحرك و
التفكر. ثمة
بحث تحقيقي
تحت عنوان «العلماء
المسلمون و
آراؤهم
التربوية»
يجري على يد
الفريق
التربوي في
مكتب
التعاون
لدراسة
امكان تطبيق
آراء
المتخصصين
في التربية و
التعليم
بالاضافة
الى
الفائدتين
المذكورتين،
و هذه
المقالة
تلخيص لبحث
في اخوان
الصفا. اخوان
الصفا اسم
جماعة من
علماء القرن
الرابع
الهجري كانت
ترى انه بنشر
علم العلم و
المعرفة و
بصب زيت
الحكمة في
مصباح
الدين،
يشتعل مشعل
الحضارة
الاسلامية و
يزداد
اشعاعا. لذلك
عنوا عناية
فائقة
بتهذيب
المعارف
الانسانية و
تنقيحها و
تقريبها. و قد
انشا
الاخوان
لاهدافهم
الاصلاحية
منظمات
سرية، و
كتبوا ما
يشبه دائرة
للمعارف
بعنوان «رسائل
اخوان الصفا»
اقتبسوا
مواده من
مصادر
مختلفة، و
تتالف من 52
رسالة نشرت
في حوالي سنة
370 ه. و ظهرت لها
خلاصة تحت
عنوان «رسالة
الجامعة». يغشى
حياة اخوان
الصفا بعض
الغموض بسبب
اسلوب عملهم
الخفي، حتى
ان اسماء
اصحاب
الرسائل
ليست معروفة
بصفة قاطعة.
بالطبع هناك
ادباء يحتمل
ان يكونوا من
اعضاء هذه
الجماعة او
حتى من مؤلفي
الرسائل،
غير ان بعض
هؤلاء ليست
لهم ملامح
واضحة. بالنظر
لهذا الغموض
التاريخي
نسبوا الى
القرامطة و
هم اصلا من
الاسماعيلين،
و قال بعض آخر
انهم من ائمة
النصيرية(1).
و قال بعض
الباحثين
انهم من
المعتزلة، و
انكر آخرون
ان يكونوا من
المعتزلة. و
بالرجوع الى
الرسائل
يتبين سبب
هذا التضارب
في الاقوال.
ان في رسائل
اخوان الصفا
من التنوع و
التشتت في
الآراء ما
يجعل من
الصعب جدا ان
ننسبهم الى
مدرسة
فلسفية
بعينها او
مذهب ديني
بذاته. لاشك في
ان لهذا
التنوع و
التشتت
اسبابا،
منها تنوع
مصادر
عقائدهم غير
الاسلامية،
و ذلك لان
الاخوان
كانوا
يستفيدون من
تعاليم
مختلف
الاديان و
الفلسفات
اليونانية و
من المصادر
البهلوية(2)،
مدفوعين
برغبتهم في
توضيح
آرائهم و
تسويغ
فلسفتهم، و
لهذا توسلوا
بالانتقاء
من تعاليم
الفلسفات
اليونانية و
غير
اليونانية
توسلا واسعا
دون ان
يقيموا وزنا
لفقدان
التناسق بين
المصادر
التي
اعتمدوها.
يضاف الى ذلك
ان الترجمات
التي استند
عليها
الاخوان لم
تكن موثوقا
بها(3). هنالك
اسباب اخرى
غير التي
ذكرناها
لظهور
التشتت عند
اخوان
الصفا، و هي
تتطلب دراسة
موسعة في
مجال آخر. على كل
حال، يستشف
من
تعاليمهم،
من الناحية
الفلسفية،
انها ناجمة
عن تداعيات
افكار
فلسفية
متنوعة، مثل
اسم الجماعة
و تقسيماتهم
و تشكيلاتهم
و تعاليمهم
السرية،
بالاضافة
الى
اهتمامهم
الخاص
بارقام
مستوحاة من
افكار
فيثاغورس، و
اقتباسهم من
العقائد
الافلاطونية،
و
الافلاطونية
الجديدة، و
فلسفة
المشائين، و
الايرانيين،
و الهنود، و
هي واضحة و
موضع توكيد
الباحثين.
كذلك يصعب
الحكم فيما
يتعلق بمذهب
اخوان الصفا
بسبب غموض
تصريحاتهم،
الا ان
ميولهم
الشيعية غير
قابلة
للانكار،
كما ان
الادلة التي
يستدل بها
على عدم
كونهم من
الاثني
عشرية ليست
كافية(4)، اذ
ان سياق
تعاليمهم
يذكرنا
بدعوات
الاسماعيلين.
ا. الدين
كان
اخوان الصفا
يرون انهم من
المصلحين، و
لذلك فان
للدين في
ميادين
افكارهم
اهمية كبرى،
فهم يقولون
ان معارفهم
مستقاة من
اربعة مصادر:
كتب الحكماء
و الفلاسفة،
كتب
الانبياء،
كتاب
الطبيعة، و
جواهر
النفوس. و كتب
الانبياء
تحظى لديهم
بالاهمية
الكبرى(5). يصل
الانسان في
رشده الى
مقام تلقي
الوحي. و
الوحي هو
الاخبار عن
امور تغيب عن
الحواس، و هو
حالة تظهر في
الانسان على
غير قصد او
تكلف. و الوحي
في الانبياء
ناجم عن صفاء
نفوسهم و
مجانسة
ارواحهم
لارواح
الملائكة،
لا عن قياسات
منطقية و لا
رياضات
حكمية(6). كان
الانبياء
يتلقون
الوحي من طرق
ثلاث(7): اثناء
النوم،
حينما تكون
النفس قد
تركت
استعمال
الحواس، و قد
تلقى معظم
الانبياء
الوحي عن هذه
الطريق. في
حال اليقظة و
بسماع اصوات
شخص لا يرى، و
تكون
الاصوات
المسموعة
بصورة
اشارات
دائمية. في حالة
اليقظة
بسماع كلام
شخص غير مرئي. اهداف
الدين
يمكن
تلخيص اهداف
الدين من حيث
وجهة نظر
الاخوان بما
يلي: 1. تعليم
العقائد
الصحيحة عن
الانسان و
العالم.
2. بيان
الكمالات
الممكنة
للانسان.
3. تعليم
السلوك و
الآداب
المناسبة
لايصال
الانسان الى
درجات
الكمال.
4. خلق
الحالات
الروحية
لوضع
الانسان على
مسيرة
الهداية. عناصر
الدين
العقائد
و الاخلاق و
الآداب
الدينية هي
العناصر
الاصلية
التي يتالف
منها الدين. و
العقيدة
الاساس هي
التوحيد(8)،
و السنة
الاولى التي
تقوم على ذلك
هي توكيد
الموالاة و
المودة بين
اهل الشريعة(9).
يعتقد
الاخوان بان
التوحيد،
بصفته
القاعدة
الاصلية و
الاصيلة
للدين، يمكن
ان يتوصل
اليه بدون
الاستعانة
بالوحي، و
للوصول الى
ذلك طريقان(10):
الغريزة،
و هي موجودة
في الانسان،
جاهلا كان او
عالما، و حتى
في
الحيوانات. البرهان،
و هو يختص
بالفضلاء،
اي الانبياء
و الحكماء و
الاخيار و
الابرار. يعتقد
الاخوان ان
ادراك اسرار
الاحكام
العملية
ليست بعيدة
عن متناول
العقول، و
يرون في
النظرة
الكلية و
الاهتمام
بالصلاح
العام و
الآجل طريقا
لفهم الحكمة
الالهية في
الاحكام(11). و
لكن
الانسان، مع
ذلك، محتاج
الى الوحي
لمعرفة اصل
الاحكام. فهم الدين
يرى
الاخوان ان
هناك امرين
مهمين و
ضروريين في
فهم خطاب
الاديان: رمزية
الخطاب
الديني،
سواء
البيانات
المذكورة في
ميدان
المعارف، او
ما هو مذكور
في المناسك و
الاحكام
العملية
للاديان(12). كون
الانبياء
كانوا
يخاطبون
الناس على
قدر
مستوياتهم
الثقافية(13). ب.
الفلسفة: الفلسفة،
عند اخوان
الصفا، اسمى
وسائل
المعرفة بعد
النبوة، و هي
تعني التشبه
بالله على
قدر وسع
الانسان(14).
ان العلوم
الفلسفية و
الشريعة
النبوية
كلتيهما من
الامور
الالهية
التي لها هدف
واحد، و لا
تختلف الا في
الفروع. و ما
النزاع
القائم بين
اهل الفلسفة
و اهل الشرع
الا بسبب عدم
فهم احدهما
هدف الآخر(15).
يشيد
الاخوان
بالفلاسفة و
يذكرونهم
بعد
الانبياء و
يقولون انهم
اصحاب رسالة
ذات اتجاه
مشترك مع
رسالة
الانبياء، و
يستشهدون
بآرائهم و
استدلالاتهم
الى جانب
تعاليم
الانبياء(16). ج. الانسان
يرى
اخوان الصفا
ان الانسان(17):
تركيب
من جسم و روح. و ان
نفسه
روحانية و من
اسمى النفوس. و ان
جسمه على
احسن صورة
جسمية. و ان
لكل جزيء في
الانسان
غاية خاصة به. و ان
اعلى مراتب
الانسان
المادية و
الجسمية هي
التسلط على
الآخرين. و ان
اشرف مراتب
الانسان من
الناحية
النفسية هي
قبول الوحي. و ان
مرتبة
الانسان
الروحية
اسمى من
مرتبته
الجسمية. ان
المحور
الاصلي في
نظرة
الاخوان الى
الانسان هو
التمييز بين
الجسم و
الروح، و على
اساس هذه
النظرة تصبح
معرفة خصائص
كل منهما
امرا ضروريا. صفات
الجسم(18) جسم
الانسان،
مثل الاجسام
الاخرى،
يتقبل
اعراضا
كاللون و
الرائحة و
الوزن و
الحركة . . . و هو
مكون من
الاخلاط
الاربعة:
الدم، و
البلغم، و
الصفراء، و
السوداء . و
هذه بدورها
ناشئة من
الاركان
الاربعة:
النار، و
الهواء، و
الماء، و
التراب. و جسم
الانسان
يشتمل على
طباع اربعة:
الحرارة، و
البرودة، و
الرطوبة، و
اليبوسة. و
يرجع جسد
الانسان بعد
الموت و
انفصاله عن
الروح الى
الاركان
الاربعة. صفات
النفس(19) النفس
جوهر
روحاني، حية
بالذات،
عالمة
بالقوة،
فاعلة
بالطبع،
قابلة
للتعلم،
مؤثرة في
الاجسام، و
نهايتها
الرجوع الى
بارئها. ان متع
الانسان
المادية هي
مال الدنيا و
متاعها، و
متعه
المعنوية هي
العلم و
الدين، و لكل
من هذه المتع
لذتها التي
تصحبها، و هي
لذات دنيوية
و لذات
اخروية. كيفية
ارتباط
النفس
بالجسم و
حكمته
يرى
الاخوان ان
الجسم وسيلة
النفس
للقيام
بالفعل، و
يشبهون
النفس
بالصانع
الذي يجلس في
مصنعه الى
جانب ادوات
عمله، فكل
عضو من اعضاء
الجسد، مثل
تلك
الادوات،
يؤدي عمله
الخاص(20). يقولون
ان حكمة
ارتباط
النفس
بالجسد هي في
اكمال فضائل
النفس، و
يعتقدون ان
ارتباط
النفوس
بالاجساد هو
وحده الذي
يجعل
الفضائل و
الخيرات
الكامنة
بالقوة في
النفس تجد
مكانها
لتلبس لبوس
الفعل. و قد
بينوا هذا
بصورة اخرى
فقالوا ان
النفس
الناطقة،
بعد
مخالفتها
الهوى و
اطاعة اوامر
الله تعالى،
تصبح ملكا من
الملائكة، و
هذا من نتائج
مرافقة
النفس و
الجسد(21). تجرد
النفس
لعل اهم
خصوصية
للنفس عند
اخوان الصفا
هي تجردها و
روحانيتها،
و لذلك فهم
يعرضون ادلة
لاثبات تجرد
النفس. و قبل
عرض تلك
الادلة يجدر
ان نذكر ان
مباحث من هذا
القبيل لها
اهميتها في
مجموعة آراء
الاخوان
التربوية
لانهم
يؤكدون
تاثيرها. من
ذلك قولهم
بان
الاعتقاد
ببعض الآراء
الفاسدة و
غير الصائبة
ناجم عن عدم
الاعتقاد
بوجود النفس
المستقلة
المجردة،
كما انهم
يرون ان من لا
يعرف نفسه
يظل محروما
من فهم
الامور
الروحانية،
و تكون نهاية
امره انه
ينكر
الحقائق
المعنوية(22). يمكن
ايجاز ادلة
الاخوان على
تجرد النفس
فيما يلي(23): 1. سيرة
الانبياء و
الاولياء و
عقيدة
الحكماء.
2. اجماع اهل
الاديان و
اتفاقهم، و
كذلك زيارة
قبور
الصالحين و
الاولياء.
3. عدم ظهور
آثار مثل
الحس و
الحركة بعد
الموت.
4. قدرة
الانسان على
القيام
بافعال من
دون
الاستعانة
بالحواس و
حركة
الاعضاء،
مثل التفكير.
5. الاحلام و
ما يجري فيها
من الحركة و
طي المسافات
البعيدة.
6. الحزن و
البكاء على
الميت و كون
ذلك ليس على
جسمه، بل على
جوهر آخر، هو
النفس التي
فارقت ذويها.
بعض هذه
الادلة على
تجرد النفس
تنسجم مع
مطالعات
علماء
الانسان في
عصرنا
الحاضر بشان
معرفة
الانسان
بوجود جوهر
مفارق يسمى
النفس. و لكن
صياغة
ادلتهم فيما
يتعلق
بعقائدهم
الكلية
بخصوص
البرهان و
الاستدلال
العقلي لا
تفي بالغرض و
ليست قاطعة. بعد
اثبات تجرد
النفس، يتجه
الاخوان الى
رسم صورة
دقيقة
للنفس، و
يعرضونها في
ثلاث صور
مختلفات.
تسكن جسد
الانسان
ثلاث قبائل:
النفس
الشهوانية،
و الظاهر
انها هي
النفس
النباتية، و
النفس
الحيوانية،
و النفس
الناطقة، و
هذه تشبه
الملائكة، و
النفس
الحيوانية
تشبه
الانسان، و
النفس
الشهوانية
ذات افعال و
اخلاق تشبه
ما للجن، و
هذه النفوس
الثلاث تقع
تحت سيطرة
العقل و
ادارته(24). و
العقل هو
النفس التي
خرجت من
كونها «بالقوة»
و اصبحت في
حالة «الفعل»(25).
و كل
واحدة من هذه
النفوس
الناطقة و
الحيوانية و
النباتية
مظهر لحقيقة
واحدة تتخذ
اسماء
متعددة بسبب
الافعال
التي تقوم
بها هذه
الحقيقة
الواحدة. و
يرى الاخوان
ان لكل واحدة
من هذه
النفوس
مكانا معينا
في الجسد. و هم
يرونها
بمثابة
اجناس تمثل
قوى النفس
بانواعها، و
افعال تلك
القوى هي
اشخاصها(26). و
للنفس خمس
قوى جسمانية
و خمس قوى
روحانية.
القوى
الجسمانية
هي الحواس
الخمس
نفسها، و
القوى
الروحانية
هي:
المتخيلة، و
المفكرة، و
الحافظة، و
الناطقة، و
الصانعة(27). د. المعرفة
تتم
معرفة
الانسان
بالاشياء عن
طرق ثلاثة:
الحس، و
العقل، و
البرهان. و
المقصود
بالحس هو
الحواس
الخمس. و هذا
الضرب من
المعرفة
يبدا من
الطفولة، و
يشترك
الانسان و
الحيوان فيه. الطريق
الثاني هو
العقل الذي
يبدا من
مرحلة
البلوغ. و
الطريق
الثالث هو
البرهان، و
هو يختص
بفريق من
العلماء
يتوصلون
اليه بعد
دراسات
رياضية و
هندسية و
منطقية(28). و
المعرفة
البرهانية
مصداق
للمعرفة
العقلية،
على وجه
العموم. و ليس
في اقوال
الاخوان ما
يتعارض مع
وجهة النظر
هذه، مع فارق
ان الاخوان
ربما يكونون
قد عرضوا
البرهان
بصورة
مستقلة
لسببين: الاول
هو انهم
يؤكدون
الضرورة
المنطقية
للمعرفة
الحاصلة من
البرهان، و
الثاني هو
انهم في
تعريف
البرهان و
العقل
يقولون
بوجود فارق
بينهما،
فالامور
المعقولة هي
صور المحسات
نفسها التي
تصل عن طريق
الحواس الى
القوة
التخيلية، و
التي تبقى
صورها في وهم
الانسان حتى
بعد اختفاء
المحسات عن
الحواس. و لكن
الذي يكون
البرهان
طريق معرفته
لا يدرك عن
طريق الحواس
و لا يتصوره
الخيال،
انما
البرهان هو
الذي يستحث
العقل على
قبوله، و
القضايا
الهندسية،
مثل تناهي
المقادير
عند اقليدس،
هي من هذا
القبيل. هاتان
الخصيصتان
هما اللتان
تجعلان من
البرهان
طريقة
مستقلة في
المعرفة، و
الا فلا فصل
بين المعرفة
البرهانية و
المعرفة
العقلية. و
سوف يكون لنا
بحث مشترك في
هذين. المعرفة
الحسية
القوى
الحسية ذات
اهمية كبيرة
بحيث ان
الاخوان
يرون ان من
يفتقد الحس
يفتقد
المعرفة. ان
ما تدركه
الحواس هو
الاعراض
التي تحل في
الاجسام و
تؤثر في
تغيير كيفية
امزجة
الحواس.
الحس، اذن،
يكون من تغير
مزاج الحاسة
عند اتصالها
بالمحس، و
الاحساس هو
فهم التغيير
عن طريق
القوى
الحسية(29). ان
القوى
الجسمية و
الروحانية
في الانسان
تضع يدا بيد
حتى تدرك
المحس. و يمكن
شرح كيفية
هذا التعاون
بما يلي(30): الحواس
(اي الات
القوى
الجسمية في
النفس) يتغير
مزاجها عند
اتصالها
بالمحس،
فيكون الحس و
يتم ادراك
صور المحسات.
و الواسطة
هنا هي
الاعصاب
التي تمتد من
القسم
الامامي من
الدماغ الى
اصول الحواس
اذ تقوم هذه
بنقل صور
المحسات الى
القوة
التخيلية
الموجودة في
مقدمة
الدماغ. و
تقوم هذه
بنقلها الى
القوة
المفكرة. في
هذه الحالة
تختفي
المحسات من
الحواس و لا
يبقى منها
سوى آثارها
التي ترتسم
في الفكر. و
تقوم النفس
بالتصرف في
هذه الآثار
بدون الحاجة
الى الحواس و
تميز بينها
بوساطة
القوة
العاقلة. في
هذه الحالة
لا يوجد شيء
سوى صور
المحسات
المنتزعة من
الهيولى (المادة)
التي تعود
لها. هذه
الصور ترتسم
في جوهر
النفس بحيث
ان جوهر
النفس يكون،
بالنسبة
لتلك الصور،
هو هيولاها (مادتها)،
و تلك الرسوم
صورها.
عندما
تتسلم القوة
المفكرة
رسوم
المحسات من
القوة
التخيلية،
تقوم
بدراستها من
حيث حقيقتها
و نفعها او
ضررها، ثم
ترسلها الى
الحافظة
لتستعيدها
عند اللزوم،
و تعطيها
القوة
الحافظة الى
القوة
الناطقة لكي
تعبر عنها
للآخرين
بالفاظ ترمز
الى تلك
المعاني عند
اقتضاء
الضرورة، و
بما ان
الالفاظ
ليست باقية،
و حظ السامع
من تلك
المعاني
سريع
الزوال،
تقوم القوة
الصانعة
بقيد تلك
المعاني
كتابة لتبقى
ثابتة. خطا
الحواس
اوضح
الاخوان
وقوع الحواس
في الخطا و
ارجعوا ذلك
الى القوة
المفكرة، اي
ان الخطا
ينجم عن عدم
قيام القوة
المفكرة
بعملها
بصورة صحيحة
خلال مراحل
الادراك
الحسي بحسب
الترتيب
الذي سبق
ذكره(31). و هم
يضيفون الى
ذلك امرين
آخرين
مؤثرين في
ظهور خطا
الحواس:
واسطة الحس،
و ضعف القوى
الحاسة. في
الحالة
الاولى
يقولون:
مدركات
الحواس على
نوعين، فبعض
يدرك
بالذات، و
بعض آخر يدرك
بالعرض. ان ما
يدرك من دون
واسطة هو
المدرك
بالذات، مثل
الضوء الذي
تراه العين
من دون واسطة.
اما الذي
يدرك
بالعرض، اي
بالواسطة،
فهي مثل
اللون الذي
تدركه العين
عن طريق
الضوء(32). يعتقد
الاخوان انه
كلما كانت
الواسطات
اقل كان
احتمال
الخطا اقل، و
لهذا نجد ان
خطا السمع
اقل، و ذلك
لان الواسطة
بينه و بين
المحس هو
الهواء فقط،
و هو قد يغلظ
احيانا و قد
يرق، مما
يؤثر في وصول
المحس الى
السمع فيظهر
الخطا(33). و فيما
يخص الامر
الثاني
يقولون: ان
الاختلاف
يكون في
المتلقيات و
المدركات، و
هي بالطبع
اختلاف
الخطا في بعض
الاحيان، و
ينجم عن
اختلاف
الحواس ضعفا
و قوة، و هو
اختلاف يرجع
الى اختلاف
الاجسام و
الاجساد. مركز
الادراك
الحسي
يحظى
الحس و
الادراك
الحسى
باهمية
كبيرة في خضم
آراء
الاخوان في
ميدان
المعرفة و
يلعب دورا
رئيسا.
و تنشا
هذه الاهمية
من كونه مبدا
لانواع اخرى
من المعرفة،
فقد سبق
القول انهم
يرون ان
فقدان الحس
يعني فقدان
المعرفة، ان
تاثير
الادراك
الحسي في
جهاز
الانسان
الادراكي من
الاتساع
بحيث انه
يشمل حتى
البديهيات. ان
المعرفة غير
المكتسبة
التي تدركها
جميع
العقول،
تظهر عن طريق
استقراء
الامور
المحسة، اي
ان حس
الانسان يرى
تلك الامور
واحدا واحدا
و يتامل
فيها، فاذا
لاحظ عددا من
الصفات في
امر واحد،
عمم ذلك على
جميع
الافراد،
حتى و ان لم
يكن قد راى
جميع افراد
ذلك النوع او
الجنس(34). الادراك
العقلي و
البرهاني
لايشك
الاخوان في
قدرة العقل
على معرفة
الوجود، و
يرون ان عدم
التحرز من
ارتكاب
التناقض في
الآراء انما
سببه خطا
العقل. و لهذا
السبب يولون
علم المنطق
عناية
فائقة، و
يرون ان
القياس هو
وسيلة تجنب
الخطا في
العقيدة(35). يرى
الاخوان ان
معظم
معلومات
الانسان
تاتيه عن
طريق
القياس، و
انه يستعمل
هذه الطريقة
منذ طفولته،
بحيث يبدو و
كان طبيعة
الانسان قد
بنيت منذ
ايامه
الاولى على
استعمال
القياس،
مثلما انه قد
جبل على
استعمال
حواسه(36). ان
استعمال
القياس يعني
في الواقع
استعمال
القوة
العاقلة و
الدخول في
طريق
الادراك
العقلي
للوصول الى
العلوم و
المعارف. و
اذا اعتبرنا
القياس
تاليفا
للبديهيات -
كما يعتبره
الاخوان -
عندئذ يلفت
القياس
البرهاني
نظرنا، و ما
توكيد
الاخوان
ضرورة ارجاع
العلوم الى
المعارف
البديهية،
الا توكيد
ضرورة
استعمال
البرهان
للوصول الى
المعرفة. خطا
الادراك
العقلي
عرفنا
من قبل ان عدم
الاستفادة
من
البديهيات و
عدم ارجاع
المعرفة
اليها يتسبب
في ظهور
الخطا في
الادراك
العقلي. سوف
نحاول الآن
ان نتعرف
منشا آخر
للخطا في
الادراك
العقلي. يقول
الاخوان: بما
ان الانسان
يبالغ
احيانا في
تعميم
القياس و
تسرية
الاوصاف و
الاحكام من
الامور التي
تدور حوله و
يانس اليها،
يقع احيانا
في الخطا(37).
يشير هذا
الكلام الى
موضوعين من
مواضيع
المعرفة:
الاول يتعلق
بالمعارف
السابقة و
دورها في
المعرفة، و
هو، بحسب
بيانات
الاخوان،
يحكي عن
تاثير
المحيط في
عملية
المعرفة، و
الثاني
يتعلق
بالاستقراء.
ان الاخوان
لا يرفضون
الطريقة
الاستقرائية،
و لكنهم
لايرون
نتيجة مثمرة
في الاسراف
في تسرية
الاحكام مما
يعتبر توقفا
في التمثيل
المنطقي. و لديهم
مزيد من
الكلام على
الموضوع
الاول في
مناسبات
اخر، فهم
يعتقدون ان
نفس الانسان
و ذهنه، قبل
التعلم و قبل
التعلق
بعقيدة من
العقائد،
اشبه
بالصفحة
البيضاء من
الورق لم يخط
عليها خاط.
فاذا ما تعلم
علما او
اعتقد بامر
اصبح
كالورقة
التي رسم
عليها بعض
الخطوط، و
يكون من
الصعب محو
ذلك و
ازالته،
سواء كان حقا
او باطلا، و
يجعل المكان
ضيقا للامور
الاخرى. و على
ذلك فان
العلم الذي
يسبق الدخول
الى ذهن
الانسان
يحظى باهمية
اكبر، لذلك
يجب صرف
الجهود
التربوية
على الذين لم
تتلوث
اذهانهم و
لهم نفوس
شابة، اما ان
يعقد الامل
على اصلاح
كبار السن
فلا فائدة
منه(38). طهارة
النفس و
المعرفة
يرى
الاخوان ان
الوصول الى
الحقيقة
انما يتحقق
عن طريق
النفس و تجنب
الاعمال
السيئة و
الاخلاق
المنحطة و
الآراء
الفاسدة، و
ذلك لانه اذا
لم تتجنب
النفس هذه
الامور تفقد
صفاءها و
تصبح
كالمرآة
الصدئة التي
تعكس الصور
مشوشة و على
غير
حقيقتها، و
بسبب من هذا
الغبار تنسى
النفس
جوهرها و
مبداها و
منتهاها، و
تحسب ان ليس
لها سوى هذا
الجسد. و اذا
لم تعرف
نفسها لا
تستطيع ان
تدرك ايا من
الامور
الروحانية و
لا ان
تتصورها،
فتنكر كل
حديث عنها. و
لذلك لايجوز
لاحد ان
يتحدث عن ذات
الله و صفاته
ظنا و
تخمينا، بل
الجدير هو
انه بعد
تصفية النفس
يباشر
بالخوض في
ذلك، و الا
انتهى به
الامر الى
الشك و
الحيرة و
الضلال(39). |