الاستشراق‌  المفهوم‌ والدوافع‌ الاستراتيجية‌

 محمدرضا وصفي‌

 هل‌ يستحق‌ منا الاستشراق‌ والمستشرقون‌ وموقف‌ المشارقة‌ من‌ المستشرقين‌ هذا الجهد في‌ دراسة‌ مؤلفاتهم‌ والبحث‌ في‌ مناهجهم‌ وطريقة‌ نقدهم‌؟

 الجواب‌ من‌ دون‌ تردد أجل‌ ! لقد قام‌ المستشرقون‌ بجمع‌ المخطوطات‌ العربية‌ وفهرستها وحققوا منها ما أمكنهم‌ وما رأوه‌ ضرورياً لدراستهم‌ وأبحاثهم‌، فنشروها بطريقة‌ علمية‌ وقد طبعوا في‌ بلادهم‌ الكم‌ الكبير والمهم‌ من‌ المؤلفات‌ العربية‌ والمصادر المختلفة‌، في‌ التاريخ‌ والادب‌ والتفسير والحديث‌ والفقه‌، وترجموا الي‌ اللغات‌ الغربية‌ عدداً كبيراً من‌ المؤلفات‌ العربية‌. كما وضعوا المعاجم‌ وكتب‌ القواعد التي‌ خطط‌ لها بطريقة‌ علمية‌ واهتموا بمثل‌ ذلك‌ معرّفين‌ بالكتب‌ المؤلفة‌ باللغات‌ الاسلامية‌ غير العربية‌، وواضعين‌ النصوص‌ الاصلية‌ المحققة‌ مع‌ ترجماتها أحياناً بين‌ أيدي‌ الدارسين‌ الغربيين‌.

 اضافة‌ الي‌ ذلك‌ فقد درس‌ وتعلّم‌ علي‌ أيدي‌ المستشرقين‌ الا´لاف‌ من‌ العلماء العرب‌ والمسلمين‌، حاملين‌ علومهم‌ ومناهجهم‌ الي‌ أوطانهم‌، وبعد عودتهم‌ الي‌ بلادهم‌ بدأوا بنقد الاستشراق‌ والتمييز بين‌ ما هو سقيم‌ وصحيح‌ فيما كتب‌ عن‌ حضارتنا وثقافتنا، خصوصاً ما يتعلق‌ بالاسلام‌ والثقافة‌ العربية‌.

 كاتب‌ وباحث‌ من‌ لبنان‌.

 وبالرغم‌ من‌ انقضاء عهد الاستشراق‌ الذهبي‌ الا ان‌ نقده‌ مازال‌ مستمراً. واذا اردنا أن‌ نؤسس‌ لعلاقة‌ جديدة‌ بين‌ الشرق‌ والغرب‌ أو بتعبير أدق‌ بين‌ الاسلام‌ والغرب‌، علينا أن‌ نطلع‌ علي‌ جذور المد المعرفي‌ لكلا الحضارتين‌. علي‌ هذا الاساس‌ نشرت‌ مجلة‌ الفكر العربي‌ أولي‌ المحاولات‌ اللبنانية‌ في‌ هذا المجال‌، حيث‌ أفردت‌ مايقارب‌ الثمنمئة‌ صفحة‌ في‌ مقالات‌ متعددة‌ في‌ شتي‌ المجالات‌ المتعلقة‌ بدراسة‌ الاستشراق‌ والبحث‌ فيه‌  .

 وفي‌ هذا البحث‌ حاولنا وضع‌ دراسات‌ المجلة‌ علي‌ بساط‌ العرض‌ والمراجعة‌ اضاءة‌ لحركة‌ الاستشراق‌ في‌ الماضي‌ والحاضر لكي‌ نصل‌ الي‌ ما نصبو اليه‌ في‌ هذه‌ المراجعة‌

 يهمنا في‌ بحث‌ الاستشراق‌ هو المعرفة‌ اللغوية‌ والاصطلاحية‌ لهذا المفهوم‌ مع‌ تعريف‌ لشخص‌ المستشرق‌ نفسه‌، فقد نُقل‌ العديد من‌ التعريفات‌ اللغوية‌ والاصطلاحية‌، حيث‌ عبرت‌ هذه‌ التعريفات‌ عن‌ رؤية‌ وطريقة‌ وتفكير وانطباعات‌ الباحثين‌ والناقدين‌ والكتاب‌ ازاء المفهوم‌ الاستشراقي‌.

 ورد في‌ موسوعة‌ «لاروس‌» تعريف‌ المستشرق‌ في‌ مادة‌  Orientaliste  «: بانه‌ العالم‌ المتضلع‌ في‌ معرفة‌ الشرق‌ وثقافته‌ وآدابه‌».

 أما د. شكري‌ النجار فيعرّف‌ الاستشراق‌    في‌ مقال‌ له‌ : «يؤخذ الاستشراق‌ عادة‌ بعدة‌ معانٍ متداخلة‌ ومختلفة‌، ولعل‌ اهم‌ معني‌ للكلمة‌ هو المعني‌ الاكاديمي‌، حيث‌ تطلق‌ كلمة‌ مستشرق‌ بشي‌ء من‌ التجاوز علي‌ كل‌ من‌ يتخصص‌ في‌ أحد فروع‌ المعرفة‌ المتصلة‌ بالشرق‌ من‌ قريب‌ أو بعيد»  .

 ويتابع‌ : «ثمة‌ مفهوم‌ آخر للاستشراق‌ أكثر عمومية‌ هو اعتبار الاستشراق‌ أسلوباً للتفكير يرتكز علي‌ التمييز الانطولوجي‌ والابستمولوجي‌ بين‌
 الشرق‌ والغرب‌
 ».

 وأما د. أحمد حسن‌ عبد السلام‌ فيعتبر المستشرق‌ هو الفاعل‌، حيث‌ الشرق‌ هو المفعول‌ به‌ المحدد  .

 ويحاول‌ د. رضوان‌ السيد ان‌ يقبض‌ ويبسط‌ في‌ هذا المعني‌ فيقول‌: «ان‌ الاستشراق‌ يتناثر ويدخل‌ في‌ تخصصات‌ متباينة‌ كالتاريخ‌ والسوسيولوجيا والانثروبولوجيا والاقتصاد والسياسة‌، ولم‌ يعد هناك‌ عالم‌ واحد اسمه‌ الاستشراق‌، بل‌ هنا عوالم‌ متباينة‌ يحمل‌ كل‌ منها عنوان‌ المجال‌ الذي‌ يهتم‌ به‌، فاذا كانت‌ مفاهيم‌ الشرق‌ والعالم‌ الثالث‌ والشرق‌ الاوسط‌ متباينة‌ وغير علمية‌، فان‌ مفهوم‌ الاستشراق‌ صار اليوم‌ كذلك‌»  ، في‌ حين‌ ان‌ كثيراً من‌ المقالات‌ الواردة‌ في‌ هذين‌ المجلدين‌ يقصد بالاستشراق‌ الاستعراب‌ «دراسة‌ ونقد أفكار أولئك‌ الذين‌ اهتموا بالشرق‌ الاوسط‌ العربي‌ أو الشرق‌ الادني‌ ـ الشرق‌ العربي‌ ـ» أو الكتّاب‌ الغربيين‌ الذين‌ يكتبون‌ عن‌ الفكر الاسلامي‌ وعن‌ الحضارة‌ الاسلامية‌.

 والسؤال‌ المهم‌ الذي‌ يطرح‌ هنا هو هل‌ ان‌ سبب‌ التركيز هو كون‌ غالبية‌ الكتّاب‌ عرباً أم‌ أن‌ لهذا التركيز والتحديد خلفية‌ علمية‌ يمكن‌ الاعتماد عليها؟.

 بامكاننا أن‌ نجيب‌ عن‌ هذا السؤال‌ من‌ خلال‌ ما ورد في‌ كلام‌ د. شكري‌ النجار عندما يقول‌ : «كان‌ الشرق‌ يعتبر ـ باستثناء الاسلام‌ ـ مجرد امتداد للغرب‌ وتابعاً له‌ ومسرحاً لسيطرته‌، وظل‌ هذا الفهم‌ قائماً حتي‌ القرن‌ التاسع‌ عشر، هذا القول‌ ينطبق‌ علي‌ التجربة‌ البريطانية‌ في‌ الهند والتجربة‌ البرتغالية‌ في‌ جزر الهند الشرقية‌ والصين‌ واليابان‌، والتجربة‌ الفرنسية‌، والتجربة‌ الايطالية‌ في‌ مناطق‌ كثيرة‌ في‌ الشرق‌، ولكن‌ فيما عدا ذلك‌ كان‌ الشرق‌ الاسلامي‌ والعربي‌ هو المنطقة‌ الوحيدة‌ التي‌ كانت‌ تمثل‌ تحدياً سافراً لاوربا، سواء في‌ المجالات‌ السياسية‌ أو الثقافية‌، ولذا كان‌ الاستشراق‌ يتميز خلال‌ مرحلة‌ طويلة‌ من‌ حياته‌، بهذا الموقف‌ المعادي‌ للاسلام‌ والمناوي‌ء للثقافة‌ الاسلامية‌ والعربية‌».

 كما أن‌ د. بطرس‌ حلاق‌ في‌ مراجعته‌ لفكر   لجان‌ بول‌ شارنيه‌ يصف‌ الاستشراق‌ بأنه‌ نمط‌ علاقة‌ بين‌ حضارتين‌ أو بالاحري‌ بين‌ حضارة‌ مركزية‌ والا´خر، والحضارة‌ المركزية‌ تكون‌ الغرب‌ بالذات‌ والشرق‌ هو الا´خر!؟.

 ان‌ هذا الكلام‌ الموجز يوضح‌ لنا سبب‌ اعتبار الاستشراق‌ بمعني‌ الاستعراب‌ للذين‌ يكتبون‌ عن‌ الفكر الاسلامي‌.

 بينما يعتبر ادوارد سعيد أن‌ المستشرقين‌ هم‌ كل‌ أولئك‌ الذين‌ يعنون‌ بالشرق‌ من‌ غير الشرقيين‌.

 ومالك‌ بن‌ نبي‌ في‌ مقالة‌ له‌ تحت‌ عنوان‌ انتاج‌ المستشرقين‌ يحدد مصطلح‌ الاستشراق‌   فيقول‌ : «اننا نعني‌ بالمستشرقين‌ الكتّاب‌ الغربيين‌ الذين‌ يكتبون‌ عن‌ الفكر الاسلامي‌ وعن‌ الحضارة‌ الاسلامية‌»  .

 وعن‌ تعريف‌ أو توصيف‌ المهتمين‌ بالمشرق‌ يقول‌ رضوان‌ السيد في‌ هذا المجال‌: «ان‌ المهتمين‌ بالمشرق‌ قديماً (لنقل‌ منذ القرن‌ الثامن‌ عشر) كان‌
 منهم‌ الرحالة‌ والمبشرون‌ والضباط‌ ورجال‌ الادارة‌ الاستعمارية‌ واللغويون‌ واللاهوتيون‌ والانثروبولوجيون‌ ومؤرخو الحضارات‌ والرومانسيون‌ والاركيولوجيون‌، وأضيف‌ اليهم‌ مطلع‌ هذا القرن‌ التربويون‌ ورجال‌ المخابرات‌ والمؤرخون‌ والاقتصاديون‌، ومتدربو الشركات‌ وخبراء الاسواق‌ التجارية‌ والسياسيون‌ وذوو النوايا الطيبة‌ من‌ المهتمين‌ بحوار الشرق‌ والغرب‌ وعلاقات‌ المسيحية‌ بالاسلام‌
 .

 حدود المفهومية‌ للاستشراق‌

 «غالبية‌ الذين‌ كتبوا في‌ هذين‌ المجلدين‌ يحددون‌ حدود المفهومية‌ للاستشراق‌ في‌ ظل‌ علاقة‌ الغرب‌ بالشرق‌ الاسلامي‌.

 ولتأصيل‌ مسألة‌ الاستشراق‌ في‌ حدودها المفهومية‌، تبرز علي‌ الاقل‌ ثلاثة‌ مفاهيم‌ صالحة‌ للتداول‌ ويعالجهما د. خليل‌ أحمد خليل‌:

 أولها: كون‌ الاستشراق‌ ذا دلالة‌ أكاديمية‌ أي‌ كونه‌ بحثاً جامعياً في‌ معرفة‌ الا´خرين‌.

 ثانيها: كونه‌ أسلوباً فكرياً قوامه‌ تمايزان‌ أساسيان‌، وجودي‌ ومعرفي‌ بين‌ غرب‌ يدّعي‌ أنه‌ يعرف‌ نفسه‌ تماماً ـ بنفسه‌ ـ وبين‌ شرق‌ قابل‌ لمعرفة‌ الغير، وعاجز ذاتياً عن‌ معرفة‌ نفسه‌.

 ثالثها: كون‌ الاستشراق‌ متداخلاً مع‌ بني‌ الدولة‌ الحديثة‌ في‌ الغرب‌ ومتشابكاً مع‌ توجهات‌ المجتمع‌ المدني‌ فيه‌ قد صار مؤسسة‌ مشتركة‌ للتعامل‌ مع‌ الشرق‌  .

 علي‌ أساس‌ هذا التحديد نستطيع‌ أن‌ نقول‌ ان‌ الموضوع‌ الذي‌ يطرح‌ في‌ البداية‌ هو المعرفة‌ العلمية‌ (ابستمولوجية‌) ويعتبر د. خليل‌ أحمد خليل‌ أن‌ المستشرقين‌ أخذوا الانسان‌ الشرقي‌ حداً للاختبار  .

 دوافع‌ الاستشراق‌

 اما دوافع‌ الاستشراق‌ فيمكن‌ أن‌ نحددها علي‌ النحو التالي‌، ولكن‌ قبل‌ ذلك‌ نشير الي‌ أن‌ ميشال‌ جحا أورد في‌ كتابه‌ تحت‌ عنوان‌ «الدراسات‌ العربية‌ والاسلامية‌ في‌ أوربا» دوافع‌ وأسباب‌ متعددة‌ للاستشراق‌ وقد أوجزها يحيي‌ حمود كمايلي‌:

 1 ـ المعرفة‌ العلمية‌: لا تشير الدراسات‌ المتخصصة‌ في‌ الاستشراق‌ بشكل‌ مباشر عن‌ الدافع‌ والسبب‌ العلمي‌ للاستشراق‌، الا أن‌ بعضهم‌ ومن‌ خلال‌ طرح‌ أفكار بعض‌ المستشرقين‌ ذكروا نوايا حسنة‌ وعلمية‌ لهم‌، ومن‌ جملة‌ هؤلاء يعدّ أسماء بعض‌ المستشرقين‌ الروس‌ وبعض‌ المستشرقين‌ الاوربيين‌ أمثال‌ لوي‌ ماسينيون‌.

 2 ـ التبشير: ندد بعض‌ الكتّاب‌ بالطبيعة‌ التبشيرية‌ للاستشراق‌. وأشد ما كتب‌ في‌ هذا المجال‌ مقالة‌ د. محمد البهي‌ تحت‌ عنوان‌ «المبشرون‌ والمستشرقون‌ وموقفهم‌ من‌ الاسلام‌» فهو يعتبر في‌ هذا المقال‌ أن‌ السبب‌ الرئيسي‌ المباشر الذي‌ دعا الاوربيين‌ الي‌ الاستشراق‌، هو السبب‌ الديني‌ في‌ الدرجة‌ الاولي‌ ويصف‌ كلا من‌ التبشير والاستشراق‌ بالاستعمار، ويقول‌ هما يدعوان‌ الي‌ توهين‌ القيم‌ الاسلامية‌ وهذا لم‌ يكن‌ دعوة‌ الي‌ المسيحية‌ والعمل‌ علي‌ ارتداد المسلمين‌ الي‌ النصرانية‌ مباشرة‌، وانما كانت‌ طريقة‌ لتشويه‌ الاسلام‌ ومحاولة‌ اضعاف‌ قيمه‌، ثم‌ تصوير المسلمين‌ في‌ وضعهم‌ الحالي‌ بصورة‌ مزرية‌ بعيدة‌ عن‌ المستوي‌ الحضاري‌ في‌ عصرنا الحاضر  .

 3 ـ الاستشراق‌ السياسي‌: جميع‌ الكتّاب‌ الذين‌ كتبوا عن‌ استعمار الدول‌ الاسلامية‌ طرحوا الاتجاه‌ السياسي‌ أو بالاحري‌ الدور السياسي‌ للاستشراق‌، لذلك‌ يوازي‌ د. رضوان‌ السيد عامل‌ السياسة‌ مع‌ السيوسيولوجيا والاقتصاد، وتضمن‌ مقال‌ تيسير شيخ‌ الارض‌ تحت‌ عنوان‌ «علي‌ هامش‌ الصراع‌ الاوربي‌ الاسلامي‌» عنوان‌ «الاستعمار الاوربي‌».

 4 ـ العداء للمسلمين‌ والعرب‌: يعتبر هذا السبب‌ من‌ أقدم‌ الاسباب‌ لضرورة‌ معرفة‌ الشرق‌ وخرجت‌ في‌ أعقاب‌ الحركة‌ الصليبية‌ في‌ القرن‌ الثالث‌ عشر الميلادي‌، وفي‌ هذا الخصوص‌ كتب‌ د. علي‌ الشامي‌ في‌ مقالة‌ مفصلة‌ تحت‌ عنوان‌ «الحركة‌ الصليبية‌ وأثرها علي‌ الاستشراق‌ الغربي‌» حيث‌ يقول‌ : الحركة‌ الصليبية‌ لعبت‌
 دوراً مركزياً علي‌ مستوي‌ الاحداث‌ العالمية‌ التي‌ تمحورت‌ في‌ بداية‌ العصر
 الوسيط‌ بين‌ أهم‌ قوتين‌، الشرق‌ الاسلامي‌ والغرب‌ المسيحي‌، وخاصة‌ فيما يتعلق‌ بنوعية‌ العلاقة‌ التي‌ ترافقت‌ معها وأعقبتها ومدي‌ تأثيراتها علي‌ الرؤية‌
 المستقبلية‌ لكل‌ منهما.

 والجدير بالذكر أن‌ هذه‌ الحروب‌ والعامل‌ الديني‌ الذي‌ غلفهما وضع‌ جنباً الي‌ جنب‌ رجال‌ الدين‌ ورجال‌ الدنيا، وهكذا استمرت‌ حتي‌ عصر النهضة‌ في‌ أوربا  .

 وفي‌ هذا السياق‌ يدخل‌ الزمن‌ الصليبي‌ في‌ صلب‌ العلاقة‌ التاريخية‌ المتوترة‌ والعدائية‌، التي‌ وضعت‌ الاسلام‌ دائماً في‌ حالة‌ دفاع‌ متواصل‌ ضد الغرب‌ الذي‌ لم‌ يكتف‌ بنتائج‌ معركة‌ بواتييه‌ (بلاط‌ الشهداء).

 والخلاصة‌: ان‌ الاستشراق‌ أراد انتاج‌ نماذج‌ راكدة‌ ثابتة‌ للموضوع‌ الشرقي‌، اضافة‌ الي‌ ما نبه‌ اليه‌ ادوارد سعيد، وهو تحولات‌ المنظومة‌ الاستشراقية‌، اذ نذكر منها بايجاز الاستشراق‌ الجامعي‌، الاستشراق‌ المسيحي‌ الغربي‌ الديني‌، الاستشراق‌ المعلمن‌ المبطن‌، الاستشراق‌ السياسي‌، وهكذا ومن‌ خلال‌ أدب‌ الرحلات‌، والاستشراق‌ الثقافي‌ الشعبي‌ تطورت‌ عمليات‌ البحث‌ عن‌ معرفة‌ الا´خر لقهره‌ وغزوه‌ والاستمرار في‌ استغلاله‌، الي‌ مؤسسة‌ تابعة‌ للدول‌ بأشكال‌ متعددة‌.

 التطور التاريخي‌ لمعرفة‌ الغرب‌ بالشرق‌

 استقطب‌ التطور المعرفي‌ للشرق‌ قسماً مهماً من‌ الدراسات‌ المتخصصة‌ في‌ حقل‌ الاستشراق‌، وكل‌ منهم‌ يقدم‌ قراءة‌ عن‌ هذا الموضوع‌ حسب‌ التعريف‌ المعرفي‌ للشرق‌ والغرب‌ والصراع‌ بينهما...

 علي‌ سبيل‌ المثال‌ قدم‌ د. نقولا زيادة‌ في‌ مقالة‌ تحت‌ عنوان‌ «الغرب‌ يشرق‌» في‌ البداية‌ تعريفاً عن‌ الغرب‌ والشرق‌ الجغرافي‌ ثم‌ تناول‌ خلال‌ مقالتيه‌ بحثاً عن‌ تطور المعرفة‌ الاوربية‌ للشرق‌.

 فهو يعتقد بأن‌ تعرّف‌ الغرب‌ وأوربا بالذات‌ علي‌ الشرق‌ باعتباره‌ الرقعة‌ التي‌ تمتد من‌ سواحل‌ البحر المتوسط‌ غرباً الي‌ البحار الشرقية‌ النائية‌، في‌ الهند والصين‌ وأندونيسيا شرقاً، عبر قرون‌ طويلة‌، وعن‌ طريق‌ عدد كبير من‌ الكتّاب‌ والرحالة‌ والجغرافيين‌ والمؤرخين‌. وكانت‌ الفترات‌ تختلف‌ ووسائل‌ اتصال‌ الاوربيين‌ فيها بهذا الشرق‌ باختلاف‌ الدوافع‌ وتعدد البواعث‌، ويمكن‌ القول‌ اجمالاً بأن‌ الا´لاف‌ من‌ الكتب‌ والنشرات‌ التي‌ وضعت‌ عن‌ هذه‌ المنطقة‌ الواسعة‌ لم‌ تكن‌ جميعها تقدم‌ للقراء حقائق‌ ومعلومات‌، اذ ان‌ الكثير منها وحتي‌ في‌ القرن‌ الرابع‌ عشر مثلاً، كان‌ يحتوي‌ الي‌ جانب‌ الحقائق‌ والمعلومات‌، الكثير من‌ الاساطير والخرافات‌ التي‌ كان‌ الخلف‌ ينقلها عن‌ السلف‌، لا رغبة‌ في‌ تشويه‌ الواقع‌، ولكن‌ لانه‌ كان‌ يعتقد أن‌ هذا هو الواقع‌، ولعل‌ خير ما نفعله‌، هو أن‌ نتابع‌ هذا الامر في‌ عصوره‌ المختلفة‌ بدءاً من‌ التقاليد الكلاسيكية‌ اليونانية‌ الي‌ أن‌ وصلت‌ أوربا، عن‌ طريق‌ البرتغاليين‌، الي‌ الهند ثم‌ نقف‌ عند القرن‌ السادس‌ عشر لنخلص‌ الي‌ ما كانت‌ قد وصلت‌ اليه‌ المعرفة‌ ـ العامة‌ ـ من‌ هذه‌ الرقعة‌ الواسعة‌  .

 كما يتبين‌ من‌ د. نقولا زيادة‌ ان‌ مفهوم‌ الشرق‌ هو مفهوم‌ واسع‌ ويشمل‌ كل‌ الدول‌ الشرقية‌ (الاسلامية‌ وغير الاسلامية‌) وهو انطلاقاً من‌ هذين‌ المفهومين‌ يطرح‌ جزءاً من‌ التطور التاريخي‌ لمعرفة‌ الغرب‌ بالشرق‌.

 وأما في‌ نظر الكتّاب‌ الذين‌ يحصرون‌ مفهوم‌ الشرق‌ بالشرق‌ الاسلامي‌، فانهم‌ يدخلون‌ المفهوم‌ في‌ صلب‌ العلاقة‌ التي‌ وضعت‌ الاسلام‌ دائماً في‌ حالة‌ دفاع‌ متواصل‌ ضد الغرب‌، وفي‌ هذا السياق‌ نفهم‌ ان‌ الحركة‌ الصليبية‌ قد لعبت‌ دوراً مركزياً علي‌ مستوي‌ الاحداث‌ العالمية‌ التي‌ تمحورت‌ في‌ بداية‌ العصر الوسيط‌ بين‌ أهم‌ قوتين‌ «الشرق‌ الاسلامي‌ والغرب‌ المسيحي‌» وخاصة‌ فيما يتعلق‌ بنوعية‌ العلاقة‌ التي‌ ترافقت‌ معها وأعقبتها ومدي‌ تأثيراتها علي‌ الرؤية‌ المستقبلية‌
 لكل‌ منهما.

 في‌ هذا السياق‌ يقول‌ د. علي‌ الشامي‌: «لذلك‌ لم‌ تكن‌ الجهود الاستشراقية‌ التي‌ خرجت‌ الي‌ الوجود في‌ أعقاب‌ الحركة‌ الصليبية‌ في‌ القرن‌ الثالث‌ عشر الميلادي‌، مجرد تخيلات‌ حول‌ الشرق‌ الاسلامي‌ صاغها رحالة‌ أوربيون‌ بقدر ما كانت‌ تتويجاً فكرياً لمرحلة‌ تاريخية‌ هامة‌ سعي‌ الاستشراق‌ البدائي‌ لتصويرها بشكل‌ معاكس‌، انتصار الغرب‌ المنهزم‌ وهزيمة‌ الاسلام‌ المنتصر  .

 لقد لعبت‌ الحروب‌ الصليبية‌ دوراً مركزياً في‌ تعبئة‌ الايديولوجية‌ والعرفية‌ ابان‌ الحروب‌ الهائلة‌ بين‌ الاسلام‌ والغرب‌. وعندما نراجع‌ التاريخ‌ يهمنا أن‌ نعرف‌ اولاً سبب‌ انتاج‌ هذه‌ العصبية‌؟

 كثير من‌ الباحثين‌ يقول‌ ان‌ الحركة‌ الصليبية‌ هي‌ المسؤولة‌ عن‌ عصبية‌ الغرب‌ تجاه‌ الاسلام‌، عصبية‌ لم‌ تظهر حدتها وسلبياتها سوي‌ في‌ الاطار الذي‌ رسمته‌ أوربا لنفسها، سياسياً وجغرافياً وأيديولوجياً، وذلك‌ منذ أواخر القرن‌ الحادي‌
 عشر الميلادي‌.

 يقول‌ د. علي‌ الشامي‌: «من‌ يراجع‌ تاريخ‌ القرون‌ الاربعة‌ الفاصلة‌ بين‌ بدء الدعوة‌ الاسلامية‌ وقدوم‌ الحملة‌ الصليبية‌ الاولي‌، فانه‌ يلحظ‌ علامة‌ واضحة‌ ربطت‌ مسيحي‌ الشرق‌ بالمشروع‌ الاسلامي‌، ويشهد انفتاحاً حضارياً تاماً من‌ قبل‌ الاسلام‌ تجاه‌ الغرب‌ المسيحي‌ المتطلع‌ بلهفة‌ وحذر نحو حدود الاندلس‌. من‌ جهتها لم‌ تكن‌ العصبية‌ الاسلامية‌ المعادية‌ للغرب‌ وليدة‌ تحول‌ داخلي‌ في‌ مسار الدعوة‌ الاسلامية‌ بقدر ما كانت‌ نتاجاً طبيعياً لفعل‌ الغرب‌ نفسه‌، فالعصبية‌ الاسلامية‌ العامة‌ التي‌ نمت‌ وتشكلت‌ في‌ المراحل‌ الاولي‌ لانتشار الدعوة‌، لم‌ تأخذ اطلاقاً صورة‌ عدائية‌ تجاه‌ المسيحية‌، فهي‌ (أي‌ العصبية‌) لم‌ تتطور علي‌ قاعدة‌ العداء للاديان‌ أو للشعوب‌ الاخري‌ وسعت‌ عملياً نحو هدفين‌ متلازمين‌، تأمين‌ وحدة‌ الجماعة‌ ومواصلة‌ نشر الدعوة‌، أما تحولها الي‌ عصبية‌ دفاعية‌، فانه‌ يعود أساساً الي‌ الشكل‌ الذي‌
 اتخذته‌ ردة‌ الفعل‌ الاسلامي‌ تجاه‌ المشروع‌ الصليبي‌، بشكل‌ حوّل‌ بدوره‌ ردة‌ الفعل‌ الي‌ فعل‌ واعٍ، أسس‌ لاحقاً مرتكزاً تاريخياً هاماً من‌ مرتكزات‌ الموقف‌ الاسلامي‌
 تجاه‌ الغرب‌
 .

 وردة‌ الفعل‌ الاسلامي‌ لم‌ تكن‌ ضد المسيحية‌ بل‌ ضد الغرب‌ الذي‌ تقنع‌ بالمسيحية‌، لان‌ علاقة‌ الاسلام‌ بالمسيحية‌ ـ خاصة‌ المسيحية‌ الشرقية‌ ـ لم‌ تكن‌ مصدر قلق‌ دائم‌ بالنسبة‌ للمسلمين‌، ولذلك‌ نقل‌ ول‌ ديورانت‌ الحقيقة‌ نفسها وأرفقها باعجاب‌ وتقدير، فلم‌ يتردد في‌ اعتبار تسامح‌ الاسلام‌ تجاه‌ المسيحيين‌ اكثر تسامحاً من‌ المسيحيين‌ أنفسهم‌، وبهذا المعني‌ يقول‌ : «لقد كان‌ أهل‌ الذمة‌ المسيحيون‌ والزردشتيون‌ واليهود والصابئون‌ يتمتعون‌ في‌ عهد الخلافة‌ الاموية‌ بدرجة‌ من‌ التسامح‌، لانجد لها نظيراً في‌ البلاد المسيحية‌»  .

 علي‌ هذا الاساس‌ خرجت‌ العصبية‌ الاسلامية‌ من‌ رحم‌ العنف‌ الصليبي‌، الذي‌ وحدّت‌ أهدافه‌ بين‌ المسيحية‌ الغربية‌ والسيطرة‌ علي‌ الشرق‌.

 أما بعض‌ المؤلفين‌ في‌ الشرق‌ فقد درسوا جزءاً محدداً من‌ التطور التاريخي‌ لمعرفة‌ الغرب‌ بالشرق‌، فمن‌ جملة‌ هذه‌ المؤلفات‌ مقالة‌ ترجمها د. رضوان‌ السيد عن‌ ريتشارد سودرن‌، حيث‌ درس‌ السيد الفترة‌ الممتدة‌ من‌ القرن‌ الحادي‌ عشر الميلادي‌ الي‌ الثالث‌ عشر الميلادي‌ تحت‌ عنوان‌ «صورة‌ الاسلام‌ في‌ أوربا في‌ العصور الوسطي‌ حقبة‌ التعقل‌ والامل‌».

 وفي‌ هذه‌ الدراسة‌ يكتشف‌ القاري‌ مقدار الخطأ الذي‌ كان‌ متولداً لدي‌ الاوربيين‌ فيما خص‌ المفاهيم‌ والمعتقدات‌ الاسلامية‌، فعلي‌ سبيل‌ المثال‌ عندما نطالع‌ هذه‌ الفترة‌ نجد هنا أول‌ أوربي‌ يؤكد أن‌ المسلمين‌ لا يعبدون‌ محمداً بل‌ يعتبرونه‌ نبياً وصاحب‌ رسالة‌، وجاءت‌ كتابات‌ جلهم‌ هذه‌ في‌ حدود العام‌ 1120م‌ عندما كان‌ تزييف‌ الاسلام‌ والروايات‌ الخيالية‌ حوله‌ تقارب‌ الذروة‌، اذ يتبادر الي‌ الاذهان‌ كيف‌ كان‌ فهم‌ الاوربيين‌ للمعتقدات‌ الاسلامية‌ شنيعاً وبعيداً عن‌ الواقع‌.

 وكذلك‌ يذكر في‌ هذه‌ الرسالة‌ مدي‌ أهمية‌ الترجمة‌ الاولي‌ للقرآن‌ الكريم‌ الي‌ اللاتينية‌ ويقول‌ : «وسيظل‌ دير كلوني‌ ـ Cluny  معلماً تنويرياً في‌ تاريخ‌ العلاقة‌ بين‌ المسيحية‌ والاسلام‌، للعمل‌ الضخم‌ والمتقدم‌ الذي‌ قام‌ به‌ رئيسه‌ بطرس‌ المبجل‌ ـ  Petrus Rener Allis  عندما رعي‌ أول‌ ترجمة‌ للقرآن‌ الي‌ اللاتينية‌، فهذه‌ الترجمة‌ التي‌ قام‌ بها العالم‌ الانجليزي‌ روبرت‌ كتون‌ ـ  Pobert Ketton  ومولّها بطرس‌ المبجل‌ (أنجزت‌ في‌ شهر يوليو 1143م‌) شكّلت‌ المعلم‌ البارز والاساس‌ في‌ مجال‌ الدراسات‌ الاسلامية‌ بأوربا الغربية‌  .

 ريتشارد سودرن‌ خلال‌ دراسته‌ يشرح‌ آثار دخول‌ المغول‌ الي‌ المسرح‌ السياسي‌ التاريخي‌ ومدي‌ تأثيره‌ علي‌ العلاقات‌ بين‌ اوربا والاسلا&#