الفقيه .. المفكر .. المثقف المصطلح و اشكاليه التفكيك

 

     من القضايا المهمه المطروحه على طاوله البحث و الحوار، في ساحتنا الاسلاميه، ولاسيما في المنتديات الخاصه، قضيه الآفاق الثقافيه و اتجاهات الوعي لدى كل من الفقيه و المفكر و المثقف الاسلامي، و التي لاتزال تشغل اصحاب الاهتمام و الاختصاص في الساحه الاسلاميه، و على اعلى المستويات، بالنظر لحساسيه نتائجها و خطورتها؛ لأنها، تدخل في تحديد جانب كبير من مصير الامه الاسلاميه، حاضراً و مستقبلاً. هذه القضيه يمكن تقسيمها الى ثلاثه محاور رئيسه، متداخله و مترابطه فيما بينهما، و تتمثل فيما يلي:

     - اتجاهات الوعي لدى كل من الفقيه و المفكر و المثقف، اي الجانب النظري في المسأله الثقافيه.

     - التخصصات و الادوار الاجتماعيه لكل من الفقيه و المفكر و المثقف، اي جانب الممارسه و التطبيق في المسأله الثقافيه.

     - علاقه تلك الاتجاهات و التخصصات و الادوار بعضها ببعض، و اسس التكامل بينها واطره.

     هذه المحاور، افرزت مجموعه اشكاليات، نطرحها هنا، ليس لغرض المعالجه، بل لاثارتها و رسمٍ هيكلها العام و بلوره منهجها بلغه موضوعيه، تمهيداً لمعالجتها جذرياً من قبل المتخصصين. و تتلخص هذه الاشكاليات في:

     - بعض الفقهاء الذين لايعون العصر، و لايعالجون قضايا الواقع، أو يعالجونها باساليب لاتأخذ تحولات الموضوعات و ظروفها الزمانيه و المكانيه بنظر الاعتبار.

     - بعض المفكرين الاسلاميين الذين لايمتلكون ادوات الاجتهاد، و يؤسسون و ينظرون دون ان تتوافر لديهم امكانيه الاستنباط من النصوص الشرعيه، في مجالات العقيده و الفقه.

     - بعض المثقفين الاسلاميين الذين لايعون التراث و اهميته، و لايمتلكون امكانيه الاستفاده منه، و يعالجون قضايا اسلاميه بحاجه الى تخصص او الى حاله قريبه من التخصص.

     ففي واقعنا الاسلامي هناك من يتصور بأن التراث الفقهي و العلوم الاخرى المرتبطه به ارتباطاً وثيقاً كأصول الفقه و علوم القرآن و علوم الحديث و علوم اللغه هو محور تخصص الفقيه. و ان الفكر المعاصر و التراث الكلامي و الفلسفي هو محور تخصص المفكر. و تبقى ثقافه العصر و تياراتها المختلفه هي من تخصص المثقف.

     هذا الواقع يعكس نقصاً اساسياً في ثقافه كل من الثلاثه، على اعتبار ان الفقيه الذي لايعي العصر و تحولاته؛ لايمكنه معالجه قضاياه معالجه تنسجم مع الواقع. و المفكر الاسلامي الذي لايمتلك ادوات الاستنباط، اي القدره الكامله على فهم النص المقدس و التراث الفقهي و العلوم المرتبطه به؛ لايمكنه التنظير و التأسيس الفكري في مختلف المجالات. و المثقف الاسلامي الذي لايعي التراث و علومه و لايقدر على استيعابه؛ لايمكنه مماسه دوره الحقيقي في النقد و التغيير و التوعيه.

     و في قبال ذلك، هناك من المتهمين من يقول بضروره اتخاذ اجراء احترازي، لاقتلاع جذور النقص من اساسها ..

     و يتمثل هذا الاجراء في ادخال تعديل على مفاهيم و مصطلحات كالفقيه و المجتهد و المفكر و الخبير و المثقف الخ، و اضافه قيود موضوعيه و شروط جديده لها. فمثلاً وعي العصر و ثقافاته و تحولاته، و فهم قضايا المجتمع و حاجاته في مختلف المجالات، الى مستوى القابليه الكامله على تحديد مصالح المجتمع، هي من شروط اطلاق لقب فقيه او مجتهد على المتخصص في العلوم الدينيه. و القدره على فهم النص و التراث فهماً علمياً و الإفاده منهما في بناء النظريه، الى مستوىً يقترب من الاستنباط، هي من الشروط التي يجب توافرها في المفكر الاسلامي. و وعي التراث و استيعاب علومه، بمقدار فهمها، و ليس التخصص فيها، هي من شروط اطلاق لقب مثقف اسلامي على اي مثقف.

     هذه الاشكاليات سنحاورها و نستنطقها عبر اربعه محاور مستقله:

     - مصطلحات الفقيه و المفكر و المثقف، و اشكاليه التفكيك بينها (المدخل).

     - اشكاليه وعي التراث و العصر لدي الفقيه و المفكر و المثقف (جانب النظريه).

     - اشكاليه التخصص و الادوار (جانب الممارسه).

     - اسس التكامل واطره (المعالجه).

     و سنتناول هنا المحور الاول، و نترك الاخرى لكلمات قادمه ..

     قد يثار سؤال معرفي حول دوافع و اسباب الفصل و التفكيك في المصطلح بين المثقف من جانب، و الفقيه و المفكر من جانب آخر، في تناولنا لمجمل الاشكاليات و عنونتنا إيّاها، على اعتبار ان المدلول المعرفي العام لمصطلح المثقف يشتمل على الفقيه و المفكر ايضاً. و على حد تعبير بعض علماء الاجتماع من ان مصطلح المثقف يستوعب جميع منتجي الافكار و ناشريها و حملتها و مستهلكيها، بمن فيهم علماء الدين و الادباء و الكتاب و الاعلاميين و الفنانين، بل و جميع خريجي الجامعات و المتعلمين تعلماً مرموقاً. و لكن لجوءنا الى الفصل له اكثر من سبب و دافع موضوعي، يرتبط مباشره بواقعنا الاسلامي، اذ ان المدلول العام لمصطلح المثقف اذا ما طبقناه على الفقيه و المفكر يواجه اشكاليات تخصصيه و اجتماعيه، و ربما دينيه، في واقعنا الاسلامي. و دراسه الاشكاليات و معالجتها مهما كانت يجب ان تنطلق من البيئه و الواقع اللذين يحكمان الاشكاليه، دون اللجوء الى استعاره معادلات او مفاهيم و مصطلحات من بيئات اخرى، و اِن اطلق عليها اصحابها صفه العلم و المعرفه. و قد يكون مصطلح المثقف يستوعب الثلاثه من الناحيه النظريه البحته (اللغويه مثلاً او المعرفيه)، و لكنه تطبيقياً يواجه الكثير من العقبات في واقعنا الاسلامي. و من هنا كان ضرورياً اعتماد المداليل الخاصه المنبثقه من الواقع و التي تضع فروقات واضحه على مستوى المفهوم و الاصطلاح و المعنى بين كل من الفقيه و المفكر و المثقف، و تقسِّمهم الى ثلاث فئات.

     و ربما نستطيع ان نستفيد من قول الامام علي (ع): «الناس ثلاثه: فعالم رباني، و متعلم على سبيل نجاه، و همج رعاع أتباع كل ناعق »، في تأكيد واقعيه الفصل بين الفقيه و المثقف و بعده التاريخي. فالامام (ع) يفرِّق هنا بين العالم الرباني (الفقيه) و المتعلِّم (المثقف).

     هذا التقسيم له حضور مشهود في تاريخنا الاسلامي، حتى انه أخذ يتبلور و يأخذ شكلاً شبيهاً بالقانون الاجتماعي. فبعد ظهور المذاهب الفقهيه و الكلاميه، حصل الانقسام بين الفقهاء و المتكلمين و الامراء. ثم تبلور التفكك في فئات العلماء و المثقفين، بعد الهزات الاجتماعيه والآيديولوجيه و العلميه التي عُرِّض لها العالم الاسلامي، جراء الانقسام الواضح بين العلوم العقليه و العلوم النقليه، فضلاً عن الانقسام بين مجموع العلوم النقليه نفسها و مجموع العلوم العقليه ايضاً، فظهرت فئه الفقهاء، امثال عبدالله بن اباض و ابي حنيفه النعمان و زراره بن اعين، و فئه المتكلمين، كواصل بن عطاء و هشام بن الحكم و الاشعري، ثم فئه الفلاسفه الموسوعيين، كالفارابي و ابن سينا و ابن رشد، و فئه علماء الطبيعيات، كجابر بن حيان و البيروني و الرازي، و فئه المؤرخين و اصحاب المغازي، كابن الاثير، و فئه الادباء و الكتاب الموسوعيين، كالجاحظ و ابي حيان التوحيدي، و فئه اللغويين، و فئه الشعراء، و المفسرين، و رواه الحديث الخ. و على وفق ذلك، امكن تقسيم هذه الفئات الى ثلاث طبقات رئيسه:

     1- طبقه الفقهاء، و تضم فئتي الفقهاء (او المجتهدين و اصحاب الفتوى) و المحدِّثين.

     2- و طبقه المفكرين: و تضم المتكلمين و الفلاسفه.

     3- و طبقه المثقفين، و نجد نماذج لها في بعض المؤرخين و الادباء و اللغويّين.

     و بديهي فان هذا التقسيم لم يكن موجوداً آنذاك، بل لم يكن هناك ما يصطلح عليه الآن بـ«المفكر» و «المثقف». بل عمدنا الى ذلك التقسيم للتدليل على حضوره التاريخي، و على ضرورته موضوعياً بالنسبه الى واقعنا الاسلامي.

     و بعد التطورات العلميه المستمره التي شهدها العالم، و ظهور التخصصات، ولاسيما بعد ما عرف بالنهضه الاوربيه، و انتقام عدوى العلمنه و التغرب الى عالمنا الاسلامي، و الاستقلال المتواصل للعلوم و المعارف عن بعضها: العلوم الدينيه (النقليه)، العقليه، الاجتماعيه، التطبيقيه البحته، و حسب عالم الاجتماع الألماني «ماكس فيبر» الذي عبّر عن هذا التحول التاريخي الكبير على مستوى العلوم و المعارف بـ«خيبه العالم»، اصبح التخصص و انفصال العلم الواحد عن الآخر واقعاً قائماً.

     و لكنهم في الغرب اختزلوا كل تلك المعاني و المداليل المختلفه في مصطلح واحد، اصبح له بعد معرفي، و هو (Cultured) الذي ترجم الى كلمه «المثقف» بعد انتقال المصطلح الى عالمنا الاسلامي، و معه انتقلت مداليله و فضاءاته التي تستوعب جميع الفئات الاجتماعيه المتخصصه- علمياً و المتعلمه.

     من خلال ما سبق، نرى لزاماً تحديد مفهوم المصطلحات التي احتواها العنوان، لفهم المراد منها هنا، لأنها تكاد تكون عائمه احياناً او تستخدم استخدامات خاصه في بعض المدارس الفكريه و الثقافيه، و لاختلاف تعريفاتها و مفاهيمها من مدرسه الى اخرى، بل احياناً من مفكر و كاتب الى آخر.

     التعريفات الخاصه التي نطرحها هنا، ربما يكون جانب منها مجازياً، و لكن القاعده هي ان المصطلحات كثيراً ما تبدأ مجازيه ثم تنتهي حقيقيه.

     الفقيه، هو متخصص في الفقه الاسلامي و صاحب رأي في احكامه، اي انه قادر على استنباط الحكم الشرعي من مصادر التشريع، من خلال فهم النصوص المقدسه و المراد منها فهماً علمياً دقيقاً خاضعاً للقواعد المثبته في علوم القرآن (تفسير آيات الاحكام، الناسخ و المنسوخ و غيرهما). و علوم الحديث (الدرايه، الرجال و غيرهما) و علم اصول الفقه، اضافه الى علوم اللغه العربيه، ثم استخراج الاحكام الشرعيه في جميع مجالات الحياه التي يستوعبها الفقه الاسلامي. و اصطلاح المجتهد يرادف اصطلاح الفقيه، رغم ان بعض المتخصصين يعطي للفقيه دائره أوسع و اكثر عمقاً في التعامل مع الفقه. و الفقيه هو مشروع:

     - مرجعيه دينيه في الفتوى.

     - ولايه و قياده للأمه.

     و من هنا، فالفقهاء هم مراجع الامه و قادتها في الدين و الدنيا.

     و المفكر، متخصص في الفكر الاسلامي، و صاحب رأي في مجالات العقيده و علم الكلام و الفكر المقارن، من خلال تعمقه في الافكار الاخرى، ولاسيما المعاصره، و يمتلك القدره على تحليلها و محاكمتهما، و التأسيس للأفكار و النظريات الاسلاميه الجديده. فالمفكرون اذن هم نخبه الامه و من منظري حركتها في الحياه.

     اما المثقف الاسلامي، فهو المطّلع الى حد الاستيعاب على الواقع و تطوراته و تياراته الاجتماعيه و الفكريه و الثقافيه و العلميه. و هو لايمتلك رأياً فقهياً او فكرياً ابداعياً خاصاً به تمييزاً له عن الفقيه و المفكر -، بل انه يحمل الأفكار و يستهلكها و ينشرها و يشرحها في هذين المجالين، اي انه يتحرك في اطار مرجعيه علميه و فكريه، تحركاً واعياً و هادفاً و تكاملياً. و المثقف نوعان:

     - موسوعي، و هو الملم بأكثر من مجال ثقافي، كالكاتب و الصحافي و الأديب الخ.

     - تخصصي، و هو المتخصص في احد العلوم الانسانيه، كالاجتماع، و السياسه الخ.

     و تاكيد مصطلح «المثقف الاسلامي» و ليس المثقف «المسلم» هنا، هدفه التفريق في المدلول و المفهوم و الدور بين المثقف الذي يمتلك هويه ثقافيه معيّنه، و ينتسب للاسلام وراثياً، فلايشكل الاسلام بالنسبه له هويه آيديولوجيه، اي ان كلمه «المسلم» هنا لها بعد اجتماعي و قانوني فقط. و بين المثقف الذي يتبنى الاسلام نظاماً حياتياً متكاملاً، و يشكِّل الاسلام بعداً آيديولوجياً في شخصيته، و يتحرك اجتماعياً و ثقافياً على وفق هذا الانتماء.

     و بناءً على ما سبق، فالمثقفون الاسلاميون هم طليعه الامه و الجهاز التنفيذي لحركتها.

     و التفصيل في ثقافه الفقيه واقعاً و طموحاً، و علاقه ذلك بتحولات العصر، و بدور الزمان و المكان في تغيير موضوعات الاحكام، و ضروره انفتاح الفقيه على ثقافه العصر و مجالاتها و تياراتها، و تخصص المفكر، و اقترابه من الاجتهاد، و ضروره تعمقه في العلوم التي تدور حول محور الفقه، و تفقه المثقف، و استيعابه للتراث الاسلامي الفقهي و العقيدي و الفكري، سيكون مخصصاً للكلمه القادمه باذن الله تعالى.