الحجّ الإبراهيمي والحجّ الجاهلي

صادق آئينه وند

المقدمة :

إنّ أُصول الحج الإبراهيمي : هي تلك التي شرّعها الدين المبين ، ومن الصعب الوصول عبر النصوص والوثائق الباقية باستثناء القرآن الكريم إلى شيء يمكنه رسم حقيقة تلك الأصول . ولكن في ضوء تعدد التفاسير، التي تقدمها المذاهب الاسلامية حول أداء الحجّ وفق نهج إبراهيم الخليل(عليه السلام)، وكما يدعو إليه الدين المبين ، وبالتحديد ما يتعلّق بالنواحي السياسية والاجتماعية والتولّي والتبرّي ، نجد من المناسب البحث فيما وصل إلينا عن شعائر الحج الابراهيمي ومناسكه ، خصوصاً وأنّ هذه التفاسير لم تكن بمنأى عن التأثر بتقادم الأزمنة وهيمنة الأمويين والعباسيين ، والأجواء السياسية والاجتماعية التي ترتبت على سلطة كلّ منهما، علاوة على انحياز بعض العلماء والفقهاء الذين عدوّا أنفسهم مرتبطين بجهاز الحكم إبّان العهدين الاموي والعباسي.

إنّ ما يمكنه تفصيل الحجّ الابراهيمي ، ونفخ الروح والمحتوى فيه ، هو المضامين والمناسك ، والتي يجب دائماً التمسك بها واللجوء إليها، وبالحضور الديني بالحج تحقيق صدور رؤية إبراهيم الخليل(عليه السلام) ومحمّد الحبيب(صلى الله عليه وآله) . وإلاّ فانّ التمسك الظاهري في إقامة المراسم والمواسم يذكّر بالحجّ السهل الذي ادّاه أبوسفيان أيضاً. لأنّ الحجّ بالمعنى العامّ لا يختصّ به الاسلام ، إنّ ما أمر به الاسلام وأصرّ عليه ، هو الحجّ الابراهيمي من بين الحجّ الجاهلي والحجّ الحنيفي والحجّ الصابئي.

حجّ إبراهيم(عليه السلام) :

«والشائع في الأخبار والروايات والعربية القديمة أنّ الحجّ ، على زمن إبراهيم(عليه السلام)، كان يعنى قَصْد كعبة مكّة والطَّواف بالبيت والتلبية وقضاء بقية المناسك ، ثم جاءت الوثنية بأصنامها وبيوتها وعباداتها فصار الحجُّ يشملها أيضاً 1 .

{ وَإذْ بَوّأْنَا لإبْرَاهيِمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَن لاَ تُشْرِكْ بي شَيْئاً وَطَهِّرْ بَيْتي لِلْطَّآئِفينَ وَالْقائِمينَ والرُّكَّعِ السُجُودِ * وَأَذِّنْ في النّاسِ بِالحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالاً وَ عَلى كُلِّ ضَامِر يأْتيِنَ مِنْ كُلِّ فَجّ عَميق}2

«أنّ إبراهيم وإسماعيل(عليهما السلام) هما اللّذان بنيا الكعبة بيت عبادة لله، وأنّ حرمة الكعبة ومنطقة مكّة وتقاليد الحجّ وطقوسه المتنوعة في هذه المنطقة من سنن إبراهيم» 3 .

وقد أخذ الاقوام الآخرون ـ الذين عاشوا بألف سنة قبل ميلاد المسيح(عليه السلام) ـ بهذه السُّنة ؛ فكانوا يراعون حرمة مكة والحرم.

يخمّن خبراء الكتاب المقدّس (العهد القديم والجديد) والمتخصّصون في الأديان ، أنّ إبراهيم وإسماعيل(عليهما السلام) عاشا نحو ألفي عام قبل الميلاد ، وبذلك يكون قد مضى نحو40 قرناً على الظهور الحديث للكعبة بالبناء الإبراهيمي.

وعندما تحدّث ديو دورس سيسيلي الذي عاش في القرن الأول قبل الميلاد ، عن الأنْبَاط ، أشار إلى الكعبة بقوله : «إنّه مكان مقدّس له حرمة وشهرة بين جميع العرب ، هو مكّة»4 .

يعتقد بعض الباحثين ، أنّ مفردة «مَكُورابا» والتي تلفظ في اليونانية «مقوروبا» والتي أراد بها اليونانيون اسم مدينة ، وتعني مكان التقرّب لله ، تعني مكة . معلوم أنّ كلمة «مَكْرُب» هي مفردة دينية قديمة استعملت قبل ألف عام من تأسيس حكومة السبأ.

وقد أشار بَطْلَميوس  الفلكي والجغرافي الذي عاش في القرن الثاني للميلاد إلى هذه المفردة 5 .

على هذا الأساس يمكن القول : إنّ مفردة «مكة» تمثّل صفةً ونعتاً لبيت الله ولا تعني اسماً خاصاً. لكنّها أثر الاستعمال والشهرة حلّت مكان الاسم ، مثل القدس إذ حلّت الصفة محلّ اسم العلم . وكلمة «بكّة» تعادل «مكّة» ، فحسب رأي الدكتور جواد علي أنّ الكلمتين تمثلان تسميةً واحدةً ، ففي لهجات القبائل تأتي الباء بدل الميم بالقلب والابدال ، وبخاصّة في لهجات جنوب الجزيرة العربية 6 .

يرى بعض المحققين أنّ مفردة «بكّة» تعني الوادي.

{ إنّ أوّل بيت وضع للناس للذي ببكّة مباركاً وهُدًى للعالمين }.

جاء في القاموس : «بكّةُ» تقال لمكّة ، أو لما بين جبليها ؛ نرى أنّ مفردة «بَكْ» سامية قديمة ، وكلمة «بُقعاه» عبرية، وتعني الوادي، وقد أُطلقت على الوادي الواقع بين لبنان الساحلي ولبنان الشرقي، والذي أسماه الروم سورية المنخفضة.

«وإنّ مدينة بعلبك مشهورة ، وهي من الكلمات المركبة تركيباً مزجياً من «بعل» [إله قديم ] و «بك» [الوادي] ومعنى بعلبك إله الوادي» 7 : وهو نفس الاسم الذي أُطلق على هذه المدينة تيمّناً بـآلهة الساميين المعروفة، ويُطلق اليوم على هذا الوادي اسم البقاع ، والذي يمرّ نهر الليطاني عبره.

أطلق القرآن الكريم على مكّة اسم « اُمّ القرى » 8 و«قرية » 9، قارنها بالطائف : { وَقَالُوا لَوْلاَ نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلى رَجُل مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظيم } 10

وقد ذكر أغلب المفسرين أنّ المراد من القريتين هما مكّة والطائف11 .

وقال المسعودي في مروج الذهب : « وقد كان إبراهيم قدم إلى مكّة ولإسماعيل ثلاثون سنة حين أمره ببناء البيت »12 .

إنّ ما يسترعي الاهتمام من الناحية التاريخية ، هو ما نقله مينغانا  عن راهب سرياني يدعى نَرْسَيْ بشأن نزاع أولاد هاجر في (بيت عربايه) في الحدود الشاميه ، وهذا الخبر يمثل أوّل نقل عن شخص من أهل الكتاب ( تُوفّي في سنة 485 للميلاد) أفاد فيه بوجود قريش في شمال الجزيرة ، وهو يتطابق مع ما أورده النّسابون واْلأَخباريون العرب ، في إرجاع نسب قريش إلى إسماعيل(عليه السلام)13 .

جاء في الآيات (150 ـ 140) من سورة البقرة المباركة والتي استنكرت دسائس اليهود بين المسلمين بشأن تغيير القبلة من القدس إلى الكعبة ، قوله تعالى : { وإنّ الذين أُتوا الكتاب ليعلمون أنّه الحقّ من ربّهم وما الله بغافل عمّا يعملون } 14 .

وفيه إشارة قبل كلّ شيء إلى علم اليهود بأفضلية الكعبة وأقدميتها، كقبلة ، ممّا يعني أنّهم كانوا يقرون قبل ظهور الاسلام بفضائلها وسوابقها واتصالها بابراهيم(عليه السلام) وقد حدّثوا العرب بذلك.

لم يسجّل التاريخ ما يقود إلى اليقين في الحجّ الابراهيمي الصحيح غير ما علّمه القرآن الكريم.

والحجّ الحنيفي الذي يدّعي محاكاة حجّ ابراهيم(عليه السلام) فعلاوة على أنّه جُعل ليقابل حجّ المشركين وعُمل به في أجواء الشرك الجاهلي ، فهو غير واضح ، كما أنّ شبهة الشرك تكتنفه في بعض الحالات.

في عقيدتنا أنّ الحجّ الابراهيمي هو حجّ الاسلام ، إلاّ أنّ قيمة هذا الحجّ ومكانته تُدرَك عندما نتعرّف على الحجّ الجاهلي وحجّ المشركين ، ونجري مقارنة بينهما، كي لا تتحرك ـ والعياذ بالله ـ تلك الرواسب الباقية في أذهان المسلمين ، وتطرح مقابل الحجّ الابراهيمي الذي أمر به القائد الكبير للثورة ومؤسّس الجمهورية الاسلامية في إيران سماحة الامام الخميني قدّسنا الله بسره العزيز وأُقيم للمرة اْلأوُلى في هذا العصر.

لم يتّفق المؤرّخون السابقون على رأي واحد بشأن دخول الشرك وانتشاره في الجزيرة العربية ، فبعضهم مثل هشام الكلبي رأى في كتاب «الأصنام » :« أنّ إسماعيل بن إبراهيم (صلّى اللهُ عليهما) لما سكن مكة وولد له بها أولاد كثيرةٌ حتى ملأوا مكة ونفوا من كان بها من العماليق ، ضاقت عليهم مكة ووقعت بينهم الحروب والعداوات وأخرج بعضهُم بعضاً، فتفسَّحوا في البلاد لالتماس المعاش.

وكان الذي سَلَخ بهم إلى عبادة الأوثان والحجارة أنّه كان لا يظعنُ من مكة ظاعنٌ إلاّ احتمل معه حَجَراً من حجارة الحرم ، تعظيماً للحرم وصبابةً بمكّة »15 .

وقد أدّى هذا العمل على المدى الطويل إلى نشوء صناعة الأصنام ، وعبادتها وبالتالي ساد الشرك الجزيرة.

وكانوا في ديار الغربة يدورون حول هذه الأصنام ، ويطوفون حولها كما يطوفون حول الكعبة . إلاّ أنّ هشام يضيف قائلاً : «وهم بعدُ يعظمون الكعبة ومكّة ، ويحجّون ويعتمرون ، على إرث إبراهيم وإسماعيل(عليهما السلام)»16 .

وفي الأسباب الكامنة وراء الميل نحو الشرك وتغلّبه على دين إبراهيم ، رأى هشام أنّها تتمثّل في توغّلهم واهتمامهم الشديد بالأصنام ، موضّحاً أنّه رغم كلّ ذلك كانت ثمّة بقايا مناسك من عهد إبراهيم و إسماعيل(عليهما السلام) قام أهل الجاهلية بأدائها بعد أن مزجوها بتقاليد الشرك ، فبدأ الحجّ الجاهلي بمعناه الدقيق من ذلك الحين :

«وفيهم على ذلك بقايا من عهد إبراهيم وإسماعيل(عليهما السلام) يتنسّكون بها : من تعظيم البيت ، والطواف به ، والحجّ ، والعمرة ، والوقوف على عرفة ومزدلفة ، وإهداء البُدن ، والإهلال بالحجّ والعمرة ، مع إدخالهم فيه ما ليس منه »17 .

مناسك الحجّ في الجاهلية :

كان الحجّ في الجاهلية يبدأ من اليوم التاسع من شهر ذي الحجّة ، عندما تشارف الشمس على الغروب ، وقبله يجتمع الناس لأغراض التجارة في سوق عكاظ خلال شهر ذي القعده لمدة عشرين يوماً، يتوجّهون بعد انقضائها إلى سوق المَجنّة، حيث يمكثون فيه حتى نهاية الشهر وهم يمارسون معاملاتهم التجارية ، وإذا هلّ هلال ذي الحجّه انطلقوا إلى ذي المجاز ليواصلوا فيه البيع والشراء على مدى ثمانية أيام ، وفي اليوم التاسع ينادي المنادي فيهم : «تروّوا بالماءِ لأنّه لا ماءَ بعرفة ولا بمزدلفة ».

وبهذه المناسبة سُمي هذا اليوم بيوم التروية ، وهو اليوم الذي ينتهي فيه موسم أسواق الحجّ الجاهلي18 .

في اليوم التاسع من ذي الحجّة يصل الحجاج إلى عرفة ، ويرتدون اللباس الخاصّ بالحج كما أورد الجاحظ : « كانت سيماء أهل الحَرَم إذا خرجوا إلى الحِلَّ في غير الأشهر الحرم ، أن يتقلّدوا القلائد ويُعلِّقوا عليهم العلائق ، فإذا أَوْ ذَمَ أحدهم الحجّ ، تزيّا بزيّ الحاج »19 .

ويقومون بالتلبيد قبل ذهابهم إلى المواقف . والتلبيد عبارة عن وضع الحاجّ مزيجاً من الخطمي والآس والسدر ومادة صمغية على شعر رأسه وذلك للحيلولة دون تسريحه ودون قتل القمل ، وقد وصف امية بن أبي الصلت الحجاج الذين تلبّدوا بقوله :

شاحِينَ آباطَهُم لَمْ يَنْزِعوا تَفَثاً

ولَم يَسُلُّوا لَهُم قُمْلاً وصِئْباناً20

المواقف :

الموقف الأوّل، هو عرفة كما ذكرنا إذ يصلونه في اليوم التاسع من ذي الحجة.

وقد ذكروا وجوهاً مختلفة بشأن اسم «عرفة » منها :

أنّ جبرئيل كان يطوّف إبراهيم في المشاعر، ويعلّمه المواضع وهو يقول : عَرَفتُ ، ومنها أنّ آدم وحواء بعد الهبوط عرف أحدهما الآخر في هذا المكان ، ومنها أنّ الناس يتعارفون في هذا الموضع21 .

قال ياقوت : «وقيل : بل سمّي بالصّبر على ما يكابدون في الوصول إليها، لأن العرف الصبر؛ ويقال : إنّ الناس يعترفون بذنوبهم في ذلك الموقف »22 .

«ويقارن هوتسما الوقوف بعرفات بوقوف اليهود على جبل سيناء ، حيث كان يتجلّى معبودهم بالبرق والرَّعد ، وإن كنّا لا ندري شيئاً عن إله عرفات ، ولربّما كان نفسه إله المزدلفة» قُزح [إله البرق والعواصف والرّعد والغيث ] الذي عبده الأدوميون من قبل ولم يبق من ظواهر عبادته بين الجاهلين إلا إشعال نيرانه بمزدلفة»23 .

وكان لكلّ قبيلة موقف خاص بها في عرفة ، ولم يبق الآن إلاّ أسماء بعضها، لأنّ وحدة صفوف الحجاج في الاسلام دون تمايز، أدّت الى اندثار أسماء تلك المواقف.

من المواقف الخاصّة التي ما زالت باقية موقف نَفْعَة الخاصّ بقبيلة ربيعة والذي ورد في شعر لعمرو بن قَمِيئَة :

وَ منزلة بالحجّ أُخرى عَرَفْتُها

لها نَفْعَةٌ لا يُستطاع ُبروحُها24

كانت قريش وكذلك أهل مكّة يرون أنفسهم أفضل من غيرهم من العرب ، فيختارون موقفهم بالقرب من مكان الأضاحي في مزدلفة في موضع اسمه نَمِرة.

وكانوا يعظمون جبل «إلال» في عرفة ويقسمون به ، وقد ذكر في شعر النابغة في عدّة أماكن ، كذلك أورده طُفيل الغنوي في شعره بقوله :

يَزُرْنَ إلالاً لا يُنَصِّبْنَ غيره

بكلِّ ملَب أشعثِ الرأس مُحرمِ25

وكانوا يطلقون على الانتقال السريع من عرفة إلى مزدلفة تسمية الإفاضة أو الإجازة ، وكان هناك أشخاص يتقدّمونهم ليهدوهم السبيل .

وروى ابن هشام في سيرته « كان الغوث بن مُرّ بن أدّ بن طابخة بن إلياس بن مُضر يلي الإجازة للنّاس بالحجّ من عرفة ، وولده من بعده ؛ وكان يقال له ولده صُوفَة »26 .

وفي وجه التسمية قالوا : إنّ أُمّة عندما ربطته بالكعبة وضعت عليه قطعة من الصوف.

وممّا رُوي عن ابن عباس في الحجّ الإبراهيمي ، أنّ النبي(صلى الله عليه وآله) منع من الحركة السريعة وأمر بالسكينة إذ قال(صلى الله عليه وآله) : « أيها الناسُ ، عليكم بالسكينة ، فإنّ البرّ ليس بالإيضاع »27 .

وكما نقل الأزرقي ، فإنّ أول من أشعل النار فوق جبل قُزَح ؛ كان قصي ابن كلاب ، حيث استمر هذا الأمر حتّى ظهور الاسلام ، ولعلّ الهدف من اضرام النيران هناك هو إرشاد الحجاج، إذ كان من الممكن أن يحلّ الظلام قبل أن يصلوا إلى المزدلفة28 .

وكان الجميع يجتمعون في المزدلفة الواقعة بين عرفات ومنى، حتى قريش والمكّييون كانوا ينضمّون إلى المجتمعين، وكانوا يمضون الليل بالدعاء والتلبية بانتظار طلوع الشمس ، وكان البعض لعجلته يخاطب جبل ثبير الذي تشرق الشمس من خلفه بقوله : « أشْرِقْ ثبير، كيما نُغير».

وتكون الافاضة في الحجّ الابراهيمي من عرفة بعد الغروب ، ومن مزدلفة قبل طلوع الشمس ، خلافاً الحجّ المشركين.

وقد أشار أبو ذُؤيب الهُذلي إلى مبيت المشركين في مزدلفة ، وانتقالهم منها إلى منى في شعر له وصف به حاجّاً مشركاً أدّى أعماله متعجّلاً ليشتري العسل، إذ قال :

فَباتَ بجمح ثم تمّ إلى منىً

فأصبح رادّاً يبتغي المزج بالسِّحل29

إنّ التاريخ لا يحدّثنا بشيء عن سبب الاسراع في العبور من مزدلفة إلى محلّ الهدي بمنى، لكنّ بالإمكان الحدس بأنّه كان للحصول على مكان مناسب ، أو للتعجيل في الهدي .

وفي المزدلفة أيضاً كان الصُوفة يقومون بالإضافة ، التي كانت تتكفّلها أُسر أُخرى من القبائل أيضاً.

موقف منى :

بعد وصولهم منى ينحر المشركون الهدي ، ويستمر ذلك من الصباح حتى الغروب . وكانوا يرمون الحجارة في مكانين خاصّين هما المُحصَّب والجمار، كي لا يمكن لأهل مكة أن يزرعوا شيئاً فيهما، ومعلوم أنّ هذه الأحجار يجب أن تكون كبيرة لتجعل الأرض غير صالحة للزراعة تماماً، فهي تتفاوت مع الأحجار الصغيرة التي تستعمل في الحجّ الابراهيمي لرمي الجَمَرات.

يبدو أنّ أهل الجاهلية يخرجون من الإحرام بعد النحر والرمي في منى، وهذا المفهوم يُستفاد من شعر نقله الجاحظ في كتاب الحيوان لعبدالله بن العَجْلان.

بعد النحر يتوجّه المشركون إلى الرمي ، إلاّ أنّ هذا العمل منوط بإجازة الصوفة الذين يتكفّلون أمر الافاضة من عرفة ومزدلفة ، وأُؤلئك لا يرمون حتّى تقترب الشمس من الغروب30 .

ثمّة شعر في كتاب المفَضّليّات عن الشنفري الشاعر الجاهلي الصعلوك ، وردت فيه كلمة الجمار:

قتلنا قتيلاً مُهْدياً بِمُلَبِّد

جمار منىً وسط الحجيج المُصَوِّت31

بعد الفراغ من الرمي ، يحبسون الحجاج في العقبة ، ولا يسمح لأحد بالحركة حتّى يعبر الصُوفة ، الذين بعبورهم يتحرّك الحجاج بعدهم.

وقد بيّن مُرَّة بن خُليف الفهمي، شوق الحجاج للحركة ومنع الصوفة لهم في هذا الشعر :

إذا ما أجازت صُوفةُ النَّقبَ مِنْ مِنى

ولاحَ قتارٌ فوقَه سَفَعُ الدَّم32

تبدأ مراسم الحج ، قبل الغروب من اليوم التاسع من ذي الحجة ، وبعد عرفة ومزدلفة وإشعال النار فوق جبل قزح ، ونحر الهدي ورمي الجمرات ، تنتهي عند الغروب ، أي إنّهم يكونون قد فرغوا من مراسم الحجّ في ليل العاشر من ذي الحجّة ، يبقى دخول مكة والطواف ثم يعود كلّ فرد إلى وطنه بعد أدائهما.

وكانت مراسم الحلق والتقصير تتمّ بعد التلبيد، وحسبما أورد صاحب تاج العروس، فقد كان اليمنيون يضعون على شعرهم الملبد الطحين أو مسحوق الحمص والسُّكر، ثمّ يحلقون ، فيتساقط الطحين أو مسحوق الحمص فينتفع به الفقراء33 .