التعددية‌ الدينية‌ -  المفهوم‌ والاتجاهات‌

 ماجد الغرباوي‌

                    لم‌ تمض‌ فترة‌ من‌ معاناة‌ الشرق‌ في‌ صراعه‌ مع‌ وافد غريب‌باغت‌ اجواءه‌ الثقافية‌ والفكرية‌ حتي‌ يستفيق‌ علي‌ وافد جديد يستفز مشاعره‌ واحاسيسه‌ الدينية‌ والقومية‌، ويبقي‌ يعاني‌ شدة‌ وطأته‌، ولم‌ تنتهِ حالة‌ الصراع‌ حتي‌ يحسم‌ الموقف‌ نهائياً منه‌: (الوافد/ المفهوم‌/ المصطلح‌ /  الفكرة‌/ النظرية‌) اما الرفض‌ المطلق‌ او القبول‌ المطلق‌ او السعي‌ الي‌ مقاربته‌ ومواءمته‌ بشكل‌ ينسجم‌ مع‌ الرصيد الثقافي‌ والاجتماعي‌له‌.

           ويعود السبب‌ الي‌ فقدان‌ التوازن‌ والانبهار او الانكماش‌ والانكفاء من‌ اي‌ وافد يطرق‌ فضاءنا الثقافي‌ والفكري‌ الي‌ سببين‌:

           الاول‌:  الانبهار بالحضارة‌ الغربية‌ والحكم‌ علي‌ صحة‌ جميع‌ مالديها من‌ نتاجات‌ فكرية‌ وثقافية‌ وفنية‌ قياساً علي‌ واقعها المادي‌ المتطور. وقد يصل‌ الانبهار الي‌ مستوي‌ يتخلي‌ فيه‌ المتغرب‌ عن‌ تراثه‌ وقيمه‌، ويرفع‌ شعار اللحاق‌ بالغرب‌ والتخلص‌ من‌ الماضي‌ وتركته‌. وهذا النمط‌ من‌ السلوك‌ نتاج‌ الاستلاب‌ الثقافي‌ والفكري‌ وتضاءل‌ الوعي‌ الي‌ حد يستمري‌ معه‌ الشخص‌ حالة‌ الانسحاق‌ امام‌ الا´خر، وعدم‌ الشعور بأي‌ قيمة‌، بما في‌ ذلك‌ القيم‌ الانسانية‌ التي‌ تتجه‌ بالانسان‌ نحو الكرامة‌ والعزة‌ وقوة‌ الانا وعدم‌ الشعور بالخجل‌ والانكسار المنهزم‌ امام‌ المد الحضاري‌.

           الثاني‌:  هو الجمود والتحجر ورفض‌ اي‌ جديد لانه‌ جديد، والحفاظ‌ علي‌ الماضي‌ لانه‌ ماضٍ وربما عاش‌ في‌ ظل‌ مقولات‌ نهائية‌ وجزمية‌ في‌ تصوره‌، لا تقبل‌ المراجعة‌ وتتعالي‌ علي‌ النقد، فيبقي‌ اسيرها لاهم‌ له‌ سوي‌ الحفاظ‌ عليها والدفاع‌ عنها، وعدم‌ التفريط‌ بها، سواء اثبتت‌ جدواها الحياتية‌ ام‌ لا، عالجت‌ شيئاً من‌ الواقع‌ المرير ام‌ لا، فتراه‌ يضطرب‌ وترتعد فرائصه‌ من‌ اي‌ ملاحظة‌ تطالها.

           ان‌ المراجعة‌ والنقد لا تعني‌ بالضرورة‌ ان‌ يتخلي‌ الانسان‌ عن‌ منظومته‌ الفكرية‌ او التنازل‌ عن‌ هويته‌ الحضارية‌، بل‌ اعادة‌ النظر في‌ ضوء الواقع‌ واختبار صحة‌ مقولاته‌ للارتكاز اليها في‌ الانطلاق‌ نحو المستقبل‌ ورفض‌ النقد ومواجهة‌ المراجعات‌ الهادفة‌ ربما يشكل‌ علامات‌ استفهام‌ علي‌ الفكر نفسه‌، وقد يراود الانسان‌ الشك‌ باصالة‌ الفكر، والا ماهو المبرر للخوف‌ من‌ النقد والمراجعة‌، اذا كانت‌ الافكار قوية‌ واصيلة‌ وتتحدي‌ الاشكاليات‌ والملاحظات‌، فاذا كان‌ هناك‌ خطأ فاصلاحه‌ يصب‌ في‌ مصلحة‌ الفكر نفسه‌، والا سنتوفر من‌ خلال‌ المراجعة‌ علي‌ قناعة‌ اركز وربما دليل‌ أقوي‌.

           ان‌ قبول‌ النقد دليل‌ الوعي‌ والاستفاقة‌ والثقة‌ العالية‌ بالنفس‌، لكن‌ المؤسف‌ ان‌ هذه‌ الشريحة‌ لا تنفتح‌ علي‌ الحياة‌ رغم‌ الانبهار ببهارجها، فهو يتمتع‌ بنتاج‌ الحضارة‌ الغربية‌ المادية‌ دون‌ ان‌ يساءل‌ نفسه‌ عن‌ سر تقدم‌ الغرب‌، وكيف‌ وصلت‌ الاداة‌ التكنولوجية‌ الي‌ آفاق‌ السماء وغاصت‌ الي‌ اعماق‌ الارض‌ تتفاعل‌ مع‌ ما اودع‌ الله‌ تعالي‌ في‌ هذا العالم‌ من‌ امكانيات‌ وقدرات‌ تخدم‌ البشرية‌؟!.

           ان‌ هذا الموقف‌ الرافض‌ وذاك‌ الموقف‌ المستلب‌ الداعي‌ الي‌ اللحوق‌ بالغرب‌، كلاهما علي‌ خطأ، وهناك‌ اسباب‌ عديدة‌ لتكوّنهما الا ان‌ الوعي‌ السلبي‌ بما يدور حول‌ الانسان‌، او خمول‌ الوعي‌ كلاهما العنصر الاساس‌ في‌ هذه‌ المعادلة‌. ولا شك‌ ان‌ الاجهزة‌ الاعلامية‌، بجميع‌ مستوياتها، الحكومية‌ والاهلية‌ بما فيها منابر الخطابة‌ ووسائل‌ التثقيف‌ العامة‌، هي‌ المسؤول‌ الاول‌ عن‌ تدني‌ الوعي‌. بل‌ الغريب‌ ان‌ الواعين‌ من‌ الناس‌ ودعاة‌ اليقظة‌ اصبحوا مرمي‌ لسهام‌ الا´خرين‌، سواء الفريق‌ الاول‌ أو الثاني‌.

           ان‌ الموقف‌ الصحيح‌ هو التأني‌ في‌ اتخاذ اي‌ موقف‌، ايجابي‌ او سلبي‌، تجاه‌ الوافد الغريب‌ ريثما يتم‌ التأكد من‌ جملة‌ اشياء، منها: نشأته‌، ظروفه‌ التي‌ رافقت‌ ولادته‌، اهدافه‌، تأثيراته‌ الايجابية‌ او السلبية‌ علي‌ واقعه‌... ومن‌ ثم‌ مدي‌ ملاءمته‌ لبيئتنا وانسجامه‌ مع‌ ثقافتنا وانماطنا الاجتماعية‌.

           لا شك‌ ان‌ بعض‌ المفاهيم‌ والصيغ‌ الفكرية‌ قد تحولت‌ بعد زمن‌ الي‌ خبرة‌ بشرية‌ يمكن‌ استثمارها والاستفادة‌ منها في‌ تطوير المجال‌ الذي‌ تدخله‌، كما لو توصل‌ الغرب‌ الي‌ صيغ‌ متطورة‌ في‌ مجال‌ الاحصاء ـ مثلاً ـ او اي‌ مجال‌ آخر يخدم‌ مؤسساتنا ويساهم‌ في‌ تطويرها. او الدعوة‌ الي‌ ارساء دعائم‌ المجتمع‌ المدني‌ بالمعني‌ الايجابي‌ له‌ من‌ اجل‌ الحد من‌ سلطة‌ الدولة‌ وافساح‌ المجال‌ لمشاركة‌ جماهيرية‌ واسعة‌ يشعر معها الفرد بمسؤوليته‌ تجاه‌ الدولة‌ والشعب‌ ومؤسساتهما. وهكذا الامر في‌ المجال‌ العلمي‌ والتكنولوجي‌ والصيغ‌ الادارية‌ والمؤسساتية‌. فلا شك‌ في‌ ايجابية‌ التفاعل‌ مع‌ هذا النمط‌ من‌ الافكار والمفاهيم‌ الايجابية‌.

           في‌ مقابل‌ هذا التفاعل‌ البنّاء مع‌ الوافد الغريب‌، هناك‌ تفاعل‌ سلبي‌ مع‌ نسق‌ آخر من‌ الافكار، كالدعوة‌ الي‌ عزل‌ الدين‌ واستبعاده‌ عن‌ مرافق‌ الحياة‌ قياساً بالكنيسة‌ من‌ غير رؤية‌ في‌ دراسة‌ الظروف‌ التي‌ دعت‌ الغرب‌ الي‌ نبذ الدين‌ الكنسي‌ واستبعاد سلطة‌ الكنيسة‌ في‌ التحكم‌ والسيادة‌. بل‌ يحمّل‌ دائماً الدين‌ مسؤولية‌ التخلف‌ والانحطاط‌ ولا يسمح‌ لنفسه‌ بمراجعة‌ مفاهيم‌ الاسلام‌ وامكانيته‌ الفائقة‌ في‌ مواكبة‌ الحياة‌ المتطورة‌. فهذا التفاعل‌ من‌ شأنه‌ ان‌ يحطم‌ منظومة‌ القيم‌ ويمزق‌ هويتنا الثقافية‌ والتضحية‌ بكل‌ شي‌ء لصالح‌ مستقبل‌ محسوب‌ الخسارة‌ مسبقاً، لانه‌ تبنٍ لافكار خارج‌ فضائنا الثقافي‌ بل‌ تتقاطع‌ وتتباين‌ مع‌ اغلبها، فلا تنتج‌  سوي‌ مخلوق‌ مشوّه‌ مقطوع‌ الجذور عن‌ اصله‌ وتراثه‌.

           ان‌ الانقسام‌ حول‌ المفاهيم‌ الجديدة‌ والصناعات‌ الحديثة‌ قديم‌ في‌ بلادنا، فقد منع‌ شيخ‌ الاسلام‌ في‌ اسطنبول‌ طباعة‌ المصحف‌ الشريف‌ بالمطابع‌ الاوربية‌ لانها اداة‌ مستوردة‌ من‌ كافر ولا يصح‌ طباعة‌ المصحف‌ بها. وكذلك‌ انقسم‌ الموقف‌ حول‌ قبول‌ المذياع‌ والتلفاز، واخيراً وليس‌ آخراً مازال‌ الموقف‌ غير محسوم‌ في‌ بعض‌ الدول‌ حول‌ استثمار شبكة‌ الاتصالات‌ العالمية‌ (الانترنيت‌) ومشاهدة‌ القنوات‌ الفضائية‌، لكن‌ الغريب‌ ان‌ جميعها يقبل‌ في‌ نهاية‌ المطاف‌.

           وليس‌ الموقف‌ تجاه‌ المفاهيم‌ افضل‌ حالاً بل‌ ربما اشد وطأة‌ وان‌ كان‌ الحوار حولها أضيق‌ دائرة‌، لانها تختص‌ بالنخبة‌، فأول‌ لقاء مع‌ الغرب‌ عبر الرحلات‌ او الحملات‌ العسكرية‌ حمل‌ معه‌ مفاهيم‌ لم‌ يسمع‌ بها الشرق‌ من‌ قبل‌، وان‌ كان‌ لبعضها جذور في‌ ثقافته‌ الا انها ليس‌ كما هي‌ في‌ صياغتها الجديدة‌.

           فمفهوم‌ الحرية‌، وحرية‌ التعبير، وحرية‌ الاعتقاد... الي‌ غيرها من‌ الحريات‌ الاخري‌، او مفهوم‌ حقوق‌ الانسان‌ أو حقوق‌ المرأة‌، و الانفتاح‌ الثقافي‌ والتعددية‌ السياسية‌، كلها مفاهيم‌ قد شغلت‌ الوسط‌ الثقافي‌ الاسلامي‌ وغيره‌ سنين‌ طويلة‌ ومازال‌ الموقف‌ غير محسوم‌ تجاهها في‌ كثير من‌ المجتمعات‌ ولا سيما التي‌ تحكمها أنظمة‌ سياسية‌ مستبدة‌ ترتجف‌ من‌ سماع‌ هذه‌ المفاهيم‌، وتعتقد ان‌ نهايتها مرهونة‌ بصيرورة‌ تلك‌ المفاهيم‌ واقعاً يتنفس‌ فيه‌ المجتمع‌.

           من‌ المفاهيم‌ التي‌ اثارت‌ جدلاً واسعاً واستفزت‌ الوسط‌ الفكري‌ والنخبوي‌ كثيراً هو مفهوم‌ التعددية‌ الدينية‌. فعندما صدرت‌ بعض‌ المقالات‌ يتحدث‌ عن‌ التعددية‌ الدينية‌ ويبرهن‌ علي‌ بداهتها، توالت‌ المقالات‌ المؤيدة‌ او الرافضة‌ لهذه‌ الفكرة‌. والبعض‌ قد شعر بحساسية‌ فائقة‌ من‌ المصطلح‌.

           ولم‌ يقف‌ الامر الي‌ هذا الحد، بل‌ هناك‌ ملازمات‌ للقول‌ بالتعددية‌ الدينية‌ تقضي‌ علي‌ مفاهيم‌ اسلامية‌ اساسية‌ كالنبوة‌ مثلاً، او القول‌ بوحدة‌ الحقيقة‌ وتعدد تفسيراتها، واخيراً وليس‌ آخراً ولعله‌ الاهم‌ من‌ بين‌ المفاهيم‌ المتفرعة‌ عن‌ فكرة‌ التعددية‌، هو القول‌ بنسبية‌ المعرفة‌ الدينية‌، التي‌ لازمها عدم‌ مطابقة‌ المقولات‌ الدينية‌ للواقع‌، او ليس‌ بالضرورة‌ التطابق‌ بين‌ تلك‌ المقولات‌ والواقع‌.

           الموضوع‌ شائك‌ ومتشعب‌ وذو تفسيرات‌ متعددة‌، فهناك‌ اكثر من‌ تفسير للتعددية‌ الدينية‌ بعضها ايجابي‌ في‌ بعده‌ الاجتماعي‌ وقد تركنا للملف‌ الذي‌ اعدته‌ المجلة‌ مهمة‌ بيان‌ المصطلح‌ وتفسيراته‌ والا´راء والشبهات‌ التي‌ حامت‌ حوله‌، ودلالاته‌ الايجابية‌ والسلبية‌ التي‌ يختزنها، اما في‌ هذه‌ الكلمة‌ فنقصر الحديث‌ علي‌ جوانب‌ اخري‌، النشأة‌، الهدف‌، استثمار المصطلح‌ في‌ بعده‌ الاجتماعي‌ الايجابي‌ وفقاً لاحدي‌ القراءات‌.

 

 التعددية‌ الدينية‌ ... النشأة‌

 

           لا يمكن‌ ان‌ نفهم‌ اي‌ مصطلح‌ / مفهوم‌ / فكرة‌ غربية‌ منقطة‌ عن‌ عصر النهضة‌ وماحدث‌ فيها من‌ انقلابات‌ فكرية‌ واجتماعية‌ وكيف‌ تعامل‌ الغرب‌ مع‌ الكنيسة‌ وسلطتها التعسفية‌. فمصطلح‌ التعددية‌ تعود بداياته‌ الي‌ عصر النهضة‌. اذ كانت‌ هناك‌ فكرة‌ كنسية‌ سائدة‌ تقول‌ لا يدخل‌ الجنة‌ الا من‌ اغتسل‌ غسل‌ التعميد الكنسي‌، اي‌ ان‌ الجنة‌ تمر عبر المسيحية‌، وجميع‌ البشرية‌ محكوم‌ عليها بالضلالة‌ والاقصاء عن‌ رحمة‌ الله‌. هذا الكلام‌ اثار حفيظة‌ بعض‌ القساوسة‌ الواعين‌، حينما شاهدوا سلوكاً متزناً يصدر عن‌ اتباع‌ الديانات‌ الاخري‌ فاثاروا المسألة‌ وانقسم‌ الموقف‌ حولها. فكانت‌ البداية‌ في‌ فكرة‌ التعددية‌، وقد جاءت‌ لانهاء اشواط‌ طويلة‌ من‌ الصراع‌ والاقتتال‌ بين‌ ولم‌ تهدأ تلك‌ الحروب‌ الا في‌ ظل‌ فضاءات‌ ثقافية‌ ساهمت‌ التعددية‌ الدينية‌ في‌ تكوّنها.

           والجدير بالذكر ان‌ الفكر الفلسفي‌ المتصاعد في‌ تلك‌ الفترة‌ لم‌ يكن‌ بعيداً عن‌ تفاعلات‌ القضية‌ بل‌ جاءت‌ النظرية‌ المعرفية‌ لـ «كانت‌» لتقوي‌ اركان‌ التعددية‌، اذ كان‌ لهذه‌ النظرية‌، رغم‌ سيل‌ المواقف‌ المضادة‌ لها، دور كبير في‌ ترشيدها، بعد ان‌ فصل‌ كانت‌ بين‌ (الشي‌ء في‌ ذاته‌ وكما هو في‌ الواقع‌)، و(الشي‌ء كما هو عندنا او كما هو في‌ تصورنا). وانما ذهب‌ كانت‌ الي‌ هذا القول‌ لانه‌ يعتقد ان‌ الحواس‌ حينما تنقل‌ لنا الواقع‌ الخارجي‌ سيقوم‌ الذهن‌ بتفسيره‌، اي‌ الواقع‌، ضمن‌ منظومته‌ المعرفية‌ ومن‌ خلال‌ قوالب‌ فكرية‌ مسبقة‌، أي‌ انه‌ سيسقط‌ تجربته‌ الحياتية‌ خلال‌ تفسير الواقع‌ المحسوس‌، فليس‌ بالضرورة‌ ان‌ يتطابق‌ ما في‌ الذهن‌ مع‌ الواقع‌ الخارجي‌، ومع‌ الشي‌ء في‌ نفسه‌. وحينها سوف‌ لن‌ يصل‌ احد الي‌ الحقيقة‌ المطلقة‌، وتبقي‌ الا´راء الموجودة‌ حولها مجرد تفسيرات‌ مختلفة‌ لها.

           وعندما جاء جون‌ هيك‌، طرح‌ نظرية‌ كاملة‌ حول‌ التعددية‌ قيضت‌ الفهم‌ السابق‌ للاديان‌ وللنبوة‌ وللحقيقة‌ وللمعرفة‌ الدينية‌. وانتهي‌ الي‌ القول‌ بالتعددية‌ الدينية‌ ونفي‌ الانحصارية‌ والفردية‌ الدينية‌، وجعل‌ الحق‌ مشاعاً في‌ جميع‌ الاديان‌. واعتبر الوحي‌، الركيزة‌ الاساسية‌ للاديان‌،مجرد تجربة‌ دينية‌ او تجربة‌ باطنية‌ شخصية‌ من‌ الممكن‌ ان‌ يمر بها كل‌ شخص‌ تتوافر فيه‌ الشروط‌ اللازمة‌، وحينها ستكون‌ التجربة‌ الدينية‌ والانفتاح‌ علي‌ الحقيقة‌ واحدة‌ لدي‌ الجميع‌، والاختلاف‌ هو في‌ تفسيرها، لهذا كانت‌ الديانات‌، ولاسيما الاساسية‌ منها، اليهودية‌ والمسيحية‌ والاسلام‌، مختلفة‌. وقد فصل‌ هيك‌ بين‌ الشريعة‌ والدين‌، وانما تكتسب‌ الشريعة‌ اهميتها ـ في‌ نظره‌ ـ لانها تحافظ‌ علي‌ جوهر الدين‌، فليس‌ ضرورياً نقد ومراجعة‌ السلوك‌ العملي‌ لكل‌ متدين‌، بل‌ كل‌ سلوك‌ يكفي‌ في‌ اشباع‌ الحاجة‌ الي‌ الشريعة‌. ومن‌ هنا ستكون‌ المعرفة‌ الدينية‌، بنظر هيك‌ نسبية‌، وليس‌ بالضرورة‌ ان‌ تتطابق‌ مقولات‌ كل‌ دين‌ مع‌ الواقع‌. ولا حاجة‌ اذاً للصراع‌ بحجة‌ الاحقية‌، في‌ ضوء آراء هيك‌، بعد ان‌ فقد النزاع‌ موضوعه‌ الاساس‌ بفقدان‌ الحقيقة‌ المطلقة‌ لدي‌ كل‌ شخص‌. كما قال‌ هيك‌ بنسبية‌ الاخلاق‌ ايضاً

           الكلام‌ الا´نف‌ قد اشار باجمال‌ الي‌ اكثر من‌ تفسير للتعددية‌، الا انه‌ لخص‌ فكرتها، ولعل‌ القراءة‌ الثالثة‌ هي‌ الاخطر من‌ بين‌ القراءات‌ المتعددة‌ لها وربما هي‌ المقصودة‌ بالذات‌ في‌ نظر جون‌ هيك‌ وآخرين‌.

           والملاحظ‌ من‌ خلال‌ العرض‌ الاجمالي‌، ان‌ التعددية‌ الدينية‌ مخلوق‌ غربي‌ وقد ولدت‌ في‌ فضاء يختلف‌ عن‌ فضائنا الثقافي‌. لان‌ المسلمين‌ بجميع‌ فرقهم‌ يقفون‌ علي‌ ارض‌ مشتركة‌ ويذعنون‌ لاله‌ واحد لا شريك‌ له‌ ولا شبيه‌ له‌ في‌ الصفات‌ والافعال‌، وما عدا بعض‌ الدعوات‌ غير الواعية‌، او المغرضة‌ او التي‌ تتحرك‌ في‌ سياق‌ سياسية‌ معينة‌، لم‌ تكفّر فِرقةُ او مذهبُ فرقةً اخري‌ او مذهباً آخر. ومازال‌ الاختلاف‌ بين‌ المسلمين‌ داخل‌ دائرة‌ الاجتهادات‌ في‌ الفروع‌ ولم‌ يتعداه‌ الا لمماً. هذا من‌ جهة‌ ومن‌ جهة‌ اخري‌ ليس‌ في‌ الاسلام‌ اكليروس‌ او سلطة‌ كنسية‌ تحرم‌ الناس‌ من‌ رحمة‌ الله‌، ولا توجد صكوك‌ غفران‌ تتحكم‌ في‌ دخول‌ العباد الي‌ الجنة‌ او النار. وانما يحكمون‌ علي‌ البعض‌ بالكفر والضلالة‌ وفق‌ معايير كتاب‌ ثبت‌ للجميع‌ قطعية‌ صدوره‌ عن‌ الله‌ عزوجل‌، ولم‌ يقل‌ احد بتحريفه‌ الا اقوالاً شاذة‌ لم‌ تسعفها الموازين‌ العلمية‌.

           واما نقد وتحليل‌ القراءة‌ الثالثة‌ للتعددية‌ فنترك‌ المجال‌ فيها الي‌ فرصة‌ اكبر، وقد عالج‌ ملف‌ العدد بعض‌ جوانبها.

 

 اهداف‌ التعددية‌ الدينية‌

 

           نترك‌ الحديث‌ عن‌ اهداف‌ التعددية‌ الدينية‌ وفق‌ القراءة‌ الاولي‌ الي‌ الفقرة‌ الا´تية‌، ونحاول‌ هنا التنقيب‌ عن‌ اهدافها في‌ ضوء القراءتين‌ الثانية‌ والثالثة‌.

           تحاول‌ التعددية‌ الدينية‌ في‌ هاتين‌ القراءتين‌ ان‌ تختزل‌ الدين‌ الي‌ تجربة‌ روحية‌ باطنية‌ بمعزل‌ عن‌ الحياة‌ يستطيع‌ ان‌ يعيشها كل‌ انسان‌، ومن‌ ثم‌ تفصل‌ القراءة‌ مابين‌ الشريعة‌ والدين‌، لان‌ تفسير الحقيقة‌، رغم‌ وحدتها مختلف‌ من‌ شخص‌ الي‌ آخر ومن‌ نبي‌ الي‌ آخر، وينحصر هدف‌ الشريعة‌ في‌ الحفاظ‌ علي‌ الدين‌ فاي‌ سلوك‌ يوافق‌ الشريعة‌ يكفي‌ في‌ صحة‌ علاقة‌ الانسان‌ مع‌ ربه‌ وبالتالي‌ الفوز بالجنة‌ والنعيم‌. وهنا فقط‌ يتجلي‌ الهدف‌ الحقيقي‌ وراء اطلاق‌ فكرة‌ التعددية‌ في‌ قراءتها الاخيرة‌. فحينما يتلخص‌ الدين‌ بالتجربة‌ الدينية‌ سوف‌ يفرّغ‌ من‌ كل‌ محتوي‌ حياتي‌، وحينئذ عليه‌ ان‌ يغادر الحياة‌ وينحسر عن‌ الوسط‌ الاجتماعي‌، ومن‌ الاولي‌ اذاً ان‌ ينسحب‌ عن‌ مجالات‌ السياسة‌ والاقتصاد والفن‌ وغيرها. هذا هدف‌ استراتيجي‌ لاعداء الاسلام‌ يحاولون‌ التنظير له‌ باشكال‌ مختلفة‌.

 واذا كان‌ المجتمع‌ الغربي‌ يعاني‌ من‌ سلطة‌ الدين‌ الكنسي‌ ويتشبث‌ باي‌ مفهوم‌ يحد من‌ سلطة‌ الكنيسة‌ ويمنع‌ عودة‌ الدين‌ المسيحي‌ الي‌ الحياة‌ العامة‌ (وليس‌ الحياة‌ الشخصية‌) فان‌ الامر مختلف‌ بالنسبة‌ الي‌ الاسلام‌ ومفاهيمه‌ النابضة‌ بالحيوية‌، بل‌ نجد اننا كلما فجرنا أحد جوانب‌ الطاقة‌ والحيوية‌ فيه‌ نجده‌ يستجيب‌ لمتطلبات‌ العصر والزمان‌، ولم‌ يقف‌ الاسلام‌ بمفاهيمه‌ الاصيلة‌ عقبة‌ دون‌ استمرار الحياة‌ مهما كانت‌ رحابة‌ آفاقها. واذا كان‌ هناك‌ تلكؤ فان‌ التجديد والاصلاح‌ سيساعدان‌ علي‌ اعادة‌ قراءة‌ مفاهيمه‌ وفق‌ ثوابت‌ الشريعة‌ وغاياتها وفي‌ اطار الدين‌ بمستوي‌ يحافظ‌ فيه‌ علي‌ تدفق‌ حيويته‌.

 فالدين‌ اذاً تجربة‌ روحية‌ غير منفصلة‌ عن‌ الحياة‌، وتجربة‌ تتحرك‌ ضمن‌ اطر الدين‌، ومحكومة‌ بثوابت‌ الشريعة‌ ولا يمكن‌ لنا الشذوذ عنها او فصلها، اي‌ الشريعة‌ عن‌ الدين‌. ولا يمكن‌ ان‌ تكون‌ التجربة‌ البشرية‌ مشابهة‌ لتجربة‌ الانبياء والمرسلين‌، والا فكيف‌ نفرق‌ بين‌ الحق‌ والباطل‌، وبين‌ ماهو وحي‌ الهي‌ يقصد مخاطبه‌، وبين‌ ماهو اشراقات‌ روحية‌ تحصل‌ لكل‌ مرتاضٍ بقطع‌ النظر عن‌ دينه‌ وشريعته‌.

 

 التعددية‌ في‌ بعدها الاجتماعي‌

 

 ترادف‌ القراءة‌ الاولي‌ بين‌ التعددية‌ والتحمل‌ والمداراة‌. وهي‌ تري‌ ان‌ كل‌ ان‌ كل‌ دين‌ يمتلك‌ شيئاً من‌ الحقيقة‌، والحقيقة‌ لا تنحصر في‌ دين‌ آخر وقد استدلت‌ هذه‌ القراءة‌ بالقرآن‌ الكريم‌:  ( انا انزلنا التوراة‌ فيها هديً ونور )  ،  ( انا انزلنا الانجيل‌ فيه‌ هديً ونور )  .

 كما استدل‌ ايضاً بان‌ الله‌ هو الهادي‌ فكيف‌ تتجلي‌ هدايته‌ اذا كان‌ اغلب‌ البشرية‌ في‌ ضلال‌؟

 هذه‌ القراءة‌ (التي‌ تسمي‌ ايضاً بالتعددية‌ السلوكية‌) مع‌ تعديل‌ في‌ بعض‌ جوانبها يمكن‌ ان‌ تساهم‌ في‌ تطوير الاواصر الاجتماعية‌ وتنزع‌ فتيل‌ البغضاء والتناحر الطائفي‌ والديني‌. لكن‌ قبل‌ بيان‌ ذلك‌ نشير ان‌ القرآن‌ الكريم‌ انما يقصد التوراة‌ والانجيل‌ اللذين‌ انزلهما الله‌ تعالي‌، وليس‌ مابأيدي‌ الناس‌ من‌ نسخ‌ محرفة‌، تخالف‌ منطق‌ التوحيد الذي‌ جاءت‌ من‌ اجله‌ جميع‌ الرسالات‌ السماوية‌. اضافة‌ الي‌ ان‌ الاسلام‌ كما يعترف‌ بان‌ التوراة‌ والانجيل‌ هما كتابا هداية‌ ونور الا انهما أديا وظيفتيهما وانتهي‌ امدهما، والا ما الجدوي‌ في‌ تعاقب‌ الرسالات‌ وتكرر نزول‌ الوحي‌ علي‌ الانبياء والمرسلين‌، ولاسيما الرسالة‌ الخاتمة‌؟

 فهذه‌ القراءة‌ مقبولة‌ لا علي‌ اساس‌ ان‌ كل‌ ما بأيدي‌ الناس‌ صحيح‌ وعلي‌ حق‌ وواقع‌ ولا فرق‌ بين‌ شخص‌ وآخر ودين‌ وآخر، كما تريد ان‌ تقرر التعددية‌ ذلك‌، بل‌ بالتباني‌ علي‌ التسامح‌ وطلب‌ التعايش‌ السلمي‌.

 وهذا الكلام‌ لا يعني‌ بأي‌ شكل‌ من‌ الاشكال‌ ان‌ الجميع‌ علي‌ حق‌، وانما الظروف‌ حالت‌ دون‌ تبصرهم‌ واستنشاقهم‌ معرفة‌ صحيحة‌. فهم‌ يعبدون‌ الله‌ مخلصين‌ له‌ الدين‌ الذي‌ يعرفونه‌ في‌ ضوء معتقداتهم‌، وقد تشملهم‌ رحمة‌ الله‌ تعالي‌ لانها اوسع‌ من‌ ان‌ تعذب‌ اناساً مخلصين‌ لا مدخلية‌ لهم‌ في‌ تكوّن‌ عقيدتهم‌، وانما استنشقوها عبر فضائهم‌ الثقافي‌، ومالم‌ يتزعزع‌ الجزم‌ والقطع‌ المتولد لديهم‌ من‌ خلال‌ تربيتهم‌ الاجتماعية‌ سيلقون‌ الله‌ علي‌ هذه‌ الحالة‌. ولعل‌ بعض‌ الا´يات‌ التي‌ تستثني‌ المستضعفين‌ من‌ دخول‌ النار ناظرة‌ الي‌ هذه‌ الحالات‌ الاجتماعية‌:

 ( الا المستضعفين‌ من‌ الرجال‌ والنساء والولدان‌ لا يستطيعون‌ حيلة‌ ولا يهتدون‌ سبيلاً»  .

 «وآخرون‌ مرجون‌ لامر الله‌ اما يعذبهم‌ واما يتوب‌ عليهم‌ والله‌ عليم‌ حكيم‌ )  .

 فهذا النمط‌ من‌ التفسير يدعو كل‌ طرف‌، حينما يشعر هو علي‌ حق‌ وغيره‌ علي‌ باطل‌، الي‌ تحمل‌ الا´خر، لانه‌ وان‌ كان‌ علي‌ باطل‌ حقيقة‌، لكنه‌ لا يعي‌ ذلك‌، ولا يستطيع‌ ان‌ يتغير من‌ خلال‌ اطلاق‌ الاحكام‌ عليه‌ او رشقة‌ بوابل‌ من‌ الكلمات‌ الهجينة‌، بل‌ ستكون‌ ردة‌ فعله‌ اقوي‌ لانه‌ يعتقد انه‌ علي‌ حق‌ وانت‌ تتهجم‌ عليه‌ بجهل‌. فعلي‌ صاحب‌ الحق‌ ان‌ ينزع‌ كل‌ غلٍ من‌ قلبه‌ ويكف‌ عن‌ عداء الا´خرين‌ والحقد عليهم‌ او تحميلهم‌ بعض‌ الاخطاء التاريخية‌، لانهم‌ غير مسؤولين‌ عنها، وعليه‌ ان‌ يعتمد اسلوباً يتغلغل‌ الي‌ تلك‌ المقولات‌ المغروزة‌ في‌ لا وعيه‌ ويبدأ بتحطيمها ويحل‌ محلها مقولات‌ تبصّر الانسان‌ النور والهدي‌، وعليه‌ ان‌ يرتكز الي‌ المنهج‌ القرآني‌ في‌ حواره‌ مع‌ الا´خر المختلف‌:

 ( فبشّر عباد الذين‌ يستمعون‌ القول‌ فيتبعون‌ احسنه‌ )  .

 ( قل‌ يا أهل‌ الكتاب‌ تعالوا الي‌ كلمة‌ سواء بيننا وبينكم‌ ان‌ لا نعبد الا الله‌ ولا نشرك‌ به‌ شيئاً ولا يتخذ بعضنا بعضاً ارباباً من‌ دون‌ الله‌ فان‌ تولوا فقولوا اشهدوا بانا مسلمون‌ )  .

 ( ادع‌ الي‌ سبيل‌ ربك‌ بالحكمة‌ والموعظة‌ الحسنة‌ وجادلهم‌ بالتي‌ هي‌ أحسن‌ )  .

 

 *     *     *     *     *

 الهوامش‌

 (1) سورة‌ المائدة‌، الا´ية‌ 44.

 (2) سورة‌ المائدة‌، الا´ية‌ 46.

 (3) سورة‌ النساء، الا´ية‌ 98.

 (4) سورة‌ التوبة‌، الا´ية‌ 106.

 (5) سورة‌ الانعام‌، الا´ية‌ 108.

 (6) سورة‌ الزمر، الا´ية‌ 18.

 (7) سورة‌ آل‌ عمران‌، الا´ية‌ 64.

 (8) سورة‌ النحل‌، الا´ية‌ 129.