المجتمع الديني و الحداثه

الدكتور محمد جواد اللاريجاني

 

     حين نقول اننا نريد بلداً اسلامياً عامراً و متطوراً، فهل يمكن لنا الوصول الى ذلك؟ اي هل يمكن للمجتمع الاسلامي ان يكون حديثاً (Modern)؟ و فيما لو كان بالامكان ذلك، فهل امكاناتنا و قوانا الفاعله و المؤثره تسمح لنا بتحقيق هذا المشروع الكبير؟ فمن الممكن ان يقول شخص: لماذا نتردد في هذه الامور؟ فهناك العديد من القوى في العالم تريد ان يفقد المسلمون الامل بالطموحات التي ذكرناها!

     في هذه الدراسه ارى ان هناك إشكالاً و خطأ علمياً مهماً يمكنه ان يظلل الباحث و السائر في طريق الحقيقه. فبعضهم يقصد بـ«المجتمع الحديث» ظاهره تاريخيه خاصه، كالمجتمع الامريكي و المجتمع الفرنسي و امثالها. و في هذه الحاله تكون الاسئله المطروحه اعلاه لا معنى لها من الاساس، لانه لايمكن ان نسأل: «هل سيكون مجتمعنا الديني كالمجتمع الامريكي؟». ان هذا السؤال صحيح بظاهره، و في الوقت نفسه فاقد للأساس و المعنى. لكننا اذا استطعنا تقديم تعريف للحداثه بصوره مثاليه. فحينئذ سيكون سؤالنا دقيقاً و علمياً، و يتطلب جواباً دقيقاً و علمياً ايضاً.

     ففيما يتعلق بمفهومي «الحداثه» و «التحديث»، سوف نواجه مشاكل كثيره، اذا لم ندقق فيهما من البدايه، و من هذه المشاكل خداعيه المصطلح بالنسبه الينا. فالكثير من الناس و عندما يسمع باسم «الحداثه» او «الحديث» تتداعى في مخيلته صور لوسائل الحياه الحديثه، و السيارات المتطوره، و خصوصيات العيش في المدن المعروفه، مثل المراقص و الديسكوهات و النوادي الليليه (Night Clobs) و غيرها. فهل يصح هذا الفهم؟ و هل لهذه الامور دور اساسي في مفهوم الحداثه؟ نفرض وجود فرد يمتلك اكثر اجهزه الهاتف تطوراً، ماذا سيعمل هذا الفرد بالهاتف؟ سوف يتكلم من خلاله بما يمليه عليه عقله، فهل يمكن القول ان هذا الفرد «انسان حديث و متطور»؟ من المُسلّم به لا.

     من الواجب علينا ان نحاول الوصول الى الجذور الحقيقيه و الصحيحه لمفهوم الحداثه. بدءاً من الحديث عن مفهوم «الانسان الحديث» (Modern Man)، فمن هو الانسان الحديث؟ فكلما اشرنا سابقاً لايمكن الاستدلال على الحداثه من خلال مجرد حداثه الامكانات و وسائل الحياه الماديه، ان «التحديث» هو خصوصيه سلوكيه بالنسبه للانسان، و صفه لأعماله. و في رأيي أنَّ البحث في الجذور يمكن ان يوصلنا الى المصدر و المعيار الاساسي في اعمال الفرد الاراديه و التي هي «المعقوليه» بذاتها. و الفرض الذي نقدمه هنا، هو: «كلما كان الامر معقولاً اكثر، كان اكثر حداثه».

     اي ان الانسان الحديث يسعى لان يكون اكثر عقلانيه، فهو يهرب من الخرافه و من المقدسات و يسعى باستمرار لان يجعل جميع معتقداته و اعماله قائمه على اساس من «العقلانيه»، و لهذا نراه يهتم بالعلم كثيراً. اذن يجب علينا ان لانمزج بين الافراد الذين لايعرفون من الحداثه الاّ شكلها، في حين انهم ينتقلون من خرافه الى اخرى. و لهذا سنبدأ البحث من (العقلانيه) ثم نصل الى أهم خصوصيات الحداثه في العصر الحاضر.

 

ملاحظات حول العقلانيه

     لماذا الدفاع عن العقلانيه؟ في جواب ذلك نقول: ان تحليلاً دقيقاً لمظاهر الحداثه، و خاصه الفهم العام و السائد لهذه المظاهر يظهر أن أغلب الناس يعتقدون بأن الانسان الحديث اقل تقيّداً في العمل بالآداب و التقاليد و الدين، و يتصرف بشكل اكثر حريه، مظهراً ذلك في الكلام و اللباس و العلاقات الجنسيه و الاخلاق .. الخ. اما جذور هذا الاتجاه فليست في قله التقيد بالتقاليد، و انما العقائد المختلفه التي تعدّ الاساس لهذه التقيد، تكون مورد شك من الناحيه العقلانيه بنظر الانسان الحديث. لذلك فالإنسان الحديث يسعى إلى تفسير تصرفاته على اساس اكثر عقلانيه، و ليس على اساس مجرد العقائد الدينيه و الآداب و التقاليد. الانسان الحديث يرى الدين خرافه، و الاخلاق لا اساس لها، لذلك فإنه يعدّ التقيد بها امراً غير عقلاني! و ان ما وصل اليه انسان اليوم من حاله مضحكه في بحثه عن العقلانيه هو مسأله تاريخيه، او سوء حظ الحداثه المعاصره.

     و يمكن تتبع العوامل الفكريه و الاجتماعيه التي ادت الى ذلك، و مع خطإ بعض هذه العقائد، الاّ انه يمكن ادراك اصل الاتجاه نحو العقلانيه بوضوح.

     فمن ناحيه اسلوب العمل، استخدمنا صيغتين في هذا البحث الاساسي (Fundamental Inquiry) لربما يستحسنها الباحثون: الصيغه الاولى، و هي «الصيغه المثاليه» حسب تعبير ماكس فيبر (Max Webber) بدل الوصف الفينومينالي (Phenomenal). و كما قال ماكس فيبر، فان للصيغه المثاليه بنيه منطقيه، و ان تطورها في نطاق «المثال» يتطابق تماماً مع العقلانيه، و من جهه اخرى، فان فاصله الصيغه المثاليه مع الصوره الفينوميناليه، هي بذاتها معيار و وسيله لكي نكتشف و نقيس في ضوئها تدخل العناصر و العوامل غير العقلانيه (Inrational)، فالصيغه المثاليه تعني سيطره العقلانيه على فكر الفرد الحديث و عمله، فإذا ماظهرت حاله من التحلل و الانفلات في الصوره الفينوميناليه، يجب على الباحث الاجتماعي تحديد العناصر غير العقلانيه التي اوجدت هذه الفاصله، و هذا هو الفارق بين الصيغه المثاليه و الصوره الفينوميناليه. طبيعي إن هذا الامر ممكن بعد اثبات عدم عقلانيه الصوره الفينوميناليه.

     اما الصيغه الثانيه، فهي استخدام الاسلوب السقراطي (الديالكتيك السقراطي) في كشف الصيغه المثاليه من الصوره الفينوميناليه! اي ان الفينوميناليه هي الموضوعيه، و هذه نقطه البدايه بالنسبه للباحث. و لكي يسير الباحث خلال برنامج «الرفض» السقراطي يصل في مرحلهٍ الى صورتها المثاليه. على سبيل المثال يجب ان نبدأ من الصوره الفينوميناليه للحداثه التي يشاهد فيها التحلل و الانفلات، لكن بعد المراحل الاوليه «للرفض» نصل الى الصيغه المثاليه المنظوره و هي «الاكثر عقلانيه». و هاتان الصيغيان نستخدمهما في ابحاثنا بكثره.

     و يمكن اعتبار «الواقعيه» و «المحاسبه» الفرديه، اول نتائج العقلانيه. اي ان «الانسان الحديث» الذي يرى نفسه ملتزماً بالعقلانيه، يسعى في كل عمل، الى الحصول على صوره اوضح و اقرب الى الواقع عن وضعه الحقيقي. و هذه الصوره «الواقعيه» تشتمل على جميع جهات الوضع: صوره صحيحه عن المشاكل و الامكانات و .. امثالها.

     من جهه اخرى، فالانسان الحديث و في اختياره لبروتوكول العمل يستفيد من «احدث» التقنيات و الوسائل للوصول الى اهدافه و مقاصده. و بالطبع فهذه الاستفاده و هذا الاتكال على العلم يأتيان ايضاً من فهمه للوضع الحقيقي. اذن، فالانسان الحديث، انسان ذو حسابات و «مؤمن بالعلم» ايضاً! الايمان بالعلم غير «التأثر بالعلم»، فالفرد «المتأثر بالعلم» يمكن ان لايكون له نصيب منه، او حتى اذا كان له شيء منه، فإنه غافل عن استخدامه في اعماله. «المتأثر بالعلم» يمارس شيئاً بعيداً عن العقلانيه. في حين ان الايمان بالعلم يعني السعي نحو العقلانيه و حمل همها على الدوام و لهذا نراه يتكل و يستند الى العلم.

     من الخصوصيات الاخرى، القريبه من «الايمان بالعلم»، هي «ابداع» الانسان الحديث، فالحداثه مقرونه دائماً بالابداع، و الانسان الحديث يسعى دائماً الى اكتشاف امكاناته الجديده في العالم (في ضوء واقعه) و من ثم الاستفاده من امكاناته بأحسن وجه، و عدم الاكتفاء بالنهج المألوف ، فهو شجاع مقدام، يختار التجارب الجديده. و روح الابداع هذه يمكنها ان تغطِّي جميع النشاطات البشريه، و تكون السبب في اعمال جديده، في طريقه اللبس، و في اللذّه الجنسيه، و في بيئه العمل و الخ. و طبيعي «الجديد» بذاته لايمكن تفسيره، فهو مجرد تحريك مقطعي، اما «الابداع» و البحث عن الحقائق الجديده و عن طرق عمل جديده، فهو روح تنشأ من العقلانيه، و هي ممزوجه بالاقدام و الشجاعه.

     فلماذا نكون حساسين قبال هذا الموضوع؟ ان سبب ذلك الامر هو الليبراليه التي سادت العالم الغربي منذ ثلاثه قرون، و يبلّغ لها انها فكره عالميه، و ترى الليبراليه ان عقلانيه الفرد تتلخص في واقعيته و محاسباته. طبعاً من خلال المفهوم الخاص الذي تمتلكه عن «الواقعيه»، و هو التقييم الصحيح لـ«بيئه العمل». و على اساس هذه النظره، تكون الواقعيه جزءاً من محاسبات العامل. لذلك فالليبراليه تقول: عقلانيه سلوكيات العامل، تساوي محاسباته! هذه نظريه معروفه و مشهوره جداً. و سؤالنا حول صحه هذا الاساس، و طبيعي فإن هذا الامر ستكون له تبعات و نتائج عديده.

     و من حيثُ ان هناك نظريه عامه حول بنيه العمل و ديناميكيته، لذلك نستطيع دراسه السؤال المطورح على اساسها: هل يجب ان نبيِّن بدقه تأثير «العقلانيه» في كل من اركان العمل الاساسيه؟ و نبدأ من الحاله المفهوميه (َS) اي الصوره التي يمتلكها العامل عن الحاله الحقيقيه؛ فالعقلانيه تستوجب ان لايكتفي العالم بصرف «فينومينالوجيا» الوضع الحقيقي، و انما ان يتحرك نحو العقل و الجذور، و ان لايخاف في هذا السير من الاتهام بالتفكير الميتافيزيقي. و اللافت في الامر هو ان مشكله الامتداد الجذري في الركن الآخر للعمل، اي في الوضع او الحاله المنشوده (S*) تظهر ايضا بكامل قوتها و شدتها. نعم، اذا لم نكن نؤمن بوجود جذور للإنسان (و العالم)، و اذا كنا لانري للإنسان رساله حقيقيه، او مسؤوليه واقعيه، ففي هذه الحاله لن تكون المحاسبه كافيه لوصول العامل الي الوضع او الحاله المنشوده (*S). من هنا يتضح جلياً، لماذا تخلص الليبراليه من جهه العقلانيه في المحاسبه، و من جهه اخرى لانرى للإنسان جذوراً و كمالاً ذاتياً و وظيفه و مسؤوليه حقيقيه تكون الاساس في صحه اعماله او عدمها. و يجب الاعتراف ان هذا الموضوع يشتمل على خديعه كبرى في تاريخ الفكر: اذا اعتبرنا ان ليس للانسان جذور و لا مسؤوليه حقيقيه، فهذا الامر يساوي انكار وجود جذور لكل العالم (و الوجود). و ينتج عن هذا الامر، ان الانسان سيكون احد المنتوجات العديده و الصدفيه لحيوان معين، الى جانب مئات الحيوانات الاخرى. فكيف، و على اي اساس، و بأي وجه، تتحدث الليبراليه و اتباعها عن رساله الانسانيه للإنسان المعاصر؟ عن أي رساله او مسؤوليه او قيمه عالميه؟ برأيي ان هذا من اكبر و اعمق الاخطاء في تاريخ الفلسفه! الانسان العاقل يعاني من مشكله الجذريه، و لايستطيع الفرار من هذه الدغدغه بالتسامح و «اشغال النفس». مشكله الامتداد الجذري هي بدايه «البصيره» بمعناها الحقيقي. و لذلك فالشخص الذي يعاني من هذه المشكله، يجب تشبيهه بـ«الواعي» حقيقياً، و هذه النقطه هي مفتاح جميع النجاحات. لذا فـ«العقلانيه»  تحتاج حتماً الى الوعي، الوعي الذي ينتهي الى البصيره. و الواقع ان اصل «العقلانيه» يمكن في هذه البصيره. هنا يجب ان نقول ما هو هذا الخيط العظيم الذي حدث، و الذي جعل الانسان يغفل عن «جذوره» و يكتفي بنوع من الفاعليه و التأثير التقني، و ينظر اليهما على انهما ذروه العقلانيه في اطار المحاسبه. في هذه الدراسه، سميتُ الاتجاه نحو الجذور و الاهتمام بمبنى الوجود واصله، و من ثم المسؤوليه الحقيقيه للإنسان بـ«الحقانيه» التي سيأتي ذكرها لاحقاً.

     تلاحظون النتيجه المهمه التي وصلنا اليها. فالانسان الحديث يجب ان يكون «اعقل». و يتبع هذا كونه ابصر ايضاً. الانسان الحديث يجب ان يكون على بصيره عاليه و ادق في فهم جذوره (و جذور عالم الوجود)، و ان يكون حساساً و غير غافلٍ. هذه النتيجه تماماً خلاف الفهم السائد لمفهوم الحداثه؛ ففي الفهم السائد للحداثه، يكون الاساس هو نوع الطائره التي يركبها الشخص و نوع السياره و الوسائل التي يستخدمها في مكتبه او في منزله و الخ. في حين ان جذور الحداثه توجد في مكان آخر. لنتصور شخصاً يحصل على درجات عاليه في جميع الابعاد التي ذكرناها، لكنه لايفكر في مشكله الامتداد الجذري، و يكتفي في فهمه للوقائع و الوضع الحقيقي بفينومينولوجيتها، و لايؤمن بالقيام بالوظيفه الحقيقيه و الانسانيه الاصليه في اختياره لبروتوكول العمل، هذا الشخص «متخلف» و غير حديث حتى لو استخدم اكثر الوسائل تطوراً و احدثها في منزله و محل عمله! فليس المهم امتلاك خط تلفون متطور، بل المهم هو كيف يستخدم هذا التليفون؟ و ما هي الاحاديث التي يتبادلها من خلاله؟ و مدى اهميتها من نواحي الواقعيه و المحاسبه و البصيره؟ نعم حداثه الامكانات و استخدام اكثر المنجزات العلميه تطوراً، له دور في الحداثه و لكن بشكل ينسجم مع الجوانب الاخرى التي تؤثر في عمل الفرد الارادي.

     و مع الاخذ بالبنيه الماهويه التي نمتلكها عن العمل، فإن العبور من العمل الفردي الى العمل الجماعي دائماً (العبور من عامليه الفرد الى عامليه الجماعه)، له حدود منطقيه واضحه. لذلك نستطيع الآن ان نتحدث حول «المجتمع الحديث» او «النظام الاجتماعي الحديث». و بالطبع فإن هذا الامر سيكون قمه البحث حول الحداثه.

 

المجتمع الحديث

     ليس المجتمع مجرد مجموعه من الافراد، و انما هو مجموعه يحكمها «النظام الاجتماعي»، بشكل يمكن للمجتمع من خلاله القيام بعمل جماعي. هذه الملاحظه تمكننا من ايجاد مسار منطقي لدراسه المجتمع. فالمجتمع الحديث، هو:

     اولاً: الذي يكون حديثا من ناحيه الاعمال الجماعيه الصادره عنه.

     ثانياً: الذي يكون حديثاً من ناحيه بنيه النظام الاجتماعي الذي يسوده.

     ففي المورد الاول، ستكون بنيه العمل دليلنا في البحث، و بدراسه كل واحده من اركان العمل، يمكننا دراسه خصوصيات الحداثه من زاويه الاعمال الصادره. و كما أشرنا سابقاً، فإن للعمل الجماعي من الناحيه البنويه في نظريتنا بنيه العمل الفردي نفسها. و في الحقيقه فان البنيه الاجتماعيه و ميدان العمل الجماعي كالحكومه التي تعتبر ذروه التشكل الاجتماعي حيث يجد «العمل» كماله الحقيقي، و هذا ما قَصده حكماء اليونان (و على راسهم ارسطو) عندما قالوا إنّ كمال الفرد تبلغ ذروته في الحكومه. ان هذا الكمال هو من النوع الذي لايمكن ظهوره في الفرد، و هذه نقطه حساسه جداً. لكن في العمل الجماعي، نجد لكل واحده من اركان العمل شخصيتها المتمايزه و المستقله، لذلك ستكون اكمل قياساً بنظائرها في الفرد. فمثلاً، في فهم الوضع الحقيقي الذي يعدّ أرضيه الفعل في عمل الفرد يكون الفهم من وظائف الفرد، في حين ان هذا العمل في الحكومه باعتبارها اكمل تشكليه اجتماعيه يمكن ان تكون له مؤسسات عديده، و هذه المؤسسات متكونه بدورها من علماء و خبراء، يفهمون «الوضع الحقيقي» بأساليب دقيقه، و وسائل متطوره و معقده، و بديهي ان لايمتلك الفرد مثل هذه الامكانات و كذلك في مسأله اتخاذ قرار (الوضع المنشود) حين يمكن للفرد ان يتخذ قراراً معيناً بسيطاً او معقداً في حين ان اتخاذ القرار في اي تركيبه اجتماعيه مثل الحكومه او ما هو ابسط منها مثل الشركه التجاريه يمكن ان يكون له برنامج دقيق جداً و معقد. فالقرار مثلاً يدرس في البدايه على مستوى الخبراء (Think Tanks)، و يتم بحث مختلف زواياه، ثم تتم الموافقه عليه من قبل الحكومه و بعد ذلك يصادق عليه المجلس (البرلمان) و .. هكذا، هذه مجرد نماذج لتوضيح مدى كمال الفرد في الحكومه. هنا يمكننا بحث الحداثه في المجتمع كما بحثنا ذلك فيما يتعلق بالفرد، و استخلاص مختلف خصوصياتها.

     لقد اخذنا بملاك العقلانيه، فيما يخص فهم الانسان الحديث، و هذا الملاك يعد مفتاح فهم النظام الاجتماعي الحديث ايضاً. فمن الخطإِ جداً ان لاننظر الاّ للطرق و الشوارع و وسائل النقل و اجهزه الاتصال و الخ. و بديهي ان يتخذ العلم و التكنولوجيا مكانتهما في تركيبه العمل بسبب تأثيرهما فيه، لكنه يجب الاهتمام بجذور العمل و اركانه لفهم طبيعه (ماهيه) الحداثه. ففيما يتعلق بالعمل الفردي كنا من قبل وصلنا الى هذه النتائج، و هي ان الانسان الحديث، يكون:

     اولاً: واقعياً.

     ثانياً: محاسباً.

     ثالثاً: يؤمن بالعلم.

     رابعاً: مبدعاً.

     و جميع هذه الخصائص استنتجناها من مفهوم العقلانيه، و من ثَمَّ لا حظنا أنَّ العقلانيه لاتنحصر في المحاسبه او الامور التي ذكرناها آنفاً، و ان مسأله «الحقانيه» (صحه المعتقد)، بمعنى البحث عن امتداد جذري، مطروحه ايضاً، و وصلنا من خلالها الى خصوصيه اخرى، و هي ان الانسان الحديث «اكثر بصيره». الخصوصيات هذه التي ذكرناها تصدق ايضاً فيما يتعلق بالمجتمع الحديث، و يمكن استنتاجها جميعاً يتحليل و دراسه اركان «العمل» الاساسيه. أي انه و لحساب حداثه مجتمعٍ ما، ننظر الى ذروته و هي الحكومه، و من ثم نحسب و نقيس الشواخص الخمسه: مدى واقعيه تلك الحكومه؟ مدي محاسباتها؟ مدي ايمانها بالعمل؟ شجاعتها في استخدام و اكتشاف طرق و اساليب جديده؟ مدى «التزامها» و رساليتها؟

     و على هذا الاساس لا بالظواهر يمكننا تمييز المجتمع الحديث عن غيره. و اذا صار من المفروض تعارض فكره مع الحداثه، فبديهي ان تتعارض مع هذه المؤشرات (الشواخص)، و في النتيجه ستصطدم بالمصدر الذي هو اصل «العقلانيه»، لسهوله المراجعه و أهميه هذه القاعده التي نسمِّيها بـ«ضابطه الحداثه».

     و هنا نريد ان نقدم بعض التوضيح فيما يتعلق بالعنصر الخامس لضوابط الحداثه و هو «رساليه الحكومه»، فقد اشرنا في العناوين السابقه انَّ الانسان البصير، يصل في بحثه إلى جذور وجوده (و العالم) الى المسؤوليه و الوظيفه الحقيقيه للبشريه. و عندما تتعلق هذه المسؤوليه بالنظام الاجتماعي الذي تشرف عليه الحكومه سيكون لتلك الحكومه مسؤوليه حقيقيه ايضاً. و هي اعداد و تهيئه الارضيه للأفراد ليقوموا بوظائفهم و لايزيغوا عنها. و مثال ذلك الاسلام، اي ان الناس لو وصلوا في مسؤوليتهم الفرديه إلى الإسلام، عند ذاك سيأمر الاسلام بتشكيل حكومه و يضع على رأسها فقيهاً جامعاً للشرائط، و سيرى لتلك الحكومه مسؤوليات و وظائف معينه. فالحكومه الاسلاميه، حكومه «ملتزمه» «ملتزمه بالمسؤوليه»: و هي المسؤوليه الاصليه التي لم تأتِ بالتعاقد. هناك نقاط كثيره في هذا البحث، سنوردها بدون ادنى شك. الديمقراطيه الليبراليه لاترتاح كثيراً لخصوصيه الالتزام هذه، لان الليبراليه لاتؤمن بوجود امتداد جذري للإنسان يمكن استنتاج مسؤوليه و التزام الحكومه منه. لذلك يمكن ان نفهم جيداً لماذا ترى الليبراليه ان عمل الحكومه منحصر في ايجاد فضاء و محيط آمن و واسع للأفراد حتى يتمكنوا من القيام بأي عمل فردي يريدونه في ذلك الفضاء و المحيط. و من هنا ايضاً نفهم، لماذا لاترى الليبراليه ايه مسووليه ارشاديه للحكومه، و تعتبر ذلك تدخلاً في الشؤون الشخصيه و تعدياً على حريم الحريه الفرديه. طبعاً يجب ان نعرف ان مفهوم النظام الاجتماعي اكثر عموميه و شموليه من الحكومه، لكن الحكومه اهم و اعمق مصداق للنظام الاجتماعي.

     و طبقاً لضابطه الحداثه بالنسبه للحكومه، فالحكومه التي تشعر بالمسؤوليه اكثر عند القيام بوظائفها تكون اكثر حداثه من غيرها، لا أن تكون غير منضبطه، لاتفكر الاّ بعسكره بيئه العمل الفردي. و هنا أود الانتباه الى هذه النقطه و هو ادعاء بعضهم ان الحكومه الوظيفيه تكون بمرحله متخلفه عن الحكومه الليبراليه! و يجب أن يمضي وقت حتى تصل الى مرحله الحكومه الليبراليه! هذه (السذاجه) تنشأ عن السطحيه في الفكر و تضليل بعض المصطلحات، في حين ان الدراسات المعمقه اوصلتنا الى ان الحكومه الحديثه يجب ان تعمل بمسؤوليه اكثر.

 

المشروعيه و الحداثه

     ان البحث في مشروعيه نظامٍ ماينتهي الى مسؤوليه الحكومه باعتبارها النظام الاجتماعي، الذي يملي سلوكيات خاصه، و تقوم المشروعيه بموجب هذه السلوكيات عقلياً، كأن تقوم الحكومه بواسطه الشرطه بسدِّ احد الطرق و منع المرور فيها، و في الوقت نفسه تجوِّز طريقاً آخر للعبور. فلماذا يجب عليّ كسائق - ان اطيع اوامر هؤلاء الشرطه؟ و ما هو التوجيه العقلي لطاعتي الحكومه؟ في جواب ذلك، هناك ردود متنوعه:

     النوع الاول: عدم طاعه الشرطه (الحكوميه) يأتي بالضرر، لذلك تجب عليّ الطاعه لتلافي ذلك الضرر.

     النوع الثاني: طاعه الحكومه هو وفاء العهد، اي انني تعهدت مسبقاً بطاعه الحكومه.

     النوع الثالث: طاعه الحكومه عمل «صحيح» (ضرورهً و عقلاً) لذلك اسلِّم بحكم العقل و اطيع الحكومه.

     بديهي ان لكل واحده من هذه الانواع مشروعيتها التي تمليها، ففي النوع الاول لايوجد للحكومه (او النظام الاجتماعي) ايه مشروعيه يمكن توجيهها عقلياً، مع ان الاجراء اللازم معقول جداً في مواجهه آفات مثل هذا النظام، لذلك يسمي فاكس فيبر مثل هذه الانظمه الاجتماعيه «غير عقلانيه»، و هذه الحاله ناشئه من عدم وجود توجيه (مسوغ) عقلي لتسلطها، يقول ماكس فيبر: «ان من جمله هذه التبريرات غير العقليه هو الاستناد الى التقليد (Tradition) المعمول به، او ان يستند بعضهم الى علاقاتهم الطيبه بين الناس (Charisma)، او على اساس عقائد اخرى»، لانه لايرى للعقائد الدينيه غير القيمه التقليديه (لذلك فهي غير عقلانيه)، فالحكومه التي تستند في مشروعيتها الى العقائد الدينيه، يراها ماكس فيبر من جمله الانظمه غير العقلانيه. و بديهي يجب ان لانخطأ في هذا المورد. نعم اذا قلنا (دين) و قصدنا بذلك العقائد الدينيه لقبيله «الزولو» في افريقيا الجنوبيه، يصح ادعاء ماكس فيبر. اما اذا كان ملاك المشروعيه الاسلام المبني بشكل كامل على اساس عقلاني، في هذه الحاله فإن النظام الذي يستند الى هذا الدين سيكون حتماً نظاماً عقلانياً. علينا ان نفهم مصطلحات ماكس فيبر بشكل جيد ثم نجد مصاديقها بأنفسنا، لا ان نستند الى فهم ماكس فيبر عن الاسلام في تعيين المصداق!

     في النوعين الثاني و الثالث، يكون «العقل» هو المحور، لذلك فإن مثل هذه الانظمه تعتبر عقلانيه. فالنوع الثاني هو النظام الذي تستند مشروعيته الى العقد الاجتماعي (Contract Social)، اما النوع الثالث فهو النظام الذي تستند مشروعيته الى أصاله الوظيفه (او البراكسيس على حدّ