المقاومة‌ الاسلامية‌ في‌ جنوب‌ لبنان‌

 قراءة‌ في‌ المرتكزات‌ السياسية‌ والاجتماعية‌ للتجربة‌

 د. علي‌ فياض‌

 لم‌ تنل‌ تجربة‌ المقاومة‌ الاسلامية‌، فيما آلت‌ اليه‌ من‌ انتصار علي‌ الاحتلال‌ الاسرائيلي‌ في‌ الجنوب‌ اللبناني‌ او في‌ نجاحاتها قبل‌ ذلك‌، الاهتمام‌ البحثي‌ اللازم‌ القادر علي‌ كشف‌ منطقها الجهادي‌ ومرتكزاتها الايديولوجية‌ والسياسية‌ وآليات‌ اشتغالها التكتيكية‌ ووظائفها الاستراتيجية‌، وكيفية‌ معالجتها للاشكاليات‌ المجتمعية‌ والسياسية‌ التي‌ واجهتها، ولا يبعد أن‌ يكون‌ ذلك‌ تعبيراً عن‌ علة‌ في‌ الوعي‌ المعرفي‌ العربي‌، حيث‌ غالباً ما تتأخر الاستجابة‌ البحثية‌ في‌ دراسة‌ الظواهر، دون‌ مساوقة‌ أو مواكبة‌ موازية‌ للوقائع‌ والحوادث‌.

 لقد استقر انتصار المقاومة‌ كظاهرة‌ متعاكسة‌ مع‌ موازين‌ القوي‌ العالمية‌ والاقليمية‌ في‌ المجال‌ الشرق‌ اوسطي‌، أو كنتوء استثنائي‌ خارج‌ سياق‌ الانحدار العربي‌ الذي‌ تعبر عنه‌ مناخات‌ التسوية‌ ومعادلاتها واتفاقياتها، وبدا هذا الانتصار كلحظة‌ تاريخية‌ مقطوعة‌ خارج‌ الزمن‌ السياسي‌ الذي‌ دشنته‌ حرب‌ الخليج‌ الثانية‌. وكتجربة‌ فكرية‌ وعملية‌ خارج‌ الحقل‌ التداولي‌ لمنظومة‌ الافكار التي‌ هيمنت‌ علي‌ الفكر السياسي‌ العربي‌ بعيد انهيار الاتحاد السوفياتي‌ وصعود الهيمنة‌ الامريكية‌.

 فما الذي‌ اعطي‌ لهذه‌ الظاهرة‌ خصوصيتها؟ وما هو مرتكزها الجوهري‌ في‌ تحقيق‌ نجاحاتها؟ وهل‌ ثمة‌ منطق‌ جهادي‌ خاص‌ يسمح‌ بالاستناد اليه‌، يرسم‌ المسار الارتقائي‌ لهذه‌ التجربة‌، وتحديد قواعد اشتباكها مع‌ الواقع‌ بتعقيداته‌ واشكالياته‌؟ وهل‌ يمكن‌ استخلاص‌ معادلات‌ قياس‌ لهذه‌ التجربة‌، تنبني‌ علي‌ أساسها نظريتها الخاصة‌ بالصراع‌ والمواجهة‌؟ هل‌ تنطوي‌ هذه‌ التجربة‌ علي‌ مناحي‌ تجديد في‌ مرتكزات‌ الصراع‌ مع‌ العدو، وما هي‌ الوجهة‌ المستقبلية‌ له‌؟

 لا تدعي‌ هذه‌ الورقة‌ انها سعت‌ للاجابة‌ عن‌ كل‌ هذه‌ الاسئلة‌، وان‌ كانت‌ تشدد علي‌ أهميتها دون‌ استثناء، وهي‌ حاولت‌ أن‌ تقارب‌ جوانب‌ محددة‌ في‌ تجربة‌ المقاومة‌ تنتمي‌ الي‌ الحقل‌ الاجتماعي‌ ـ السياسي‌ والفكري‌، طالما أن‌ الحقل‌ العسكري‌   وما حفل‌ به‌ من‌ اسهامات‌ جهادية‌ فذة‌، كان‌ العنوان‌ الباهر لهذه‌ التجربة‌ وتحت‌ مجهر المراقبة‌ الدائمة‌، وطالما أن‌ « الشهادة‌ » مفهوماً وممارسة‌، كانت‌ ركيزة‌ المرتكزات‌ في‌ هذه‌ التجربة‌ ومحور محاورها الذي‌ لا ينافس‌ ويمتنع‌ علي‌ التشبيه‌ والمقاومة‌.

 لذا رمت‌ هذه‌ الورقة‌ الي‌ مقاربة‌ جوانب‌ غير منظورة‌ في‌ التجربة‌، جوانب‌ جوهرية‌ رغم‌ كونها غائرة‌ واساسية‌ رغم‌ كونها رديفة‌، وتشكل‌ بالمحصلة‌ قاعدة‌ فكرية‌ وسياسية‌ للفعل‌ الجهادي‌ المقاوم‌.

 في‌ الحقيقة‌، ثمة‌ توجهات‌ لابد من‌ ملاحظتها، سلكتها المقاومة‌ في‌ ممارساتها ومواقفها، ومثّلت‌ من‌ الناحية‌ النظرية‌ المفاهيم‌ التي‌ واجهت‌ بها اشكاليات‌ الواقع‌ وتعقيداته‌، ومن‌ الناحية‌ العملية‌ شكلت‌ اطاراً سياسياً ـ اجتماعياً لحركة‌ المقاومة‌ أو شروطاً لازمة‌ لنجاحها وهي‌ التالية‌:

 1 ـ في‌ السلم‌ الاهلي‌:

 حرصت‌ المقاومة‌ حرصاً دؤوباً علي‌ الاندماج‌ في‌ علاقة‌ سلم‌ أهلي‌ داخلي‌ راسخ‌ واستبعاد منطق‌ الصراعات‌ المسلحة‌ داخلياً في‌ بيئة‌ اجتماعية‌ عميقة‌ التناقضات‌ من‌ الناحية‌ الطائفية‌ والسياسية‌، وعندما فرض‌ علي‌ المقاومة‌ أن‌ تنزلق‌ الي‌ فتنة‌ داخلية‌ دامية‌ بفعل‌ عوامل‌ قاهرة‌، أدي‌ ذلك‌ الي‌ تعطيل‌ فاعليتها بصورة‌ شبه‌ كاملة‌، واُصيبت‌ بشلل‌ امتد علي‌ مدي‌ اعوام‌ الفتنة‌ (88 ـ 90م‌)  ، هذا عدا انقسام‌ البيئة‌ الاجتماعية‌ نفسها وترسخها وانشغالها بلملمة‌ الجروح‌ الداخلية‌ وآثارها الدامية‌.

 لقد شكل‌ ذلك‌ نموذجاً تطبيقياً قاطعاً في‌ اظهار الاهمية‌ الفائقة‌ لاستقرار البيئة‌ الاجتماعية‌، والحؤول‌ دون‌ تفاقم‌ الصراعات‌ السياسية‌ خارج‌ اطار اللعبة‌ الديموقراطية‌، ومثّل‌ شرطاً لخطوة‌ لاحقة‌ حاسمة‌ وهي‌ تحول‌ المقاومة‌ الي‌ خيار مجتمعي‌ توحيدي‌، عوضاً عن‌ انزلاقها الي‌ ساحة‌ التجاذب‌ الطائفي‌ والسياسي‌.

 وبدا في‌ سياق‌ ذلك‌ أن‌ فرص‌ تحشيد الطاقات‌ والامكانات‌ البشرية‌ والمادية‌ والسياسية‌ لن‌ تتيسر من‌ غير توافر هذا الشرط‌، وان‌ معادلة‌ السلم‌ الاهلي‌ بدت‌ شرطاً اجتماعياً لازماً لنجاح‌ مشروع‌ المقاومة‌ وفتح‌ الا´فاق‌ المجتمعية‌ أمامه‌ بدل‌ انحصاره‌ في‌ الاطار الحزبي‌ البحت‌.

 وهكذا، دفعت‌ المقاومة‌ خارج‌ دائرة‌ الانقسام‌ الداخلي‌ تدريجياً، وفي‌ عملية‌ سياسية‌ وفكرية‌ قامت‌ علي‌ تنقية‌ المضمون‌ السياسي‌ لمشروع‌ المقاومة‌، من‌ خلال‌ تأكيد وظيفتها التحريرية‌ الخالصة‌ والصراعية‌ البحتة‌ مع‌ العدو الصهيوني‌، أي‌ انها تجنبت‌ كل‌ صراع‌ علي‌ السلطة‌ التي‌ تشكل‌ الموضوع‌ الانقسامي‌ الداخلي‌ بامتياز، وقد جري‌ التعبير عن‌ ذلك‌ عبر رفض‌ توظيف‌ منجزاتها في‌ سياق‌ المكتسبات‌ الداخلية‌ في‌ بنية‌ السلطة‌ وأجهزتها ومؤسساتها الادارية‌، وبدا ذلك‌ صورة‌ لطهرانية‌ نضالية‌ تمكنت‌ علي‌ المدي‌ البعيد من‌ انتزاع‌ الاجماع‌ الوطني‌ رغم‌ تفاوت‌ ايقاعاته‌ واختلاف‌ تعبيراته‌.

 وهكذا، أفلتت‌ المقاومة‌ رغم‌ المضمون‌ الديني‌ لشعاراتها التعبوية‌ وتنظيراتها الايديولوجية‌ خارج‌ قنوات‌ الانقسام‌ الداخلي‌، لتشكل‌ تجربة‌ متميزة‌: فصيل‌ ديني‌ يقود مشروعاً وطنياً اجماعياً في‌ مجتمع‌ تعددي‌ تتأسس‌ بناه‌ في‌ الاصل‌ علي‌ الانقسام‌ والتناحر...

 2 ـ في‌ سؤال‌ الهوية‌:

 يتسم‌ موضوع‌ الهوية‌ بطابع‌ اشكالي‌ عميق‌، فالهوية‌ العربية‌ عانت‌ علي‌ الدوام‌ من‌ انشطار في‌ ابعادها، غالباً ما كان‌ يأخذ منحي‌ صراعياً وتناقضياً، وحيث‌ ان‌ الهوية‌ هي‌ مسألة‌ وعي‌ قبل‌ اي‌ شي‌ء آخر، فقد استقر هذا الانشطار في‌ بنية‌ الوعي‌ العربي‌، بما هو هوية‌ وبما هو ايديولوجيات‌ تعبير عن‌ هذه‌ الهوية‌، وهكذا بدت‌ العروبة‌ ضد الاسلام‌ والاسلام‌ ضد العروبة‌ وكلاهما ضد الوطنية‌، وفي‌ نقلة‌ انقسامية‌ اخري‌، بدا الاسلام‌ ضد الاسلام‌ والعروبة‌ ضد العروبة‌، لتتشكل‌ متوالية‌ انقسامية‌ تصاعدية‌ لا تنتهي‌... ومن‌ البديهي‌ ان‌ يحفل‌ كل‌ مجتمع‌ باتجاهات‌ شتي‌ تتناقض‌ تناقضاً حاداً، لكن‌ أن‌ ينقل‌ التناقض‌ الي‌ اطاره‌ الصراعي‌، ليطال‌ مفهوم‌ الامة‌ ومفهوم‌ الوطن‌ ومفهوم‌ الدولة‌ دون‌ توافر الفرصة‌ الفكرية‌ والعملية‌ للتصالح‌ علي‌ القضايا
 الجوهرية‌ ولائحة‌ الاولويات‌ وانتاج‌ ادوات‌ مفهومية‌ ومؤسسات‌ وأطر ناظمة‌ لعلاقات‌ الاختلاف‌ وتوظيفها في‌ سياق‌ وجهة‌ مستقبلية‌ واحدة‌، ففي‌ الامر مأزق‌ تاريخي‌ حقيقي‌، ستعيد انتاجه‌ باستمرار الايديولوجيات‌ المأزومة‌ طالما هي‌ تتولي‌ انتاج‌ نفسها أيضاً.

 السؤال‌، كيف‌ واجهت‌ المقاومة‌ الاسلامية‌ بما هي‌ تيار فكري‌ وجهادي‌، هذا المأزق‌ الانقسامي‌؟ هل‌ أدرجها في‌ آلياته‌ وهضمها بمنطقه‌ الذي‌ يكاد يكون‌ بنيوياً ومتأصلاً ؟ أم‌ أنها أفلتت‌ منه‌ في‌ وجهة‌ أخري‌؟.

 في‌ الواقع‌، لا يخفي‌ أن‌ خطاب‌ المقاومة‌ الاسلامية‌ تدرج‌ في‌ مسار تطوري‌ بيّن‌، وقد ولج‌ في‌ عملية‌ انضاج‌ دؤوبة‌ علي‌ مدي‌ عقدين‌ من‌ السنين‌ تقريباً، وفي‌ الوقت‌ الذي‌ بقي‌ أميناً لاصوله‌ الفكرية‌ والعقائدية‌ وظل‌ متشبثاً بمقولاته‌ ومفاهيمه‌ المركزية‌ وهي‌ التي‌ تنتسب‌ الي‌ منظومة‌ الافكار الاسلامية‌ والشيعية‌ تحديداً، الا انه‌ من‌ ناحية‌ اخري‌، وبالاخص‌ فيما يتعلق‌ بالفكر السياسي‌ والسياسة‌ العملية‌، أوغل‌ في‌ عملية‌ تجديد وتكييف‌ راسخة‌ سمحت‌ له‌ باستيعاب‌ التعقيدات‌ والمستجدات‌ التي‌ كانت‌ تواجهه‌ باضطراد، بحكم‌ نمو الظاهرة‌ وتفاقم‌ المهام‌ واتساع‌ الحجم‌،.. وهكذا يمكن‌ تبين‌ السمات‌ الفارقة‌ في‌ الخطاب‌ بين‌ مرحلتي‌ الثمانينات‌ والتسعينات‌، بحيث‌ صار في‌ المرحلة‌ الثانية‌ اكثر انفتاحاً وتعاوناً واقدر علي‌ التواصل‌، وبات‌ اكثر اعتناء بالتنويعات‌ الاجتماعية‌ والسياسية‌ التي‌ تحفل‌ بها الامة‌، فبات‌ مفهوم‌ الوطن‌ حاضراً ومتكرراً، ولم‌ يعد مترادفاً مع‌ معني‌ الكيانية‌ والتقسيم‌، وحضرت‌ العروبة‌ اصطلاحاً ومضموناً بوصفها انتماءً طبيعياً وليست‌ ايديولوجية‌ سياسية‌ تقابل‌ الاسلام‌ وتتعارض‌ معه‌، من‌ هنا تكرست‌ اسلامية‌ خطاب‌ المقاومة‌ علي‌ قاعدة‌ الانفتاح‌ والتكامل‌ والتواصل‌ مع‌ البعدين‌ الوطني‌ والقومي‌، لتتلاشي‌ مناخات‌ التوتر والحدة‌ شيئاً فشيئاً. وقد كان‌ لتطور تحالفات‌ المقاومة‌ ورسوخها مع‌ السلطة‌ اللبنانية‌ وسوريا وايران‌، ان‌ يعكس‌ تآلف‌ الابعاد الثلاثة‌ هذه‌ علي‌ المستويين‌ السياسي‌ والاستراتيجي‌ ويترجم‌ تلك‌ المصالحة‌ النظرية‌ والعملية‌ بين‌ الابعاد الاسلامية‌ والقومية‌ والوطنية‌.

 اذن‌، تعكس‌ تجربة‌ المقاومة‌ الاسلامية‌، من‌ زاوية‌ سؤال‌ الهوية‌، منحي‌ شديد الخصوبة‌ يستبدل‌ الانشطار بالوحدة‌ والصراع‌ بالتكامل‌، وينطوي‌ علي‌ فكر الالتئام‌ بدل‌ فكر الانقسام‌، ويمثل‌ ذلك‌ من‌ ناحية‌ كلية‌، نقطة‌ تحول‌ في‌ التجربة‌ الفكرية‌ للحركة‌ الاسلامية‌ تضاف‌ الي‌ جملة‌ تحولات‌ في‌ القيم‌ العملية‌ والسياسية‌.

 3 ـ فقه‌ التكليف‌ وفلسفة‌ الواجب‌:

 ينبني‌ المنطق‌ الجهادي‌ للمقاومة‌ علي‌ أساس‌ عقائدي‌ ديني‌، وتأتي‌ السياسة‌ استكمالاً لهذا الاساس‌، رغم‌ حلولها في‌ احيان‌ كثيرة‌ في‌ موقع‌ الاساس‌ بدورها، فالمعركة‌ مع‌ الاسرائيليين‌ في‌ نظر المقاومة‌ الاسلامية‌، معركة‌ حق‌ وباطل‌، ومعركة‌ مقدسات‌ ووجود، وكلها مفردات‌ تفوق‌ مكانة‌ السياسة‌ بوصفها متغيرات‌ ووقائع‌ وحيثيات‌، لذا فالمعركة‌ اذن‌ ليست‌ خياراً، ولا هي‌ وليدة‌ مصالح‌ جري‌ تقديرها في‌ زمن‌ سياسي‌ محدد، انها جزء من‌ العقيدة‌ وتعالٍ في‌ الممارسة‌ النضالية‌، ففي‌ معركة‌ الحق‌ والباطل‌ لا وجود لخيارات‌ متعددة‌، انما هناك‌ تكليف‌ شرعي‌ محدد، وواجب‌ ديني‌ لا مناص‌ منه‌، وهذا بالضبط‌ ما تقصده‌ الحمولة‌ الدينية‌ والاخلاقية‌ للشعار الذي‌ رفعته‌ المقاومة‌ في‌ سعيها «لاحدي‌ الحسنيين‌ النصر أو الشهادة‌»، أي‌ أن‌ الوجهة‌ برمتها وجهة‌ انتصار لا خسارة‌ فيها، وقد كان‌ لشعار آخر، طالما ردده‌ قادة‌ المقاومة‌ باستمرار وهو ان‌ المقاومة‌ معنية‌ باداء تكليفها   بمعزل‌ عن‌ طبيعة‌ النتائج‌ أو ضمانتها، لان‌ التكليف‌ مسؤولية‌ بشرية‌ وانسانية‌ بينما النتائج‌ أمر الهي‌... دوراً جوهرياً في‌ تشييد المنطق‌ الجهادي‌ للمقاومة‌، ومثل‌ هذا الشعار القاعدة‌ التحتية‌ التي‌ قامت‌ علي‌ اساسها الممارسات‌ الجهادية‌ والمنهل‌ الذي‌ زود المسيرة‌ بشحنة‌ نفسية‌ غزيرة‌ لم‌ تنضب‌، ووفرت‌ قدرة‌ علي‌ التحمل‌ في‌ معركة‌ طويلة‌ الامد امتدت‌ علي‌ ما يقارب‌ العقدين‌ من‌ السنين‌ علي‌ الرغم‌ مما تكبدته‌ من‌ خسائر بشرية‌ ومادية‌ جسيمة‌ وما واجهته‌ من‌ تعقيدات‌ ميدانية‌ وسياسية‌ واجتماعية‌ حادة‌.

 الا ان‌ هذا المفهوم‌، الذي‌ حكم‌ المنطلقات‌ والدور، لم‌ يحوّل‌ المقاومة‌ الي‌ فعل‌ غيبي‌ بحت‌، ذلك‌ ان‌ الاداء الذي‌ يقوم‌ علي‌ التكتيكات‌ الميدانية‌ والعسكرية‌ ويرتبط‌ بالحاجة‌ الي‌ مستويات‌ متقدمة‌ من‌ التخطيط‌ والاعداد، كان‌ عقلياً وحسابياً وواقعياً.. وهنا مكمن‌ هذه‌ الفارقة‌ الايجابية‌، ومعادلة‌ التكامل‌ بين‌ الغيب‌ والعقل‌، وهذه‌ بدورها مسألة‌ منهجية‌ تفسر الي‌ حد بعيد خصوصيات‌ المقاومة‌ في‌ تجديدها لمفهوم‌ العلاقة‌ مع‌ الواقع‌ وتأثيراته‌ الحاسمة‌ علي‌ نظريات‌ الصراع‌ والتغيير والثورة‌، وعلي‌ الرغم‌ مما بين‌ هذه‌ الموضوعات‌ من‌ تباين‌ الا أن‌ ثمة‌ رواقاً منهجياً واحداً يفضي‌ الي‌ ردهات‌ مختلفة‌، ما يعني‌ بالضرورة‌ ان‌ رؤية‌ المقاومة‌ لا يمكن‌ لها ان‌ تنفصل‌ عن‌ الرؤية‌ الي‌ القضايا الكبري‌ الاخري‌ بحيث‌ ترتد جميعها الي‌ جذر منهجي‌ واحد يجد تعبيراته‌ في‌ السياسة‌ والمجتمع‌، ويمكن‌ اختزالها في‌ معادلة‌ التصالح‌ الداخلي‌ وتوظيف‌ الصراع‌ في‌ اتجاه‌ الخارج‌.

 هذه‌ الابعاد الثلاثة‌ التي‌ كانت‌ بمثابة‌ شروط‌ لازمة‌ لنجاح‌ تجربة‌ المقاومة‌، شرط‌ الاستقرار الاجتماعي‌، وشرط‌ الاتساق‌ الفكري‌ ـ السياسي‌ بين‌ مكونات‌ الهوية‌، والشرط‌ الديني‌ الذي‌ تجلي‌ بفقه‌ التكليف‌، غالباً ما تغيب‌ امام‌ الحضور الطاغي‌ للابعاد والشروط‌ العسكرية‌ والاستخباراتية‌ لنجاح‌ المقاومة‌، والتي‌ سجلت‌ فيها نجاحات‌ باهرة‌ ولعبت‌ دوراً جوهرياً في‌ تحقيق‌ الانتصار، تلك‌ الشروط‌ الثلاثة‌ مثلت‌ في‌ حقيقة‌ الامر الاطار الاجتماعي‌ والسياسي‌ والفكري‌ للدور العسكري‌، فهل‌ يمكن‌، الي‌ جانب‌ هذا الاطار في‌ ابعاده‌ المثلثة‌، ان‌ نرسم‌ المنحي‌ الارتقائي‌ الذاتي‌ الذي‌ خطته‌ المقاومة‌ منذ انطلاقتها ولغاية‌ انتصارها؟ وهل‌ ثمة‌ امكانية‌ لتقعيد هذا المسار، اي‌ اخضاعه‌ لقواعد قابلة‌ للقوننة‌ ومعادلات‌ قابلة‌ للاحتساب‌، بما يندرج‌ في‌ منطق‌ جهادي‌ تنسجم‌ فيه‌ المقدمات‌ مع‌ النتائج‌، وباختصار اي‌ قانون‌ سوسيو ـ بوليتيكي‌ انتجته‌ هذه‌ التجربة‌ وخضعت‌ له‌ في‌ الان‌ ذاته‌؟

 المقاومة‌... محاولة‌ لقوننة‌ المسار السياسي‌ ـ الاجتماعي‌

 ربما، ما لايحتاج‌ الي‌ تأكيد، ان‌ الاحاطة‌ الكاملة‌ بظاهرة‌ نجاح‌ المقاومة‌ يقتضي‌ مقاربة‌ كل‌ ظروفها وعواملها الذاتية‌ والموضوعية‌، وهو ما يدفع‌ المعالجة‌ باتجاه‌ تشعبات‌ واسعة‌، غدا اكثرها علي‌ درجة‌ من‌ الوضوح‌ بما لا يزيد علي‌ موضوع‌ معالجتنا الاضافة‌ الهامة‌ المتوخاة‌، حيث‌ من‌ البديهي‌ علي‌ مستوي‌ العوامل‌ الموضوعية‌، ان‌ شبكة‌ التحالفات‌ الاقليمية‌ اللبنانية‌ ـ السورية‌ ـ الايرانية‌ التي‌ دفعت‌ قدما بفعل‌ تعثر محاولات‌ التسوية‌ وبلغت‌ مراحل‌ متقدمة‌ نتيجة‌ للعبة‌ التجاذبات‌ الاقليمية‌ والدولية‌، أدت‌ دوراً رئيسياً في‌ تشكيل‌ مظلة‌ حماية‌ كتيمة‌ للمقاومة‌.

 لكن‌ ماذا علي‌ مستوي‌ تطور حركة‌ المقاومة‌ لناحية‌ علاقتها ببيئتها المباشرة‌ السياسية‌ والاجتماعية‌؟.

 لم‌ تغادر الذاكرة‌ بعد، تلك‌ البدايات‌ في‌ الثمانينات‌ بعد الاجتياح‌ الاسرائيلي‌، عندما انطلقت‌ المقاومة‌ في‌ مناخات‌ الاخفاق‌ والهزيمة‌ المعروفة‌ لتبدو بعد ذلك‌ مستوحدة‌ محاصرة‌ بغربة‌ سياسية‌ واجتماعية‌ خانقة‌، غربة‌ العلاقة‌ مع‌ المجتمع‌ وعداوة‌ العلاقة‌ مع‌ السلطة‌، وكانت‌ عمليات‌ تلك‌ المرحلة‌ في‌ احيان‌ كثيرة‌، تواجه‌ ببعض‌ ردود فعل‌ شعبية‌ وهي‌ مدفوعة‌ ومعبأة‌، ربما تصل‌ الي‌ حدود التظاهر والاستنكار الميداني‌، اما خطاب‌ السلطة‌ ومواقفها فكانت‌ تتراوح‌ دوماً بين‌ الاستنكار والاعتراض‌ والارتياب‌ والتشكيك‌، وقد امتدت‌ هذه‌ المناخات‌ الي‌ بداية‌ التسعينات‌، رغم‌ اتضاح‌ الخيارات‌ الاستراتيجية‌ للسلطة‌ والقوي‌ التي‌ انضوت‌ فيها، وهي‌ خيارات‌ تلتقي‌ مع‌ المقاومة‌ وتملي‌ احتضانها وحمايتها...

 لقد تمكنت‌ المقاومة‌ الاسلامية‌ في‌ رحم‌ هذه‌ المعطيات‌ غير المؤاتية‌، وبفعل‌ اصرارها علي‌ دورها وتحقيقها لمنجزات‌ ميدانية‌ متتالية‌ من‌ ان‌ تجذب‌ الي‌ دائرة‌ التعاطف‌ معها والتأييد لها المجتمع‌ القاعدي‌، وعلي‌ الرغم‌ من‌ تعقيد تركيبة‌ المجتمع‌ اللبناني‌ الطائفية‌ والسياسية‌، فان‌ مشاعر الاحترام‌ والتقدير للمقاومة‌ طالت‌ الشرائح‌ الاكثر بعداً من‌ الناحية‌ الطائفية‌. وهكذا فان‌ انجذاب‌ المجتمع‌ الي‌ علاقة‌ ايجابية‌ مع‌ المقاومة‌ اظهر ان‌ وجود قوة‌ حية‌ تحمل‌ علي‌ عاتقها القضية‌ الوطنية‌ وتتشبث‌ باصرار بمهمة‌ النضال‌ الوطني‌ مع‌ استعداد للتضحية‌ والاستشهاد، سيفضي‌ حتماً في‌ لحظة‌ تحول‌ سياسي‌ ـ اجتماعي‌ الي‌ اصطفاف‌ المجتمع‌ الاهلي‌ علي‌ قاعدة‌ الموقف‌ الايجابي‌ تجاه‌ القوة‌ الحية‌ المناضلة‌، هكذا يتبين‌ لنا، ان‌ وجود القوة‌ الحية‌ الممسكة‌ بناصية‌ القضية‌ الوطنية‌ من‌ شأنه‌ أن‌ يبقي‌ هذه‌ القضية‌ حاضرة‌ ومستعصية‌ علي‌ الالغاء، بينما انجذاب‌ المجتمع‌ الاهلي‌ في‌ مرحلة‌ ثانية‌ الي‌ موقف‌ التعاطف‌ أو التبني‌ من‌ شأنه‌ ان‌ يؤسس‌ لحالة‌ جديدة‌ تسمح‌ بتحويل‌ الخيار الحزبي‌ الي‌ خيار وطني‌ عام‌، وهنا تولد علي‌ هذه‌ القاعدة‌ معادلة‌ جديدة‌ تطرح‌ علي‌ السلطة‌ واقعاً يتراوح‌ بين‌ الاحراج‌ والتحدي‌، يتسم‌ بالتجاذبات‌ واللااستقرار الذي‌ سيفضي‌ أما الي‌ المواجهة‌ واما الي‌ ادراج‌ السلطة‌ في‌ واقع‌ الانجذاب‌ الي‌ الخيار الوطني‌.

 في‌ حالة‌ المقاومة‌ الاسلامية‌ تأرجحت‌ العلاقة‌ في‌ مسار اضطراب‌ شديد، لم‌ يخل‌ من‌ المواجهة‌، كما حصل‌ في‌ مواجهة‌ 13 ايلول‌ التي‌ سقط‌ فيها مئتان‌ وتسعة‌ شهداء، الا ان‌ الامور عادت‌ لتستقر علي‌ قاعدة‌ تسليم‌ السلطة‌ بما يمكن‌ ان‌ نسميه‌ خيار القوة‌ الحية‌ المحتضنة‌ من‌ المجتمع‌ الاهلي‌، ليكتمل‌ بذلك‌ عقد القوة‌ القائم‌ علي‌ مرتكزات‌ ثلاثة‌، قوة‌ حية‌ مجاهدة‌ ومجتمع‌ حاضن‌ ومؤيد وسلطة‌ اعادت‌ انتاج‌ سياستها ومواقفها علي‌ قاعدة‌ الرضوخ‌ للخيار الوطني‌ وموجباته‌ ومستلزماته‌، تحت‌ وطأة‌ المصداقية‌ الثقيلة‌ لنجاح‌ التجربة‌ ولتحالف‌ المجتمع‌ مع‌ القوة‌ الحيّة‌ التي‌ مثّلها حزب‌ الله‌ بامتياز عبر مقاومته‌.

 ان‌ دخول‌ السلطة‌ في‌ عقد القوة‌ هذا، يشكّل‌ لحظة‌ حاسمة‌ ذات‌ وظائف‌ متعددة‌، ونقطة‌ تحول‌ نوعي‌ في‌ مسار المواجهة‌، فهو أولاً يسهم‌ في‌ تكريس‌ وتعميق‌ خيار المواجهة‌ كخيار مجتمعي‌، ويزيد احراج‌ القوي‌ المعترضة‌ او المتخلفة‌ عن‌ اللحاق‌ بالخيار الوطني‌، ويسمح‌ بتحويل‌ الانتصارات‌ العسكرية‌ الي‌ انتصارات‌ سياسية‌ ذات‌ تأثير ايجابي‌ شديد الفاعلية‌ في‌ النتائج‌ النهائية‌ للمواجهة‌، فما كان‌ يحسب‌ انه‌ وليد ضغوط‌ تحالف‌ المقاومة‌ مع‌ المجتمع‌ الاهلي‌، يعيد انتاج‌ هذه‌ العلاقة‌ بطريقة‌ اكثر فاعلية‌ من‌ خلال‌ تعميم‌ وتعميق‌ موقف‌ المجتمع‌ الاهلي‌ نفسه‌ وتضييق‌ منافذ النيل‌ والالتباس‌، بيد ان‌ الحقيقة‌ السوسيولوجية‌ التي‌ يمكن‌ التقاطها في‌ هذا السياق‌ وهي‌ التي‌ علي‌ كل‌ حال‌ يزيدها موضوع‌ معالجتنا جلاء ووضوحاً، هي‌ ثقل‌ دور السلطة‌ في‌ بنية‌ مجتمعاتنا العربية‌ تاريخاً وراهناً، وما تشكل‌ من‌ مرتكز جوهري‌ في‌ انسياب‌ التحولات‌ او الحؤول‌ دونها، انها بؤرة‌ مكثفة‌ في‌ ديناميات‌ المجال‌ السياسي‌ الذي‌ يمتد الي‌ المجال‌ الاجتماعي‌ أيضاً، انها العقبة‌ الكامنة‌ امام‌ فعاليات‌ القوي‌ الحية‌ والمجتمع‌ الاهلي‌، فهي‌ الحائل‌ والقابل‌ في‌ آن‌، جدار الركود السياسي‌ والاجتماعي‌، او جسر الصعود والتحولات‌.

 وهذه‌ الحقيقة‌ بقدر ما هي‌ تاريخية‌، علي‌ ما ينطق‌ به‌ التاريخ‌ السياسي‌ ـ الاجتماعي‌ العربي‌، فهي‌ راهنة‌ أيضاً، وهذا ما تدل‌ عليه‌ التجارب‌ المعاصرة‌ في‌ نواحي‌ العالم‌ العربي‌ دون‌ استثناء، وما علينا الا ان‌ نتخيل‌ اية‌ نتائج‌ كانت‌ ستسفر عنها تجربة‌ المقاومة‌ في‌ لبنان‌، فيما لو اتخذت‌ السلطة‌ موقع‌ الصراع‌ مع‌ المقاومة‌ بدل‌ موقعها الذي‌ تدرج‌ من‌ السلبية‌ الي‌ الحياد فالتأييد والدعم‌.

 ان‌ رسوخ‌ موقع‌ السلطة‌ في‌ الواقع‌ العربي‌، لا يعفي‌ بتاتاً لا القوي‌ الحية‌ ولا المجتمع‌ الاهلي‌ من‌ المسؤولية‌، انما يدفع‌ باتجاه‌ المزيد من‌ ضرورة‌ وعي‌ آليات‌ التغيير السياسي‌ والاجتماعي‌ في‌ الواقع‌ العربي‌، فالقوي‌ الحية‌ هي‌ شرارة‌ التغيير، والمجتمع‌ الاهلي‌ هو الفاعل‌ الذي‌ ينطوي‌ علي‌ توفير الظروف‌ والمعطيات‌ الملائمة‌ لتحويل‌ الشرارة‌ الي‌ عملية‌ اجتماعية‌ مستمرة‌.

 ومع‌ تجربة‌ المقاومة‌ في‌ لبنان‌، التي‌ تبدو لغاية‌ الان‌ استثنائية‌ ومتميزة‌، تشكلت‌ معادلة‌ الانتصار من‌ خلال‌ اصطفاف‌ المقاومة‌ والمجتمع‌ الاهلي‌ والسلطة‌ في‌ خندق‌ واحد، وكما ذكرنا فان‌ القيمة‌ القصوي‌ لموقف‌ السلطة‌ لا تكمن‌ فيما قدمه‌ من‌ دعم‌ بل‌ في‌ عزوفه‌ عن‌ عرقلة‌ دور المقاومة‌ واحتجابه‌ عن‌ الصراع‌ معها. من‌ هنا فان‌ تكرار التجربة‌ اللبنانية‌ في‌ الساحات‌ الاخري‌، سيواجه‌ بمأزق‌ التباين‌ مع‌ السلطة‌ او الصراع‌ معها، ولا حاجة‌ ربما للتوضيح‌ ان‌ معادلة‌ الانتصار واحداث‌ التحولات‌ الجذرية‌ تحتاج‌ الي‌ اعادة‌ تشكيل‌ السلطة‌ او تغييرها أو جذبها باتجاه‌ التصالح‌ مع‌ خيار المقاومة‌، الا ان‌ ممارسة‌ العملية‌ الجهادية‌ او النضالية‌ بذاتها، بما يترك‌ القضية‌ حية‌ او يسقط‌ المشاريع‌ التي‌ تستهدفها لا تحتاج‌ الي‌ ذلك‌ ولا هي‌ مرهونة‌ بأسبابها.