الولاء والولاء المضاد

 ماجد الغرباوي‌

 لم‌ تستطع‌ اية‌ رسالة‌، سماوية‌ كانت‌ ام‌ ارضية‌، ان‌ تواجه‌ التحديات‌ اوتحقق‌ انجازات‌ حقيقية‌ علي‌ صعيد الدعوة‌ مالم‌ تضمن‌ ولاء اتباعها، وهنا تأتي‌ القدرة‌ الذاتية‌ للرسالة‌ وصاحب‌ الرسالة‌ / نبي‌ / زعيم‌ في‌ تعبئة‌ ولاءات‌ الامة‌ باتجاه‌ هدف‌ واحد. لذا سجل‌ الاسلام‌ بفعل‌ الخصائص‌ الذاتية‌ للرسالة‌ وقوة‌ التأثير الهائلة‌ لشخصية‌ الرسول‌ الاكرم‌ (ص‌) فارقاً لا يداني‌ في‌ اختطاف‌ ولاء شعوب‌ لم‌ تمنح‌ ولاءها يوماً ما لاحد سوي‌ القبيلة‌ وقيمها، حيث‌ كانت‌ القبيلة‌ تمثل‌ سلطة‌ فوقية‌ في‌ التوجيه‌ والمواجهة‌، وفي‌ ظلها فقط‌ يتأكد وجود الفرد وتتضح‌ معالم‌ شخصيته‌، اي‌ انه‌ يستمد قوة‌ وجوده‌ من‌ قوة‌ وجودها، ويعطي‌ القبيلة‌ كل‌ شي‌ء من‌ اجل‌ تعزيز موقعه‌ الاجتماعي‌ الذي‌ يتعزز بقوة‌ موقعها. فلا غرابة‌ في‌ ظل‌ هذه‌ الاجواء، ان‌ يزحف‌ انقطاع‌ النسب‌ علي‌ وجود الانسان‌ وينقض‌ عليه‌ مرة‌ واحدة‌، الا اذا بادر من‌ لا نسب‌ له‌ او لا ينتسب‌ الي‌ قبيلة‌ محترمة‌ للانتساب‌ الي‌ قبيلة‌ اخري‌ بـ « الولاء » ليؤكد بها ذاته‌ وحضوره‌ في‌ المجتمع‌.

 من‌ هنا كان‌ من‌ الصعب‌ ان‌ تتوحد الاقوام‌ العربية‌، الموزعة‌ في‌ ولاءاتها تحت‌ مرجعية‌ واحدة‌، وكان‌ من‌ الصعب‌ ايضاً ان‌ يتجرد الانسان‌ العربي‌ من‌ ولائه‌ القبلي‌ ليوالي‌ جهة‌ اخري‌. وما فعلته‌
 الرسالة‌ الجديدة‌ انها استطاعت‌ ان‌ توجه‌ ذلك‌ الولاء باتجاه‌ سلطة‌ فوقية‌ (= الله‌ ورسوله‌)، وفرت‌ للانسان‌ عزة‌ وكرامة‌ لا تضاهيها القبيلة‌. وفعلاً كان‌ الانسان‌ المسلم‌ يشعر من‌ اعماقه‌ بالعزة‌ والكرامة‌ في‌ ظل‌ قيادة‌
 الرسول‌ (ص‌)، فكان‌ يندفع‌ في‌ التضحية‌ في‌ سبيل‌ الله‌ وينال‌ الشهادة‌ برضا وسعادة‌.

 وانما تحقق‌ الولاء الجديد بفعل‌ الجهود المضنية‌ التي‌ بذلها
 الرسول‌ الاكرم‌ (ص‌) في‌ تفكيك‌ بنية‌ العقل‌ الجاهلي‌ واعادة‌ تشكيله‌
 وفق‌ مقولات‌ عمّقت‌ ايمان‌ المسلمين‌ الاوائل‌ بالرسالة‌، فوقفوا بصلابة‌ امام‌ تحديات‌ القبيلة‌ وتقاليدها، حتي‌ حققوا بفعل‌ الولاء الاسلامي‌ انتصارات‌ باهرة‌.

 لكن‌ رغم‌ الشوط‌ الكبير الذي‌ قطعه‌ المسلمون‌ علي‌ صعيد الولاء الرسالي‌، الا ان‌ مسألة‌ تعدد الولاءات‌، كما يتضح‌ من‌ اجواء الايات‌ القرآنية‌، ظلت‌ تثير جدلاً داخلياً لدي‌ بعض‌ المسلمين‌، لصعوبة‌ تخلي‌ الانسان‌، لاسيما في‌ لا وعيه‌، عن‌ ولاءاته‌ الاخري‌، كولائه‌ للوطن‌ والتراث‌ والقبيلة‌ وتقاليدها، وان‌ كان‌ ولاء منفصلاً عن‌ انساقه‌ الجاهلية‌. لان‌
 الولاء صفة‌ نفسية‌، والنفس‌ هي‌ الوعاء الطبيعي‌ الذي‌ يتشكل‌ فيه‌ ولاء الانسان‌، من‌ هنا لا يمكن‌ للانسان‌ ان‌ ينفصل‌ عنه‌، لانه‌ كما يبدو، امر فطري‌،لذا استجاب‌ له‌ الاسلام‌ دون‌ تعال‌ علي‌ الظواهر الفطرية‌ والبشرية‌، واعاد تنظيم‌ علاقة‌ الفرد المسلم‌ مع‌ قومه‌ وماضيه‌ علي‌ اساس‌ «الروح‌ العدوانية‌ والدخول‌ في‌ حرب‌ مع‌ المسلمين‌» وليس‌ فقط‌ علي‌ اساس‌ الولاء للاسلام‌ او عدمه‌.

 قال‌ تعالي‌:  ( لا ينهاكم‌ الله‌ عن‌ الذين‌ لم‌ يقاتلوكم‌ في‌ الدين‌ ولم‌ يخرجوكم‌ من‌ دياركم‌ ان‌ تبروهم‌ وتقسطوا اليهم‌ ان‌ الله‌ يحب‌ المقسطين‌، انما ينهاكم‌ الله‌ عن‌ الذين‌ قاتلوكم‌ في‌ الدين‌ واخرجوكم‌ من‌ دياركم‌ وظاهروا علي‌ اخراجكم‌ ان‌ تولوهم‌ ... )  .

 ثمة‌ ما دعا الرسول‌ (ص‌) الي‌ اتخاذ تدابير فورية‌ بشأن‌ الولاء الاسلامي‌ للحيلولة‌ دون‌ صيروته‌ مجرد حب‌ وعاطفة‌ نفسية‌ او استجابة‌ تتحرك‌ في‌ افق‌ الحب‌ / حب‌ الرسول‌، ربما تنتهي‌ او تخفق‌ في‌ تحمّل‌ مسؤولياتها بموت‌ الحبيب‌. او يتحول‌ الحب‌ الي‌ قيمة‌ مطلقة‌ يكون‌ معها ميزاناً للاعمال‌، مجرداً عن‌ العمل‌ الصالح‌، فجعل‌ ميزان‌ الولاء طاعة‌ الرسول‌ والاستجابة‌ لاوامره‌  ( قل‌ ان‌ كنتم‌ تحبون‌ الله‌ فاتبعوني‌ يحببكم‌ الله‌ )  . وهذه‌ الا´ية‌ صريحة‌ في‌ معارضتها لبعض‌ الروايات‌ التي‌ تعطي‌ للحب‌ قيمة‌ مطلقة‌، حتي‌ لا تضر معه‌ الاعمال‌ السيئة‌.

 تأسيساً علي‌ ما تقدم‌ يبقي‌ الولاء منحصراً بالله‌ تعالي‌  ( ام‌ اتخذوا من‌ دونه‌ اولياء فالله‌ هو الولي‌... )  ، بمعني‌ الاستجابة‌ الكاملة‌ لله‌ ورسوله‌، عبر التبني‌ المطلق‌ للرسالة‌، وتحويلها الي‌ سلوك‌ اجتماعي‌ وممارسة‌ يومية‌ تجلي‌ الروح‌ الانسانية‌ والرحمة‌ الالهية‌ التي‌ تشكل‌ القسط‌ الاوفر من‌ الحمولة‌ الاخلاقية‌ للرسالة‌. وهذا النمط‌ من‌ الوعي‌ سيوفر لنا، لو توفر، تماسكاً اجتماعياً يوحده‌ ولاء واحد.

 لكن‌ يبدو ان‌ شخصية‌ الرسول‌ (ص‌) ، الرؤوفة‌ الرحيمة‌، وقوة‌ تأثيره‌ الروحي‌ والسلوكي‌ والاخلاقي‌ في‌ الفرد حالت‌ دون‌ ان‌ تأخذ النفس‌ البشرية‌ للمسلم‌ ابعادها الحقيقية‌، فظل‌ البعض‌ يظهر الولاء المطلق‌ للرسالة‌ لكن‌ في‌ اللاشعور، في‌ اعماق‌ نفسه‌، كانت‌ تحركه‌ اكثر من‌ ارادة‌، وقد تجلي‌ ذلك‌ بعد وفاته‌ (ص‌)، وبشكل‌ اكثر وضوحاً بعد انقضاء عصر الخلفاء. اذ ثبت‌ بعض‌ في‌ ولائهم‌ للرسول‌، والذين‌ آمنوا عبر الولاء لله‌ تعالي‌، بينما ارتد بعض‌ عنصرياً، تحركه‌ العصبية‌ القبلية‌ باتجاه‌ التمييز العنصري‌ وحصر الاولوية‌ في‌ الحكم‌ والتصدي‌ لشؤون‌ المجتمع‌ بعنصر دون‌ آخر. وبادر قسم‌ ثالث‌ الي‌ وضع‌ معادلات‌ جديدة‌ في‌ الولاء، ادخل‌ فيها عناصر لا تشكل‌ امتداداً  لله‌ ورسوله‌. فزحف‌ الولاء الجديد علي‌ الولاء لله‌ وشريعته‌، يتمظهر عبر مسميات‌ جديدة‌ مثقلة‌ بروح‌ طائفية‌ وعنصرية‌ وربما ايديولوجية‌. ثم‌ تحول‌ ولاء الامة‌ الواحدة‌ في‌ ظل‌ الصراع‌ السياسي‌ علي‌ السلطة‌ الي‌ ولاءات‌ متعددة‌ ومتخاصمة‌ افرزت‌ اجواء محمومة‌ عمقت‌ شقة‌ الخلاف‌ بين‌ الفرق‌ والمذاهب‌ المتصارعة‌.

 وهذا الامر دعا كل‌ فرقة‌ او حزب‌ الي‌ الاستنجاد بالماضي‌ او تقديم‌ قراءة‌ جديدة‌ للنص‌ الديني‌ بغية‌ التوافر علي‌ اسس‌ نظرية‌ تمكنه‌ من‌ اثبات‌ شرعيته‌ في‌ حلبة‌ النزاعات‌ المذهبية‌ والطائفية‌، مما اكد ولاء كل‌ فرقة‌ لعقائدها ورجالها علي‌ حساب‌ الولاء للرسالة‌، بدعوي‌ ان‌ تلك‌ الفرقة‌
 او المذهب‌ هي‌ الاسلام‌ وغيرها باطل‌. من‌ هنا ترشحت‌ قيم‌ جديدة‌ سادت‌ المجتمع‌، لم‌ يتعرف‌ عليها المسلمون‌ الاوائل‌، او انها قيم‌ استطاع‌ الاسلام‌، ولو في‌ حدود حياة‌ الرسول‌ الاكرم‌ (ص‌)، تفكيكها واعادة‌ بنائها بشكل‌ تنسجم‌ مع‌ الاسلام‌. وبمرور الايام‌ تكوّنت‌ لدينا منظومة‌ جديدة‌ من‌ القيم‌ سادت‌ العلاقات‌ العامة‌ في‌ المجتمع‌، حتي‌ استوجب‌ بعضها استحقاقات‌ اخلاقية‌ واجتماعية‌، وربما كلفت‌ الامة‌ ثمناً باهضاً.

 وقد بذل‌ المصلحون‌ قصاري‌ جهودهم‌ من‌ اجل‌ اعادة‌ ترتيب‌ اولويات‌ تلك‌ القيم‌ الا انها لم‌ تنجح‌ الا لمماً. فما ان‌ جاء الامام‌ علي‌ (ع‌) الي‌ الحكم‌ اعتمد قيم‌ الاسلام‌ في‌ العطاء والعلاقات‌، وجعل‌ الاولوية‌ للتقوي‌ والايمان‌، غير ان‌ هذه‌ السياسة‌ تسببت‌ في‌ حروب‌ ثلاثة‌ كلفت‌ المسلمين‌ غالياً ومازالت‌ اثارها واضحة‌ في‌ وسط‌ الامة‌. كما اضطر الامام‌ الحسين‌ (ع‌) الي‌ تحدي‌ جيش‌ السلطة‌ الاموية‌ رغم‌ عدم‌ التكافؤ بين‌ الجيشين‌ من‌ اجل‌ العودة‌ الي‌ قيم‌ الاسلام‌. وبقيت‌ جهود المصلحين‌ تتري‌ علي‌ هذا الصعيد الا ان‌ بعض‌ القيم‌ استعصت‌ عليهم‌ لتجذرها في‌ نفوس‌ الناس‌، بل‌ عاد بعضها خطوطاً حمراء لا يمكن‌ الاقتراب‌ منها، فضلاً عن‌ الاصطدام‌ بها، او التقليل‌ من‌ قيمتها، وقد يصل‌ الامر الي‌ التكفير واباحة‌ الدماء بمجرد التشكيك‌ بجذرها الديني‌، من‌ هنا اصبحت‌ وظيفة‌ الجميع‌ الالتزام‌ بتلك‌ القيم‌ واحترامها من‌ اجل‌ الحفاظ‌ علي‌ كرامة‌ الانسان‌، وان‌ كان‌ لا يؤمن‌ بها او انه‌ لا يشك‌ في‌ عدم‌ انتمائها الي‌ الاسلام‌.

 فالولاء القبلي‌ والاسري‌ الذي‌ عانت‌ منه‌ الرسالة‌ في‌ زمان‌ الرسول‌ (ص‌)، وتسبب‌ في‌ سلسلة‌ معارك‌ وحروب‌ وغزوات‌ ربت‌ علي‌ الثمانين‌، وحال‌ دون‌ الاسراع‌ في‌ دخول‌ الاقوام‌ العربية‌ الي‌ الاسلام‌، واعاق‌ مسيرة‌ الدعوة‌ وانتشارها، هذا الولاء اليوم‌ هو الحاكم‌ لدي‌ شرائح‌ مختلفة‌ من‌ المجتمع‌. بل‌ لا يجد الانسان‌ صعوبة‌ في‌ ذكر مصاديقه‌ علي‌ جميع‌ المستويات‌.

 فالحكم‌ يقوم‌ في‌ الانظمة‌ الملكية‌، في‌ دائرة‌ الدول‌ الاسلامية‌، علي‌ الولاء الاسري‌ والقبلي‌، وتوزيع‌ الوظائف‌ يرتكز الي‌ الولاء وليس‌ الكفاءة‌، فكم‌ من‌ شخص‌ غير كفوء يتصدي‌ لوظيفته‌ مهمة‌ في‌ البلد علي‌ اساس‌ ولائه‌ وانتمائه‌. وليست‌ بعض‌ المؤسسات‌ الدينية‌ افضل‌ حالاً، بل‌ نجد الولاء الاسري‌ والقبلي‌ والحزبي‌ يلعب‌ دوراً كبيراً في‌ التصدي‌ للمسؤوليات‌ الدينية‌، او في‌ تقديم‌ شخص‌ علي‌ آخر في‌ الامتيازات‌، وربما حُرم‌ الكثيرون‌ من‌ العطاء ومن‌ بيت‌ المال‌ لعدم‌ وجود صلة‌ قرابة‌ او معرفة‌ بهم‌.

 ونجد الولاء القبلي‌ علي‌ مستوي‌ العلاقات‌ الاجتماعية‌ يتحكم‌ في‌ توجيه‌ العلاقات‌ ويفرض‌ علي‌ افراد القبيلة‌ سلوكاً خاصاً، ليس‌ بالضرورة‌ ان‌ يكون‌ من‌ باب‌ التعاون‌ علي‌ البر والتقوي‌، بل‌ ربما يكون‌ تكاتفاً وتناصراً علي‌ الاثم‌ والعدوان‌.

 والصراع‌ الذي‌ نشاهده‌ علي‌ صعيد الاحزاب‌ والمنظمات‌، هو الا´خر محكوم‌ لقيم‌ الولاء، الي‌ درجة‌ نلاحظ‌ ان‌ مساحات‌ الالتقاء رغم‌ سعتها لا توحد مواقف‌ الطرفين‌، لان‌ نقاط‌ الاختلاف‌ مهما كانت‌ ضئيلة‌ الا انها تصبح‌ منفرة‌ حينما لا يقوم‌ الولاء علي‌ اسس‌ دينية‌ واخلاقية‌ تحفظ‌ لكل‌ طرف‌ حقه‌ في‌ الاختلاف‌.

 وعلي‌ صعيد القيم‌ الاجتماعية‌، نلاحظ‌ ان‌ القيم‌ القرآنية‌ باتت‌ مهملة‌ من‌ قبل‌ الاوساط‌ الدينية‌ نفسها، فلا يحظي‌ المجاهد، الذي‌ فضله‌ الله‌ تعالي‌ بالاحترام‌ اللائق‌ في‌ مقابل‌ غيره‌، فمن‌ يجيد صناعة‌ الكلام‌ وفن‌ التدريس‌، في‌ الحوزات‌ العلمية‌ ـ مثلاً ـ او يجيد تدريس‌ كتاب‌ ما   يقدم‌ علي‌ المجاهد الذي‌ قضي‌ سنيناً طويلة‌ في‌ سجون‌ الظلمة‌ وقارع‌ الطغاة‌ ولم‌ يدخر شيئاً لنصرة‌ الحق‌. كما لا يحظي‌ المثقف‌ الواعي‌ الرسالي‌ بالاحترام‌ ذاته‌ الذي‌ يلقاه‌ من‌ يتزيّ بزي‌ العلماء وان‌ كان‌ ليس‌ منهم‌، بل‌ يهمل‌ الاول‌ ويحترم‌ الثاني‌ في‌ كل‌ مكان‌ من‌ المجتمع‌.

 وهذا الكلام‌ لا يعني‌ عدم‌ وجود قيم‌ صحيحة‌ في‌ المجتمع‌، ولا يعني‌ ان‌ القيم‌ السائدة‌ جميعها قيم‌ لا اسلامية‌، وانما هناك‌ طيف‌ من‌ القيم‌ لم‌ يتوافر علي‌ خلفية‌ دينية‌، وانما هي‌ قيم‌ تولدت‌ بمرور الزمان‌ عن‌ الولاءات‌ المضادة‌ اللااسلامية‌، او هي‌ عودة‌ الي‌ الجذور الضاربة‌ في‌ عمق‌ النفس‌ البشرية‌، ولم‌ يستطع‌ الانسان‌ التجرد منها او تجاوزها، رغم‌ تبنيه‌ لبعض‌ اجزاء منظومة‌ القيم‌ الاسلامية‌. لذا فان‌ هذا النمط‌ من‌ القيم‌ يبقي‌ علي‌ نسبيته‌ ولا يمكن‌ ان‌ يكون‌ مطلقاً بأي‌ شكل‌ من‌ الاشكال‌، ولا يجوز الاحتكام‌ اليه‌ اذا افضي‌ الي‌ تشويه‌ او مصادرة‌ القيم‌ الاسلامية‌ الاخري‌. اذ ان‌ الا´يات‌ المباركة‌ رغم‌ تأكيدها موالاة‌ الذين‌ آمنوا، لاهميتها القصوي‌، الا انها جعلت‌ لهذا الولاء أمداً لا يمكن‌ تجاوزه‌، قال‌ تعالي‌:
 
( يا أيها الذين‌ آمنوا اطيعوا الله‌ واطيعوا الرسول‌ وأولي‌ الامر منكم‌ فان‌ تنازعتم‌ في‌ شي‌ء فردوه‌ الي‌ الله‌ ورسوله‌ ان‌ كنتم‌ تؤمنون‌ بالله‌ واليوم‌ الا´خر ذلك‌ خير وأحسن‌ تأويلاً )  .

 اي‌ ان‌ الاصالة‌ في‌ الولاء لله‌ والرسول‌، ويبقي‌ تولي‌ المؤمنين‌ في‌ طولهما وعلي‌ امتدادهما وينتهي‌ حيث‌ يبدأ النزاع‌ والاختلاف‌ بالشأن‌ الديني‌، اذ يكون‌ الله‌ والرسول‌ حينذ الفيصل‌ في‌ فض‌ النزاعات‌ وحسم‌ المعارك‌ والاختلافات‌ في‌ الدائرة‌ الاسلامية‌، وذلك‌ من‌ خلال‌ ثوابت‌ الدين‌ ومعالمه‌ الرئيسة‌.

 ثمة‌ حقيقة‌ ان‌ القرآن‌ الكريم‌ كان‌ حساساً جداً في‌ مسألة‌ ولاء الانسان‌، حتي‌ استغرقت‌ آيات‌ الولاء ومشتقاته‌ اللغوية‌ مساحة‌ متميزة‌ من‌ الكتاب‌ العزيز. ففي‌ رده‌ علي‌ سؤال‌ يبدو حائراً علي‌ شفاه‌ من‌ لم‌ يتول‌ الاسلام‌ بعد، اوانه‌ يعيش‌ في‌ داخله‌ صراع‌ ولاءات‌ متعددة‌:  ( انما وليكم‌ الله‌ ورسوله‌ والذين‌ آمنوا...  )   أو  ( ومالكم‌ من‌ دون‌ الله‌ من‌ ولي‌ ... ) ،
 ثم‌ يستغرق‌ في‌ تفصيل‌ معالم‌ الولاء الاسلامي‌ 
(
مالكم‌ من‌ دون‌ الله‌ من‌ ولي‌ ولا نصير... )  ، ويصف‌ الحالة‌ النفسية‌ في‌ ظل‌ الولاء الحقيقي‌:  ( ... والذين‌ آمنوا اشد حباً لله‌ )    ( لا تجد قوماً يؤمنون‌ بالله‌ واليوم‌ الا´خر يوادون‌ من‌
 حاد الله‌ ورسوله‌...
)  .

 ان‌ خطورة‌ الولاء وحساسيته‌ الفائقة‌ تفرض‌ علي‌ المثقف‌ الرسالي‌ موقفاً واعياً يتصدي‌ لتفكيك‌ اشكالية‌ الولاء واعادة‌ تركيبها، كي‌ يحتفظ‌ الولاء بتأثيراته‌ الايجابية‌، ويجنب‌ المجتمع‌ تداعيات‌ الولاء المضاد. وفي‌ هذا المضمار تبدو الحلول‌ آنية‌ وغير مؤثرة‌ مالم‌ يعتمد منهج‌ علمي‌ يبادر الي‌ حل‌ الازمة‌ جذرياً.

 والمنهج‌ الصحيح‌ هو مراجعة‌ الجذور الكلامية‌ للولاءات‌ المضادة‌ والاسس‌ والنظرية‌ التي‌ ارتكزت‌ اليها منظومة‌ القيم‌ المترشحة‌ عن‌ الولاءات‌ الجديدة‌، ومالم‌ تفكك‌ تلك‌ المقولات‌ وتُفحص‌ بشكل‌ جيد سوف‌ تبقي‌ البني‌ الفكرية‌ فاعلة‌ في‌ دعم‌ القيم‌ معرفياً. اذ لاشك‌ ان‌ تلك‌ البني‌ كوّنتها مقولات‌، بعضها لا ينتمي‌ للرؤية‌ الاسلامية‌ الصائبة‌، وبعضها الاخر قد استوحي‌ من‌ ثقافات‌ ومعارف‌ تنتمي‌ الي‌ حضارات‌ اخري‌، فتداخلت‌ تلك‌ المقولات‌ وكوّنت‌ البنية‌ المعرفية‌. وهذه‌ المهمة‌ ليست‌ سهلة‌ وانما هي‌ شاقة‌ ومكلفة‌ لاسيما بعد ان‌ اكتسبت‌ بعض‌ المقولات‌ درجة‌ كبيرة‌ من‌ القداسة‌ واصبحت‌ لدي‌ البعض‌ نهائية‌ وجزمية‌.

 ان‌ متطلبات‌ الحالة‌ الراهنة‌ تفرض‌ علي‌ المثقف‌، عالماً كان‌ او مفكراً، تحمّل‌ مسؤولياته‌ التاريخية‌ والتصدي‌ بثقة‌ وحزم‌ لكل‌ ممارسة‌ خاطئة‌ تحسب‌ علي‌ الدين‌ ظلماً وعدواناً فيتحمل‌ وزر سلوك‌ لا يمت‌ له‌ بصلة‌.

 وانما تنحصر المهمة‌ بالمثقف‌ باعتباره‌ صاحب‌ مشروع‌ تغييري‌، فهو يراقب‌ ويتابع‌ وينقد من‌ اجل‌ حلول‌ جذرية‌، لا تعيقه‌ التحديات‌، وانما يتصدي‌ لها بحكمة‌ وروية‌، ويحاول‌ التعرف‌ علي‌ جذر الازمة‌ بدلاً من‌ الانشغال‌ بظواهرها الفوقية‌، لانها تتلون‌ وتتخذ اشكالاً مختلفة‌ تبعاً للظروف‌ والتحديات‌ التي‌ تواجهها، ولا تنقطع‌ مادام‌ هناك‌ جذر نابض‌ بالحياة‌. من‌ هنا نعي‌ جيداً ان‌ الازمات‌ المستعصية‌ سببها تجذّرها بفعل‌ التراكمات‌ التاريخية‌، وليس‌ بالضرورة‌ انها تتوافر علي‌ اسس‌ نظرية‌ مستحكمة‌.

 فمسألة‌ الولاء بمنظومتها القيمية‌ تبقي‌ تؤثر بشكل‌ وآخر، ولا يمكن‌ القضاء علي‌ ولاء الانسان‌، مادام‌ الولاء نزعة‌ بشرية‌. وانما نستطيع‌ تغيير اتجاه‌ ولاء الانسان‌ وجهة‌ يرتضيها الله‌ ورسوله‌. وهنا ينبغي‌ دراسة‌ الظروف‌ التي‌ ساعدت‌ علي‌ تكوّن‌ ولاءات‌ ابتعدت‌ عن‌ الولاء الاسلامي‌، ومن‌ ثم‌ نقد اسسه‌ النظرية‌ وتقويض‌ بنيته‌ الفكرية‌ كي‌ يعود الولاء بمنظومة‌ قيم‌ توحد مواقف‌ المجتمع‌ الاسلامي‌ وتفتح‌ الطريق‌ امام‌ الدين‌، بينما يتفاعل‌ مع‌ الانسان‌ المسلم‌ بشكل‌ طبيعي‌ وينتج‌ سلوكاً رسالياً يستبعد المصالحة‌ الشخصية‌ المقرفة‌ والانانيات‌ الفائقة‌. ويعيد الامور الي‌ نصابها. فان‌ احدي‌ ازمات‌ المجتمع‌ الاسلامي‌ اليوم‌ هي‌ تراجع‌ القيم‌ الدينية‌ وسيادة‌ قيم‌ اخري‌ اختزلت‌ الابعاد الانسانية‌ وكرست‌ التمييز العنصري‌ والطائفي‌ والطبقي‌، بل‌ ربما جاء الفهم‌ الفقهي‌ القاصر ليعزز تلك‌ الظواهر ويمنحها الشرعية‌ اللازمة‌. وحينئذ لا يجد المعترض‌ ما يبرر اعتراضه‌ او رفضه‌ لتلك‌ القيم‌ رغم‌ قناعته‌ بانحرافها وانقطاعها عن‌ الاسلام‌.

 اذاً يتضح‌ من‌ خلال‌ الاطلالة‌ المكثفة‌ علي‌ مسألة‌ الولاء اننا امام‌ ازمة‌ حقيقية‌ يفرض‌ حلها علينا مراجعة‌ جذورها الكلامية‌ لتوافر علي‌ حل‌ اساس‌ لها. وقد تتطلب‌ المراجعة‌ الكلامية‌ اعادة‌ النظر في‌ نسق‌ كبير من‌ المقولات‌، وربما احدث‌ ذلك‌ خللاً في‌ البني‌ الفكرية‌ يتبعها اضطراب‌ سلوكي‌، الا ان‌ هذا الامر رغم‌ مخاطره‌ في‌ طريق‌ الصواب‌، هو حاجة‌ ملحة‌، يقتضيها الاصلاح‌ الديني‌ والسلوكي‌ الذي‌ ينشده‌ جميع‌ المصلحين‌ في‌ العالم‌ الاسلامي‌. وهنا بالذات‌ ينبغي‌ ان‌ يتوافر المثقف‌ الرسالي‌ علي‌ قدر كبير من‌ الشجاعة‌ والصمود، فالاصلاح‌ وفق‌ هذا المنهج‌ سيصادر مواقع‌ اجتماعية‌ ومصالح‌ شخصية‌ ترتكز الي‌ تلك‌ القيم‌ المزورة‌، وانهاؤه‌ يعني‌ القضاء التام‌ علي‌ الاقطاع‌ الديني‌، والتكسب‌ اللامشروع‌ باسم‌ الاسلام‌.

 وبانهيار منظومة‌ القيم‌ الطارئة‌ ستعود قيم‌ الاسلام‌ لتحكم‌ العلاقات‌ الاجتماعية‌ وتوفر للفرد، ولكل‌ انسان‌، فرص‌ الحياة‌ الكريمة‌ الخالية‌ من‌ التمييز العنصري‌ والطائفي‌، وحينها سيتمتع‌ الانسان‌ بكامل‌ حقوقه‌ المشروعة‌. ومن‌ ثم‌ تختفي‌ مظاهر الترف‌ اللامشروع‌ باسم‌ الدين‌، وتزول‌ سلطات‌ وقيم‌ مجعولة‌ كلفت‌ المجتمع‌ الاسلامي‌ الكثير من‌ عزته‌ وكرامته‌، كانت‌ وماتزال‌ حجر عثرة‌ امام‌ التقدم‌ والتنمية‌، سواء التنمية‌ الاقتصادية‌ او السياسية‌، لان‌ التنمية‌ تتطلب‌ شروطاً خاصة‌ لا توفرها منظومة‌ القيم‌ المترشحة‌ عن‌ الولاء المضاد. وتحقق‌ التنمية‌ بشكل‌ كامل‌ يفرض‌ علي‌ المجتمع‌ التوافر علي‌ نمط‌ جديد من‌ القيم‌، يضمنه‌ الاسلام‌ الاصيل‌، بعد ابعاده‌ عن‌ النفعيين‌ والمتطفلين‌، وليست‌ التنمية‌ هي‌ الوحيدة‌ مما يتوقف‌ نجاحها علي‌ منظومة‌ قيم‌ جديدة‌، وانما التقدم‌ العلمي‌ والتكنولوجي‌ وسيادة‌ الصدق‌ والاخلاص‌ والاندفاع‌ الي‌ العمل‌ والحرص‌ علي‌ الصالح‌ العام‌ كلها تنتظر قيماً اسلامية‌ تحكم‌ علاقات‌ المجتمع‌ وتعيد تنظيمه‌ وفق‌ مبادي‌ العدل‌ والمصلحة‌ العامة‌.

 اما مع‌ بقاء القيم‌ الحالية‌، فان‌ دافع‌ الاخلاص‌ والجدية‌ في‌ العمل‌ ستنطفي‌ في‌ نفس‌ الانسان‌ المؤمن‌ فضلاً عن‌ الا´خرين‌، لانه‌ سيلاحظ‌ ممارسات‌ باسم‌ الدين‌ والانسانية‌ والوطنية‌ والديموقراطية‌ الا انها تستبطن‌ كذباً وافتراءً وتحايلاً واستغلالاً للانسان‌ وتزييفاً للقيم‌. وهذا الانسان‌ سيصبح‌ شخصاً متمرداً يتحين‌ الفرص‌ للاعراب‌ عن‌ قناعاته‌، بل‌ يتحول‌ الي‌ قنبلة‌ موقوتة‌ داخل‌ المجتمع‌ تنفجر يوماً ما للقضاء علي‌ قيم‌ مزيفة‌ تستعبد الانسان‌ وتذله‌ بمختلف‌ الاساليب‌ والطرق‌.

 الهوامش‌