الصراع‌ الحضاري‌ والعلاقات‌ الدولية‌

 محمد حسين‌ الحلو

 تعاطي‌ المؤلف‌ في‌ مقدمة‌ الكتاب‌ لغة‌ «الوعي‌ الاسترجاعي‌» بحق‌ مايسميها «الاستعادات‌ المنهجية‌» التي‌ برزت‌ عند الغرب‌ في‌ فترة‌ زمنية‌ قياسية‌ هي‌ فترة‌ مابعد الحرب‌ الباردة‌، والتي‌ لايراها اكثر من‌ ممكنات‌ غابرة‌ ورجاءات‌ خلاصية‌ كان‌ قد تم‌ ابتكارها سابقاً في‌ لحظات‌ مماثلة‌ أو في‌ ظروف‌ اخري‌، فتم‌ استحضارها واعادة‌ انتاجها وتطوير خطابها وآليات‌ نشرها وتوزيعها بما يتلاءم‌ والظروف‌ ـ ظروف‌ الازمة‌! المستجدة‌  .

 كل‌ ذلك‌ في‌ محاولة‌ منه‌ لمحاكمة‌ تلك‌ التوليدات‌ أو الاستفاقات‌ الانطروبولوجية‌، التي‌ يحصرها في‌ اطروحات‌ خلاصية‌ أربعة‌ هي‌: نهاية‌ التاريخ‌ لفوكوياما، وصدام‌ الحضارات‌ لهانتغتون‌، ومشروع‌ العولمة‌ (الكونية‌)  .

 والطريق‌ الثالث‌ الذي‌ يبدو أنه‌ محاولة‌ تلفيقية‌ بين‌ اليسار واليمين‌ في‌ وقت‌ اختلطت‌، في‌ الغرب‌، وتشابكت‌ الايديولوجيات‌ الاشتراكية‌ والرأسمالية‌ حتي‌ خفّت‌ الفواصل‌ بينها وضاعت‌ ملامحها، أو معظمها بالاقل‌، فصار اليميني‌ في‌ السلطة‌ اشتراكياً واليساري‌ رأسمالياً  .

 وعلي‌ أساس‌ من‌ هذا جاء هذا الكتاب‌ محاولة‌ لتكثيف‌ عقد من‌ البحث‌ والمتابعة‌ في‌ موضوع‌ الصراع‌ الحضاري‌ والعلاقات‌ الصراعية‌ أو التقاطعية‌ او التفاعلية‌ بين‌ المشروعين‌ الحضاريين‌: المادي‌ والالهي‌، وذلك‌ من‌ خلال‌ النظر اليهما بالمنهج‌ الحضاري‌، الذي‌ يتراءي‌ للمؤلف‌ ان‌ استعادته‌ في‌ قراءة‌ العمران‌ البشري‌ وظواهره‌ أهم‌ الاستعادات‌ الاربع‌ المتقدمة‌  .

 الصراع‌ الحضاري‌ بين‌ فوكوياما وهانتنغتون‌ .

 في‌ بيئة‌ مشحونة‌ بالافكار والمعلومات‌ وتحوّلات‌ تفوّق‌ عامل‌ الزمن‌ علي‌ عامل‌ المكان‌ وتقدم‌ العلم‌ علي‌ الجغرافيا  ، يتأكد الحديث‌ عن‌ العلاقات‌ المفترضة‌ بين‌ الحضارات‌ في‌ هذا العالم‌، التي‌ لازالت‌ تحتفظ‌ لنفسها بمقومات‌ البقاء والاستعداد للنمو والنهوض‌. وتبدو وجاهة‌ مثل‌ هذا الحديث‌ بعدما دأب‌ مفكرو الغرب‌ علي‌ استعادة‌ طرح‌ سؤال‌ كبير مركب‌ من‌ أسئلة‌ تفصيلية‌ عقب‌ كل‌ تحول‌ استراتيجي‌ يبدو فيه‌ العالم‌ متجهاً نحو مرحلة‌ جديدة‌. السؤال‌ هو: ماهي‌ طبيعة‌ الصراع‌ بين‌ الامم‌ والشعوب‌؟ وهو وّلاد كل‌ تحول‌ شمولي‌.

 في‌ هذا المناخ‌ القلق‌ ولشدة‌ الغموض‌ المحيط‌ باحتمالات‌ تطوّر العلاقات‌ الدولية‌ المقبلة‌ وبالتالي‌ بصيرورة‌ العالم‌ المضطرب‌، وقد خرج‌ الاسلام‌ من‌ القمقم‌ شاهراً مشروعه‌ في‌ كل‌ اتجاه‌ وبلغات‌ ممانعة‌ متعددة‌، واستفاقت‌ قوميات‌ جريحة‌ فبدت‌ وكأنها تنطق‌ بخطاب‌ خُيّل‌ الي‌ العالم‌ أنه‌ قد دفن‌ تحت‌ ركام‌ الخصوصيات‌ والفوارق‌ التي‌ اجتاحتها حمي‌ الدعوات‌ الكوسموبوليتية‌ والعولمية‌.. في‌ هذا المناخ‌ يُسترجع‌ ذلك‌ السؤال‌ الكبير بتداعياته‌ المعقدة‌  

 في‌ هذا الفصل‌ يحاول‌ المؤلف‌ التعرّض‌ لمقولتين‌ شكلتا العصب‌ الاساس‌ في‌ مكوّنات‌ الظاهرة‌ الامريكية‌، التي‌ شكلّت‌ أحدث‌ تطوير لمفاهيم‌ التطور التأريخي‌ والفكر السياسي‌ وفلسفة‌ التأريخ‌ في‌ الغرب‌ بشتي‌ تداعياتها، اريد لهما ـ هاتين‌ المقولتين‌ ـ أن‌ تكونا جواباً عن‌ السؤال‌ اعلاه‌، معتقداً ـ المؤلف‌ ـ بأن‌ كل‌ الاجابات‌ التي‌ قدمها العقل‌ الغربي‌ عن‌ السؤال‌ حتي‌ الا´ن‌ لمّا تؤد الي‌ فهم‌ مقنع‌ بحقيقة‌ الصراع‌ بين‌ الامم‌ والشعوب‌، هل‌ هو ديني‌ أم‌ أثني‌ أم‌ ايديولوجي‌ ام‌ اقتصادي‌ ام‌ سياسي‌ ام‌ خليط‌ مركب‌ من‌ هذا وذاك‌؟  ، الامر الذي‌ يدع‌ مجالاً عريضاً ـ والكلام‌ له‌ ـ للشك‌ في‌ قدرة‌ العقل‌ الغربي‌ علي‌ تقديم‌ فهم‌ حقيقي‌ لحاضر العالم‌ وعلي‌ استشراف‌ مستقبله‌، وبالتالي‌ ثبوت‌ عجزه‌ عن‌ فهم‌ الانسان‌ والتأريخ‌ والتطوّر التأريخي‌ وشروط‌ قيام‌ عالم‌ متوازن‌ ومتكامل‌ وآمن‌.

 هاتان‌ المقولتان‌ اللتان‌ تحاولان‌ تقديم‌ رؤية‌ في‌ تفسير حركة‌ التحولات‌ التي‌ تجتاح‌ العالم‌ في‌ مرحلة‌ مابعد الحرب‌ الباردة‌ وصياغة‌ منظور في‌ العلاقة‌ بين‌ الحضارات‌ ـ وفق‌ التصور الامريكي‌ ـ تنتميان‌ الي‌ نوع‌ المقولات‌ التي‌ مزجت‌ بين‌ السياسة‌ والثقافة‌ في‌ تكوين‌ بنيتها الداخلية‌ وفي‌ نظرتها للعالم‌ الخارجي‌  . وهما مقولتا :«نهاية‌ التأريخ‌ والانسان‌ الاخير» وهي‌ محاولة‌ المفكر السياسي‌ الامريكي‌ «فوكوياما»، الذاهبة‌ الي‌ أن‌ الديموقراطية‌ الليبرالية‌... تشكل‌ فعلاً منتهي‌ التطور الايديولوجي‌ للانسانية‌، والشكل‌ النهائي‌ لاي‌ حكم‌ انساني‌، بعد انهيار الاتحاد السوفياتي‌ مما يعني‌ نهاية‌ التأريخ‌ بتحقق‌ الانتصار الشامل‌ للنموذج‌ الحضاري‌ الغربي‌ كخيار وحيد لمستقبل‌ الانسانية‌. اذ سوف‌ لايبقي‌ في‌ نهاية‌ التأريخ‌ أي‌ّ منافس‌ حقيقي‌ للديموقراطية‌ الليبرالية‌.. جازماً بأن‌ الدين‌ ـ بدوره‌ ـ لن‌ ينشي‌ بذاته‌ مجتمعات‌ حرة‌، وبأن‌ المسلمين‌ في‌ المدي‌ المنظور لن‌ يتمكنوا من‌ منافسة‌ الديموقراطية‌ الليبرالية‌ في‌ عقر دارها في‌ مجال‌ الافكار  .

 ان‌ مقولة‌ فوكوياما، بالمحصلة‌، وهي‌ تقرأ الواقع‌ الجيوسياسي‌ في‌ العالم‌ اليوم‌، وهو واقع‌ متهافت‌ وقلق‌ لايضمن‌ التحليل‌ العاقل‌ استمراره‌ وديمومته‌، انما تعيد تظهير مشهد العلاقات‌ الدولية‌ بمعادلاتها وارتجاجاتها الحالية‌، باعتباره‌ قدراً نهائياً يرتسم‌ فيه‌ العالم‌ المابعد تأريخي‌ بدوله‌ الديموقراطية‌ القائمة‌ (الشمال‌) ودوله‌ الممكنة‌ في‌ المستقبل‌، واحة‌ سلام‌ مستقر. بينما يرزح‌ العالم‌ التأريخي‌ (دول‌ الجنوب‌) في‌ فوضي‌ التدافع‌ والقتال‌ والصراع‌ وتحتشد بين‌ العالمين‌ ـ وبالمنطق‌ التيموسي‌ الفوكويامي‌ نفسه‌ ـ قابليات‌ انفجار الحروب‌ وعواملها. فكيف‌ للتاريخ‌ ان‌ ينتهي‌ وللعالم‌ ان‌ يستقر ويهدأ، وسيوف‌ الصراع‌ واسبابه‌ مسلطة‌ فوق‌ رؤوس‌ البشر، في‌ ظل‌ غلبة‌ معادلات‌ الظلم‌ والهيمنة‌ وآيديولوجيا البقاء للاقوي‌، وتشريع‌ اخضاع‌ الا´خر بكل‌ الوسائل‌ المتاحة‌؟  .

 ثم‌ ان‌ المتمعّن‌ في‌ العلاقة‌ الجدلية‌ التي‌ يرسمها فوكوياما بين‌ السياسة‌ ومكونات‌ الهوية‌ الثقافية‌ الاخري‌ يجد ان‌ السياسي‌ عنده‌ يكاد يبتلع‌ كل‌ شي‌ء، ويحتويه‌ بما في‌ ذلك‌ الفكر والدين‌ والانتماء القومي‌ وخصوصيات‌ الهوية‌ الثقافية‌، الي‌ درجة‌ باتت‌ فيها الثقافة‌ شرطاً ممكناً لقيام‌ الديموقراطية‌، لا شرطاً حقيقياً وضرورياً.

 هكذا وبهذه‌ الاسقاطات‌ المتجزئة‌ التي‌ انتزعها فوكوياما ـ يقول‌ سمير سليمان‌ ـ من‌ رماد جمهورية‌ افلاطون‌.. ومن‌ مفهوم‌ الدولة‌ والتحقق‌ التأريخي‌ الهيغلييّن‌.. اللذين‌ أحرق‌ هيكلهما بثقاب‌ انتقائيته‌، يقرر فوكوياما ان‌ الديموقراطية‌ .. هي‌ ابتداع‌ نخبوي‌ انقلابي‌ من‌ الدرجة‌ الاولي‌، حققّه‌ دهاقنة‌ السياسة‌، وليس‌ للشعوب‌ فيه‌ الا دور الرعايا الذين‌ يصادقون‌ علي‌ قرار النخبة‌، أو بمعني‌ أدق‌ ـ يُذعنون‌ له‌. وحتي‌ ثقافات‌ الشعوب‌ «المصنعة‌ ديموقراطياً» يختزنها فوكوياما الي‌ «ميولات‌ غامضة‌» تُشطب‌ من‌ علٍ أو تمحي‌ بحبر سياسي‌  .

 «ان‌ مقولة‌ فوكوياما، بأبعادها المركبة‌ المنوّه‌ بها هي‌ مقولة‌ الغائية‌ استكبارية‌ حضارياً وسياسياً، تصدف‌ بلا ريب‌ عن‌ رؤية‌ فلسفية‌ حضارية‌ هي‌ في‌ قلب‌ المشروع‌ الحضاري‌ المادي‌ المعنون‌ اليوم‌ بالغرب‌»  .

 المقولة‌ الاخري‌، التي‌ استقطبت‌ اشتغالات‌ علي‌ نطاق‌ علمي‌ واسع‌ في‌ ميادين‌ الثقافة‌ والسياسة‌ والاقتصاد والاعلام‌ وهكذا في‌ ميادين‌ الفلسفة‌ وعلم‌ الاديان‌ والتاريخ‌. الاشتغالات‌ التي‌ أكدت‌ الطابع‌ الجدلي‌ لهذه‌ المقولة‌ ولما لها من‌ حساسية‌ وتوجّس‌، هي‌ مقولة‌ «صدام‌ الحضارات‌» وهي‌ محاولة‌ المفكر السياسي‌ الامريكي‌ «صامويل‌ هانتغتون‌» القائلة‌ بـ: «ان‌ المصدر الاساسي‌ للنزاعات‌ في‌ العالم‌ الجديد لن‌ يكون‌ مصدراً آيديولوجياً أو اقتصادياً في‌ المحل‌ الاول‌. فالانقسامات‌ الكبري‌ بين‌ البشر ستكون‌ ثقافية‌.. وستظل‌ الدول‌ / الامم‌  Etats - Nations  هي‌ اقوي‌ اللاعبين‌ في‌ الشؤون‌ الدولية‌، لكن‌ النزاعات‌ الاساسية‌ في‌ السياسات‌ العالمية‌ ستحدث‌ بين‌ امم‌ ومجموعات‌ لها حضارات‌ مختلفة‌، وسيسيطر الصدام‌ بين‌ الحضارات‌ علي‌ السياسات‌ الدولية‌، ذلك‌ ان‌ الخطوط‌ الفاصلة‌ بين‌ الحضارات‌ ستكون‌ هي‌ خطوط‌ المعارك‌ في‌ المستقبل‌»  .

 وبعد ان‌ يحدد هانتغتون‌ مفهومه‌ لمصطلح‌ «الحضارة‌» ينتقل‌ الي‌ رسم‌ الشكل‌ العام‌ لخارطة‌ الحدود الحضارية‌ في‌ العالم‌ المعاصر، حيث‌ يري‌ ان‌ «خطوط‌ الفصل‌» بين‌ الحضارات‌   ستكون‌ نقاطاً حساسة‌ وستكون‌ عاملاً لظهور الصراعات‌ المستقبلية‌، وتُعد البديل‌ لحدود الايديولوجية‌ السياسية‌ الخاصة‌ بفترة‌ الحرب‌ الباردة‌، ويسعي‌ الكاتب‌ في‌ دراسته‌ الي‌ افهام‌ رجال‌ السياسة‌ في‌ امريكا والغرب‌ بأن‌ مصدر الصراع‌ المستقبلي‌ سيكون‌ بين‌ الحضارة‌ الغربية‌ من‌ جهة‌ واتحاد المجتمعات‌ الكونفوشيوسية‌ في‌ شرق‌ آسيا والعالم‌ الاسلامي‌ من‌ جهة‌ اخري‌، ويعتقد ان‌ الصراعات‌ الحضارية‌ هي‌ آخر مرحلة‌ من‌ مراحل‌ تكامل‌ الصراع‌ في‌ العالم‌  .

 ثم‌ في‌ ضوء هذه‌ التضاريس‌ والحدود التي‌ احتفرها هانتغتون‌ يحاول‌ المؤلف‌ ان‌ يخرج‌ بملاحظتين‌ منهجيتين‌، قوام‌ الاولي‌ : خطورة‌ اعتبار الاديان‌ ـ وفق‌ ماينتهي‌ اليه‌ هانتغتون‌ ـ مجرد مشاريع‌ نزاعات‌ وحروب‌.. ناهيك‌ أن‌ تأويله‌ مؤدٍ حتماً الي‌ اثارة‌ الاديان‌ وتحريضها بعضاً ضد بعض‌  .

 أما قوام‌ الاخري‌ فهو عدم‌ الدقة‌ في‌ المطابقة‌ بين‌ مفهوم‌ الحضارة‌ الذي‌ اعتمده‌ هانتغتون‌ وبين‌ الحدود التي‌ اختطها علي‌ اساسه‌  . وهما في‌ الحقيقة‌ جزء من‌ مجموع‌ مؤاخذات‌ نقدية‌ أوردت‌ علي‌ هذه‌ المقولة‌، اذ يمكن‌ الاشارة‌ هنا الي‌ ملاحظات‌ «برجنسكي‌» الذي‌ يقبل‌ من‌ حيث‌ المبدأ استبدال‌ الصراع‌ الغربي‌ ـ الشيوعي‌، بالصراع‌ الغربي‌ ـ الاسلامي‌، الا أنه‌ ينكر علي‌ هانتغتون‌ عدم‌ اهتمامه‌ بتفتّت‌ الفكر الغربي‌ وتآكله‌ داخلياً  .

 كذلك‌ من‌ المؤاخذات‌ المهمة‌ التي‌ وجهت‌ لنظرية‌ «صدام‌ الحضارات‌» هي‌ ما كتبه‌ الدكتور فؤاد عجمي‌، الذي‌ يستغرب‌ من‌ هانتغتون‌ تجاهله‌ دور الدول‌ في‌ تحقيق‌ مصالحها القومية‌، مع‌ ان‌ «الدولة‌» لاتزال‌ أقوي‌ العوامل‌ علي‌ مسرح‌ القضايا العالمية‌  ، فهو ينظر اولاً لسيطرة‌ الدول‌ علي‌ الحضارات‌ وثانياً لضعف‌ العامل‌ الحضاري‌  .

 فوكوياما وهانتغتون‌ وجهان‌ لعملة‌ واحدة‌

 بعد القراءة‌ التفكيكية‌ والتركيبية‌ لمقولتي‌ فوكوياما وهانتغتون‌ يخلص‌ المؤلف‌ الي‌ القول‌ بأنهما لم‌ تفلحا في‌ انتاج‌ نظرية‌ متماسكة‌ ومقنعة‌ تميط‌ الحجب‌ عن‌ تلك‌ الحقيقة‌ الاشكالية‌، المتمثلة‌ في‌ السؤال‌ المنهجي‌ الشمولي‌ المتعلق‌ بحقيقة‌ الصراع‌ بين‌ الدول‌ والجماعات‌ الانسانية‌، كونهما جاءتا محكومتين‌ برد فعل‌ «مشروع‌» علي‌ تحول‌ استراتيجي‌ «مفاجي‌». تمثل‌ بانهيار المنظومة‌ الماركسية‌، وانتهاء مرحلة‌ الحرب‌ الباردة‌، فكان‌ طبيعياً ان‌ يسارع‌ العقل‌ الغربي‌ في‌ محاولة‌ مل‌ الفراغ‌ الايديولوجي‌ الذي‌ طرأ علي‌ اثر التهافت‌ «الظاهري‌» للادبيات‌ السجالية‌ التي‌ كانت‌ تزخر بها حمي‌ الوطيس‌ بين‌ الجبارين‌ تحت‌ ضغط‌ هذا الواقع‌ المستجد جري‌ استيلاد المحاولتين‌ اللتين‌ لم‌ تشكلا سوي‌ مراكمة‌ لتأريخ‌ التعثر الفكري‌ في‌ الغرب‌  .

 الاستعادة‌ الصحيحة‌ للمنهج‌ الحضاري‌ الاسلامي‌ في‌ قراءة‌ التأريخ‌

 يري‌ المؤلف‌ امكانية‌ القول‌ ان‌ المنهج‌ الحضاري‌ في‌ تفسير التأريخ‌ المعاد اكتشافه‌ في‌ آخر الاضافات‌ الفكرية‌ الامريكية‌ وخصوصاً علي‌ يد صامويل‌ هانتغتون‌، وبالرغم‌ من‌ الاخطاء الفظة‌ والاستخلاصات‌ الناشزة‌ التي‌ ارتمي‌ في‌ بُحرانها، هو المنهج‌ الاصلح‌ بالمنظور الاسلامي‌، وبمعاييره‌ الدقيقة‌ أيضاً  .

 يبقي‌ ان‌ نشير الي‌ اعتقاده‌: بأن‌ العودة‌ العملاقة‌ للاسلام‌ الي‌ الواجهة‌ السياسية‌ والمعرفية‌ الدولية‌ لم‌ تكن‌ لتتبوأ ذلك‌ الموقع‌ الانبعاثي‌ المتقدم‌ لولا ثورة‌ الامام‌ الخميني‌ وشعبه‌ بالمشروع‌ الحضاري‌ للاسلام‌ وانطلاقاً منه‌  .

 الامام‌ الخميني‌ والصراع‌ الحضاري‌

 قد لا نكون‌ مبالغين‌ ان‌ قلنا ان‌ مصطلح‌ ـ مفهوم‌ «الصراع‌» هو أحد أبرز المصطلحات‌ ـ المفاهيم‌ السجالية‌ التي‌ طفت‌ علي‌ سطح‌ النقاش‌ المحتدم‌ بعد انتهاء الحرب‌ الباردة‌ وتفكك‌ مفاصل‌ الخصم‌ التأريخي‌ لليبرالية‌ الديموقراطية‌.

 علي‌ هذا الاساس‌ يحاول‌ ان‌ يقدم‌ المؤلف‌ رؤية‌ الاسلام‌ ـ بالامام‌ الخميني‌ ـ عن‌ طبيعة‌ الصراع‌ (بين‌ الامم‌ والشعوب‌ أو بعبارة‌ بين‌ الدول‌)، حيث‌ يحدده‌ وفق‌ هذه‌ الرؤية‌ بأنه‌: لايعني‌ اعلان‌ الحروب‌ واستخدام‌ العنف‌ بالضرورة‌   بل‌ هو الجهاد العمودي‌ الارتقائي‌ الذي‌ يرتفع‌ بالانسان‌ والجماعة‌ الي‌ مرتبة‌ تدرجية‌ أعلي‌ هي‌ في‌ ذاتها سمو اكثر اقتراباً من‌ الهدف‌ النهائي‌ المطلق‌.. انه‌ الصراع‌/ الجهاد التراكمي‌ باتجاه‌ الكمال‌  .

 ثم‌ انه‌ طبقاً لما بناه‌ سابقاً من‌ انحصار المفهوم‌ الحضاري‌ باثنتين‌ من‌ الحضارات‌ ـ المادية‌ والالهية‌ ـ ينوّه‌ الي‌ استخدام‌ الامام‌ الخميني‌ مصطلح‌ الطريق‌، من‌ مجموع‌ مصطلحات‌ متقاربة‌ حتي‌ حدود الترادف‌، للاشارة‌ الي‌ كل‌ من‌ هاتين‌ الحضارتين‌ المؤسستين‌ قرآنياً علي‌ قيمتين‌ مطلقتي‌ الدلالة‌ أي‌: كل‌ حق‌ وكل‌ باطل‌، وقرن‌ كلاً منهما بوجهة‌ قرآنية‌ مطلقة‌ ايضاً، عندما سمي‌ الاولي‌ : «الطريق‌ الي‌ الله‌» وسمي‌ الثانية‌ «طريق‌ الطاغوت‌»  .

 السنن‌ في‌ الصراع‌ الحضاري‌ بالمعايير الاسلامية‌

 يتطرق‌ مؤلف‌ الكتاب‌ في‌ هذا الفصل‌ الذي‌ اتخذ من‌ (المناشيت‌) اعلاه‌ عنواناً له‌، الي‌ اهم‌ المميزات‌ وأبرز المواصفات‌ التي‌ يتسم‌ بها المشروع‌ الحضاري‌ الاسلامي‌ والتي‌ منها:

 أزلية‌ الصراع‌:   المتحققة‌ وفق‌ القراءة‌ التي‌ تري‌ في‌ الصراع‌ الحضاري‌ سنّة‌ ـ قانون‌ من‌ السنن‌ ـ القوانين‌ التأريخية‌ ـ الاجتماعية‌ التي‌ لا تستطيع‌ صيغ‌ الحياة‌ الخروج‌ علي‌ حتميتها أو ديمومتها، حيث‌ يعتبرها الشهيد محمد باقر الصدر (ره‌) ذات‌ طابع‌ موضوعي‌ وعلمي‌، لان‌ اهم‌ مايميّز القانون‌ العلمي‌ ـ كما يقول‌ ـ عن‌ بقية‌ المعادلات‌ والفروض‌ هو الاطراد والتتابع‌ وعدم‌ التخلّف‌  .

 وبهذا المعني‌، فان‌ الصراع‌ الحضاري‌ أزلي‌ يتحلي‌ بكل‌ شروط‌ الديمومة‌، من‌ هنا جاء قول‌ الامام‌ الخميني‌ ـ بالاسلام‌ ـ : «ان‌ صراع‌ حضارة‌ الحق‌ / طريق‌ الحق‌ ضد النزوع‌ الحضاري‌ المادي‌، هو صراع‌ أزلي‌ مستمر منذ آدم‌ الي‌ نهاية‌ الحياة‌  .

 في‌ التغيّر والتحول‌ التأريخيين‌

 ان‌ الصراع‌ الحضاري‌ يهدي‌ المعايير السننية‌ الالهية‌ / الثوابت‌ .. محكوم‌ بنمط‌ آخر من‌ المعايير في‌ تصور الحضارة‌ التوحيدية‌ لمسار التحولات‌ والتغيرات‌ التأريخية‌ التي‌ لطالما تضاربت‌ في‌ تفسيرها التجريبية‌ الفكرية‌ المادية‌، فالذي‌ ُينشي‌ تلك‌ التحولات‌ والتغيرات‌ في‌ الاصل‌، وعلي‌ مستوي‌ نظام‌ الحياة‌ والوجود، هو المشيئة‌ الالهية‌، غير ان‌ هذه‌ المشيئة‌ لاتتدخل‌ في‌ تثبيت‌ فعل‌ التغيير والتحوّل‌ الا بعدما يغيّر الناس‌ / الجماعة‌ / القوم‌ ما بأنفسهم‌  . قال‌ تعالي‌ :  ( ان‌ الله‌ لا يُغيّر مابقوم‌ حتي‌ يُغيروا مابأنفسهم‌ )  .

 ثم‌ ان‌ هذا التغيير من‌ الداخل‌ ليس‌ خصيصة‌ منهجية‌ اسلامية‌ في‌ الصراع‌ الحضاري‌ وحسب‌، بل‌ هو ايضاً فعل‌ مقاومة‌ لا تنقطع‌ لسلبيات‌ المشروع‌ الحضاري‌ المادي‌، وهو بذل‌ ممانعة‌ دائمة‌ داخل‌ النفس‌، وفي‌ الجماعة‌ المواجهة‌ محاولات‌ الاختراق‌ التي‌ لابد من‌ ان‌ تتعرض‌ لها الذات‌ المؤمنة‌ بعنوان‌ الاهواء، وصنوف‌ الاغراءات‌ الفردية‌ والجمعية‌ المؤدية‌ الي‌ تهافت‌ الامة‌ وسقوطها، ومعها يتهاوي‌ المشروع‌ الحضاري‌ الذي‌ اختارت‌ الانتماء اليه‌ من‌ خلال‌ تداعي‌ مصاديقه‌  .

 

 الصراع‌ الاحيائي‌

 يعقد المؤلف‌ هذا الفصل‌ لتفكيك‌ رموز مصطلحي‌ الصراع‌ والحوار، علي‌ خلفية‌ الغموض‌ والالتباس‌ الذي‌ يكتنفهما، وفق‌ التصور الاسلامي‌، منطلقاً من‌ قوله‌ تعالي‌:  ( ياأيها الذين‌ آمنوا استجيبوا لله‌ وللرسول‌ اذا دعاكم‌ لما يحييكم‌... )  في‌ تحديد معني‌ الصراع‌ الذي‌ يري‌ في‌ هذا الاحياء / الدعوة‌ للانتصار علي‌ السكونية‌ والموت‌ المعنويين‌.. دعوة‌ مشروعة‌ للانضواء في‌ الصراع‌ الحضاري‌ الازلي‌ ان‌ لم‌ يكن‌ هو فعل‌ الصراع‌ بعينه‌  .

 ثم‌ يعقب‌ علي‌ ضرورة‌ توطيد التعاون‌ والتخفيف‌ من‌ حدّة‌ حوافز الاختلاف‌، وتذليل‌ عقبات‌ التفاهم‌ الي‌ الحد الاقصي‌ الممكن‌ وذلك‌ عبر المشروع‌ الذي‌ ارتسم‌ بعنوان‌ الحوار بين‌ الحضارات‌ الذي‌ يبصره‌ باعتباره‌ القطب‌ الاول‌ في‌ ثنائية‌ جدلية‌ يشكل‌ مشروع‌ الهوية‌ الكونية‌ الواحدة‌ الناهدة‌ الي‌ وأد الهويات‌ المحلية‌ الموقعية‌ أو ما عُرف‌ بالعولمة‌، القطب‌ الا´خر لها.

 وفي‌ طريق‌ ارساء دعائم‌ القطب‌ الاول‌ يري‌ شرطية‌ احداث‌ تحوّل‌ مبدئي‌ في‌ العلاقات‌ الدولية‌ بنسقها التدميري‌ الرائج‌ والقائم‌ علي‌ مايسمي‌ «لعبة‌ المصالح‌» ـ او ادارة‌ الازمة‌ في‌ كوكب‌ الفقراء حسب‌ أحد المفكرين‌ الاسلاميين‌ ـ والبراغماتية‌ المادية‌ العمياء، وذلك‌ باتجاه‌ بناء علاقات‌ راسخة‌ بين‌ الدول‌ بوجهة‌ جديدة‌ ومضمون‌ جديد يقومان‌ علي‌ المساواة‌ بين‌ الدول‌ في‌ الحق‌ والسيادة‌ وفي‌ الواجبات‌ وفي‌ تنمية‌ علاقات‌ الصداقة‌ والتعاون‌ بما يضمن‌ الامن‌ والسلم‌ الدوليين‌، وعلي‌ اساس‌ الاحترام‌ المتبادل‌ واللجوء الي‌ الطرق‌ السلمية‌ لفض‌ النزاعات‌ وضمان‌ الحق‌ بالتنافس‌ البنّاء والتمايز النقدي‌ الحر  .

 ثم‌ انه‌ يعتقد ان‌ الامام‌ الخميني‌ (رض‌) مثّل‌ التجسيد العيني‌ للنموذج‌ غير الطوباوي‌ للعلاقات‌ الدولية‌ بمعاييرها الاسلامية‌، عندما قرر للسياسة‌ الخارجية‌ للجمهورية‌ الاسلامية‌ الايرانية‌ أن‌ ترفض‌ المساومة‌ علي‌ المبادي‌ الاسلامية‌ التي‌ قامت‌ عليها تلك‌ السياسة‌  .

 رافضاً ـ المؤلف‌ ـ الدعوي‌ التي‌ تري‌ في‌ نظرة‌ الامام‌ الي‌ العلاقات‌ الدولية‌ والصراع‌ الدولي‌، محكومة‌ بالمنهج‌ الفلسفي‌ المثالي‌ المنطلق‌ من‌ مقدمات‌ عقيدية‌ أو ميتافيزيقية‌ ثابتة‌، والمنطلق‌ مما يجب‌ ان‌ يكون‌ لا مما هو كائن‌، وذلك‌ قبالة‌ «المنهج‌ الواقعي‌ المعاصر» علي‌ طريقة‌ هانس‌ مورنمانثو.. اذا كان‌ ذلك‌ يحلو لهم‌، فان‌ تطبيق‌ الامام‌ عملياً لتصوره‌ الاسلامي‌ للعلاقات‌ الدولية‌ ومبادي‌ حمايته‌ فعل‌ الصراع‌ الدولي‌، خير دليل‌ علي‌ ان‌ الامام‌ قد زاوج‌ بين‌ ماينبغي‌ له‌ ان‌ يكون‌ وبين‌ ماهو كائن‌، مقدماً من‌ خلال‌ ذلك‌ أفضل‌ مثال‌ علي‌ اقتران‌ النظرية‌ بالممارسة‌ في‌ المشروع‌ الحضاري‌ الاسلامي‌ والشريعة‌ التي‌ يعتد بها  .

 الهوامش‌

 (1) الصراع‌ الحضاري‌ والعلاقات‌ الدولية‌، د. سمير سليمان‌، بيروت‌، دار الحق‌، 1420 هـ/ 2000م‌، ص‌ 5.

 (2) ينبغي‌ الاشارة‌ هنا الي‌ ان‌ المؤلف‌ يولي‌ استعادة‌ من‌ بين‌ الاستعادات‌ المنوّه‌ بها، اكثر أهمية‌، وهي‌ استعادة‌ المنهج‌ الحضاري‌ في‌ وعي‌ وتفسير التأريخ‌ والتطور الاجتماعي‌ والسنن‌ والقوانين‌ التي‌ تحكمهما في‌ محاولة‌ لاستشراف‌ استراتيجي‌ للمستقبل‌ وتقدير احتمالاته‌ وتدارك‌ أخطاره‌ وتداعياته‌ الممكنة‌، حتي‌ لتبدو بقية‌ الاستعادات‌ مهملة‌ بدرجات‌ متفاوتة‌.

 (3) المصدر نفسه‌، ص‌ 7.

 (4) وان‌ كان‌ المؤلف‌ يميل‌ الي‌ صحة‌ الفرضية‌ القائلة‌ بوجود حضارتين‌ حقيقيتين‌ اثنتين‌ في‌ التاريخ‌ ـ وهما حضارة‌ الحق‌ / الفطرة‌ / التوحيد، وحضارة‌ الباطل‌ / المادية‌ / الدنيوية‌ ـ وتهافت‌ الفرضية‌ أو الفرضيات‌ القائلة‌ بحضارات‌ متعددة‌، هي‌ في‌ اكثرها وطبقاً لواقع‌ الامر، مجرد مدنيات‌ او ثقافات‌ او فلسفات‌.

 (5) راجع‌ : الامام‌ الخميني‌ والمشروع‌ الحضاري‌ الاسلامي‌، سلسلة‌ رواد الاصلاح‌ (2) د. سمير سليمان‌، ص‌ 15. وكذلك‌، الصراع‌ الحضاري‌، مصدر سابق‌، ص‌ 61.