اسلمة المعرفة في الغرب

مسعود بدرام

(باحث و مترجم)

 

     ان مصطلح اسلمة المعرفة الغربية ظهر منذ عقدين من الزمن على السنة بعض العلماء المسلمين على اثر ملاحظتهم النقد الجاد الموجه الى الاسلوب الوضعي في المعرفة العلمية، فتابعوا النهضة الاسلامية ضمن الاحداث السياسية و الثقافية الاسلامية من حيث نظرية المعرفة.

     في الحقيقة انهم سعوا من خلال اعادة النظر في ابحاث المعرفة من المنظور الاسلامي و بالاستناد الى المعرفة الاسلامية للوجود، ان يتجهوا نحو منهجية تتناسب مها. ان هذا الفريق من العلماء يعملون في الوقت الحاضر على اضافة المزيد الى المسائل ذات العلاقة بهذه النظرة و تحويلها الى سنة فكرية. الا انهم لم يقدموا حتى الآن طرحا دقيقا و متميزا، خاصة في صقل المنهجية. و لكنهم مع ذلك عرضوا ابحاثا تحت عنوان «اسلمة المعرفة‏» مما يستطيع ان يجلب اهتمام العلماء المعنيين بفلسفة العلم و المعرفة نحو امكان ايجاد بديل لمسيرة تسلط العلم الغربي الحديث.

     منذ مدة و المثال الاسلامي للمعرفة يجتذب اهتمام العلماء المسلمين المتعلمين في الغرب، و غيرهم من اهل العلم المسلمين. لقد اعلن هذا المثال، او هذا التحول، عن نفسه بعد مضي قرن على المواجهة العلنية بين المجتمعات الاسلامية و مساعي الغرب في التوسع (و هو يطلق عليه احيانا اسم مواجهة الحضارة الاسلامية للحضارة الغربية) و لكي يواجه العلماء المسلمون الغرب المسلح بالفلسفة الوضعية، حملوا علم الفقه، او في الواقع المنهجية القديمة. الا ان الاستمرار على تلك المنهجية القديمة، من دون الاخذ بنظر الاعتبار متطلبات الزمان و المكان في مواجهة شؤون العصر الحديث، فان مقام العلم الاسلامي، بل كل المجتمعات المسلمة، تنحذر نحو الضعف و التخلف، الامر الذي حمل الكثير من الباحثين المسلمين على الظن بان طريق تقدم المسلمين و تطورهم هو طريق الاخذ بالعلم الغربي و اساليبه، و بذلك انبهر علماؤنا المسلمون انبهارا مفرطا بهذا العلم و باساليبه، و اختفى العلم و الفكر الاسلاميان في زوايا الغموض. لقد ادت هذه الحالة، الى جانب تغير النظر الى ماهية العلم الغربي، الى ان يلتفت كثير من العلماء و المسلمين الى الاسلام مرة اخرى.

     منذ اواخر الخمسينات طرح بعض فلاسفة العلم، مثل (كارل بوبر) و (توماس كوهن)، آراءهم لمناقشة اعتبار الارجحية القاطعة و التي لا منازع لها للفكر الوضعي لها للفكر الوضعي و اساليبه بصفة ذلك آخر مايقال في موضوع معرفة الطبيعة و المجتمع، و فتح الباب لطرح آراء مختلفة و اساليب ناجمة عن الفلسفة الوضعية المنطقية، و الجديدة. انتقد (بوبر) الاعتماد على التجربة و قال ان عينية البيانات لعلمية ليست في كون لغتها غير قيمية، بل في كونها يمكن ان تخضع للاختبار و احتمال ابطالها. (كوهن) ايضا انكر المثال القياس للتوضيح متباينة تقع العلوم المختلفة ضمن قوالبها و تؤتي نتائجها. في رايه ان كل نموذج او مثال يعتبر الى حد ما اسلوبا محكما لرؤية الظاهرات. و على ذلك فان اساليب العلوم الانسانية التي استلهمت من التوجه نحو الوضعية، على انها هي وحدها الاسلوب العلمي، و التي ادعت انها تصف الظاهرات على نحو غير قيمي و محايد و عيني، و تبينها و تحللها، فقد تم نقدها و انكارها احيانا. من هنا استعادت القيم مكانتها في العلوم الانسانية مره اخري، و فقد الاعتماد على التجربة الحسية مكانه الرفيع الذي تفرد به.

     بالاضافة الى هذه التغييرات، شهدت السبعينات اخفاق الاتجاهات القومية و الماركسية الغربيه، في حل المشاكل السياسية في هذا القسم المهم من المجتمعات المسلمة، فلم تستطع هذه المجتمعات، بالاعتماد على هاتين المدرستين، ان تبرز هويتها. و هكذا انحدر هذان الاتجاهان نحو الافول، و برز الاسلام مرة اخرى بصفته عاملا على منح الهوية و المحرر في هذه المجتمعات، و على الاخص بعد هزيمة العرب امام اسرائيل في 1967، حيث ظهر التوجه نحو الاسلام بملامح سياسية ظاهرة، و بملامح ثقافية خفية في الشرق الاوسط.

     تلك كان هي الظروف التي استطاع فيها العلماء المسلمون، الذين كانوا من جهة ينتقدون الاساليب القديمة، و كانوا من جهة اخرى قد دخلوا في مقولة انتقاد التوجه العلمي المسيطر على الغرب، ان يجدوا الجراة لطرح مثال اسلمة المعرفة، و لو انه احتوى قبل ذلك علي تاثير (الاخوان المسلمون) و (السيد قطب) و (المودودي) فيما يتعلق بالمعرفة. غير ان كتابات من هذا النوع كانت تطرح بصفة دفاع عن النفس امام الافكار الغربية، و كانت غالبا مصحوبة بميول سياسية. و لكن التوجه الى اسلمة المعرفة يعتمد غالبا على المعرفية و المنهجية و علم الوجود، و هدفها الاول هو حل مشكلات البشر الفكرية المعاصره. و على الرغم من ان هذه الحركة ليست‏سياسية، الا ان لها علاقه بالحركات السياسية الاسلامية خلال العقود الاخيرة. و في الحقيقة يمكن القول ان اتجاه اسلمة المعرفة يمثل النهضة الفكرية للحركة الاسلامية، و ان المدافعين عنه يسعون، عن طريق هيمنة القيم الاسلامية على جميع العلوم، الى جعل اسلمة المعرفة قاعده ثابته.

 

الخطوات الاولى

     اسلمة المعرفة فكرة مستقاة من علم الوجود الذي يختلف عن ذلك العلم الذي يعتمده العلم التجريبي، و لذلك فان المعرفة الاسلامية، من حيث علم المعرفة، تختلف عن تلك المعرفة التي تستند الى التجارب الحسية. لذلك فان مؤيدي اسلمة المعرفة و محبيها يسعون للوصول الى نوع من المنهجية تتناسب مع علم الوجود و علم المعرفة. و لكن يبدو ان هذا الفريق من العلماء و الباحثين المسلمين لم ينجحوا بعد في تحقيق هذه الغاية يصورة جلية. ان طلائع فكرة اسلمة المعرفة يعتقدون ان هذه الفكرة ليست عقيدة من العقائد، بل هي توجه، مثال، و مدرسة تستند الى علم المعرفة و المنهجية. انهم يعلمون انه لكي تتضح مسائل اسلوب التعريف و معرفته يحتاج الامر الى سنوات طوال، لان هذا الضرب من العمل الفكري يمثل اصعب نشاطات اي مجتمع و اعقدها، لذلك فان مساعي تلك الطلائع قد تتضح بعد عشرات السنين او حتى بعد اجيال.

     اعلن عن اسلمة المعرفة لاول مرة في المؤتمر الذي عقد في مكة سنة 1977. تحدث في ذلك المؤتمر السيد محمد النقيب العطاس عن مفهوم التعليم و التربية في الاسلام. و قدم اسماعيل الفاروقي مقالة عن اسلمة العلوم الاجتماعية. مع ذلك فان فكرة العلم الاسلامي، و خاصة منهج البحث الاسلامي، قد ظهرت في اواخر الخمسينات في كتابات السيد حسين نصر، اذ قال ان كل معرفة منشؤها ليس اسلاميا يمكن ان تدمج في المنظور الاسلامي للعالم و تصبح «اسلامية». هذه النظرة، التي اصطلح عليها اليوم باسلمة المعرفة، عرضها الفاروقي في امريكا عن طريق (المعهد الدولى للفكر الاسلامي) و نشرت في 1995.

     ان طلائع مثل (نصر) و (الفاروقي) و (العطاس) كانوا يفترضون وجود كائن يتالف من المعرفة و العمل يسمى (العلم الغربي)، و لا مرادف ذا معنى و محتملا له سوى (العلم الاسلامي). يرى السيد حسين نصر ان المعرفة على نوعين: المعرفة القدسية، و المعرفة الحديثة، و هو يعتقد ان المعرفة القدسية الكائنة في قلب الوحي، قد اثرت عليها المعرفة التي تمتد جذورها في المعرفة اليونانية القديمة، و التي تعرف اليوم باسم المعرفة الحديثة، و ازاحت قداستها ففقدت بريقها. في راية ان اسلمة المعرفة تعني الحاجة الى علم قادر على ايجاد الارتباط بالامور القدسية. و على المنوال نفسه يقول اسماعيل الفاروقي انه ينبغي ان يؤخذ بنظر الاعتبار ان المنهجى و الطرق و المعطيات و المسائل و الاهداف و اتجاهات كل فرع من الفروع العلمية تنسجم مع المبادئ‏ الاسلامية، و هو يرى ان المبدا الاصلي هو التوحيد، و هو يشمل وحدة المعرفة و الحياة و التاريخ. كذلك ذهب السيد محمد النقيب العطاس مذهب السيد نصر و الفاروقي، فقال: بما ان مختلف العلوم متشابكة مع العناصر و المفاهيم الرئيسة الغربية، و ليست مظهرا للمعرفة الحقيقية، علينا ان نولي وجوهنا نحو اسلمة المعرفة. ان حركة كهذه تستلزم تخليص المعرفة من العناصر و المفاهيم الرئيسة، و مزجها بالعناصر و المفاهيم الرئيسة الاسلامية.

     هذه الخطوات الاولية هي اهم عامل في طرح فكرة اسلمة المعرفة و نشرها، اذ عن طريقها يمكن ايجاد قاعدة لهذه الفكرة و التمهيد لنشاط العلماء و الباحثين المسلمين في مختلف العلوم، و خاصة في العلوم الانسانية. اهم المساعي المنظمة الاولى قام بها اسماعيل الفاروقي بتاسيسه (المعهد الدولي للفكر الاسلامي) في ولاية فرجينيا سنة 1981 بامريكا، للدعوة للفكر الاسلامي، و خاصة فكرة اسلمة المعرفة خلال مختلف فروع العلوم، بالاستناد الى العلوم الاجتماعية. و قد قام المعهد الذكور بعقد الكثير من المؤتمرات و الندوات التخصصية، و هو الآن يقوم باعداد الكتب عن برامج البحث في ميدان اسلمة المعرفة.

 

محاولة وضع نظرية

     «عندما يفكر المسلمون في المعرفة يرو ان مطلوبة من اجل الحياة. اما الغربيون فيريدون المعرفة للحصول على القدرة لكي يتمكنوا من السيطرة على الاشياء الطبيعية المادية، و كذلك الفرد و المجتمع. المعرفة للحياة تتالف من القيم الدينية و الاخلاقية» (واط: 1988) و بهذا تتبين بعض الشي‏ء الملامح المميزة للمعرفة الاسلامية عن المعرفة الغربية.

     و قد بين هذا التمايز ضياء الدين سردار بصورة اخرى (سردار1985)، فهو يقول ان الحضارات المختلفة قد انتجت علوما متمايزة بعض عن بعض، و هو يعقد مقارنة بين اساليب العلم الغربي و اساليب العلم الاسلامي، و يعرضها في تصنيف وجهين. قول ان العلم الغربي، لاحساسه المحايد تجاه الحقيقة، ينظر الى الانسان نظرة فردية و توجهه الى العلم يكون بحرية مطلقة دون قيد او شرط، بينما العلم الاسلامي، لاحساسه الملتزم، لايكون محايدا تجاه الحقيقة، و ينظر الى الانسان نظرة اجتماعية، و توجهه الى العلم يكون توجها اداريا. في نظر (سردار) كل مجموعة من هذه الاساليب تتناسب و حضارتها الخاصة.

     اما القائلين باسلمة المعرفة فانهم يتعمقون اكثر، و يتجاوزون مجرد تعداد خصائص العلوم الاسلامية و اختلافها مع العلم في المدارس الاخرى، خاصة مع العلم الغربي. و بما ان هؤلاء يولون اهمية كبرى بمقولة التفكر، يجعلون المعرفة - التي هي في الواقع ارضية العلم و والدته بالمعنى الجديد - موضع بحث اسلمتها، لانهم يعتقدون انه اذا تحققت عملية التغيير في الفكر الاسلامي، فان جوانب حياتهم الاخرى سوف ينالها التغير ايضا. و هم يرون ان العلم، بصفته شيئا يمكن بيانه بالتجربة و بالمنطق، فهو من ثمار المعرفة. اذا ما ايد شي‏ء على انه علم، فلابد ان يكون قائلا للاثبات بالبرهان، كما انه لكي يكون معتبرا يجب ان يكون له اسلوب او اساليب خاصة. و في هذه يرون انه يجب رفض الاسطورة القائلة بان العلم من حيث الاساس ليس دينيا، في حين انه كان مصدر علمنا اسلاميا (اي نابعا من الوحي القرآني و السنة النبوية و الطبيعة البينة في العالم) و اذا كانت اساليبنا تضم قدراتنا العقلية التي وهبها الله لنا، و قوانا الفطرية، و كانت النتائج منسجمة مع ماهية الانسان، و قوانين الطبيعة، و التعاليم الاسلامية، و القيم الاسلامية، عندئذ تكون معرفتنا اسلامية (علواني، 1989، 9- 10) ان اسلمة المعرفة اسم آخر للمعرفة التوحيدية. «على اساس هذه النظرة، فللعالم خالق واحد، و هو الصانع و مسبب الاسباب، يرى و لايرى، عالم، فوق عقل الانسان، و هو الذى جعل الانسان خليفته، و علمه مالم يعلم، و جعل الوحي و الطبيعة منابع اصلية للمعرفة. و بناء على ذلك فان دراسة هذين المصدرين في النصوص التوحيدية، الخالصة تؤدي الى قيام معرفة حقيقية عميقة و هادفة» و هكذا فان الانسان بدراسة الوحي الالهي و كتاب الطبيعة و المحافظة على التبادل بين هاتين الدراستين، يكون قد نشر ظل الاسلام على راس المعرفة. بمطالعة الوحي نصل من الكل الى الجزء، و بمطالعة الطبيعة نصل من الجزء الى الكل. العقل انساني اعلم من مجرد الفهم و الادراك، اي انه الطاقة التي تميز بين الحق و الباطل، و الصحيح و الخطا، و الصدق و الكذب، اي انه الفطرة. الوحي حقيقة كشفها الله لنبيه لكي يوصلها الى الانسان، و العقل يدرك عالم الشهادة و الوحي و يحللهما (ابوسليمان 1993، 71) القرآن مصدر الهام العلم للانسان و العالم. في القرآن الكثير من الآيات التي تكشف عن مختلف جوانب العلم. و في نظرة عامة يمكن تصنيف هذه الآيات الى اربع مجموعات. المجموعة الاولى تتناول امورا تتعلق بحقيقة العلم وافقه و اهدافه، اي فلسفة العلم و المعرفة. المجموعة الثانية تدرس اسلوب اكتشاف الحقائق العلمية. المجموعة الثالثة تعنى بالقوانين التي تتعلق بمختلف العلوم، و خاصة العلوم الطبيعية. و المجموعة الرابعة تعالج القوانين التي يكتشفها الانسان عن طريق التجربة و تجيز للانسان - خليفة الله في الارض - ان يستفيد منها لكي يحقق تحسين الحياة و تطورها. (خليل 1991، 41) ان الاعتماد على كتاب الطبيعة لايعني ان الطبيعة و علومها هي وحدها التي يجب اسلمتها، بل المقصود بكتاب الطبيعة هو كل العالم و الحقائق، بما فيها الانسان و المجتمع الانساني. و بما ان العلوم الانسانية تعنى بماهية الانسان و علاقته بالعالم المحيط به، و بالقوه الكامنة في المجتمع و الحياة الاجتماعية، و الاسلام نفسه ايضا يؤكد هذه الامور في ميدان اسلمة المعرفة، فلابد من القبول بان العلوم الانسانية (كالتاريخ، و علم الاجتماع، و علم النفس، و الحقوق، و الاقتصاد، و العلوم السياسية، و الادراة، و الادب، و الفن و غيرها) يجب ان تكون على راس المعرفة التي تراد آسلمتها. و السبب في اعطاء الاولوية لهذه العلوم هو انها تعمل في الاطار الفكري و الاخلاقي و القيمي. (خليل 1991، 91) و في هذ المجال يكون لعلم الانسان، للقائلين بفكرة اسلمة المعرفة، مكانة خاصة، لانه يعتبر من العناصر المهمة في سائر فروع العلوم الانسانية. هنا يبرز الاعتقاد بانه ما دام الانسان خليفة الله، فلابد ان يواصل السير في طريقه، مع سائر المخلوقات، نحو الخالق. ان عليه ان يقيم التوازن بين حاجاته المادية و المعنوية، و ان يستخدم كل شي‏ء في وجهه الصحيح الرباني - اننا نجد في علم الانسان الاسلامي اعتقاد يدل على ان ثمة شواهد قرآنية تشير الى انه بالنظر لكون الله هو الخالق، فان جميع الثقافات و المجتمعات و القبائل و الملل المختلفة واحدة من حيث المنشا. ان علم الانسان الاسلامي، بقبوله ان العلاقة بين الثقافة و المجتمع الانتساب الثقافي كحقيقة واقعة، و يقارنها في الوقت نفسه بالمفاهيم و القيم الاسلامية (ديفيس 1988، 8) في الواقع ان الانسان الاسلامي قائم على الفطرة و الخلافة و الدين (ديفيس 82- 112) تقوم الفطرة باعلام الانسان عن مبدا خلقه، و غايته و حاجاته، و عندئذ تقوم الخلافة باظهار مقام الانسان المتميزة بصفته خليفة الله، و تقوم، مع الفطرة، بوضعه امام تكاليفه و حقه. و اخيرا يقوم الدين، عن طريق الرسالة الالهية، بجعل الانسان على طريق الحياة الاجتماعية و قوانينها.

     بالاضافة الى علم الانسان، هناك علوم انسانية اخرى، مثل الاقتصاد، العلاقات الدولية، علم النفس و الحقوق، و بسعي مدروس من جانب مؤسسة الفكر الاسلامي الدولية، تخضع الآن لبحث اسلمة المعرفة. كذلك الحال مع العلوم الدقيقة و العلوم العملية التي يجري جرها نحو هذا البحث. الا ان اهم الموضوعات التي ترتبط باسلمة المعرفة، و لكنها لم يتم حتى الآن تدوينها كما ينبغي، هي معرفة‏الوجود، علم المعرفة و المنهجية، و هي مواضيع تقع على راس قائمة الاولويات، و ذلك تنصب على ربط العلم بهذه المواضيع ليتم حقق اداعاءاتهم في اسلمة المعرفة. ان في نيتهم ان يبينوا ان كل علم يستند الى اسلوب خاص في متلقياته عن الوجود و الحقيقة بحيث انه يكتسب المعرفة الصحيحة بطريقة خاصة، و ذلك يتخذ صورة اسلوب معين. بناء على ذلك يتجه هؤلاء العلماء اساسا نحو المعرفة بصفتها الاساس النظري و العلمي لعمل الانسان في المجتمع. لذلك فان معظم الابحاث الخاصة باسلمة المعرفة، تتناول المعرفة (كما يظهر من اسمها) و من ثم الاسلوب و المنهج. و على الرغم من ان ابحاثا مباشرة بشان معرفة الوجود لم تجر كثيرا، الا انهم لابد ان يفعلوا بالنظر للعلاقة الوطيدة بين علم المعرفة و علم الوجود.

     فيما يتعلق بعلم الوجود يبدا البحث‏بالقول بان خالق الكون خالق واحد و قادر مطلق اخضع الكون منذ البدء لقوانين و انظمة، و من ثم عهد به الي الانسان ليحافظ عليه (ابو سليمان، 95) و هنا ايضا يجرى البحث في اتجاهين: مسؤولية الانسان، و الهدف الذي يجب ان يتحرك الانسان نحوه. في الواقع ادراك هذه الحقيقة يعتمد اساسا على بصيرة الانسان. و من هنا تتضح نقطة التلاقي بين علم الوجود و علم المعرفة، لان هذه البصيرة هي نفسها ضرب من معرفة الحقيقة و عالم الواقع. و لولا هذه البصيرة لما امكن للمجتمعات البشرية ان تكتسب المعرفة الحقيقية، و في احسن الحالات ينحصر علمها في امور الدنيا الظاهرية، و تنفصل كليا عن عالم الآخرة. «ان الفلسفات التي تنشا في مثل هذه المجتمعات لا تكون قادرة على الاجابة عن الاسئلة النهائية. الا ان هذه الفلسفات مستعدة لعرض اجابات لا اساس لها عن هذه الاسئلة بحيث انها تترك الانسان حائرا ضائعا.» بصيرة الانسان طاقة جوهرها الفطرة و هي من اهم عناصر المعرفة، تلك المعرفة التي تجعل علم الوجود التوحيدي على راس ايمان الفرد. «ان فطرة الانسان المسلم تفسر مفهوم العينية و الحقيقة قائلة ان الانسان كائن محدود يعيش في عالم محدود هو نفسه تابع لقوانين شاملة و معينة. ان قوانين العالم واقع يعيش الانسان معها و هو في معرض التعرض لها و التعامل معها في كل لحظة من لحظات حياته. (ابو سليمان 81) ان اكتساب المعرفة يجب ان يجرى بانسجام مع مجرى الوجود. و بما ان هذا العلم لم يخلق عبثا، لذلك لابد لكسب المعرفة ان يتجه نحو الاستزادة من الحكمة و التامل العميق في آيات الله و خلقه بهدف الارتباط به و تكامل روح الانسان. اما هدف العلم التجريبي فهو اكتساب القدرة القومية و الوطنية و الدينية (نصر، 1995، 14) «من حيث وجهة النظر الاسلامية، تجب دراسة اسس فلسفته لكي يتبين للمسلمين بصورة جليه و دقيقة على اي نظام قيمي يستند هذا العلم، و كيف يتعارض معه او يعينه او يكلمه. يؤمن المسلمون بان القيم الاسلامية هي من الله تعالى، و لا يستند فقط على اشكال المعرفة الانسانية القائمة على تعريف العقل و الحواس الخمس، خاصة و ان هذا التعريف ينكر امكان الحصول على معرفة موثوق عن اي طريق آخر.» (نصر، 75) اما المعرفة الاسلامية فقائمة على العقل و الوحي و الالهام، و على ذلك لايمكن اعتبار العلم التجريبي (من دون الالتفات الى تبديل النموذج و قيام فلسفة جديدة ظهرت على اثر الثورة العلمية في اوربا في الطبيعة و العلم) استمرارا للعلم الاسلامي، و ذلك لان هذا التبديل نفسه كان مظهرا جديدا لعلم الوجود و علم المعرفة. (نصر، 75) و في الوقت الذي تؤكد فيه النظرية الموجودة ان المصدر الممكن لمعرفة العالم معرفة علمية مصدر محسوس، فان النظرية الاسلامية عن المعرفة العلمية تؤكد ان للمعرفة مصدرين اثنين: الوحي و العالم المحسوس. و العالم المحسوس مظهر للحقائق النسبية التي تختص الحواس بادراكها و فهمها و دراستها، بينما الوحي هو مصدر الحقائق المطلقة التي لا يعتورها الشك، و لذلك فهي ليست نسبية. ما من معطية او معلومة تكون معرفة حقيقية مقبولة الا اذا كان لها شاهد من الوحي او من العالم الحسوس. ثم ان معرفة العالم المحسوس. ثم ان معرفة العالم المحسوس نفسه تحصل عن طريق العقل و البصيرة و التجربة (علواني، 1994، 10 و 11) العلم الجديد يستند الى العقل و التجربة، اما القوى الاخرى، كالبصيرة و غيرها، باستثناء الحواس الخمس، فتزاح الى زاوية النسيان. «في القرآن آيات عديدة تؤكد الاستماع و البصيرة و الحس القلبي. ان هذه القوى بتظافرها ببعض تكتسب في الحياة الانسانية قيمها و وحدتها. فاذا حقق الانسان روح العمل و النشاط فيها و استغلها استغلالا نافعا و على احسن وجه، يصل الى قمة التفوق العلمي و الديني‏» (خليل، 1991، 45) ان وحدة هذه القوى تتجلى في القلب، الذي يختلف عن العقل الرياضي، و ان كان محيطا به. في الواقع ليس العقل سوى انعكاس تلك القوة المحيطة بميدان الذهن. ان هذه القوة التي تمتاز بماهية الهية. هي مصدر المعرفة الحقيقية، بحيث ترجع اليها جميع العلوم في النهاية لتنال تاييدها حتى تحظى بالشرعية في المنظور الاسلامي كقيمة معرفية (نصر، 1982، 180- 181) اعتبار مصادر اكتساب المعرفة، غير التي يطرحها القائلون بفكرة اسلمة المعرفة في حقل نظرية المعرفة. و هذه المسالة تؤثر بشكل طبيعي في علم المنهج او المنهجية. يرى هؤلاء العلماء، من هذا المنظور، ان العلم التجريبي ضرب خاص من المعرفة، و انه و ان كان من حيث الكم و الاتجاه قد توسع استنادا الى اساس العلوم القديمة منذ القرن السابع عشر، و لكن اتجاه هدفه يختلف كليا في مسيرته عن العلوم القديمة. ان العلم التجريبي او العلم الحديث هو ذلك النوع من المعرفة التي توسعت على يد غاليلو و نيوتن. لقد كان لهؤلاء فرضيات معينة فيما يتعلق بالماهية الزمكانية في المادة و ما الى ذلك. كانت هذه الفرضيات تحكي عن استقلال حقل الواقع الطبيعي من منظومات اعلا من واقع المعرفة العلمية و استقلالها، و عن جميع المنظومات المعرفية. اما المعرفة التوحيدية فتضم المعرفة بالذات الالهية و اسمائه و صفاته، و كذلك معرفة الآثار و الافعال. ان معرفة كهذه تقوم على الاستضاءة بالعقل الالهي و على اعتماد الخلق على الخالق، و لايمكن النظر اليها الا من هذه الزاوية. انها معرفة قائمة على مفهوم الخلق بصفته منظومة من الواقع ليست مستقلة من حيث علم الوجود. و مادامت هذه المعرفة لا تنظر الا الى الواقع الطبيعي فهي معرفة قدسية (نصر: 1982، 177- 179) يعتمد العلم الحديث اعتمادا كبيرا على العمل الانساني (باعتباره اهم وسيلة لاكتساب العلم)، و على الحس (باعتباره المعيار النهائي للتمييز بين الصحيح و الغلط) و على ذلك، فالعلم يدور حول الانسان، و ليس انسانيا، و ذلك لان العلم الانساني الحقيقي يقوم على العقل الالهي، لا العقل الانساني. و في علم كهذا يكون الله (لا الانسان) هو القاضي و المعيار النهائي لكل شي (نصر: 1982، 178) ان المعرفة العلمية الحديثة تنفصل عن المنظومات الارفع من المعرفة، بمثل استقلال العقل عن المتلقيات القلبية في الفلسفة الحديثة. ان لهذا الانفصال او الاستقلال، مع عدم وجود تصور عن سلسلة المراتب في كلا حقلي وجود المعرفة في العالم لحديث، ارتباطا شديدا. في الاسلام، كما هي الحال في الحضارات القديمة، فان معرفة لهذه المنظومات مواقعها بما يتناسب و المواقع العلمية للمنظومات الواقعية. و كذلك فيما يتعلق بمنظومة عن حقيقة متماثلة تظهر سلسلة مراتب مختلفة الى الوجود، فحقيقة الشجرة في الجنة، موضوعا للمعرفة. فالشجرة في علم النبات تكون الدرجة الاولى في سلم المعرفة، و الشجرة في الجنة هي الدرجة الاعلى فيه. اما العلم الغربي الحديث فلا يعترف بمنظومة معرفية اعلى من ذلك العلم، و لا بشرعية اساليب المعرفة الاخرى لعالم الطبيعة، بالنظر الى انه يدعي لنفسه الحق في احتكار ذلك (نصر: 1982، 181) لقد عمم العلم الحديث القوانين الطبيعية في كل مكان و كل زمان و الواقع «ان العمليات التي تقع على امتداد الزمان، يحيلها العلم الحديث الى مجرد وقائع تخضع لقوانين عامة، تلك القوانين التي يكتشفها الانسان بالمشاهدة و التحقيق و الدراسة. و على وجه العموم، يكتشفها انسان معقول يعيش في تاريخ الدنيا في لحظة معينة.» (نصر: 1982، 183) نظرية المعرفة الاسلا&