ازمة الحضارة الاسلامية في عصر المغول

الدكتور عبدالرسول خير انديش عضو الهيئة العلمية في جامعة شيراز

 

     نظر المؤرخون المسلمون في القرن السابع الهجري الى حملة المغول على العالم الاسلامي، اكثر ما نظروا، الى بعدين اثنين منها، الاول قتل الناس، و الثاني القضاء على الخلافة العباسية في بغداد. ولكن بعد استقرار حكمهم، كان منعهم الناس من اداء الواجبات الشرعية، و على الاخص فريضة الحج، جلبت انتباه المؤرخين اكثر من اي امر آخر. و اخيرا بقبول المغول الاسلام، و من ثم ازالة موانع اداء الفرائض الشرعية، اعيد التشرف بالحج، و ان ظلت معارضتهم للخلافة العباسية في مصر باقية كما هي.

     لذلك، فان المصادر التاريخية من القرن الثامن تعتبر هجوم المغول على العالم الاسلامي و عملية تقبلهم الاسلام الطويلة ازمة قصيرة في حياة الحضارة الاسلامية الخالدة.

     على الرغم من عدم اتفاق مصادر التاريخ على تحديد فترة عصر المغول في الحضارة الاسلامية، فانهم متفقون على انه لم ير سوى القتل و الخراب و التخريب و الاضطرابات. و لا شك في ان هجوم المغول و تسلطهم على العالم الاسلامي لم يكن اقل من فاجعة عظيمة في تاريخ الحضارة و كارثة مروعة في تاريخ الملل الاسلامية، فالمسلمون لم تمر بهم فترة امر، و ظروف اقسى، من تلك الفترة و تلكم الظروف. ابن الاثير، المؤرخ المسلم (المتوفى 629ه) الذي ارخ في كتابه القيم، الكامل في التاريخ، للاسلام منذ البداية حتى زمانه، عندما يصل الى فاجعة المغول يراها على درجة من الهول حتى انه لا يرى في نفسه القدرة على تدوين تاريخ تلك الكارثة، فهو يقول:

     منذ سنوات و انا اتجنب ذكر هذه الحادثة لاني كنت اراها مخيفة مرعبة و كنت اكره تذكرها، لذلك كنت في هذا اقدم رجلا و اؤخر اخرى. من يستطيع ان يكون ناقل خبر مجزرة المسلمين؟ من يستطيع ان يرى هذه الحادثة صغيرة؟ ليت امي لم تلدني، و ليتني مت قبل وقوع هذا الحدث و عفيت آثاري. اشار علي جمع من الاصحاب ان ادون هذه الحادثة، و لكني كنت اتباطا في ذلك. ثم رايت ان ذلك لا نفع فيه، لذلك نقول ان هذا العمل، اي كتابة التاريخ، يشمل ذكر مثل هذا الحدث العظيم و المصيبة الكبرى التي لن ترى الايام و الليالي التالية مثيلا لها، بل قد لا يرى الناس حتى انقراض الدنيا مثل تلك الحادثة و لا مثل اولئك القوم (المغول) المتعطشين للدماء . . . هؤلاء المفترسون لم يتركوا احدا حيا، بل قتلوا النساء و الرجال و الاطفال، و بقروا بطون الحوامل و اخرجوا اجنتها. انا لله و انا اليه راجعون . . .» [ابن الاثير، 1355 ه. ش 1976 م، ج 26، 124- 126] ابن واصل، مؤلف مفرج الكروب (المتوفى سنة 698 ه) الذي يحذو حذو ابن الاثير في كتابة التاريخ، لا يقل وصفه لفاجعة المغول عن بشاعة وصف ابن الاثير لها، فهو يقول:

     لم ينكب المسلمون باكبر من المصيبة التي اصابتهم هذه السنة (616ه) لقد جرى في هذه السنة على المسلمين من التقتيل و العبودية و تسلط العدو على اكثر بلادهم، مما لم يكن له نظير و لا وقع مثل ما وقع في هذه السنة . . . من وقائع هذه السنة الصدمة الكبيرة و المصيبة العظمى بظهور المغول و تسلطهم في فترة قصيرة على بلاد المسلمين و قلاعهم و اراقه دماء المسلمين، و اسر نسائهم و ابنائهم. منذ ذلك الوقت الذي بعث الله فيه محمدا «صلى الله عليه و آله و سلم‏» و اظهر دينه على الناس و نصره على المشركين، لم يبتل المسلمون بفاجعة اكبر و لا اعظم من آفة المغول [ابن واصل، 1369 ه. ش 1990م، 29- 30] القاضي منهاج سراج الجوزجاني (متوفى بعد 672 ه) الذي الف كتابه المشهور باسم طبقات ناصري في 658 ه، اي بعد سنتين من سقوط بغداد، شبه حملة المغول بيوم القيامة، و ذكر عددا من الاحاديث في ذلك [الجوزجاني، 1362 ه. ش 1983 م، ج 2 ص 92 و ما بعدها] يكرر الجوزجاني في كتابه الاشارة الى مذابح المسلمين و خراب بلادهم على ايدي المغول.

     هكذا نلاحظ ان هجوم المغول، في نظر العلماء و العارفين في القرن السابع الهجري، كان كارثة من جهتين، الاولى مقتلة الناس و تخريب بلادهم، و الثانية القضاء على العباسيين او قتل الخليفة العباسي على يد الكفار المغول. هذان الحدثان لا يمكن تقويمهما تقويما متساويا من وجهة نظر المؤرخين و كبار رجال العلم و الادب في القرن السابع، لان الفترة ما بين بداية حملة المغول و انتهائها تبلغ نصف قرن تقريبا، و التطورات الاخرى التي حدثت ‏بعد ذلك.

     حملة المغول على العالم الاسلامي بدات في 616 ه/1219م، و استمرت مدة اربعين سنة حتى ادت سنة 656ه/1258م الى سقوط بغداد و قتل الخليفة العباسي‏المستعصم (640- 656ه/1242- 1258م) بعد ذلك، حتى بداية القرن الثامن، المغول، او بكلام ادق، الدولة الايلخانية المغولية في ايران، استمر عداؤها و مجالداتها ذات الخسائر الكبيرة مع دولة المماليك في مصر (648- 922 ه/1250- 1517 م) دولة المماليك - التي اسسها عبيد الايوبيين من الاتراك و الجركس (564- 648 ه/1169- 1250م) - كانت الدولة الاسلامية الوحيدة التي استطاعت ان تقف بوجه المغول، و لم تضع حدا لفتوحات المغول فحسب، بل هزمتهم هزيمة بعد هزيمة. اول انتصار للمماليك على المغول كان في معركة عين حالوت (658 ه/1259 م) التي تعتبر هزيمة حاسمة للمغول. ثم في سنة (676 ه/1277م) في ابلستان تحمل المغول هزيمة منكرة اخرى على ايدي المماليك. وقعت هذه المعركة في ايام آباقاخان، ثاني ايلخان مغولي. و في ايامه سنة 680ه/1281 م مرة اخرى انتصر المماليك على المغول في معركة حمص. و آخر معركة بينهما جرت على عهد غازان خان (694- 703 ه/1295- 1304 م)، سادس ملك مغولي. في سنة 699 ه/1300م، في معركة المروج استطاع المغول ان يهزموا جيش سيف‏الدين قلاوون (678- 689 ه/1279- 1290م)، سلطان المماليك. و لكن المماليك، في سنة 702 ه/1303م، انتصروا انتصارا باهرا في معركة مرج الصفر و انتقموا لهزيمتهم السابقة [اقبال آشتياني، 1356 ه. ش 1977 م، 193، 208، 216، 272- 282] على كل حال، خلال تلك الاشتباكات الصغيرة و الكبيرة بين الايلخانيين و المماليك، كان المنتصرون هم المماليك. في الواقع، ان بساله المماليك و صمودهم كانا من اكبر المشكلات الداخلية و الخارجية للايلخانيين [مرتضوي، 1307 ه . ش 1928 م، 39]، كما ان المماليك كانوا يمثلون مشكلة داخلية للايلخانيين باحيائهم الخلافة العباسية في مصر و تفاقم الازمات الداخلية. اكثر اهل السنة الذين كانوا يعيشون تحت الحكم الايلخاني ظلوا على ولائهم للخليفة الذي استقر في مصر، و  لم يكن بمقدور الايلخانيين تحطيم ذلك الولاء مطلقا.

     بناء على ذلك، في تقويم اولي لقضية المغول و تاريخ الحضارة الاسلامية، ثمة نقطتان و هما المجازر البشرية، و القضاء على الخلافة - تفقد موضوعيتها بصفتها امرا كليا يضم فترة خاصة، متخذة شكلا مستمرا. ان المجازر البشرية و تخريب البلاد يتعلقان بفترة قصيرة في اوائل الحملة المغولية التي يمكن الحصول على معلومات موثوقة كثيرة عنها. و بالنظر الى ان المغول في الفترات اللاحقة لحملتهم، قرروا استيطان الارض التي استولوا عليها، لم يعد اللجوء الى قتل الناس مبدا اساسا في سياستهم العسكرية. اما قضية الخلافة فقد دامت ثلاث سنوات فقط، و من ثم احييت و عادت الى الظهور. و قد استاثرت قضية الخلافة العباسية في عصر المغول، اكثر من قتل المسلمين و تخريب بلادهم، باهتمام المؤرخين. المرحوم الدكتور عبدالهادي الحائري، في بحث له تحت عنوان دور المغول في ايجاد الانسجام و الشقاق في العالم الاسلامي يضع آراء بعض الباحثين المعاصرين بشان مقام سقوط بغداد في الحضارة الاسلامية على طاولة الدرس و التمحيص بمهارة العالم، و نظر نظرة شك و ترديد الى نظريات اطلقها اشخاص مثل هاچسن، احمد امين، حسن ابراهيم حسن، علي اكبر فياض، عبدالحسين زرين‏كوب، عباس اقبال آشتياني، بثمان، برنز، حبيب الله (الهندي)، كاهين و غيرهم ممن اعتبروا سقوط بغداد فصلا اساسا في تاريخ الحضارة الاسلامية، و سعى الى الكشف عن الملامح الفعالة الحية و الايجابية في تاريخ الحضارة الاسلامية في عصر المغول [الحائري، 1368 ه. ش 1989م، 39- 44] عند تقويم وضع الخلافة العباسية و هي على وشك السقوط على ايدي المغول يصفونها بانها كانت‏شكلية، رمزية و تفتقر الى اي قوة سياسية و عسكرية، و يرون ان سقوط بغداد جاء نتيجة للانحطاط الذي اصابها منذ امد و انهارت بضربة من المغول. لذلك فهم لا يرون في هجوم المغول العامل الاصلي في الموضوع(1). و لكن العجيب هو ان احياء الخلافة العباسية في مصر، احياءا شكليا و رمزيا دون شك - لانها استمرت قرونا من دون ان تتمتع باي قوة سياسية او عسكرية - لم يحظ باي اهتمام(2)، اذ في هذه الحالة لن تبقى لسقوط بغداد اية اهمية. اي ان ما حدث كان مجرد انتقال حكومة شكلية من بغداد الى القاهرة، لا غير. مع ذلك فان اهمية مسالة سقوط بغداد ما زالت ‏باقية على قوتها، و لا تؤدي الى وضع النظريات فحسب من جانب المؤرخين، بل تعتبر سببا لا ذكاء الجدل بين فرق المسلمين.

     في الواقع، يقوم الغموض و التعقيد في المسالة على ان الخلافة العباسية، في ايامها الاخيرة كانت ضعيفة و شكلية و مفتقرة الى كل محتوى قابل للتامل. على الرغم من ان هذا السبب كاف لبيان علل سقوط دولة ما و الاقتناع به، الا ان حقيقة الامر ليست كذلك، و ذلك لانه منذ اواسط القرن السادس الهجري، و على اثر انهيار سلطة السلاجقة الكبيرة، و اتت العباسيين فرصة استعادة قدرتهم السياسية و العسكرية، و منذئذ زادت استعادة هاتين القوتين، السياسية و العسكرية، مركزهم المعنوي و الديني. ان اهمية قوة العباسيين في اواخر ذلك القرن يمكن استنتاجها من شاهدين مشهورين جدا، الاول هو لجوء الاسماعيليين في عصر جلال‏الدين ‏حسن الحديث الاسلام (توفي 618 ه/1221م) الى الخلافة العباسية من اجل ان يكونوا مقبولين لدى عامة المسلمين [الجويني، 1327 ه. ش 1948 م، ج 2 ص 343 و ما بعدها. و الثاني هو سعى السلطان تكش الخوارزمشاهي (568- 596 ه/1172 1199م) لدفع العباسيين عن نواحي ايران المركزية [الجويني، ج 2 ص 32 و ما بعدها]. في تلك الايام، خاصة في عصر خلافة الناصر (575- 622 ه/1180- 1225م) كان العباسيون يسعون الى توطيد نفوذهم في المناطق الغربية و المركزية في ايران، و قد وفقوا الى حد كبير في غربي ايران، حيث ‏سخروا ملوك لر الصغرى (تاسست‏سنة 548 ه) و لر الكبرى (تاسست‏سنة 543 ه)، و كذلك الاتراك الايرانيين الاقوياء [مستوفي، 1361ه] و لكن في النواحي المركزية من ايران، بعد فترة من التشاحن المعقد، وجدوا انهم مع مماليك عراق العجم و اتابكان فارس و اتابكان آذربايجان، يواجهون السلطان محمد خوارزمشاه وجها لوجه(3)، السلطان محمد، الذي كان في اوائل القرن السابع، يحكم اكبر دولة اسلامية، اي الدولة الخوارزمشاهية، على الرغم كمن لقوته و قدرته، كان يجد نفسه بحاجة الى تاييد العباسيين، غير ان الخليفة الناصر كان يرى تلك القدرة في نفسه على مخالفته. فتلك الحاجة و هذه القدرة كانا دليلا على مكانة العباسيين المكينة في القرن السابع الهجري. ان اهمية التاييد من جانب الخلافة حمل السلطان محمدا الخوارزمشاهي، اخيرا، على اعلان خلافة احد العلويين من سادات ترمذ [الجويني، ج 2 ص 122]، الامر الذي حمل الخليفة الناصر (حسب راي بعضهم)، بتحريض من چنگيزخان على مهاجمة ايران الخوارزمشاهية [مير خواند، 1339ه. ش 1960 م، ج 5 ص 79] فعليه لابد من الالتفات الى انه في عصر فتوحات المغول، بقيادة چنگيزخان (كما جاء في تاريخ سرى مغولان) كان من اهداف حملة چنگيز خان على ايران هو القضاء على العباسيين. [Woodman Cleaves,vol.1,p.202,1982 مما يدل ايضا على اهمية تلك الدولة.

     لم تكن حملة المغول الاولى (616- 621 ه/1219- 1224م) ذات خطر كبير على العباسيين. بعد ذلك بذل السلطان جلال‏الدين الخوارزمشاهي (622- 628 ه/1225- 1231م)، الذي كان يحكم بقايا الدولة الخوارزمشاهية في ايران، جهودا مستميتة للحصول على تاييد الخلافة [النسوي، 1365 ه. ش 1986 م، 200- 206] و هو مايدل ايضا على اهمية اصل الخلافة التي كانت ‏يومئذ هي الخلافة العباسية.

     بعد خروج السلطان جلال‏الدين‏الخوارزمشاهي من ميدان معركة المسلمين ضد المغول، ابتدات حملات المغول، من سنة 628 حتى 656 ه، على العباسيين مباشرة. يومذاك كان الخليفة المستنصر (623- 640ه/1226- 1242م) يحكم في بغداد. و مثلما كان عصر الناصر عصر استعادة قدرة العباسيين السياسية، كان عصر المستنصر عصر احياء العلم و الثقافة وازدهارهما. كما ان جهوده العسكرية قمينة بالدراسة، اذ انه حتى سنة 656ه/1256م التي وقعت فيها حملة المغول النهائية على بغداد، كان النصر حليف العباسيين فيما سبق ذلك من حملات [ابن‏الفوطى، 1351 ه، 194 و ما بعدها] في الوقت الذي كان المغول قد مدوا سيطرتهم على القسم الاعظم من آسيا، كانت‏خلافة العباسيين و دولتهم معضلة تقض عليهم مضاجعهم، لان العباسيين كانوا من جهة يحولون دون توسع المغول و تقدمهم في غرب آسيا، و من جهة اخرى ارتباطهم المعنوي مع المسلمين في الوقت الذي كان المغول يسيطرون على كاشغر حتى همدان، و بذلك كان العباسيون خطرا بالقوة على المغول. لذلك سعت الحكومة المغولية المركزية الى التغلب على ذلك الخطر باجراءات سياسية و عسكرية (مما لا يتسع صدر هذا المقال لذكر تفاصيلها) في ذلك الوقت، كانت الدولة المغولية في روسيا بادارة اولاد جوجي بن جنكيزخان، و منافسة لدولة المغول المركزية، ترجو ان تستعين بالعباسيين و لجلب تعاون عالم الاسلام [الغساني، 1359 ه. ش 1980 م، 542] ان هذا الاتجاه لدى اولاد جوجي دليل آخر على قوة العباسيين اللافتة للنظر في اواخر سنوات حكمهم في بغداد. ان مؤرخي عصر المغول يرون ان سبب سقوط بغداد سنة 656 ه/1258م و انقراض العباسيين هو عدم قدرتهم على الادارة و المنازعات الداخلية و ضعف نفسية الخليفة المعتصم، و لم يذكروا شيئا عن انحطاط الدولة العباسية و ضعفها، او اصل الخلافة [الجويني، ج 3 ص 380 و ما بعدها] ان طرح المفكرين الاسلاميين، مثل الامام محمد الغزالي (توفي 505 ه) الذي قدمه قبل ذلك بزمن حول الاستعاضة عن الخليفة بسلطان [الغزالي، 1283 ه، 180 و ما بعدها]، و كذلك، قبل ذلك بقرون، فوضت الخلافة الكثير من صلاحياتها الى الامراء و الوزراء، و عهدت بمنصب القضاء الى اهله(4)، احال الخلافة العباسية في اواخر ايامها الى مجرد قشرة و صورة شكلية، و لا تلقي ضوءا على المسالة، لان مباحث من هذا القبيل كانت ذات صفة مدرسية بحت، و لم تفتح لها طريقا بين جموع الشعب. و كما يقول الدكتور الحائري، لم يكن الناس قد اعتادوا على عدم وجود الخلافة [الحائري، 39]، كما ان اهل السنة ايضا لم يسع احد، نظريا، الى حذف الخلافة، سوى انهم كانوا يرون وجود تمهيدات و مقدمات لظروف يحذف فيها وجود الخليفة، او يصعب الوصول اليه، تلك الظروف التي لم تكن قد تحققت‏بعد، و لكن افتراضها عقلا لم يكن مستحيلا، اي ان ابحاثا كهذه كانت‏بحثا في المفاهيم و ليس في المصاديق التي لم تكن قد تحققت‏بعد، من ذلك بحث اقامة السلطان مقام الخليفة الذي كان مسبوقا دائما باداة الشرط «اذا»، اي اذا لم يكن هناك خليفة، كان يمكن ان يقوم السلطان مقامه، لا ان يكون خليفة.

     نحن نعلم ان في تاريخ الاسلام، حتى بداية القرن السادس عشر، عندما انقرضت الخلافة العباسية في مصر على يد السلطان سليم العثماني (918- 926 ه/1512- 1520م)، لم يصب الخلافة اي خلل او فتور اساس. ان الفترة بين سقوط بغداد في 656 ه حتى عودة الخلافة في مصر مرة اخرى في 659 ه لا تزيد عن ثلاث سنوات و لا يمكن ان تكون ذات اهمية تذكر. و قد حصلت قبل ذلك ازمات مماثلة، و حتى اشد منها المستعصم لم يكن الخليفة الوحيد الذي قتل، و العباسيون لم يكونوا السلسة الوحيدة من الخلفاء التي كان القتل من نصيبهم. كما ان المجالدات الخطرة ذات الخسارة الكثيرة بين السلاطين و الخلفاء قد حصلت كثيرا، مثل ما جرى بين السلطان محمود الغزنوي (388- 421 ه/998- 1030م) و الخلافة، و ما جرى بين اهل الديلم (320- 447 ه/932- 1055م) و الخلافة، و صراع الخوارزمشاهيين مع الخلفاء . . . (5)

     ان الحدثين المهمين اللذين وقعا في العالم الاسلامي على عهد المغول (قتل المسلمين و انقراض الخلافة في بغداد) لا يمكن اعتبارهما بمثابة وضع النهاية للحضارة الاسلامية، و ذلك، كما قلنا، لانه لا الخلافة انتهت و لا المسلمون قضي عليهم قضاءا مبرما، و لا توقف التقدم العلمي و الادبي و ساير فروع الثقافة و الحضارة الاسلامية، بل ظل ينمو و يزدهر. ان عظماء مثل سعدي و حافظ و مولوي و جامي، و مفكرين مثل الخواجة نصيرالدين و العلامة الحلي، و ابن ابى الحديد، و مؤرخين مثل الجويني و رشيدالدين، وصاف، و ابي الفداء، و المقريزي و عشرات مثلهم في فروع اخرى، هم جميعا من ذلك العصر.

     ان الذين اولوا اهمية كبيرة لسقوط بغداد، كل منهم كان يروم شيئا من ذلك. فالمسيحيون الذين فقدوا قدرتهم منذ القرن الاول الهجري على اثر فتوحات المسلمين، و هبوط مقامهم في آسيا الغربية، راوا في سقوط بغداد دليلا حاسما على زوال المسلمين، و لذلك اعانوا المغول في حملتهم على بغداد، ثم اقاموا سياستهم على الاتحاد مع المغول ضد العالم الاسلامي [ويلتس، 1353 ه ش 1974 م، 139 و ما بعدها] و مؤرخون مثل‏الجويني وصاف و رشيدالدين قبل ان يعنوا ببيان قوة المغول، سعوا الى بيان تاييد الحظ لهم. السبكي، مؤلف طبقات الشافعية الكبرى يتابع المماحكات المذهبية [السبكي، 1383 ه]، و من بين المعاصرين يحاول امين احمد الاشارة الى عظمة العباسيين [الحائري، 40] و عباس العزاوي، صاحب كتاب تاريخ العراق بين احتلالين، يسعى في الدرجة الاولى للحصول على قوميته الخاصة و هويته [العزاوى، 1410ه، ج 1] بالرجوع الى المصادر التاريخية و الادبية الاصيلة للقرن السابع الهجري يمكن ان نعرف بدقة ان المسالة الاساس في العالم الاسلامي في تلك الايام الحافلة بالرعب و الخوف كانت مسالة الاحتفاظ بالهوية الاسلامية و ادامتها. على اثر هجوم المغول و انقراض الدولة الخوارزمشاهية و الخلافة العباسية، استولى كفار المغول على الارض الاسلامية. منذ ظهور الاسلام و انتشاره لم يسبق للبلاد الاسلامية ان وقعت‏بهذا الشكل تحت‏سيطرة الكفار. لقد كان المسلمون موفقين في الحفاظ على الثغور و التخوم، و في الفتح و التقدم، باستثناء بعض نواحي الحدود و الجزائر البعيدة.

     نحو قرن قبل سيطرة المغول على العالم الاسلامي، و على اثر هزيمة السلطان سنجر السلجوقي في معركة قطوان (536 ه/1141م) على يد القراختائيين و البوذيين وقع قسم كبير من النواحي الشرقية من العالم الاسلامي تحت‏سيطرة الكفار [الجوزجاني، 94 و ما بعدها] كانت هذه هي المرة الاولى التي تقع فيها دارالاسلام بهذا الشكل الواسع تحت‏سيطرة الكفار، حتى ان الدولة الخوارزمشاهية القوية اصبحت من دافعي الخراج للقراختائيين. اما مسلمو المناطق المحتلة فسرعان ما كيفوا انفسهم مع الظروف الجديدة، كما ان الدولة القراختائية ادركت ان عليهم ان يرعوا حال اتباعهم المسلمين [الجويني، ج 2، 86 و ما بعدها] لا توجد قرينة على ان تسلط الكفار على بلاد المسلمين كان بمثابة خروجها من دار الايمان، كما ان روزبهان الخنجي في القرن العاشر الهجري، اي في الوقت الذي كانت هناك تجربة مماثلة لتسلط المغول على العالم الاسلامي، لم يعتبر احتلال الكفار للارض الاسلامية بمثابة خروجها من دار الاسلام [الخنجي الاصفهاني، 1362 ه.ش 1983 م، 394 و ما بعدها] و كانت قضية القراختائيين و استيلاء الصليبيين القصير على بعض ارض الشام و فلسطين، من الامثلة القليلة على هزيمة المسلمين قبل حملة المغول، بينما كان للمسلمين خلال القرون الستة حضور مظفر مقرون بالعزة و الاستقلال. الا ان المغول اوجدوا في هذا الميدان تغييرا فاحشا و خلقوا ظروفا اخرى، لانهم كانوا ضد الاسلام و منعوا اداء الفرائض الشرعية و القيام بالشعائر و السنن الاسلامية.

     من المشهور ان جنكيزخان لم يظهر اي تعصب ضد اي من الاديان. و هو نفسه كان على دين الرهبان البوذيين القائم على عبادة الظاهرات الطبيعية و تنبؤات الرهبان. كان المغول يؤمنون باله اعلى اسمه (الغ تتگري)، و لكن لم تكن لهم اية قوانين شرعية او خصائص تتميز بها الاديان الكبرى المعروفة، بل كانوا يعملون طبقا لسنن مكتوبة و غير مكتوبة مبنية على الحياة القبيلية و البدوية و العقائد البوذية التي كانوا يسمونها (ياسا) الى ما قبل جنكيزخان لم يظهر لمذهب الرهبان البوذيين اي استخدام سياسي، و لكن في سنة 603 ه/1206م اعلن كوكوجوي شمن انه جاء خبر من السماء ان ارادتها هي ان يحكم تموجين، و انها اطلقت عليه لقب ابن السماء جنكيز، و هكذا، لاول مرة و دائما، نال جنكيزخان و عائلته بصورة خاصة به قدرة سياسية قوية لم تتحمل اي منافس او عدو. و بعد سيطرة المغول على العالم الاسلامي، اصبحت الخلافة عدوة و منافسة شديدة لهم و لمقامهم. و على اثر نيل هذا المركز و المقام، ادعى جنكيزخان انه ملك غير قابل للانكار على جميع القبائل التركية و المغول من شمال الصين حتى مغولستان و ايران. و قبيل موته بعد نحو عشرين سنة (624 ه/1224م) سعى دون هوادة لفرض اطاعته عليهم، فقد هاجم مناطق مختلفة في الصين و ايران و سيبريا و روسيا، و اباد مدنا كثيرة، و قتل كثيرا من الناس [رشيدالدين، 1367ه . ش 1988 م، 215 و ما بعدها] في اوائل تاسيس حكم جنكيزخان كان هناك عدد من التجار المسلمين الذين قدموا خدماتهم بصفة مشاورين و سفراء و غير ذلك. و على حد قول الجويني، مؤرخ عصر المغول المبرز، كان المسلمون يومذاك محترمين معززين [الجويني، ج 1 ص 608] و بعد التحاق عدد من القبائل المسلمة و رؤسائهم بجنكيزخان، بدا الخصام بين الدولة الخوارزمشاهية التي كانت تدعي الزعامة السياسية على المسلمين (بما فيهم قبائل مناطق كاشغر و بلاساغون)، و دولة جنكيزخان التي كانت تدعي الرئاسة على قبائل الترك و المغول (بصرف النظر عن العقيدة و الدين) و في اواخر ايام جنكيزخان فقد الرجل صبره بشكل واضح نحو المسلمين، لذلك، ففضلا عن مقتلة مسلمي ما وراء النهر و خراسان، لاسباب عسكرية و لطبيعة السلب و النهب، اصبحت معتقدات المسلمين عرضة للاهانة و التحقير [الجويني، ج 1، 80] لقد كان للدوافع الدينية في اثارة مسلمي تلك المناطق للدفاع ضد المغول دور مهم، لانهم لم يكونوا مستعدين لتقبل سلطة الكفار عليهم، لذلك فان الابعاد السياسية للعقائد الاسلامية غدت سدا محكما في وجه جنكيزخان، و لا شك في ان الابعاد السياسية لتلك المواجهة ادت في النهاية الى مسالة الخلافة، يقولون ان جنكيزخان، بعد فتح  ماوراء النهر، طلب علماء المسلمين و سالهم عن الاسلام و ايد كل الذي قالوه له عن التوحيد و النبوة و الصلاة و الصوم، الاالحج فانه انكره انكارا شديدا، و تكلم على غرار الصوفيين، قائلا ان عبادة الله لا حاجة بها الى قطع تلك المسافة الطويلة للوصول الى مكان خاص، و هكذا رفض، بمهارة، قبول اهم مظهر سياسي للعقيدة الاسلامية، الحج، عند المسلمين تحت‏حكمه [بياني، 1367، ج 1] اصبح الحج، في العصر العباسي، وسيلة سياسية مؤثرة جدا بيد جهاز الخلافة. كانت قوافل الحج تتحرك عادة من نواحي خراسان و ماوراء النهر الى بغداد، و بعد لقاء الخليفة تتوجه الى مكة، تحت قيادة امير الحاج، الخليفة، اذ كانوا يسرجون محملا خاليا على بعير، على اعتبار انه محمل الخليفة، و تسير القافلة خلفه [الخنجي الاصفهاني 364- 365] و في العودة كان الحجاج عادة يعرجون لرؤية الخليفة، و كان ذلك وسيلة مناسبة جدا لابلاغ وجهات نظر الخلافة السياسية الى طبقات واسعة من العالم الاسلامي. من ذلك مثلا حركة يعقوب بن ليث الصفاري (247- 256ه/861- 878م) ضد العباسيين، فاستخدموا قوافل الحج لمقاومته [تاريخ سيستان، 1366ه. ش 1987 م، 228] على امتداد سفر الحج و حركة القوافل كان لترتيب القوافل المختلفة اهمية سياسية، و احيانا ادى الى المشاحنة. و بالنظر لفعالية الحج السياسية لم يلقها جنكيزخان ببشاشة، و في الوقت الذي جعل من جيحون حدا لبلاده مع العالم الاسلامي، عاد الى مغولستان (621 ه/1224 م) اول من خلف جنكيزخان كان ابنه اكتاي (624- 679ه/1227- 1282 م) و نظرا لعزمه على الاستيلاء على المزيد من اراضي العالم الاسلامي، اتخذ سياسة التقارب مع المسلمين، و قام بعدد من الاجراءات السياسية و الاعلامية المؤدية الى ذلك. من ذلك انه قام بسلسلة من العمليات العسكرية ازاح بها السلطان جلال‏الدين الخوارزمشاهي الذي كان اكبر سد في طريق المغول الى العالم الاسلامي (628 ه/1230م)، فكانت النتيجة ان اصبح&#