دور اللغه الفارسيه و الناطقين بها في إغناء الحضاره

د. رضا مصطفوي / تعريب سمير نيكروش

 

     منذ القدم و هضبه ايران تعتبر الجسر الرابط بين شرق العالم و غربه، و ممرا حيويا للذهاب و الاياب لساكني طرفي العالم و تلاقي بعضها ببعض، و بالتالي فان هذا الموقع الچغرافي الخاص كان العالم المهم في ارتباط الايرانيين الدائم بالاقوام الاخر، و تبادل الافكار و العقائد و الفنون و الثقافه فيما بينهم، فكانت الظروف الطبيعيه الخاصه و الاقليميه باعثا علي اضفاء خصائص مهمه علي المجتمع الايراني مما ادي الي نقل الاختصاصات و الخبرات اللامه منه الي الآخرين؛ و بهذه الطريقه ضمن المجتمع الايراني تأمين معيشته من جانب، و استطاع من جانب آخر نقل لغته و ثقافيه الي البلدان الاخري.

     و لو دققنا في سبب تسميه الغربيين يوم الاحد «يك شنبه» بيوم الشمس (Sunday) لرأينا ان ذلك يرجع الي الطقوس الخاصه «بعباده الشمس»، حيث كانوا يطلقون علي كل يوم من ايام الاسبوع اسم احد النجوم و بذلك سمي يوم الاحد «يك شنبه» بـ«يوم الشمس»(1).

     كان قيام ابي مسلم الراساني الباعث وراء تشكيل دوله بني العباس عام 132 للهجره في بغداد، و بذلك بعد القضاء علي حكم بني اميه و استقرارهم قرب المراكز الثقافيه الايرانيه، فكان العامل الايراني المؤثر في وصول العباسيين الي الحكم وراء الاهتمام الخاص لحكام بني العباس بالايرانيين، حتي انهم قاموا بانتخاب مستشاريهم من بين الايرانيين.

     و قد كان لهذا التقارب انعكاسات في جوانب اخر. كانتخاب الحكام لنوع اللباس و الالوان حسب اذواق الايرانين. فالمنصور و هي ثاني خلفاء بني العباس (عام 153 للهجره)، اخذ يرتدي اللباس الايراني و خيّر الناس ايضا في ذلك(2).

     تقرأ في تاريخ البلعمي(3):

     «طالب ابو مسلم، صاحب الدعوه التي اطاحت بحكم بني اميه و اوصلت بني العباس الي الخلافه، خلفاء بني العباس بارتداء اللون الاسود بدلا من اللون الاحضر الذي كان يرتديه خلفاء بني اميه زاعمين انه من الوان الجنه، و هذا بحد ذاته يصور رغبه ابي مسلم في الخروج علي تقليد بني اميه و بالتالي الطلب الي السلطان ارتداء اللون الاسود لما يمثله من الهيبه و الوقار».

     فالنفوذ و التأثير الايراني علي الخلفاء العباسيين كان الباعث علي اختيار الكتّاب و الوراء و رجال الدوله من اوساط الأسر الايرانيه امثال البرامكه، و سهل، و وهب، و طاهر، و غيرهم. فمقام الوزراه كانت من حصه الايرانيين بسبب قدرتهم علي التأليف و فن الانشاء في الكتابه العربيه، و كأنهم قد سبقوا العرب في هذا المجال، و حتي في فتره حكم بني اميه كان هناك ايضا كتّاب مشهورين امثال عبدالحميد الكاتب، و سالم مولي هشام بن عبد الملك، و ابنه «جبله» و عبدالله بن المقفع، و هؤلاء جميعا كانوا من الايرانيين. فالملاحظ انه بالاضافه الي التأثير الخاص للايرانيين في مجالات الثقافه و العقائد و التقاليد و اداره البلاد، و الاداره بشكل عام، فان المؤلفات و الكتب المختصه بقواعد اللغه و فن الكتابه العربيه، كانت من حصه الايرانيين(4) ايضا، فأول شخص شغل منصب «الوزراه» خلال الحكم الاسلامي كان ايرانيا و هو ابوسلمه الخلاّل(5). و قد اشتهر باسم «وزير آل محمد»، و كان هناك وزراء عباسيون آخرون امثال ابي ايوب المورياني(6)، و يعقوب بن داود، و يحيي بن خالد البرمكي، و ثابت بن يحياي الرازي و احمد بن يوسف، و هؤلاء جميعهم ايضا كانوا ايرانيين و بدون شك فان نجاح العباسيين في اداره امور الدوله في مرحلتها الاولي يعود الي قدره الوزراء الايرانيين آنذاك و ادارتهم، حيث انهم في الحقيقه كانوا يمثلون الخلفاء في اداره امور الحكم.

     يقول الجاحظ (المتوفي: 255 هـ ق)(8):

     «ألم تَرَ ان اهل المدينه في قديم الايام و عندما يستوطن عندهم احد من اهل ايران، كانوا يتأثرون بلغته، و لهذا كانوا يسمون المسحاه بالبال و اهل البصره كانوا يسمون «جهار راه» بالمربعه و اهل الكوفه يسمونها «جهار سو» و هي كلمه فارسيه، و يسمون السوق بـ«وازار» (= بازار) و «وازار» كلمه فارسيه و يطلقون علي «القثّاء» الخيار و «خيار .. كلمه فارسيه.»

     فاضافه الي الكثير من الكلمات الفارسيه التي انتقلت الي اللغه العربيه اِثر التقارب و المعاشره فيما بينهما، كان هناك طريق آخر انتقلت بسببه الالفاظ و المصطلحات الفارسيه الي العربيه، يتجلي في التراجم التي تمت عن طريق الايرانيين من اللغه الفارسيه الي العربيه(9)، و التي كانت اكثرها في مجالات الراعه، البيطره، الطب، تحضير الدواء، الرياضيات، النجوم، الفلسفه و المنطق، التاريخ، الاساطير، و بالاخص اداره الحكومه، و من جمله الكتب التي ترجمت الي العربيه و آدابها نستطيع ان نذكر الكتب التي ترجمت العربيه و أثّرت آنذاك تأثيرا كبيرا علي اللغه العربيه و آدابها نستطيع ان نذكر الكتب التاليه: «دستور بزشكي» (دامبزشكي) اي الطب البيطري و «جاماسب» في الكيمياء و «آيين تيراندازي» اي اصوال الرمايه و «زيج شهرياري» اي حساب النجوم و «كارنامه انوشروان» اي اعمال الملك أنوشروان و «كاهنامه» اي التقويم السنوي و «داستان رستم و اسفنديار» اي قصه رستم و اسفنديار و «آيين جوكان زدن» اي اصول ضرب الصولجان و «هزار افسانه» اي الف اسطوره و «نامه تنسر» اي رساله تنسر و «داستان بهرام جويين» اي قصه بهرام جويين و كتاب «زادا نفرخ در تأديب بسرش» اي كتاب زادا نفرخ في تأئيب ابنه و تعليمه و «داستان اسكندر» اي قصه الاسكندر و «بختيارنامه» اي رساله بختيار و هناك نقطه مهمه اري من المصطلحات و الكلمات الفارسيه انتقلت الي اللغه العربيه عن طريق الايرانيين انفسهم، و في الحقيقه فان اغناء الادب العربي و النمو السريع للغه العربيه، مدين الي حد كبير الي الايرانيين من امثال عبدالله بن المقفع (= اسمه بالفارسي روزبه بن داذويه)، و ابن قتيبه، و الطبري، و بشّار بن برد الطخارستاني، و ابي نؤاس الاهوازي و ابي العتاهيه، هؤلاء استطاعوا اثراء الادب العربي بالكثير من العقائد و الافكار و المصطلحات و الكلمات الفارسيه الغنيه و القيمه.

     و نحن في هذا الحديث المختصر لا نستطيع ذكر جميع الكلمات الفارسيه الدخيله في العربيه، فاهل البحث يستطيون مراجعه كتب خاصه في هذا المضمار و هي كثيره، اما المهم هنا و هو ان المؤلفين الايرانيين و خلال تدوينهم و تأليفهم للكتب العربيه شغلوا مساحه اكبر من العرب و التاريخ و الجغرافيه و الصرف و النحو و المعاني و البيان و النقد و غيرها، حيث اوجدوا تراثا خالدا يعتبر الي اليوم من الآثار العلميه و الادبيه الرئيسيه في الآداب العربيه، و ليس هناك شك في ان الكثير من الكلمات و التراكيب و الاصطلاحات الفارسيه قد نفذت عن هذا الطريق ايضا الي اللغه العربيه، و من جمله المؤلفين الايرانيين هؤلاء نذكر: عبدالحميد بن يحيي (المقتول عام 132 هـ.ق). و عبدالله بن المقفع المقتول عام 142 هـ.ق و جبله بن سالم، و علي بن عبيده الريحاني و الذي ينسب اليه اكثر من اربعين كتابا (10)، و سهل بن هارون دشت الميشاني، و علي بن داود، و محمد بن ليث الكاتب، و أبا اسحاق ابراهيم بن العباس بن محمد الصولي الخراساني (المتوفي عام 243 هـ.ق)، و محمد بن عبدالملك، و زيارت بن ابان، و أبا حنيفه احمد بن داود الدينوري، و ابن قتيبه الدينوري و غيرهم.

     و اول كتاب جامع للطب كان «فردوس الحكمه» و هو لاحد المسلمين الايرانيين و يدعي ابي الحسن علي بن ربّن الطبري (المقتول عام 224 هـ.ق) و هو من كتّاب الخليفه المعتصم، و قد طبع الكتاب في برلين عام 1928 للميلاد و كان يعنبر احد الاركان الاربعه للطب آنذاك. و من الكتب المهمه الاخري في الطب الاسلامي و الذي كان بمثاله دائره معارف هو كتاب «الحاوي»(11) للفيلسوف و الطبيب الايراني الكبير محمد بن زكريا الرازي (المتوفي عام 313 هـ.ق) و الذي صنفه في ثلاثين مجلدا و كان حاويا لمعلمات قيمه و غنيه حول الموجودات و المصاديق الطبيه التي حصل عليها بالتجارت العلميه و التي استفاد منها في علاجه للمرضي. و للرازي مؤلفات اُخر في مجال الطب، منها: طب المنصور، كتاب الشكوك، و من لايحضره الطبيب، و كتاب الجدري(12)، و غيرها. اما علي بن عباس المجوسي الاهوازي (المتوفي عام 384 هـ.ق) فقد الّف كتاب «كامل الصناعه» في الطب، و ابوسهل المسيحي الجرجاني (المتوفي عام 403 هـ.ق) ألّف كتاب «المائه في الصناعه الطبيبه» في هذا المجال ايضا، و ابو علي سينا بتأليفه كتاب «القانون» قد اضفي الكمال علي الطب الاسلامي. و شابور بن سهل الجندي شابوري (المتوفي عام 255 هـ.ق) صاحب كتاب الاقراباذين، و ابن التلميذ المتوفي عام 560 هـ.ق ايضا ألّف كتاب الاقراباذين، و هذان الاثنان كتبا في مجال علم الادويه و هما مشهوران. و كتاب آخر يعتبر من افضل مآخذ الطب الاسلامي و يسمي «شامل» في ثمانين مجلداً و هو من تأليف ابن نفيس القريشي (المتوفي عام 687 هـ.ق)، و في علم الكيمياء ايضا كان للايرانيين مؤلفات قيمه عرّفت للعالم عن طريق اللغه العربيه. فقد ألّف ابوالحاكم محمد بن عبدالملك صالحي الخوارزمي في هذا المجال عام (425 هـ.ق) كتاباً سماه «عين الصنعه»، و قام ابوريحان البيروني (المتوفي عام 440 هـ.ق) بتأليف كتاب مشهور في معرفه الاجسام بعنوان «الجماهر في معرفه الجواهر»، و قدم ايضا عبيدالله بن جبرئيل و هو من اسره بختيشوع الجندي شابوري (المتوفي عام 450 هـ.ق) كتابا في علم الحيوان اسماه «طبايع الحيوان».

     من هذه الحصيله يمكن القول ان دور الناطقين باللغه الفارسيه في تكامل العلوم الطبيه الاسلاميه و العالميه كان فاعلا و مهما في هذا المجال، حتي ان الكثير من الكتب المهمه في هذا الحقل تمت ترجمتها عده مرات الي اللغه اللاتينيه و استفاد منها الاوروبيون.

     و القفطي في كتاب «اخبار الحكمه (13)» يكتب:

     كان اطباء جنديشابور يدونون و يرتبون قوانين العلاج الطبي حسب امزجه بلادهم حتي حصلوا علي الشهره في العلوم، فيما كان البعض الآخر يفضلون العلاج الطبي علي الطريقه اليونانيه او الهنديه، و السبب في ذلك يعد الي فضائل كل فرقه في هذا الحقل، و بالتالي تقديم ما هو جديد من العلوم علي هذه القوانين، و استمر هذا الي عام عشرين من عمر سلطنه انوشيروان (= 550 ميلاديه) حيث امر انوشروان بجمع اطباء جندي شابور في قصره للتباحث و التحاور فيما بينهم و تدوين اسئلتهم و اجوبتهم خلال هذا الاجتماع، و هذا الامر مشهود له.

     فمنذ القديم لعبت اللغه الفارسيه دوراً مهماً في الطب الاسلامي حتي ان كلمه «بيمارستان» او مخففها «مارستان» و جمعها «بيمارستانات» او «مارستانات» بقيت مستخدمه في الامصار الاسلاميه الي الان.

     و اوائل العلماء الرياضيين و المنجمين في اجهزه الخلافه العباسيه كانوا من الايرانيين، و من العلماء الرياضيين و المنجمين الذين كان لهم تأثير كبير علي الحوزات العلميه الاسلاميه بما قدموه من جديد في هذا الحقل، حتي تمت ترجمه بعض كتبهم الي اللغات الاوروبيه نذكر منهم: ماشاء الله بن اثري المروي، و ابا معشر البلخي، و أبا ريحان البيروني، و أبا عبدالله محمد بن موسي الخوارزمي، و خيام النيشابوري، و غياث الدين جمشيد، و خواجه نصيرالدين الطوسي، و محمد بن عيسي الماهاني، و أبا العباس فضل بن حاتم التبريزي، و محمد بن كثير الفرغاني، و عمر بن فرخان الطبري، و احمد بن عبدالله الحاسب المرزوي. و نحن هنا لسنا بصدد ذكر جميع العلماء الايرانيين الذين كان لهم دور حيوي و فعّال في ثقافه الحضاره الاسلاميه، لان هذا الامر يتطلب منا تأليف كتب في هذا المجال، و لكن المراد توضيحه هنا هو ان تقديم الفرضيات العلميه من قبل العلماء الايرانيين باللغه العربيه في ذلك الوقت، و بالتالي فان ترجمه آثار هؤلاء الي هذه اللغه، اضافه الي الموضوعات المطروحه آنذاك و التي كانت تعبر عن اذواق الايرانيين و فنونهم ادّت الي نفوذ الكثير من المصطلحات و المعاني لمختلف الفروغ العلميه الي اللغه العربيه، و عن هذا الطريق تم نقلها ايضا الي اللغات الاوروبيه. حتي ان اسم علم الجبر جاء بصوره (Algebre) ايضا في اللغه الاوروبيه، و المأخوذ من اسم كتاب الجبر لمحمد بن موسي الخوارزمي (المتوفي في حدود عام 232 هـ.ق) و الذي كان يعتبر و الي القرن السادس الكتاب الاساس للتدريس في المراكز العلميه الاوروبيه. و كذلك اصطلاح اللوغاريتم (Algorithem) و التي سلسله الاعداد و ايضا الخوريسموس (Alkhorismus) و المشتقه من كلمه الخوارزمي في اللغات الاوروبيه.

     ان دور الايرانيين في اغناء الثقافه الاسلاميه لا ينحصر فقط بالعلوم التي ذكرناها، بل يمكن القول ان اساس الفلسفه الاسلاميه مدين للتطور الذي كان عليه الايرانيون قبل الاسلام، و بالتحديد خلال الحكم الساساني، و يجب ان لا ننسي عنايه المسلمين بالمذاهب الفلسفيه المختلفه و التي اعتمدت منذ البدايه علي الآثار الفارسيه و اليونانيه المترجمه الي اللغه العربيه، و هناك ايضا المباحث الكلاميه و الفلسفيه التي طرحت عن طريق المعتزله و القدريه و الجهميه و هم تقريبا من الايرانيين. حيث اهتم ابوزيد احمد بن سهل البلخي (المتوفي عام 322 هـ.ق) بنشر كتاب «حكمت مشاء»، و ابا محمد بن زكريا الرازي (المتوفي عام 313 هـ.ق) فلم يقتنع بطريقه القياس لارسطو و مشائين بل اتبع رأي حكماء ايران القدماء في بعض مباحثه، و ابونصر الفارابي الملقب بالمعلم الثاني (المتوفي عام 339 هـ.ق) كتب تفاسير حول منطق ارسطو و عقائد الفلسفه الافلاطونيه، و ايضا حول نظرياته الفلسفيه الخاصه به و التي ترجمت فيما بعد الي اللغه اللاتينيه.

     فآثار الحكماء الايرانيين الآخرين من امثال ابي الحسن شهيد بن حسين البلخي (المتوفي عام 325 هـ.ق)، و ابي بكر زكريا بن عدي المنطقي (المتوفي عام 364 هـ.ق)، و ابي سليمان المنطقي السيستاني (المتوفي عام 391 هـ.ق)، و ابي حيان التوحيدي الشيرازي (المتوفي عام 400 هـ.ق)، و ابن مسكويه (المتوفي عام 352 هـ.ق)، و ابي الفرج بن طيب الجاثليق (المتوفي عام 435 هـ.ق)، و ابن هندو (المتوفي عام 410 او 420 هـ.ق)، و ابي ريحان البيروني (المتوفي عام 440 هـ.ق)، و ابي علي سينا (المتوفي عام 428 هـ.ق)، و بهمنيار بن مرزبان (المتوفي عام 458 هـ.ق)، و طاهر بن زيله الاصفهاني (المتوفي عام 440 هـ.ق)، و الحكيم عمر الخيام النيشابوري (المتوفي عام 560 او 530 هـ.ق)، و محمد بن عبدالكريم الشهرستاني (المتوفي عام 548 هـ.ق)، و الامام الفخر الرازي (المتوفي عام 606 هـ.ق)، و الخواجه نصير الدين الطوسي  (المتوفي عام 672 هـ.ق)، و قطب الدين الشيرازي (المتوفي عام 710 هـ.ق)، و آخرين غيرهم كانوا الاساس في بناء الفلسفه الاسلاميه، و الكثير من كتب هؤلاء و بعد حركه ترجمه الكتب العلميه الاسلاميه خلال القرن الثاني عشر الميلادي في جنوب ايطاليا، اخذت تدرس في المراكز العلميه الاوروبيه و بالتالي اعتبرت من المراكز المحكمه و الثابته و الرفعيه لتطور العلوم، و اساس بناء المجتمعات الاوروبيه آنذاك، و اخوان الصفا كانوا مجموعه من العلماء الايرانيين من امثال ابي احمد المهرجاني و ابي سليمان البستي و ابي الحسن علي بن هارون الزنجاني و آخرين ايضا، قاموا بنشر ما مجموعه 53 رساله من رسائل الفلسفه و الاخلاق باللغه العربيه و كان لهذا الرسائل ايضا تأثير عميق في نشر العقائد و الافكار الفلسفيه و الاخلاقيه بين المسلمين.

     و كان للعلوم الأخر وضع مشابه لما ذكرناه فيما سبق من العلوم، كتدوين كتب الصرف و النحو و العروض و الكلام العربي من قبل الايرانيين، فمنهم علي سبيل المثال: ابو عبدالرحمن الخليل بن احمد الفراهيدي (المتوفي عام 170 او 175 هـ.ق) صاحب كتاب «العين» في اللغه و واضح علم العروض (14)، و سيبويه الفارسي (المتوفي عام 180 او 194 هـ.ق) صاحب «الكتاب» في الصرف و النحو، و الكسائي النحوي (المتوفي عام 179 او 189 هـ.ق) صاحب كتاب «المختصر في النحو و معاني القرآن» - و ابوزكريا يحيي بن زياد الديلمي المعروف به الفرّاء (المتوفي عام 207 هـ.ق) صاحب كتاب «الحدود» - و درستويه فارسي فسوي النحوي (المتوفي عام 347 هـ.ق) صاحب كتاب «شرح الفصيح» و ابو الفرج الاصفهاني (المتوفي عام 356 هـ.ق) صاحب كتاب «الأغاني» و ابو منصور محمد بن احمد الهروي (المتوفي عام 370 هـ.ق) صاحب كتاب «التهديب» في اللغه و «التقريب» في التفسير و ابو علي الفارسي (المتوفي عام 377 هـ.ق) صاحب كتاب «الايضاح و الحجه» - و الثعالبي ( المتوفي عام 377 هـ.ق) صاحب كتاب «يتيمه الدهر و فقه اللغه» - و عبد القادر لجرجاني (المتوفي عام 471 هـ.ق) صاحب كتاب «اسرار البلاغه» و مؤسس علم البيان آنذاك و جار الله الزمخشري (المتوفي عام 538 هـ.ق) صاحب كتاب الكشّاف و الراغب الاصفهاني (المتوفي عام 565 هـ.ق) صاحب كتاب «المفردات» - و السكاكي (المتوفي عام 626 هـ.ق) صاحب كتاب «مفتاح العلوم» - و جوهري الفارابي (المتوفي عام 393 هـ.ق) صاحب كتاب «الصحاح» و ابو عبيد قاسم بن الهروي (المتوفي عام 323 هـ.ق) صاحب كتاب «الامثال» و ابو علي عبدالرحمن بن عيسي حمّاد كاتب الهمداني (المتوفي عام 320 هـ.ق) صاحب كتاب «الألفاظ الكتابيه» - و علي بن عباس المجوسي (المتوقي عام 384 هـ.ق) صاحب كتاب «دائره المعارف الطبيه الالفبائي» - و الصاحب بن عباد (المتوفي عام 385 هـ.ق) صاحب كتاب «المحيط».

     و بدون شك إن ذكر اسماء العلماء و المفكرين الايرانيين الذين كان لهم دور مهم في المجالات المختلفه للعلوم و تفرعاتها آنذاك و الذين قدموا مؤلفات قيمه باللغه العربيه، ساهمت في اغناء الادب العربي؛ يحتاج الي مؤلللفات عديده و بالتالي لا نستطيع ان نَفِيَهم حقهم في هذا المقال، فالمؤرخ الكبير ابن خلدون (المتوفي عام 806 او 808 هـ.ق) يكتب حول انتساب العلوم الي الايرانيين فيقول(15):

     «العلوم كانت من عقائد الملوك، و العرب كانوا بعيدين عنها، و في ذلك العهد فان اهالي المدن كانوا من العجم (الايرانيين) او ما شابههم من الآخرين امثال الموالي و اهل المدن الكبيره الذين كانوا يتبعون الايرانيين في توفير مستلزمات و متطلبات الحيات كان لهم السبق في الحيات الحضريه كالصناعات و الحرف، و لان الايرانيين كان لهم السبق في الحيات الحضريه الراسخه منذ تشكيل حكومه الفرس، لذالك كانوا متمكنين اكثر من غيرهم في هذه الامور، كما في صناعه النحو، فكان سيبويه و بعده الفارسي و احقهما الزجاج و هؤلاء جميعا من حيث الاصل كانوا ايرانيين و لكنهم تربّوا و عاشوا في محيط عربي، و بالتالي فانهم تعلموا العربيه من خلال النشأه و الاختلاط بالعرب و استطاعوا ان ينظموا العربيه بشكل قوانين و اصول و فرت للاجيال الأخر فرص الاستفاده منها».

     و يضيف ابن خلدون فيقول:

     (كذلك فان اكثر رواه الحديث كانوا ايرانيين، او من ناحيه اللغه و التربيه كانوا ايرانيين لان الفنون في العراق و النواحي القريبه منها (و التي كانت تتداول الثقافه الايرانيه) قد توسعت، و كذلك فان جميع علماء الكلام و مفسري القرآن كانوا ايرانيين، و لم يكن هناك غير الايرانيين الذين حفظوا و دونوا العلم. و خير شاهد علي هذا ما اعلنه الرسول (ص) من انه: «لو كان العلم في الثريا لتناوله قوم من فارس»)

     لقد نفذ الي اللغه العربيه الكثير من الكلمات الفارسيه، و حتي القرآن المجيد، كتابنا السماوي، يحوي كلمات فارسيه مثل: اباريق، (جمع ابريق، و هي معرب «آبريز» الفارسيه و التي الابريق ذا الماسوره)، و استبرق، و تنور، و سجّين، و سُرادق، و سُندس، و مسك و مرجان و مقاليد و ياقوت. فعدد الكلمات الفارسيه في اللغه العربيه كثيره بحيث ان الباحثين و علماء اللغه ألفا كتبا في هذا الخصوص و من جملتها و اشهرها كتاب «المعرّب من الكلام الاعجمي»(16) لابي منصور موهوب بن احمد الاهوازي في عام 594 هـ.ق. و الذي ضمنه تحقيقا حول ما يقرب من سبع مئه كلمه فارسيه نفذت الي اللغه العربيه في عصر الجاهليه، و نستشهد ببيت من الشعر جاء في هذا الكتاب(17) يبين كلمه «كعك» كشاهد لذلك:

يا حبذا الكعك بلحم مثرود      و خشكنان و سويق مقنود

     في هذا البيت من الشعر توجد اربع كلمات فارسيه: فكلمه «كعك» مأخوذه من الكلمه الفارسيه «كاك» و «آ» هذه الكلمه لدلت الي «ع» في العربيه و الي اليوم ايضا متداوله في ايران و تعني نوعا من الخبز الحلو المذاق. و من الطريف ايضا ان هذا الكلمه استعملت في الانكليزيه بلفظ كيك (Cake) و بقيت بالمعني نفسه و اخيرا انتقلت عن طريق الانكليزيه بالمعني نفسه و راجت في ايران. و تعني هذه الكلمه في الالمانيه شكلا شبيها باللفظ و المعني نفسيهما. و هناك ايضا كلمه «مثرود» المأخوذه من «ثريد» و هذه تعني بالفارسيه «نان خرد» اي الخبر المقطع في اللبن الحامض المعد للشرب او في مرق اللحم المطبوخ و غيرها التي تستعمل في ايران. و كلمه «خشكنان» فارسيه و «مقنود» ايضا فارسيه مشتقه من اقند اي السكر المكعب.

     و من الكتب الاخري التي تطرقت الي الكلمات الفارسيه النافذه الي اللغه العربيه هو كتاب «الالفاظ الفارسيه المعرّبه» تأليف أدي شير، رئيس اساقفه الكنيسه الكلدانيه، و الذي نشر في بيروت عام 1908 للميلاد، و في مقدمه هذا الكتاب تعجب المؤلف من كثره الكلمات الفارسيه الدخيله علي اللغه العربيه(18). و الفيروز آبادي ايضا نقل عددا من هذه الكلمات في كعجمه المسمي «القاموس المحيط». و كتاب «شفاء الغليل» لمؤلفه شهاب الدين احمد خفاجي الكوفي، قاضي العسكر في مصر، ايضا من الكتب التي بحيث مجموعه من الكلمات الفارسيه التي نفذت الي العربيه خلال فتره حكم العباسيين في القرن الحادي عشر. و احمد تيمور باشا، و هو من علماء مصر ايضا نشر مجموعه مقالات قيمه بهذا الخصوص تحت عنوان «الفاظ العباسيه» في مجله المجمع العلمي في دمشق عام 1932 ميلاديه. و علماء اللغه الاوروبيون ايضا كتبوا في هذا الخصوص بحوثا، نذكر منهم، العالم الهولندي «دوزي»(19) مؤلف كتاب تاريخ الاسلام، و له في «المستدرك» و الذي يعتبر في الحقيقه تتمه لكتب الآداب العربيه و التي تشمل تحقيقات حول الكلمات الفارسيه الدخيله علي العربيه. و اخيراتم تأليف كتاب آخر من الكتب المستقله في هذا الخصوص تحت اسم «فرهنگ وازه هاي فارسي در زبان عرب» لمحمد علي امام الشوشتري و قدتم طبعه عام 1447 هـ.ش في طهران من قِبل اتحاد الآثار، و طبقا لفهرست الكتاب توجد 771 كلمه مدعما بالايضاحات حول كل كلمه فيها(20).

     العالم الاسلامي المعاصر، الشيخ مرتضي المطهري قام ببحث مسهب حول الخدمات الجليله المقدمه من قبل الايرانيين للاسلام يقول فيه(21):

     «عموما ان علوم الادب و الفقه و الحديث و التفسير و الكلام و الفلسفه و التصوف التي تم تنظيمها في القرن الاول الاسلامي، كان للايرانيين قصب السبق في ذلك. فمدارس نيشابور و هرات و بلخ و مرو و بخارا و سمرقند و دي و اصفهان و باقي مدن ايران الكبري الاخري، كانت مراكز فعاله و حيويه في المجالات المختلفه من هذه العلوم. فالمئات من رجال الاسلام العظام تربوا و ترعرعوا في هذه الامصار، و استطاعوا ان يبنوا حضاره الاسلام في شرق العالم و غربه ففلاسفه الاسلام العظام و المتكلوم و المؤرخون و اللغويون و الشعراء الكبار و رجال السياسه و الملوك الكبار و محررو العالم الاسلامي هم جميعا من الايرانيين. فالبرامكه و النوئبختيانيه و القشريانيه و الساعديانيه و اسره السمعانيه و الخواجه نظام الملك الطوسي و الشيخ ا