علم اجتماع الغزو الثقافي

مجيد محمود عليلو

 

     مع بدايه عصر النهضه الاوروبيه، حاولت المجتمعات و الدول الاستعماريه الغربيه الوصول و السيطره على دول آسيا و افريقيا و امريكا اللاتينيه بكل الوسائل. و في القرنين السابع عشر و الثامن عشر الميلاديين، و حتى في القرن التاسع عشر كانت الدول الغربيه تسيطر و تستعمر الدول الضعيفه و تنهب ثرواتها بواسطه القوه و الاستعمار المباشر، و ذلك لعدم تطور التكنولوجيا بالشكل الذي هي عليه اليوم.

     و فيما يتعلق بايران التي تُعد من الدول الاسلاميه الكبيره و القويه تقليدياً، وضعوا برامج و خططاً عديده كي تبقى هذه الدوله تحت قبضتهم، فبدأ التغلغل الاوروبي في البلاط الايراني منذ العهد الصفوي، و بلغ ذروته في عهد القاجاريين، فامتد النفوذ الروسي من الشمال، و الانجليزي من الجنوب، حتى وصل بهم الامر الى ارسال جيوشهم الى تلك المناطق. و في العهد البهلوي استمر النفوذ الغربي، و في مقدمته الامريكي بشكليه العسكري و غير العسكري على البلاد، حتى انقطع ذلك النفوذ مع انطلاق الثوره الاسلاميه التي قادها الامام الراحل (رض).

 

الغزو الثقافي

     لم تكف امريكا عن مؤامراتها ضد الثوره الاسلاميه بعد انتصارها، فقد ركزت بعد فشل اعتداءاتها العسكريه المختلفه على العدوان السياسي و الاقتصادي. و في الوقت نفسه يقوم الاستكبار العالمي، و على رأسه امريكا، بهجمه ثقافيه شرسه على دول العالم المتحرره، و في مقدمتها الدوله الاسلاميه في ايران.

     و مع تطور تكنولوجيا الاتصالات و تحول العالم الى ما يشبه قريه عالميه كبيره، و ظهور عشرات القنوات التلفزيونيه التي تدخل البيوت عبر موجات مختلفه تبث من نقاط متعدده من العالم، و ظهور الفيديو، فإن الاستكبار العالمي ركز في هجومه الجديد على الجانب الثقافي. و من أجل أن يهيىء الأرضيه لتغلغله الثقافي قام بنشاطات عديده في المجلات الاجتماعيه، و دراسه سلوكيات الافراد و المجتمعات.

 

انثروبولوجيا المجتمعات المُستعمره

     يشير الانثروبولوجيون الى ان الامتداد الثقافي هو أحد العوامل الخارجيه التي تؤثر في نفسيات الافراد. و نقصد بالامتداد الثقافي، العلميه التي ينتقل و يتسع من خلالها الوعي و التقنيه و الابداع و التقاليد، على اثر الاحتكاك الذي يحصل بين مجتمعين او عده مجتمعات. و في كلام الرسول الاكرم (ص): «اطلبوا العلم و لو بالصين» اشاره الى ان عمليه الاتصال و الاحتكاك بالمجتمعات توجد حاله من التأثير و التأثر المتقابل بين المجتمعات و الافراد. و قد وصل علماء الاجتماع و النفس الغربيون بعد دراسات كثيره الى هذه النتيجه و هي ان «الامتداد الثقافي» و «الغزو الثقافي» افضل الطرق للتغلغل في دوله معينه، و في هذه العمليه يفقد الشخص المتغرب هويته في مقابل التكنولوجيا و التطور الصناعي الغربي معتقداً بأفضليه الانسان الغربي.

     ثم ان المتغرب يحاول ان يتشبه بالغربيين لاعتقاده بمثاليتهم، فيشترك معهم في ميدان الميول الماديه و طرق اللبس و المظاهر دون الجوانب الاخرى.

     و من هنا، فهو يقبل بكل مايراه الغربيون جيداً و ينبذ ما ينبذونه.

     و بالنتيجه فالمتغرب و غير الاصيل اذا ما نظرنا اليه بدقه و عمق سنجده لا يملك شيئاً لنفسه، و يعيش في فراغ روحي كبير، و هذا الفراغ الروحي سيكون سبباً للكثير من الامراض النفسيه المنفشيه في الغرب.

 

الغزو الثقافي الاستعماري

     و يلخص الباحث الفرنسي «جورج بالانديه» الحاله الاستعماريه بالاسطر التاليه:

     «سيطره اقليه اجنبيه تحت شعار التفوق الاجتماعي، و القومي او الثقافي على اكثريه من الناس يختلفون عنهم من الناحيه العرقيه أو الثقافيه، و لهم بنيه ماديه اضعف، فالعلاقه بين الحضارات غير المنسجمه في الرؤى، تعدّ تجاوزاً من الحضاره الصناعيه التي تملك اقتصاداً متقدماً و قوياً على الحضارات غير المتقدمه الفاقده للتكنولوجيا و ذات الاقتصاد المتخلف».

     فالاستكبار العالمي يسعى جاهداً لان يُقنع شعوب العالم الثالث بأنها متخلفه عن التقدم الموجود في المجتمعات الغربيه المتطوره، و من اجل تهيئه الارضيه لتحذير الشعوب و الدول المُهاجمه يرسل النظام الاستعماري عدداً من موظفيه او تجاره الى تلك الدول ليخلق حاله من التمايز بينهم و بين شعوب تلك الدول التي يهاجمها، باعتبار بشرتهم البيضاء في الغالب و الحاله الخاصه التي يملكونها، فيقوم هؤلاء بدور السفراء لبلدانهم في دول العالم الثالث، و يسعون الى اشاعه افضليتهم و افضليه ثقافتهم الغربيه عن طريق الملابس التي يلبسونها، و علاقاتهم الاجتماعيه الخاصه و السلوك ليكسبوا المعجبين بهم. فالذي يقبل بأفضليه الثقافه الغربيه و قوتها سيسعى لان يتشبه بها بكل الوسائل و الطرق و في جميع المجالات.

     و لكي يصل الاستكبار الى مقاصده و اهدافه، يخلق نظاماً من الحجج و البراهين و الادله و الذي يمكن الاصطلاح عليه بـ«الايديولوجيا الاستعماريه»، و هذه الايديولوجيه هي مجموعه من الاستدلالات و الحجج يؤكد من خلالها الاستعمار موقعه و مكانته في الدول المُستعمره، و يجيب بها على التساؤلات التي يمكن ان يواجه بها من قبل الشعوب.

     و هذه الايديولوجيا مبنيه في الغالب على تفوق العرق الابيض و انحطاط ما سواه، فشعوب العالم الثالث فاقده للخصوصيات الحضاريه و الثقافيه اللازمه لاداره بلدانها و الاستفاده من ثرواتها، و لايمكن لهم ادارتها دون الانجرار نحو الفوضى و الدكتاتوريه. ثم يدعي الاستكبار العالمي ان بامكانه تحسين اوضاع تلك الشعوب، و تعليمهما و تقديم خدمات اجتماعيه لها لكي يتقرب من حاله الحضاريه.

     بهذا الاسلوب يحاول الغرب ان يسوغ همجيته و عدوانه على الشعوب و يصبغها بصفه انسانيه، فالاستكبار يُخدِّر الشعوب التي يسيطر عليها من كل تطور، و يقف بوجه ايه تنميه اقتصاديه و اجتماعيه تطمح اليها. و لايوجد طريق تفضل من العمل و النشاط الثقافي بين تلك الشعوب المستعمره.

 

الثوابت النفسيه

     هناك جمله ثوابت نفسيه خاصه في العلاقه بين الاستكبار و الشعوب المهاجمه، و في خطوه اولى يقوم الاستكبار العالمي بتوجيه نقد شديد ضد كل امر يخالف الثقافه الاوروبيه و يمت بصله الى الجذور الثقافيه الدينيه الاصيله للشعوب، و يحاول الغاء فكره ان عناصر الثقافه القوميه للشعوب المستعمره ليست لها قيمه حتى يتم الدفاع عنها. لذلك يطرح الغازي نماذجه و ابداله التي يراها مناسبه.

     ففي ايران مثلاً، يصور الحجاب الذي تتمسك به المرأه على انه حاله من التخلف و البربريه، فحاربه عن طريق عميله رضاخان. و كذلك قام الاستكبار بترويج ثقافه التعري و السفور لمسخ الشعب الايراني و خلق نماذج للشباب عن طريق التعريف بشخصيات سينمائيه سيئه الصيت من الفاقدين لأصالتهم و جذورهم ليبعد الشباب عن ثقافته الدينيه اكثر فأكثر.

     و يسعى المستكبرون لإظهار انفسهم مدافعين عن حقوق الانسان، و منادين بالمساواه بين الشعوب في حين ان غرضهم من ذلك شيء آخر، و كما يقول «غي روشه»: «ينظر المستعمر الى الشعوب المستعمره بعين خاصه». فسلوكه مقابل سكان المستعمرات هو مزيج من السلوك الابوي الظاهري و التحقير. فالقضيه المهمه التي يعمقها المستعِمر من الناحيه النفسيه هي ان الشخص المستَعَمر و الفاقد لاصالته، يحس بالحقاره امام المستعمر، و يقبل بأنه اقل قيمه منه. و لذلك يسعى لان يقلده في جميع الامور، و لكن لايستطيع بلوغ ذلك لان الغرب الغازي لايعرض من حضارته إلاّ جوانبها الظاهريه الشكليه التي يحاول ان يغرر بها ابناء الشعوب الضعيفه.

 

الثقافه الاسلاميه في مواجهه الغزو الثقافي

     يرى الاسلام ان البشر اذا التزموا في حياتهم الفرديه و الاجتماعيه بالموازين الالهيه، فستصقل شخصيتهم و حياتهم على اساس تلك الموازين، و سيكونون من الناحيه العمليه قد وضعوا اقدامهم على طريق النمو و التكامل، و ان ميزان سلامه افكارهم و تطورها يرتبط بمقدار سعيهم لتعلم و تطبيق الاحكام الالهيه.

     ان جميع الثقافات غير التوحيديه تسوق البشريه من الناحيه العمليه نحو السقوط و الاضطرابات النفسيه. فوصول الموازين الثقافيه الماديه الى الطريق المسدود حتى في الدول المتقدمه ادى الى ان يطرح الكثير من علماء الاجتماع و النفس ضروره القيام بتغييرات اساسيه في هذه الانظمه. ففي هذا الصدد يقول «اريك فروم»: «ان اتساع نطاق الآله يعدّ من عوامل فقدان الهويه و المسخ»، و يرى ان الحياه الآليه ادت الى ان يفقد الانسان معنى وجوده. و على الرغم من الاستقرار الظاهري لهذه الحاله فلايزال الانسان يشعر بالحاجه الى حياه سعيده و ذات معنى، و هذا شيء لايمكن انكاره، إذ يؤكد «اريك فروم» بشده على قوه هذه المشاعر في هذه الايام، لان القسم المرفه من المجتمع و الذي استوفى جميع الملذات الماديه ادرك ان جنه الاستهلاك لم تجلب له السعاده التي وعد بها.

     و يعتقد «فروم» ان النهضه الاسلاميه الحديثه، و الصحوه الثقافيه الالهيه، تُعَدُّ الحل الوحيد لمعالجه مشاكل و امراض الفرد و المجتمع، الذي عانى من فتره ألم و انتظار طويله، و سيكون لها دور كبير في حكم العالم في النهايه. ففي هذا الدين لايتحقق الاطمئنان إلا بذكر الله سبحانه و تعالى: «ألا بذكر الله تطمئن القلوب»1.

     يقول الامام اميرالمؤمنين علي (ع): «فبعث فيهم رسله، و واتر اليهم انبياءه، ليستأدوهم ميثاق فطرته، و يذكروهم منسيّ نعمته، و يحتجوا عليهم بالتبليغ، و يثيروا لهم دفائن العقول، و يروهم آيات المقدره»2.

     و مع الاخذ بتلك الحقائق، و الاستعانه بإشارات الامام الخميني (رض) الذي يقول: «يمكننا اصلاح المجتمع من خلال اصلاح ثقافته»، فانه يمكن مواجهه الغزو الثقافي من خلال التزام و تبني الثقافه الاسلاميه.

 

الهوامش

     1. سوره الرعد، الآيه 28.

     2. نهج البلاغه، الخطبه الاولى، نقلاً عن شرح النهج لفيض الاسلام.

 

المصادر

     1. ابوالقاسم الحسني، دراسه العقيده الاسلاميه كثقافه للمجتمع، مجله الدواء و العلاج، العدد 109.

     2. غي روشه، التغييرات الاجتماعيه.

     3. صحيفه جمهوري اسلامي، جذور ثقافه التعرّي و الخلاعه (28/8/1993).