قيم الحوار و التعايش في الرؤية الثقافية الاسلامية

الشيخ محمد على التسخيري 

كان سماحة الشيخ التسخيرى قد شارك في الندوة التي عقدت في الرياض بالمملكة العربية السعودية في 6- 7/5/2000 تحت عنوان «التنمية الثقافية في العالم الاسلامي والحديات المستقبل‏» وقد تفضل سماحته فاختص مجلة «آفاق الحضارة الاسلامية‏» بكلمته القيمة مشكورا .

حول الرؤية الثقافية الاسلامية

الرؤية الثقافية رؤية هادفة، تنطلق من مرجعية مقدسة للحياة الاسلامية فتعطيها شكلها ومضمونها المتميزين . وتستبطن هذه الرؤية مجمل اسس عملية التغيير الاجتماعي الشامل: فهي الاطار الذي يجمع في داخله مختلف مجالات التغيير . ومهما اختلف علماء الاجتماع والنفس وعلم الانسان والاعلام في تحديد مفهموم الثقافة او الرؤية الثقافية، فانهم يتفقون على دورها الاساس في رسم تفاصيل حياة المجتمع والفرد وتحديد انماطها اي انها، بكلمة اخرى، العنصر المركب الذي يحدد الافكار والسلوك والظواهر الاجتماعية ويعدها الامام الخميني «المصنع الذي يصنع الانسان‏» و «طريق اصلاح المجتمع‏» (1) او انها - كما يقول المرحوم مالك بن نبي - الدستور الذي تتطلبته الحياة العامة، يجميع ما فيها من ضروب التفكير والتنوع الاجتماعي (2) .

من هنا فالتصور الاسلامي يتلخص في تصور الاسلام للحياة، او انه «الاسلام حين يصبح الحياة‏» كما عبرت ورقة «الاستراتيجية الثقافية للعالم الاسلامي (3) .

ولهذه الرؤية مرجعية تعطيها مشروعيتها ومضمونها ومنهجها في تطويع الحياة للاسلام، وتتمثل مرجعيتها في القرآن الكريم والسنة الشريفة، فهناك حقائق الخلق والكون، التي تشكل مصدرا معرفيا دائم الحركة ولكي تحقق هذه الرؤية نياتها ومقاصدها في بناء الحياة الاسلامية، فقد وضعت مهمة رسم خطابها العصري وتحديد مناهجها على عاتق اصحاب الاختصاص من فقهاء و مفكرين و خبراء و مثقفين اسلاميين، وعلى اسس علمية تتيح للاصالة استيعاب متطلبات المعاصرة: لكي يكون العصر الذي تعيش فيه المجتمعات الجديدة لصيقا بالاسلام ورؤيته الثقافية .

ولا يمكن بلورة هذه الرؤية ومراجعتها باستمرار دون عقول اصيلة متحرر من الجمود على الفهم . واجواء منفتحة على النقد البناء والحوار الهادف اللذين يمنحهما مناخ الحرية الفكرية المتوازنة من هنا فالحوار والتعايش في الرؤية الثقافية الاسلامية، محكومان بقيم المرجعية الاسلامية الملزمة (القرآن الكريم والسنة الشريفة) : فقيمهما الشرعية والعقلية والاخلاقية هي نفسها قيم الدين الحنيف، او القيم الانسانية العامة التي لا تتعارض معه .

اهمية الحوار

الاختلاف سنة كونية، اعطت للحياة الوانا مختلفة من التفكير والسلوك، و جعلت التباين بين الناس في رؤاهم ونظرتهم للاشياء هو الاصل، بعد ان كانوا امة واحدة «وما كان الناس الا امة واحدة فاختلفوا» (4) ومرد ذلك الى الاختلاف في الطبائع الوراثية والتنشئة والتكوين والتجربة والاهواء وغيرها . ممكنا في الواقع وجود شخصين متفقين في كل الاشياء بنسبة مائة بالمائة، كما لا وجود لشخصين مختلفين بنسبة مائة بالمائة ايضا، فالاختلاف والاتفاق قضيتان نسبيتان تتراوح نسبتهما بين الواحد بالمائة والتسع والتسعين بالمائة . وهذا لا يعني عدم وجود حق مطلق، و لكن هذا الحق المطلق هو الذي يحدده الله تعالى فقط او من يخولهم من عباده كالانبياء والاوصياء والملائكة . وكذلك تعتبر الفطرة نافذة الهية لمعرفة الحق كما لا يعطي هذا الاختلاف حقوقا متساوية لكل المختلفين في الانتساب للحق; بل ان للاختلاف مرجعية مطلقة ليست من اختراع المختلفين يقول تعالى:

»الى الله مرجعكم جميعا فينبكم بما كنتم فيه تختلفون« (5) ،

و

»ان الله يحكم بينهم في ما هم فيه يختلفون« (6) ،

فالحكم لله في مواطن الاختلاف، وحكمه عبر عنه في كتابه الكريم، الامر الذي يلغي مغهوم التعددية في مرجعية الاختلاف بالنسبة للمسلمين .

وهنا ياتي الحوار ليعطي للاختلاف بعدا انسانيا يضعه في شكله الطبيعي، ولا يسمح له بالتحول الى طاقة تدميرية، بل ان الحوار يخفض من مستوى سلبيات الاختلاف ويرفع من مستوى ايجابياته : ليكون الاختلاف في هذاالاطار رحمة وخيرا، ودافعاللاصلاح والمراجعة المستمرة . وهذا البعد يمنح الحوار مضمونا مصيريا وموقعا مهما في استمرار الحياة بطعمها المستقر، وابقاء الجنس البشري بمستوى ما حباه الله من عقل وقدرة على التفكير والاختيار .

ان الحوار اداة للكشف عن الحقائق والاشياء الخفية، ومن خلاله تتم الاجابة عن كثير من علامات الاستفهام والاشكالات العالقة في الذهن، او تزيد من القناعات الذاتية، كما يمكن من خلاله كشف الباطل ودحضه وكشف مؤثرات بطلانه . ودلائله و بشكل مجمل فان الحوار ينضج الافكار والقرارات ; ففي الجانب الفكري والثقافي - مثلا ينمي الحوار الافكار ويعمقها، ويشذ بها مما يعلق بها من انحراف او جمود او شوائب، ويحرك العقل باتجاه الابداع والتجديد والتحرر، في الحدود التي تفرضها مرجعية الاختلاف . وفي الجانب السياسي والاجتماعي، يلعب الحوار الدور نفسه في تنضيج القرار الاجتماعي والسياسي واشعار الآخرين بالمسؤولية وباهمية‏الموقع الذي يحتلونه، بل ان بعض انماطه تعد في دائرة المسلمين لونا من الوان الشورى .

وبالتالي بالحوار فى الاسلام يعبر عن قيمة حضارية; لانه اسلوب الانبياء فى التبلغ والدعوة فقد انتشر الاسلام والوعظ والمحاجة والقول الحكيم، والذي اوصله الى اقاصي الدنيا، ولا سيما افريقيا وشرق آسيا وامريكا، هو الحوار . هذه البلدان التي يقطنها اليوم مئات الملايين من الناس، دخلت الاسلام بالحوار، فالاسلام هو دين الحجة ودحض الباطل باسلوب الحكمة «ادع الى سبيل ربك بالحكمة ولموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي احسن‏» (7) ولابد من الاشارة هنا الى ان الحوار ليس النهج الوحيد في نشر الدين والدعوة والتبليغ، رغم انه نهج اساس، ورغم انه موقف يتخذه المسلم اساسا في الحركة، الا ان النهج‏يتغير موقف الطرف الآخر .

مجالات الحوار

تتنوع مجالات الحوار الاسلامي بتنوع اطرافها ووسائلها وموضوعاتها . ولهذا التنوع اكثر من معيار للقيم . فعلى اساس معيار اطراف الحوار، يمكن تقسيمه الى:

حوار بين الافراد (عامة الناس، او النخب، علماء دين ومفكرين وجامعيين ومثقفين وغيرهم .) - حوار بين الشعوب .

- حوار بين الجماعات .

- حوار بين المذاهب .

- حوار بين الحكومات (ثنائي او في اطار المنظمات والمؤسسات .) - حوار مع الاديان الاخرى .

- حوار مع المدنيات والحضارات الاخرى .

كما ينقسم على اساس معيار الوسائل الى:

- حوار مباشر، يتم بين اطرافه بحضور عامة الناس او عبر وسائل الاعلام (التلفزيون، الاذاعة . . . الخ)، وهو الحوار المباشر المفتوح الذى يصطلح عليه عادة «المناظرة‏» ، اما الحوار المباشر المغلق، فهو الذي يجري بعيدا عن الآخرين، ويقتصر على المتحاورين وبعض المراقبين .

- حوار غير مباشر، عبر الصحافة او الرسائل او (المراسلات) او عبر طرف ثالث .

وعلى اساس معيار المادة او الموضوع، ينقسم الحوار الى :

- علمي (فقهي، عقائدي، او مختلف العلوم الاسلامية والانسانية والاجتماعية او البحتة والتطبيقية .) - سياسي (ما يرتبط بالشان السياسي العملي او النظري .) - فكري (ثقافي، اجتماعي وغير ذلك .) ومن خلال استعراض هذا التنوع في الحوار، نريد القول ان لكل منها اساليبه الفنية وآدابه وقواعده ومنهجه، وبالتالي فان القيم العلمية‏والاسلوبية تختلف الى حد ما بينها . ولكن القيم الدينية والاخلاقية و الانسانيه تبقى قاعدة مشتركة لها جميعا فقد ركزت المرجعية الاسلامية، من خلال النصوص، على هذه القيم، وفصلها وشرحها الفقهاء وعلماء الكلام والحديث والاخلاق، كل من زاويته ومدخله العلمي . ومع التطور الهائل والتغييرات المتسارعة في انماط الحياة واساليب الحوار والتخاطب، دخلت معادلات قيمية جديدة في صياغاتها، وليست جديدة في اصولها، وهي مما ينبغي اكتشافه وتعرفه واسلمته .

عناصر الحوار

يمكن تقيم اهم عناصر الحوار الى الاطراف، الموضوع، الاهداف، الادارة والتحكيم، الزمان، المكان، المنهج، الاسلوب والنتائج . ومن خلال استعراض هذه العناصر بشي‏ء من التفصيل ناتي الى البعد القيمي الاسلامي حيال كل منها، بالصورة التي تحقق غايات الحوار، كالغاية الفنية المتمثلة بتقين حالة الاختلاف والتركيز على ايجابياتها وتفتيت‏سلبياتها، كما ذكرت .

1 . اطراف الحوار: ينبغي توفر مجموعه من المؤهلات في شخصية المتحاورين، على الصعد الذاتية والموضوعية، تكفل لنجاح الحوار مدخله الاساس . ومن اهم هذه المؤهلات هى :

ا - التساوي في الرغبة والتكافؤ في حرية الطرح، فلابد ان لا يكون احد اطراف الحوار مقحما او مجبرا على الحوار او مضطرا له تحت ضغوط التهديد، بانواعه: الاجتماعي والسياسي، بالسجن او الموت او الطرد او تلبيس التهم، او تحت ضغوط الحياة والانجرار . فمثل هذا الحوار مهما كانت نتائجه، ليست له قيمة علمية او دينية او اخلاقية: لانه يفتقر الى ابسط اسس الحوار الحقيقي وآدابه : لان اطراف الحوار هنا لن تكون متكافئة في القدرة والحرية، فبعضها يحاور من موقع القوة والاقتدار والاستكبار والآخر من موقع الضعف والاضطهاد، فهناك، اذن، فرق كبير بين الحوار (الثقافي والفكري والسياسي) بين اطراف متكافئة، والحوار بين الغازي (العسكري والثقافي والسياسي) و المنهزم او المدافع، فالحوار الثقافى و الحضارى الحقيقي مثلا يدور فى اطار الاحتكاك او التبادل الثقافى، في حين ان الحوار في اطار الغزو ليس له اي معنى فالغازي الثقافي يسلب من الحوار كل ايحابياته; ويمكن ان يجري الحوار حتى خلال المعارك العسكرية، فضلا عن المعارك الفكرية والسياسية، بهدف القاء الحجة على الخصم، شرط ضمان عنصر التكافؤ في حرية الراي، والا يكون حوارا من طرف واحد .

وفي السيرة والتاريخ الاسلامي نماذج فذة من مواقف الحوار اثناء الحرب: لاقناع الخصم ومحاججته ; في محاولة لتجنب ويلات الحرب ولكف شرها عن المسلمين .

ب - التسلح بالعلم والمعرفة في موضوع الحوار، فهو اساس لدخول الحوار وكسبه موضوعيا:

«ها انتم هؤلاء حاججتم فيما لكم به علم فلم تحاجون فيما ليس لكم به علم‏» (8)

فالحوار الحقيقي ينبغي ان توضع له مقدمات موضوعية ويسير وفق اسس علمية، ولا يتحقق هذا الجانب دون تخصص المتحاورين في موضوع الحوار واحاطتهم الكافية بحقائقه، ويضرب الله تعالى مثلا في من يحاور في امر وجود الله ووحدانيته وهو لا يفقه شيئا في هذا المجال

«و من الناس من يجادل في الله بغير علم و لا هدى و لا كتاب منير» (9) .

وحتى لو كان الحق مع الطرف الضعيف علميا: فان هذا الحق سيضيع بين ثنايا الجهل، وقد تترتب عليه آثار سلبية تؤدي الى ظهور الباطل بمظهر المنتصر، مما يتسبب في تزييف الواقع وانحراف وجهات نظر عامة الناس . واذا كان الهدف من الحوار تحقيق فائدة علمية، فينبغي كذلك ان كون الاطراف ضليعة في مجال موضوع الحوار . وهنا يشترط الامام الغزالي على طرف الحوار «ان يناظر مع من هو مستقل بالعلم ليستفيد منه ان كان يطلب الحق‏» (10) .

ج - التحلي بسلوكية لاثقة، فالغضب والتشنج والتهريج والحقد والرياء والفرح بمساندة الطرف الآخر والاستكبار عن الحق، ستنزع من الحوار كل قيمة وتدخله في دائرة المنازعات والصراع، بينما الصفات المعاكسة كالهدوء والتروي وضبط النفس واللين والمرونة، وعموما التوازن في المشاعر، سترفع من مستوى الحوار الى دائرة النجاح والتاثير وتحقيق افضل النتائج .

وهنا يبين الله تعالى لرسوله الكريم قاعدة عامة في التحاور مع الآخرين، تقف على اساس اللين والمرونة والتسامح:

«و لو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك فاعف عنهم و استغفر لهم و شاورهم في الامر» (11) .

فالله تعالى يامر الرسول ( صلى الله عليه و آله وسلم) بالتشاور مع من قد اساءوا اليه، بعد ان يعفو عنهم ويستغفر لهم كما امر من قبل موسى وهارون « عليهما السلام‏» :

«اذهبا الى فرعون انه طغى فقولا له قولا لينا لعله يتذكر او يخشى‏» (12)

ونقل المفضل - احد تلاميذ الامام جعفر الصادق « عليه السلام‏» - حادثة تحمل دلالة قيمية مشرفة في هذا المجال: فخلال تحاوره مع احد الزنادقة، تشنج الموقف وغضب المفضل عليه، فقال له الزنديق:

ان كنت من اصحاب جعفر بن محمد الصادق فما هكذا يخاطبنا ولا بمثل دليلك يجادل فينا، ولقد سمع من كلامنا اكثر مما سمعت، فما افحش في خطابنا ولا تعدى في جوابنا، وانه الحليم الرزين العاقل الرصين، لا يعتريه خرق ولا طيش ولا نزق، يسمع كلامنا ويصغي الينا ويتعرف حجتنا، حتى اذا استفرغنا ما عندنا وظننا انا قطعناه وغلبناه، دحض حجتنا بكلام يسير وخطاب قصير، يلزمنا به الحجة ويقطع العذر ولا نستطيع لجوابه ردا فان كنت من اصحابه فخاطبنا مثل خطابه (13) .

2 . موضوع الحوارة ينبغي قبل بدء الحوار تحديد نقاط الابهام والاختلاف، والعادة التي يتعين التحاور فيها: ليكون الموضوع واضحا ومحددا، فالحوار قد ينحرف باتجاهات اخرى ويكون مضيعة للوقت اذا تبين لاطراف الحوار انهم كانوا يتحاورون في موضوعين او موضوعات مختلفة . وهذا العنصر اطلق عليه العلماء القدامى اصطلاح «تحرير محل النزاع‏» وقالوابضرورة تشخيص ابعاد النزاع ; ليكون الاستدلال منتجا وعدوه شرطا منطقيا لا حاجة للاستدلال عليه (14) ويفترض هنا لحاظ جميع الجوانب ذات العلاقة بالموضوع، فهناك جوانب مهمة قد لا تلحظ، ولكنها تترك اثرها على النتائج .

3 . اهداف الحوار، تكمن قيمة الحوار في هدفيته، والمتمثلة في اكتشاف الحقيقة و معرفتها و بلورة شكلها وموضمونها، على اعتبار ان «الحكمة ضالة المؤمن‏» هذا الهدف يعطي للتجرد والنزاهة والموضوعية في الحوار معنى حقيقيا، بالصورة التي يطرحها القرآن الكريم:

«و انا او اياكم لعلى هدى او في ضلال مبين‏» (15) .

اما الحوار الذي لا يحمل هدفا معينا و لا يترك اثرا علميا او فكريا، فهو عديم القيمة والفائدة وتنطبق هذه القاعدة ايضا على الحوارات التي تدور حول امور افتراضية وخيالية ولا علاقة لها بالواقع (16) . وتتنوع مناهج الحوار كما سياتي - بتنوع اهدافه، فهناك الحوار النقدي الذي يتلخص في تقويم كل طرف لممارسات الطرف الآخر وافكاره بشكل نقد موجه . وللنقد من جانبه آداب وشروط، تبقيه في حدوده الشرعية والعقلانية، وتحافظ فيه على روح الانعتاق والتقويم الصحيح والمحاسبة الهادفة والنقد البناء . ايضا المدارسة التي هي لون من الوان الحوار، وهدفها يدور حول الموضوع فقط، وليست لها اهداف خاصة او ذاتيه ، ، وبالتالي الوصول الى نتائج متفق عليها، ولا توجد لدى اطرافها احكام نهائية سابقة اما المحاجة فهي حوار الاقناع واقامة الدليل، وهدفها تفنيد وجهات نظر الطرف الآخر ومحاولة استيعابه وجذبه وهديه، او ايصال رسالة الى الآخرين وتنبيههم وتوعيتهم .

4 . الادارة والرقابة والتحكيم: هذا العنصر الغني ضروري جدا لتحسين اداء الحوار وضمان تحقيق اهدافه وتنفيذ نتائجه، فالادارة لا تدخل طرفا في الحوار، بل تتلخص مهمتها في تنظيم الحوار وضبطه وتوفير الفرص المتكافئة للمتحاورين ومراقبة اساليبهم ومناهجهم، ثم التحكيم بينهم في حالات معينة وتفرض هذه المهام شروطا ومواصفات في عنصر الادارة والرقابة والتحكيم اهمها: المقبولية لدى اطراف الحوار كافة، والحياد والموضوعية والتجرد، وحساب النتائج‏بدقة، وعدم تغليب طرف على حساب آخر، الا في حدود الحقيقة، وحتى لو كان لهذا الجهاز او بعض افراد خلفيآت فكرية و سلوكية ورؤى تتفق او تختلف مع احد الاطراف، فلا ينبغي ان يكون لها مدخلية في الادارة والتحكيم .

5 . مكان الحوار: عدم وجود اي نوع من المؤثرات التي تنعكس سلبا على احد الاطراف او مجموعهم او على المراقبين، هو ما ينبغي ان يكون عليه مكان الحوار . وقد يتمثل هذا المؤثر في اجواء استفزازية او انفعالية او صاخبه، او مؤثرات ناتجة عن اجواء التهويل ; فيكون المتحاورون منساقين حينها وراء تاثيرات العقل الجمعي، ومن امثلة ذلك ما ذكره القرآن الكريم من اجواء الانفعال والاستفزاز التي كان المشركون يخلقونها للتاثير على مسير الحوار الذي يقوم به الرسول ( صلى الله عليه و آله وسلم)، ولا سيما بعد اتهامه - والعياذ بالله - بالجنون، فدعاهم الرسول ( صلى الله عليه و آله وسلم) الى نبذ هذا التهويل والصخب، والتامل في التهم التي وجهوها له بغية استئناف الحوار في اطار الموعظة الحسنة :

«قل انما اعظكم بواجدة ان تقوموا لله مثنى وفرادى ثم تتفكروا ما بصاحبكم من جنة‏» (17)

ولا شك ان التطور التقني اضاف للتاثيرات البشرية في المكان تاثيرات اخرى سمعية وبصرية وضوئية وهندسية، لا تقل اهمية وتعقيدا في خلق اجواء خاصة وتاثيرات نفسية هائلة على المتحاورين او الحضور او المراقبين .

6 . زمان الحوار: وهو عنصر مهم في اختيار الموضوعات والاهداف وينبغي فى تحديد زمان الحوار مراعاة ظروف اطراف الحوار من النواحي الاجتماعية والنفسية والاستعداد العلمي، وظروف انعكاس الحوار على الآخرين، واهمية موضوع الحوار زمانيا; فربما يكون لموضوع بعينه اهمية خاصة في زمان ما، ثم تعدم هذه الاهمية في زمان آخر .

7 . منهج الحوار: وهو النظام الذي يسلكه الحوار وفقا لمجموعة من القواعد العامة (18) . ومن بديهيات الحوار العلمي ان يكون منهجه واضحا ومرسوما، ويفترض باطراف الحوار ان تكون متفقة على قواعده; لكي يكون ملزما لها جميعا، كما تذكر الآية الكريمة:

«ا تجادلونني في اسماء سميتموها انتم و آباءكم ما نزل الله بها من سلطان‏» (19) ،

فهذه الاسماء اراد المشركون ان يفرضوها جزءا من منهج الحوار، ولكنها لا يمكن ان تكون ملزمة لمن لا يؤمن بهذا الجزء من المنهج .

و نطرح هنا اهم معايير منهج لحوار العلمي في اطار الرؤية الثقافية الاسلامية .

ا . التعارف والتوعية والمقصود منه تعرف كل طرف على حدود معينة من حقائق الطرف المقابل ومعتقداته وآرائه، من مصادرها نفسها، وليس من مصادر غيره، ولا سيما اعدائه، بهدف التمكن من الزامه ما الزم به نفسه والاحتجاج عليه بمصادره نفسها . وكذلك مبادرة اطراف الحوار الى التعريف بمعتقداتها و وجهات نظرها ويدخل في هذا الاطار مبدا التوعية; فالاسلام دين التوعية والتربية، وهو بمقتضى واقعيته وفطريته يقرر لزوم القيام بتوعية كل انسان يراد له ان ينضم الى معسكره، وكل مجتمع يراد للاسلام ان ينفذ الى عمقه . . انه يعرض جوهرته الثمينة; لانه يعلم ان قيمتها ستنكشف بكل وضوح للجميع، ولذا فهو يرفض التقليد في العقيدة، ويرفض عملية الاكراه العقائدي، ويدعو اتباعه الى ان يكونوا اقوياء في البصر والبصيرة ويامر - في مجال التعامل مع الآخرين - بالدعوة البينة الواضحة قبل كل شي (20) »

«و من احسن قولا ممن دعا الى الله و عمل صالحا و قال انني من المسلمين‏» (21)

«قل هذه سبيلي ادعوا الى الله على بصيرة انا و من اتبعني‏» (22)

وبالنسبة الى الحوار مع غير المسلمين، فان البداية بحقائق الرسالة ومعالمها الرئيسة، معززة بالحجج والبراهين، وفي اطار النقاش المنطقي السليم (23) . وتنقل كتب لحديث ان الرسول ( صلى الله عليه و آله وسلم) حين بعث الامام علي « عليه السلام‏» الى اليمن قال له

«يا علي لا تقاتلن احدا حتى تدعوه الى الاسلام، وايم الله لان يهدي الله عز وجل على يديك رجلا خير لك مما طلعت عليه الشمس وغربت (24) .

ب . الوضوح: اي استخدام المنهج الصحيح بصورة واضحة دون لبس او تورية او التواء، وعدم الخلط بين الحق والباطل، حتى من اجل الوصول الى الحق كغاية تسوغها الوسيلة! يقول الامام الصادق « عليه السلام‏» لا تمزج الحق بالباطل ، و قليل من الحق يكفى من كثير من الباطل .

ومن اساليب الابهام فى الحوار كما يقول الامام الجويني :

الاحتيال على المحاور حتى يخرجه عن محل تساؤله، وتوجيه كلامه الى وجوه محتملة (25) اضافة الى استخدام المغالطات والسطة في المنهج .

ج . الموضوعية: ومن ابرزه عناصرها: التجرد ونبد التعصب والابتعاد عن القناعات السابقة والمواقف المبيتة والاحكام المعدة سلفا خلال تنفيذ الحوار، حتى لو كانت اطراف الحوار على يقين مطلق بمعتقداتهاو وجهات نظرها، فهذا التجرد يخلق جوا من الصدق في الوصول الى الحقيقة كهدف نهائي للحوار، مهما كانت هذه الحقيقة، على النحو الذي يدعو فيه النبي ( صلى الله عليه و آله وسلم) النصارى:

«و انا او اياكم لعلى هدى او في ضلال مبين‏» (26) .

وهذه الدعوة هي قمة التجرد والاستعداد لتقبل نتائج الحوار مهما كانت واينما كانت، رغم اليقين المطلق للرسول الاعظم ( صلى الله عليه و آله وسلم) بصحة معتقداته . يقول الفيض الكاشاني في حديثه عن شروط الحوار:

ان يقصد بها اصابة الحق وطلب ظهوره كيف اتفق، «ظهور صوابه وغزارة علمه و صحة نظره، فان دلك مراء منهي عنه بالنهي الاكيد .

ويضيف:

ان يكون في طلب الحق كمنشد ضالة، يكون شاكرا متى وجدها، ولا يفرق بين ان تظهر على يده او يدي غيره، فيرى رفيقه معينا لا خصما، ويشكره اذا عرفه الخطا واظهر الحق (27) .

وهذا يعني ان الموضوعية لا تتلاقي مع هد&