الإمام
الحسن (ع)
ومصلحة
الإسلام
العليا
الشيخ
فؤاد كاظم
المقدادي
تمهيد
إن
المقام
المقدس الذي
حظي به
الإمام
الحسن (ع) على
لسان جده
رسول الله (ص)،
يدفعنا
لمزيد من
التأمل في
سيرته
المباركة،
بكل ما
تحتويه من
جوانب عظمة
وكمال ذاتية
وحكمة وسداد
رسالي،
والذي نراه
ينجسم
تماماً مع
وصف رسول
الله (ص) له
وموضعه منه
فيما ورد عنه (ص)
في حقه (ع)
منها:
عن
علي بن
الحسين (ع) قال:
"لما ولدت
فاطمة الحسن (ع)
قالت لعلي (ع):
سمّه، فقال:
ما كنت لأسبق
باسمه رسول
الله، فجاء
رسول الله (ص)
فأخرج إليه
في خرقة
صفراء فقال:
ألم أنهاكم
أن تلفّوه في
خرقة صفراء؟!
ثم رمى بها
وأخذ خرقة
بيضاء فلفّه
فيها، ثم قال
لعلي (ع): هل
سميته؟ فقال:
ما كنت
لأسبقك
باسمه، فقال (ص):
وما كنت
لأسبق باسمه
ربي عزّ وجل.
فأوحى
الله تبارك
وتعالى إلى
جبرئيل أنه
قد ولد لمحمد
ابن، فاهبط
فأقرئه
السلام
وهنّئه وقل
له: إن علياً
منك بمنزلة
هارون من
موسى، فسمّه
باسم ابن
هارون، فهبط
جبرئيل (ع)
فهنأه من
الله عزّ
وجلّ ثم قال:
إن الله
تبارك
وتعالى
يأمرك أن
تسميه باسم
ابن هارون،
قال: وما كان
اسمه؟ قال:
شبَّر، قال:
لساني عربي،
قال: سمه
الحسن،
فسمّاه
الحسن".(1)
وقال
رسول الله (ص):
"الحسن
والحسين
سيدا شباب
أهل الجنّة،
وأبوهما خير
منهما".(2)
وعن
زينب بنت أبي
رافع عن
أمّها قالت:
قالت فاطمة (س):
يا رسول الله
هذان ابناك
فانحلهما،
فقال رسول
الله (ص): "أما
الحسن
فنحلته
هيبتي
وسؤددي،
وأما الحسين
فنحلته
سخائي
وشجاعتي".(3)
وعن
البرّاء بن
عازب قال: "رأيت
رسول الله (ص)
واضعاً
الحسن على
عاتقه فقال:
من أحبّني
فليحبّه".(4)
وقوله
(ص): "اللهم إني
أحبّه فأحبه
وأحبّ من
يحبه قال:
وضمّه إلى
صدره".(5)
واجتمع
أهل القبلة
على أن النبي (ص)
قال: "الحسن
والحسين
إمامان قاما
أو قعدا".(6)
ولو
سبرنا حياة
الامام
الحسن
المجتبى (ع)
لوجدنا ذات
الخط الذي
نهجه أبوه
أمير
المؤمنين (ع)
وأمه فاطمة
الزهراء (ع)،
يتجسد مرة
أخرى في
سيرته
الرسالية،
حيث لم
ــــــــــــــــــــــــــــ
1 -
البحار 43: 238، ب 11،
ح 3.
2 - البحار: 43: 263، ح 8.
3 - المصدر
نفسه، ح 11.
4 - المصدر
نفسه: 294.
5 - المصدر
نفسه.
6 - المصدر
نفسه: 291.
«2»
ير
مصلحة فوق
مصلحة
الإسلام
العليا، ولا
قيمة لشيء
أكبر من
قيمتها، بل
لقد أرخص
سلام الله
عليه كل شيء
في سبيله،
لأنها سبيل
الله وكلمته
العليا.
ولنأخذ
من مواقفه
الكبرى في
هذا السبيل
بعض النماذج
المتميزة في
عهود أساسية
ثلاث من
سيرته
المباركة:
1 - في
عهد عثمان:
ونستلّ من
سيرة الامام
الحسن
المجتبى (ع)،
في هذا العهد
مجالين هما:
أ -
مشاركته في
الكثير من
حروب الدفاع
عن بيضة
الإسلام،
وفي كثير من
الفتوحات
الإسلامية
أيام خلافة
عثمان،
منطلقاً من
مقولة أبيه
أمير
المؤمنين (ع)
في رعاية
مصلحة
الإسلام
العليا التي
كررها في
أكثر من موضع:
"والله
لأسلمن ما
سلمت أمور
المسلمين،
ولم يكن جورٌ
إلاّ عليّ
خاصّة".(1)
وقد
نقلت لنا كتب
التاريخ
ومروياته
هذه
الحقيقة،
وممّا جاء
فيها: إن
الامام أبا
محمد الحسن (ع)
كان قد بلغ
العشرين
عاماً أو
تزيد، وقد
برز بين
أعيان
المسلمين في
مواهبه
العالية
وتطلعاته
إلى حقائق
الأمور
ومشكلاتها،
ومضى مع أبيه
يتجرع مرارة
تلك الأحداث
القاسية،
ويترقب معه
الوقائع
والأحداث،
ويعملان
لصالح
الإسلام.
وانضمّ
الحسن إلى
جنود
المسلمين
الذين
اتّجهوا إلى
أفريقيا
بقيادة عبد
الله بن نافع
وأخيه عقبة
في جيش بلغ
عشرة آلاف
مجاهد، كما
جاء في العبر
لابن خلدون،
وتطلع
المسلمون
إلى النصر
والفتح
متفائلين
بوجود حفيد
الرسول
وحبيبه
يجاهد معهم،
وكانت
الغزوة
ناجحة
وموفقة كما
يصفها
المؤرخون،
وعاد الحسن
منها إلى
مدينة جده
وقلبه مفعم
بالسرور،
وعلامة
الارتياح
بادية على
وجهه الكريم
لانتشار
الإسلام في
تلك البقعة
من الأرض.
كما
جاء في تاريخ
الأمم
والملوك في
حوادث سنة
ثلاثين
للهجرة أن
سعيد بن
العاص غزا
خراسان،
ومعه حذيفة
بن اليمان
وناس من
أصحاب رسول
الله والحسن
والحسين إلى
جرجان،
فصالحوه على
حد تعبير
الطبري على
ساحل البحر،
فقاتلهم
أهلها
قتالاً
شديداً
وصلّى
المسلمون
صلاة الخوف،
وأخيراً
انتصر
المسلمون في
تلك المناطق
كما نصّ على
ذلك ابن
خلدون وغيره
من المؤرخين.
وجاء
في الفتوحات
الإسلامية
وغيرها أن
سعيد بن
العاص غزا
طبرستان سنة
ثلاثين من
الهجرة،
وكان
الأجهيد قد
صالح سويد بن
مقرن على مال
بذله في عهد
عمر بن
الخطاب، وفي
عهد عثمان
بعد
استيلائه
على السلطة
بخمس سنوات
تقريباً،
جهز إليهم
جيشاً
بقيادة سعيد
بن العاص،
كان فيه
الحسن
والحسين
وعبدالله بن
العباس
وغيرهم من
أعيان
المهاجرين
والأنصار،
وتم لهم
الاستيلاء
على تلك
المناطق
والتغلب
عليها.
وتؤكد
أكثر
المرويات أن
الحسن
والحسين قد
اشتركا في
كثير من
الفتوحات
الإسلامية،
وكان لهما
دور بارز في
سير تلك
المعارك
التي كانت
تدور رحاها
بين
المسلمين
وغيرهم.(2)
ب - كان
موقفه من
خلافة عثمان
وما آلت إليه
هو موقف أبيه
أمير
المؤمنين (ع)،
معبّراً فيه
عن كامل
الطاعة
والالتزام
بأوامره
وتوجيهاته
في تلك
الفترة
العصيبة
والفتنة
العمياء،
خصوصاً بعد
أن ملّ
المسلمون
سياسة عثمان
وأعوانه
وعمّاله.
وتنقل لنا
كتب التاريخ
وقائع تلك
الفترة،
ومنها أنه
بعد فشل كل
المحاولات
التي بذلها
المسلمون
لإصلاح
سياسة عثمان
وأعوانه
وعماله،
وخوفهم على
دينهم
ودنياهم،
زحفوا إليه
من جميع
الأقطار،
ودخلوا في
مفاوضات معه
يطالبونه
بإصلاح ما
أفسده هو
وعمّاله، أو
بالتخلي عن
السلطة،
وكان
أميرالمؤمنين
(ع) وولده
الحسن
وسيطين بين
الخليفة
ووفود
الأمصار في
محاولة
للإصلاح،
ووضع حدّ
للفساد الذي
شمل جميع
مرافق
الدولة،
وكانا كلما
أشرفا على
النجاح،
ووضعا
الحلول
الكفيلة
بالإصلاح
وإرجاع
الثوار إلى
بلادهم، جاء
مروان ونقض
كل ما أُبرم
بين الطرفين
من حلول
واتفاقات،
حتى تعقّدت
الأمور
أخيراً
وهاجمه
الثوار
بتحريض من
عائشة وطلحة
والزبير،
وقالت لهم
عائشة كما
تؤكد ذلك
أكثر
المرويات:
اقتلوا
نعثلاً فقد
كفر. وأخرجت
للمسلمين
قميص رسول
الله (ص) وقالت
بصوت سمعه
الجميع: هذا
قميص رسول
الله لم يبل
وقد أبلى
عثمان سنّته.
كما تؤكد
المصادر
الموثوقة أن
طلحة لم
يقتصر دوره
على التحريض
على عثمان،
بل اشترك
معهم وسهّل
لهم الوصول
إلى داره
للقضاء
عليه، في حين
أن أمير
المؤمنين -
كما يدعي
الرواة - قد
أرسل ولديه
حسناً
وحسيناً
ليدفعا عنه
الثوار.
وجاء
في رواية ابن
كثير أن
الحسن بن علي
قد أُصيب
ببعض الجروح
وهو يدافع
عنه. ومما لا
شك فيه أن
أمير
المؤمنين
وولديه
الحسن
والحسين (ع)،
كانوا
كغيرهم من
خيار
الصحابة
ناقمين على
تصرّفات
عثمان
وأنصاره
وعماله، ومع
ذلك لم يبلغ
بأمير
المؤمنين (ع)
الحال إلى
حدود الرضا
بقتله
والتريض
عليه، بل وقف
منه موقفاً
سليماً
وشريفاً،
أراد من
عثمان أن
ينتهج سياسة
تتفق مع منهج
الإسلام،
وأن يجعل
حدّاً
لتصرفات
ذويه وعماله
الذين
أسرفوا في
تبذير
الأموال
واستعمال
المنكرات،
وأراد من
الثائرين
عليه أن
يقفوا عند
حدود
المطالبة
بالإصلاح
الشامل
لجميع مرافق
الدولة،
وألاّ تتّخذ
ثورتهم طابع
العدوان
والانتقام،
واستطاع في
المراحل
الأولى من
وساطته أن
يضع حدّاً
للصراع
القائم بين
الطرفين بما
يحفظ لكل
منهما حقّه،
لولا أن
مروان بن
الحكم قد
أفسد كل ما
أصلحه
الامام (ع)
وظلّ الامام
إلى آخر لحظة
يتمنى على
عثمان أن
يتخذ موقفاً
سليماً حتى
يُتاح له أن
يعالج
الموقف في
حدود ما أنزل
الله.(3)
2 - في
عهد خلافة
أبيه أمير
المؤمنين (ع):
وفي هذا
العهد كان
الامام
الحسن السبط (ع)
ظلاًّ لأبيه
في كل ما
تتطلبه
مسألة
الولاء
لإمامه
خليفة رسول
الله (ص)،
وجندياً
واعياً
مطيعاً لكل
أوامره. وقد
تجلّى دوره
هذا على طول
الأيام
الحاسمة،
والصراع
المرير الذي
عاشه والده
أمير
المؤمنين (ع).
ومن مهماته
المشهودة في
تلك الفترة:
أ -
دوره في حرب
الناكثين
المعروفة
بحرب الجمل:
وهي الحرب
التي استعرت
في إثر تمرّد
طلحة
والزبير في
البصرة،
ورفعهما
السلاح بوجه
أمير
المؤمنين
علي (ع) بقيادة
عائشة. وقد
تمثل دور
الإمام
الحسن (ع) فيها
بأمرين
أساسيين:
أولاً:
لما توجّه
أمير
المؤمنين (ع)
إلى ذي قار
ونزلها،
أرسل الامام
الحسن
المجتبى (ع)
إلى الكوفة
مع عمار بن
ياسر وزيد بن
صوحان وقيس
بن سعد،
ليستنفروا
أهلها
لمساعدته
على طلحة
والزبير،
وكان قد أرسل
قبلهم وفداً
فعارضهم أبو
موسى ولم
يستجب لطلب
أمير
المؤمنين (ع)،
ومضى الحسن
بمن معه
باتّجاه
الكوفة،
ولمّا
دخلوها
استقبلهم
أهلها فقرأ
عليهم كتاب
أبيه (ع)، ووقف
أبو موسى نفس
الموقف الذي
وقفه مع
الوفد
الأول،
وافتعل
حديثاً عن
النبي
ليثّبط
الناس عن
مساعدة أمير
المؤمنين،
وادّعى أنه
سمعه يقول:
ستكون بعدي
فتنة القاعد
فيها خير من
القائم،
والنائم خير
من القاعد.
فردّ عليه
عمار بن ياسر
وقال: إذا صح
أنك سمعت
رسول الله
يقول ذلك فقد
عناك وحدك،
فالزم بيتك.
أمّا فأُشهد
الله أن رسول
الله قد أمر
عليّاً
بقتال
الناكثين
وسمّى لي
منهم جماعة،
وأمره بقتال
القاسطين،
وإن شئت
لأقيمنّ لك
شهوداً أن
رسول الله قد
نهاك وحدك
وحذّرك من
الدخول في
الفتنة.
ووقف
الحسن (ع)
يستنفر
الناس فحمد
الله وصلّى
على رسوله ثم
قال: "أيها
الناس، إنّا
جئنا ندعوكم
إلى الله
وكتابه
وسنّة
رسوله، وإلى
أفقه من
تفقّه من
المسلمين
وأعدل من
تعدلون
وأفضل من
تفضلون
وأوفى من
تبايعون، من
لم يعبه
القرآن ولم
تجهله
السنّة ولم
تقعد به
السابقة.
ندعوكم إلى
من قرّبه
الله ورسوله
قرابتين;
قرابة الدين
وقرابة
الرحم، إلى
من سبق الناس
إلى كل
مأثرة، إلى
من كفى الله
به رسوله
والناس
متخاذلون،
فقرب منه وهم
متباعدون،
وصلّى معه
وهم مشركون،
وقاتل معه
وهم
منهزمون،
وبارز معه
وهم محجمون،
وصدّقه وهم
يكذبون، وهو
سائلكم
النصر
ويدعوكم إلى
الحق
ويأمركم
بالمسير
إليه
لتؤازروه
وتنصروه على
قوم نكثوا
ببيعة،
وقتلوا أهل
الصلاح من
أصحابه،
ومثّلوا
بعمّاله،
ونهبوا بيت
ماله.
فأشخصوا
إليه رحمكم
الله".
وفي
رواية ثانية
عن جابر بن
يزيد أنه قال:
حدثني تميم
بن جذيم
التاجي أن
الحسن بن علي (ع)
وعمار بن
ياسر قدما
الكوفة
يستنفران
الناس إلى
علي (ع) ومعهما
كتابه، فلما
فرغا من
قراءته قام
الحسن فرماه
الناس
بأبصارهم
وهم يقولون:
اللّهم سدّد
منطق ابن بنت
نبيّك، فوضع
يده على عمود
يتساند
إليه، وكان
عليلاً من
شكوى به،
فقال: "الحمد
لله العزيز
الجبار
الواحد
الأحد
القهار
الكبير
المتعال،
سواء منكم من
أسرّ القول
ومن جهر به
ومن هو مستخف
بالليل
وساربٌ
بالنهار،
أحمده على
حسن البلاء
وتظاهر
النعماء،
وعلى ما
أحببنا
وكرهنا من
شدة ورخاء،
وأشهد أن لا
إله إلاّ
الله وحده لا
شريك له،
وأنّ محمداً
عبده
ورسوله،
امتنّ
بنبوته
واختصه
برسالته
وأنزل عليه
وحيه
واصطفاه على
جميع خلقه،
وأرسله إلى
الإنس
والجنّ حين
عُبدت
الأوثان
وأُطيع
الشيطان
وجُحد
الرحمن،
فصلّى الله
عليه وعلى
آله وجزاه
أفضل
الجزاء، أما
بعد فإني لا
أقول لكم
إلاّ ما
تعرفون; إن
أمير
المؤمنين
علي بن أبي
طالب أرشد
الله أمره
وأعزّ نصره
بعثني إليكم
يدعوكم إلى
الصواب
والعمل
بالكتاب
والجهاد في
سبيل الله،
وإن كان في
عاجل ذلك ما
تكرهون، فإن
في آجله ما
تحبّون إن
شاء الله،
ولقد علمتم
بأنّ عليّاً
صلّى مع رسول
الله وحده،
وأنه يوم
صدّق به لفي
عاشرة من
عمره، ثم شهد
مع رسول الله
جميع
مشاهده،
وكان من
اجتهاده في
مرضاة الله
وطاعة رسول
وآثاره
الحسنة في
الإسلام ما
قد بلغكم،
ولم يزل رسول
الله راضياً
عنه حتى
غمّضه بيده
وغسّله وحده
والملائكة
أعوانه،
والفضل ابن
عمّه ينقل
إليه الماء،
ثم أدخله
حفرته،
وأوصاه
بقضاء دينه
وعداته وغير
ذلك من
أموره، كل
ذلك من منّ
الله عليه،
ثم - والله - ما
دعا إلى
نفسه، ولقد
تداكّ الناس
عليه تداكّ
الإبل الهيم
عند وردها
فبايعوه
طائعين، ثم
نكث منهم
ناكثون بلا
حدث أحدثه
ولا خلاف
أتاه حسداً
له وبغياً
عليه،
فعليكم عباد
الله بتقوى
الله وطاعته
والجدّ
والصبر
والاستعانة
بالله،
والإسراع
إلى ما دعاكم
إليه، عصمنا
الله
وإيّاكم بما
عصم به
أولياءه
وأهل طاعته،
وألهمنا
وإيّاكم
تقواه
وأعاننا
وإيّاكم على
جهاد اعدائه.
واستغفر
الله لي ولكم".
وبعد
جدال طويل
وحوار بين
عمّار بن
ياسر والحسن
بن علي (ع) من
جهة، وبين
أبي موسى
الأشعري
التفت الحسن (ع)
إلى أبي موسى
وقال له: "اعتزل
عملنا لا أمّ
لك وتنحَّ عن
منبرنا".
وظلّ أبو
موسى على
موقفه
المتصلّب
يخذّل الناس
ويوحي إليهم
بأن رسول
الله قد
أمرهم
باعتزال هذه
الفتنة، حتى
جاء مالك
الأشتر ودخل
القصر وأخرج
منه الحرس،
هذا وأبو
موسى في جدال
مع الحسن (ع)
وعمّار،
فجاءه
الغلمان
والحرس
يشتدون إليه
وأخبروه بما
صنع الأشتر،
فخرج من
المسجد
مذموماً
مدحوراً،
واستجاب
الناس لنداء
الحسن (ع)،
وخرج معه إلى
البصرة اثنا
عشر ألفاً،
وكان أمير
المؤمنين قد
أخبر بعددهم
وهو في ذي قار
كما جاء في
رواية
الشعبي عن
أبي الطفيل،
وأضاف إلى
ذلك أبو
الطفيل يقول:
والله لقد
قعدت على
الطريق
وأحصيتهم
واحداً
واحداً فما
زادوا رجلاً
ولا نقصوا
رجلاً.(4)
ثانياً:
شارك الإمام
الحسن (ع) في
حرب الجمل
إلى جنب أمير
المؤمنين (ع)،
وحمل رايته
وانتصر بها
على
الناكثين.
ومما أجمع
عليه
المؤرخون في
ذلك أنه لمّا
زحف أمير
المؤمنين في
كتيبته
الخضراء
التي جمعت
المهاجرين
والأنصار،
وحوله
أولاده
الحسن
والحسين
ومحمد بن
الحنفية،
وكان قد
أعطاه
الراية،
فحمل بها على
أنصار عائشة
ومضى يتقدم
بها حتى
تزعزعت
صفوفهم،
فقال له
الأنصار:
والله يا
أمير
المؤمنين
لولا ما جعل
الله تعالى
للحسن
والحسين لما
قدّمنا على
محمد أحداً
من العرب،
فقال لهم
أمير
المؤمنين: "اين
النجم من
الشمس
والقمر؟ أما
إنه قد أغنى
وأبلى وله
فضله، ولا
ينقص فضل
صاحبيه
عليه، وحسب
صاحبكم ما
انتهت به
نعمة الله
تعالى عليه".
فقالوا له: يا
أمير
المؤمنين،
إنّا والله
لا نجعله
كالحسن
والحسين،
ولا نظلمهما
له ولا نظلمه
لفضلهما
عليه حقّه.
فقال: "اين
يقع ابني من
ابني بنت
رسول الله؟".(5)
ب -
دوره في حرب
القاسطين
المعروفة
بحرب صفين:
وهي حرب
البغاة في
الشام التي
التي قادها
معاوية بن
أبي سفيان
خروجاً على
خلافة أمير
المؤمنين (ع)،
وهكذا أيضاً
كان دور
الامام
الحسن (ع) فيها
كدوره في حرب
الجمل، بل
زاد عليه; حيث
قام بتعبئة
المسلمين
للجهاد وبذل
جهده لإحباط
مؤامرة
التحكيم
والاحتجاج
على
المنادين به.
ونلخص هذا
الدور بما
يلي:
أولاً:
وقف الامام
الحسن (ع)
خطيباً
يعبّئ
المسلمين
لجهاد
القاسطين
البغاة
بقيادة
معاوية بن
أبي سفيان
فقال: "الحمد
لله لا إله
غيره ولا
شريك له،
وإنه ممّا
عظّم الله
عليكم من
حقّه وأسبغ
عليكم من
نعمه مالا
يحصى ذكره
ولا يؤدّى
شكره ولا
يبلغه قول
ولا صفة،
ونحن إنّما
غضبنا لله
ولكم، وإنه
لم يجتمع قوم
قطّ على أمر
واحد إلاّ
اشتدّ أمرهم
واستحكمت
عقدتهم،
فاحتشدوا في
قتال عدوكم
معاوية
وجنوده، ولا
تتخاذلوا،
فإن الخذلان
يقطع نياط
القلوب، وإن
الإقدام على
الأسنّة
نخوة وعصمة.
لم يتمنّع
قوم قطّ إلاّ
رفع الله
عنهم
العلّة،
وكفاهم
حوائج
الذلّة.
وهداهم إلى
معالم
الملّة" ثم
أنشد:
"والصلح
تأخذ منه ما
رضيت به -----
والحرب
يلفيك من
أنفاسها جرع"(6)
ثانياً:
لقد عبّر
الامام
الحسن (ع) عن
ولائه
المطلق
لأبيه أمير
المؤمنين (ع)
في محنته
هذه،
مستخفّاً
بإغراء
البغاة له
بالخلافة
دون أبيه. فقد
روي أن عبيد
الله بن عمر
أرسل إلى
الحسن بن علي
أن لي حاجة،
وكان إلى
جانب معاوية
بن أبي
سفيان،
فلقيه
الامام أبو
محمد الحسن،
فقال له عبيد
الله: إن أباك
قد وتر
قريشاً
أولاً
وآخراً، وقد
شنئه الناس،
فهل لك في
خلعه
وتتولّى أنت
هذا الأمر؟
فقال له
الحسن (ع): "كلاّ،
والله لا
يكون ذلك
أبداً". ومضى
يقول: "يابن
الخطّاب،
والله
لكأنّي أنظر
إليك
مقتولاً في
يومك أو غدك.
أما إن
الشيطان قد
زيّن لك
وخدعك حتى
أخرجك
متخلّقاً
بالخلوق; ترى
نساء أهل
الشام
موقفك،
وسيصرعك
الله ويبطحك
لوجهك
قتيلاً".
ثم
انصرف كل
منهما إلى
جهته. ونقل
أحد الرواة
قال: فو الله
ما كان إلاّ
بياض ذلك
اليوم، حتى
قتل عبيد
الله وهو في
كتيبة رقطاء
تدعى
الخضرية،
وكان في
أربعة آلاف
عليهم ثياب
خضر، فمرّ
الحسن بن علي (ع)،
وإذا برجل
متوسّد برجل
قتيل قد ركز
رمحه في عينه
وربط فرسه
برجله، فقال
الحسن لمن
معه: "أنظروا
من هذا؟"
فإذا رجل من
همدان، وإذا
القتيل عبيد
الله بن عمر
بن الخطاب قد
قتله
الهمداني في
أول الليل
وبات عليه
حتى أصبح.(7)
ثالثاً:
كان للامام
الحسن (ع) دور
مشهود في
الاحتجاج
على من نادى
بالتحكيم
وقبل به،
كاشفاً عن
حقيقة
الموقف وما
يكمن وراءه
من مؤامرة
شيطانية
لتفريق جيش
أمير
المؤمنين (ع)،
وتمزيقه
داخليّاً.
وممّا روي في
ذلك أن أمير
المؤمنين (ع)
بعد أن أعيته
السبل في
التحذير من
التحكيم
وأنه خدعة
ومؤامرة،
استسلم
مكرهاً
لرغبة
القوم،
فكانت مهزلة
التحكيم
التي انتهت
بخذلان أبي
موسى
الأشعرى
للامام علي (ع)،
فساد
الاضطراب
معسكر أمير
المؤمنين (ع)،
وبدت ظواهر
التمزق
والتفرق
تسود أوساط
جيشه، وأخذ
كلّ فريق
يتبرّأ من
الآخر
ويشتمه، فلم
يجد الامام
علي (ع) سبيلاً
لدرء هذه
المفسدة
وبيان الحقّ
وكشف حقيقة
التحكيم
وبطلانه،
إلاّ أن
يقدّم
الامام
الحسن
المجتبى (ع)
ليقوم بهذه
المهمة
الرسالية
قائلاً له: "قم
يا بني فقل في
هذين
الرجلين عبد
الله بن قيس،
وعمرو بن
العاص"،
فقام الامام
السبط
خطيباً فقال:
"أيّها
الناس، قد
أكثرتم في
هذين
الرجلين،
وإنّما بعثا
ليحكما
بالكتاب على
الهوى،
فحكما
بالهوى على
الكتاب، ومن
كان هكذا لم
يسمَّ
حَكماً
ولكنه محكوم
عليه، وقد
أخطأ عبد
الله بن قيس
إذ جعلها
لعبد الله بن
عمر، فأخطأ
في ثلاث خصال:
واحدة أنه
خالف أباه إذ
لم يرضه لها،
ولا جعله في
أهل الشورى،
وأخرى أنه لم
يستأمره في
نفسه،
وثالثة: أنه
لم يجتمع
عليه
المهاجرون
والأنصار
الذين
يعقدون
الإمارة
ويحكمون بها
على الناس،
وأمّا
الحكومة فقد
حكّم النبي (ص)
سعد بن معاذ،
فحكم بما
يرضى الله به.
ولا شكّ لو
خالف لم يرضه
رسول الله (ص)".(8)
وبذلك
أظهر الامام
السبط حقيقة
الموقف،
وكشف عن زيف
التحكيم،
وخطّل رأي
أبي موسى
الأشعري
الذي
انتخبته
الغوغاء من
جيش الامام
علي (ع)
ومكّنته من
الموقف دون
رويّة
وتدبّر، رغم
أنه معروف
بسوء سريرته.
وهكذا
كان الامام
الحسن (ع)
سنداً
وظهيراً
لأبيه أمير
المؤمنين (ع)
إلى آخر لحظة
من حياته،
وكان يعاني
مايعانيه
أبوه من أهل
العراق
ويتألّم
لآلامه
ومحنه، وهو
يرى معاوية
يحوك
المؤامرة
تلو الأخرى،
ويبثّ
مرتزقته في
أنحاء
العراق
لتثبيط
المسلمين عن
أمير
المؤمنين (ع)،
ويغري
القادة
والزعماء
بالأموال
والمناصب
حتى فرّق
أكثرهم عنه،
وأصبح أمير
المؤمنين
يتمنى
فراقهم
بالشهادة في
سبيل الله،
ولطالما بكى
وقبض على
كريمته وهو
يقول: "متى
يُبعث
أشقاها
فيخضّب هذه
من هذا"؟!،
والحسن (ع) يرى
كل ذلك
وتأخذه
الحسرة
والألم لما
يحيط بأبيه
من المتاعب
والمحن
والفتن.
3 - في
أيام خلافته (ع):
لقد أجمع
المؤرخون أن
خلافته كانت
في صبيحة
اليوم الذى
دُفن فيه
أميرالمؤمنين
(ع)، وبعد
الفراغ من
إنزال حكم
الله بقتل
ابن ملجم،
فقد ضربه
ضربة واحدة
قضت عليه كما
أوصاه أمير
المؤمنين (ع)،
ثم تجمّع عند
الامام
الحسن (ع)
صبيحة ذلك
اليوم حشد
كبير من أهل
الكوفة غصّ
بهم الجامع
على سعته،
فوقف خطيباً
حيث كان يقف
أمير
المؤمنين
وحوله من بقي
من وجوه
المهاجرون
والأنصار،
فابتدأ
خطابه في
مصابه بأبيه
الذي أصيب به
جميع
المسلمين،
وقال بعد أن
حمد الله
وصلّى على
محمد وآله: "لقد
قُبض في هذه
الليلة رجل
لم يسبقه
الأولون
بعمل ولا
يدركه
الآخرون
بعمل. لقد كان
يجاهد مع
رسول الله
فيقيه
بنفسه،
وأينما
وجّهه رسول
الله كان
جبرئيل عن
يمينه
وميكائيل عن
يساره، فلا
يرجع حتى
يفتح الله
عليه، ولقد
توفّي في
الليلة التي
عرج فيها
عيسى بن مريم
إلى السماء،
وقُبض فيها
يوشع بن نون
وصي موسى،
وما خلف
خضراء ولا
بيضاء سوى
سبعمئة درهم
فضلت عن
عطائه أراد
أن يبتاع
فيها خادماً
لأهله، وقد
أمرني أن
أردّها إلى
بيت المال".
ثم
تمثل له أبوه
وما كابده في
حياته من
الآلام
والمتاعب
فاستعبر
باكياً،
وبكى الناس
من حوله حتى
ارتفعت
الأصوات
بالبكاء
والنحيب من
جميع أنحاء
الكوفة،
وعاد إلى
حديثه بعد أن
استنصت
الناس، وقال:
"أيها
الناس، من
عرفني فقد
عرفني، ومن
لم يعرفني
فأنا الحسن
بن علي، وأنا
ابن النبي
والوصي،
وأنا ابن
البشير
النذير
والداعي إلى
الله بإذنه،
وأنا ابن
السراج
المنير،
وأنا من أهل
البيت الذين
أذهب الله
عنهم الرجس
وطهّرهم
تطهيراً،
وافترض
مودّتهم على
كل مسلم فقال
في كتابه: (قل
لا أسألكم
عليه أجراً
إلاّ
المودّة في
القربى ومن
يقترف حسنة
نزد له فيها
حسناً)،
فاقتراف
الحسنة
مودّتنا أهل
البيت".(9)
وبعد
خطابه هذا
أقبل الناس
يتسابقون
إلى بيعته،
وتمّت بيعته
في الكوفة
والبصرة،
كما بايعه
أهل الحجاز
واليمن
وفارس وسائر
المناطق
التي كانت
تدين
بالولاء
والبيعة
لأبيه. ولمّا
بلغ نبأ
البيعة
معاوية
اجتمع بكبار
أعوانه،
وشرعوا بحبك
المؤامرات
ورسم الخطط
لنقض بيعة
الامام
الحسن (ع)
وتقويض
خلافته.
وعندما
نستقرئ سيرة
الامام
الحسن (ع)
ومواقفه
إزاء هذه
المؤامرات
والفتن
الطخياء،
تتجسد
أمامنا قمة
الفناء في
الله
سبحانه،
واتّخاذ
مصلحة
الإسلام
العليا
مقياساً
حاسماً
لمواقفه
ومواجهاته،
مضحّياً بكل
شيء دون ذلك.
ويمكننا
الإشارة إلى
ثلاث حالات
مثّلت
كبريات
مواقفه
الرسالية
المشهودة في
هذا السبيل:
أ - إن
الامام
الحسن (ع) رأى
ابتداءً أن
مصلحة
الإسلام
العليا تقوم
بالتعبئة
لحرب
الباغية
معاوية بن
أبي سفيان،
وقد اتّخذ
الإمام (ع)
قراره هذا
بعد مراسلات
متبادلة
بينه وبين
معاوية أتمّ
فيها الحجّة
عليه، وردّ
عليه
محاولاته
لإغرائه (ع)
بالأموال
والخلافة من
بعده قائلاً
له: ولك ألاّ
تُقضى دونك
الأمور، ولا
تُعصى في أمر
من الأمور
أردت بها
طاعة الله....
وكان آخر ما
كتبه الامام (ع)
رادّاً عليه:
"أمّا بعد
فقد وصلني
كتابك تذكر
فيه ما ذكرت،
وتركت جوابك
خشية البغي
عليك وبالله
أعوذ من ذلك،
فاتّبع الحق
تعلم أني من
أهله وعليّ
إثم أن أقول
فاُكذب.
والسلام".
ولمّا
وصله كتاب
الحسن (ع) أدرك
أن أساليبه
ومغرياته لم
تغيّر من
موقفه
شيئاً، فكتب
إلى جميع
عمّاله في
بلاد الشام:
أمّا بعد،
فإني أحمد
إليكم الله
الذي لا إله
غيره،
والحمد لله
الذي كفاكم
مؤنة عدوّكم
وقتلة
خليفتكم، إن
الله بلطفه
وحسن صنيعه
أتاح لعلي بن
أبي طالب
رجلاً من
عباده
فاغتاله
وقتله، وترك
أصحابه
متفرّقين
مختلفين،
وقد جاءتنا
كتب أشرافهم
وقادتهم
يلتمسون
الأمان
لأنفسهم
وعشائرهم،
فأقبلوا
إليّ حين
يأتيكم
كتابي هذا
بجهدكم
وجندكم وحسن
عدتكم، فقد
أصبتم - بحمد
الله - الثار
وبلغتم
الأمل،
وأهلك الله
أهل البغي
والعدوان.
والسلام
عليكم ورحمة
الله.
فاجتمعت
إليه الوفود
من كل الجهات
وسار بهم
باتّجاه
العراق.
وي |