من‌ مظاهر الواقعية‌ الاسلامية‌  التوازن‌، المرونة‌، الاخلاقية‌

 المظهر الاول‌: التوازن‌

           وتوجد هنا مقدمتان‌:

 الاُولي‌: اُسلوب‌ الاعداد المفهومي‌ والصياغة‌ التصورية‌

           تتميز التربية‌ الاسلامية‌ بخاصية‌ قد  لانجدها في‌ غيرها، وهي‌ مايمكن‌ تلخيصه‌ بأسلوب‌ الاعداد المفهومي‌ والصياغة‌ التصورية‌، وذلك‌ بتغيير الصورة‌ المنحرفة‌ عن‌ الواقع‌، وإعطاء النظرة‌ النافذة‌ وتأصيلها في‌ النفس‌ عن‌ الوجود، والكون‌، والحياة‌، والانسان‌ ، بفطرته‌، وتأريخه‌ ، وقوانين‌ هذا التاريخ‌، وحاضره‌، ومستقبله‌؛ فإذا تم‌ هذا التأصيل‌ البنّاء عاد الاسلوب‌ الاسلامي‌ ليثقف‌ المسلم‌ بالهدف‌ مباشرة‌، وبشكل‌ مجمل‌، ليرّكز عليه‌ - ولو من‌ خلال‌ مسيرة‌ الاجيال‌، بحيث‌ لا يشكل‌ هو الا خطوة‌ من‌ هذه‌ المسيرة‌- ثم‌ يرسم‌ بعد ذلك‌ أمامه‌ الصورة‌ التفصيلية‌ والتشريعية‌، فيضمن‌ بذلك‌ اندفاعاً للعمل‌ من‌ جهة‌، وأداءً أروع‌ له‌ بعد أن‌ تركزت‌ في‌ نفس‌ العامل‌ كل‌ أبعاد الصورة‌ والاءطار الذي‌ يجب‌ أن‌ يتم‌ فيه‌، من‌ جهة‌ أخري‌. ونلحظ‌ لهذه‌ الحقيقة‌ الكثير من‌ المصاديق‌، ومنها مسألة‌ التوازن‌ الذي‌ يعمل‌ الاسلام‌ علي‌ تركيزه‌ في‌ النفس‌ الانسانية‌ بشتي‌ الاساليب‌، كما نري‌.

 الثانية‌: التوازن‌ العادل‌ الحكيم‌

           قبل‌ كل‌ شي‌ء، يجب‌ أن‌ نركز علي‌ أن‌ المقصود بالتوازن‌ ليس‌ ماقد يتبادر الي‌ الاذهان‌ لاول‌ وهلة‌ من‌ التساوي‌ بين‌ الجانبين‌، أو ما إلي‌ ذلك‌، وإنما يقصد منه‌ مل‌ء الواقع‌ بالشكل‌ العادل‌ بحيث‌ يوضع‌ الشي‌ء في‌ محله‌ دون‌ أن‌ يلحق‌ حيف‌ بأجزاء الواقع‌، وبحيث‌ يشكل‌ هذا المل‌ء أفضل‌ حالة‌ لصالح‌ الكمال‌، وهو مايمكن‌ أن‌ نطلق‌ عليه‌ اسم‌: «التوازن‌ الحكيم‌» أو «التوازن‌ العادل‌» فمثلاً لو أننا لاحظنا جانب‌ الغرائز الانسانية‌ فإننا نجد أنها تحتاج‌ الي‌ إشباع‌ معين‌، وهي‌ قد تتطلب‌ ما يزيد علي‌ إشباعها الصحيح‌، فيوثر هذا علي‌ إشباع‌ الغرائز الاخري‌، فاذا أُعطيت‌ أكثر مما يتطلبه‌ واقعها وهدفها فقد اختل‌ التوازن‌ في‌ إشباع‌ الغرائز. فالتوازن‌ لا يعني‌ أن‌ تشبع‌ كل‌ غريزة‌ بالمقدار الذي‌ تشبع‌ به‌ الغرائز الاخري‌.

           وعندما يتضح‌ هذا المفهوم‌ نستطيع‌ القول‌ بأنه‌ لا يحتاج‌ في‌ إجماله‌ الي‌ استدلال‌، فـإن‌ نظرية‌ خلق‌ الكون‌ بحكمة‌ وإحكام‌، وكون‌ التشريع‌ حكمة‌ تشريعية‌ تنسجم‌ مع‌ الحكمة‌ الكونية‌، هي‌ من‌ أوضح‌ النظريات‌ القرآنية‌ التي‌ يتكرر التصريح‌ والاشارة‌ إليها في‌ مختلف‌ الا´يات‌ القرآنية‌.

           وإذا شئنا بعد هاتين‌ المقدمتين‌ أن‌ نستعرض‌ مجالات‌ التوازن‌ نجدها مجالات‌ تصورية‌ وتشريعية‌.

 التوازن‌  في‌ التصور الاسلامي‌ عن‌ الواقع‌

           إن‌ الاسلام‌ يحاول‌ أن‌ يغير الوجود الانساني‌ الي‌ الشكل‌ المراد، فيبني‌ التشريع‌ علي‌ أساس‌ تصوري‌ محكم‌ حدد له‌ فيه‌ موقعه‌ من‌ التشكيلة‌ الكونية‌ ليكون‌ علي‌ هدي‌ من‌ أمره‌:  ( قل‌ هذه‌ سبيلي‌ أدعو الي‌ الله‌ علي‌ بصيرة‌ أنا ومن‌ اتَّبعني‌ )  . وها نحن‌ نشير الي‌ جوانب‌ من‌ تلك‌ الصورة‌ التي‌ رسمها عن‌ الواقع‌، فيقول‌ تعالي‌ عن‌:

           1- التوازن‌ الكوني‌:  ( إنّا كل‌ شي‌ء خلقناه‌ بقدر )  .  ( والسماء رفعها ووضع‌ الميزان‌ )  .

           2- التوازن‌ بين‌ الاطلاق‌ في‌ المشيئة‌ الالهية‌:  ( إنما قولنا لشي‌ء إذا أردناه‌ أن‌ نقول‌ له‌ كن‌ فيكون‌ )   والثبات‌ في‌ القوانين‌ الكونية‌:  ( لا الشمس‌ ينبغي‌ لها أن‌ تدرك‌ القمر ولا الليل‌ سابق‌ النهار )  .  ( ولن‌ تجد لسنة‌ الله‌ تبديلا )  .

           3- التوازن‌ بين‌ الارادة‌ الالهية‌ المطلقة‌ والارادة‌ الانسانية‌ المحدودة‌ التي‌ حصلت‌ بمشيئة‌ اللّ'ه‌:  ( ونفس‌ وما سوّاها فألهمها فجورها وتقواها، قد أفلح‌ من‌ زكّاها، وقد خاب‌ من‌ دساها )  .

           4- التوازن‌ بين‌ الرحمة‌ الواسعة‌ والعقوبة‌ الشديدة‌، يقول‌ تعالي‌:  ( نبّي‌ عبادي‌: أني‌ أنا الغفور الرحيم‌. وأنّ

 

 عذابي‌ هو العذاب‌ الاليم‌ )  .

           فان‌ تصور الرحمة‌ الواسعة‌ يبعث‌ في‌ الانسان‌ أملاً واسعاً دافعاً نحو العمل‌، وتصور العقوبة‌ الشديدة‌ يمنع‌ ذلك‌ الامل‌ من‌ الانقلاب‌ علي‌ هدفه‌ ويضبطه‌ ويحوله‌ الي‌ عمل‌ في‌ سبيله‌، فيتحقق‌ نوع‌ متكامل‌ من‌ التوازن‌ البنّاء.

           5- التوازن‌ بين‌ طرق‌ الخير وطرق‌ الشر المعروضة‌ أمام‌ الانسان‌، مما يفتح‌ أمامه‌ سبيل‌ الاختيار الحر، وهناك‌ نصوص‌ شريفة‌ تركز علي‌ هذه‌ الحقيقة‌  .

           7- التوازن‌ بين‌ قوي‌ الانسان‌ والاهداف‌ المنشودة‌ التي‌ خلق‌ لاجلها.

           علماً أن‌ الصورة‌ التي‌ يرسمها الاسلام‌ عن‌ الواقع‌ لايمكن‌ أن‌ نجدها لدي‌ أي‌ مذهب‌.

 التوازن‌ في‌ تعامل‌ المسلم‌ مع‌ الواقع‌

           وعلي‌ ضوء من‌ النظرة‌ المتوازنة‌ الي‌ الواقع‌ يرسم‌ الاسلام‌ للمسلم‌ مواقف‌ متوازنة‌ منه‌، أي‌ من‌ الواقع‌ .

           1- الموقف‌ المتناسق‌ من‌ الكون‌ المتناسق‌.

           ذلك‌ أن‌ التصور السابق‌ يدفعه‌ للانسجام‌ مع‌ الكون‌ ليتحقق‌ الهدف‌ المنشود من‌ الخلقة‌، وهنا تبدو العلاقة‌ الرائعة‌ بين‌ التسخير والشكر، فالتسخير انسجام‌ تكويني‌، والشكر انسجام‌ إرادي‌ من‌ قبل‌ الانسان‌:

           ( وسخّر لكم‌ الليل‌ والنهار. وآتاكم‌ من‌ كل‌ ما سألتموه‌ وإن‌ تعدّوا نعمة‌ الله‌ لا تحصوها إن‌ الاءنسان‌ لظلوم‌ كفار )   وكذلك‌  ( سخّرها لكم‌ لتكبروا اللّ'ه‌ علي‌ ماهداكم‌ وبشّر المحسنين‌ )  .

           2- موقف‌ العبودية‌ المطلقة‌ والشكر للّ'ه‌ مع‌ الاعتراف‌ بفضل‌ المخلوق‌..

           فالاسلام‌، علي‌ ضوء ماسبق‌، دعا لجعل‌ الشكر المطلق‌ لله‌ تعالي‌ باعتباره‌ المنعم‌ التام‌، دون‌ أن‌ يهمل‌ الدعوة‌ لشكر المخلوقين‌ باعتبارهم‌ اعملوا ارادتهم‌ الخيرة‌ لتحقيق‌ الهدف‌ الخير.

           ( ووصينا الانسان‌ بوالديه‌ حملته‌ أمه‌ وهناً علي‌ وهن‌ وفصاله‌ في‌ عامين‌ أن‌ اشكر لي‌ ولوالديك‌ إلي‌ المصير )  .

           وعنه‌ 9  في‌ حديث‌ قدسي‌: «وإني‌ قد آليتُ علي‌ نفسي‌ أن‌ لا أقبل‌ شكر عبد لنعمة‌ أنعمتها عليه‌ حتي‌ يشكر من‌ ساقها من‌ خلقي‌ إليه‌»  .

           3- موقف‌ الامل‌ بالله‌ تعالي‌ مع‌ الاطمئنان‌ ببقاء السنن‌ الكونية‌.

           4- موقف‌ التوكل‌ علي‌ الله‌ والثقة‌ بالنفس‌.

           5- موقف‌ العلو علي‌ المشاكل‌ التاريخية‌ مع‌ تقدير دور كل‌ عامل‌.

           6- موقف‌ الدقة‌ في‌ اختيار سبيل‌ الخير مع‌ الحذر من‌ سبل‌ الشر.

           7- موقف‌ الخوف‌ والرجاء.

           فعن‌ الامام‌ الصادق‌ 7  أنه‌ قال‌: كان‌ أبي‌ يقول‌: «ليس‌ من‌ عبد مومن‌ الاّ وفي‌ قلبه‌ نوران‌: نور خيفة‌ ونور رجاء، لو وزن‌ هذا لم‌ يزد علي‌ هذا ، ولو وزن‌ هذا لم‌ يزد علي‌ هذا»  .

           ومن‌ الواضح‌ أن‌ هذه‌ الخاصية‌ تنعكس‌ علي‌ السلوك‌ تماماً.

           يقول‌ الامام‌ الصادق‌ 7  : «لايكون‌ المومن‌ مومناً حتي‌ يكون‌ خائفاً راجياً، ولا يكون‌ خائفاً راجياً حتي‌ يكون‌ عاملاً لما يخاف‌ ويرجو»  .

           8- الموقف‌ المتوازن‌ من‌ الدنيا والا´خرة‌.

           يقول‌ تعالي‌:  ( وابتغِ فيما آتاك‌ الله‌ الدار الا´خرة‌ ولا تنسَ نصيبك‌ من‌ الدنيا )  .

           ويقول‌ الامام‌ علي‌ 7  في‌ كتابه‌ الي‌ محمد بن‌ أبي‌ بكر  2  .

           «واعلموا عباد الله‌ أن‌ المتقين‌ ذهبوا بعاجل‌ الدنيا وآجل‌ الا´خرة‌، فشاركوا أهل‌ الدنيا في‌ دنياهم‌، ولم‌ يشاركهم‌ أهل‌ الدنيا في‌ آخرتهم‌».

           9- موقف‌ التوازن‌ بين‌ البرهنة‌ وطلب‌ الدليل‌ من‌ جهة‌، والتعبد والتسليم‌، من‌ جهة‌ أخري‌.

           وهناك‌ نماذج‌ أخري‌ للمواقف‌ المتوازنة‌ من‌ الواقع‌ لا يسعنا فعلاً التعرض‌ لها.

 

 التوازن‌ والتشريع‌

           هناك‌ أسلوبان‌ من‌ البحث‌ في‌ هذا المجال‌:

           الاول‌: التوازن‌ بين‌ التشريع‌ وأرضيته‌ المناسبة‌ له‌.

             وهذه‌ السمة‌ تنسجم‌ مع‌ مبدأ ضرورة‌ ربط‌ المسألة‌ الاجتماعية‌ (وهي‌ مجال‌ التشريع‌) بالمسألة‌ الفلسفية‌ (وهي‌ مجال‌ الارضية‌ الروحية‌ المناسبة‌) فعلي‌ ضوء نوعية‌ العقيدة‌، والمفاهيم‌ المبتنية‌، والعواطف‌ المتفرعة‌ عنها، يأتي‌ التشريع‌ المنسجم‌.

           2- الوحدة‌ والتوازن‌ في‌ تطبيق‌ كل‌ الانظمة‌ الاسلامية‌، ذلك‌ أن‌ الحياة‌ مترابطة‌، والحلول‌ لها مترابطة‌، فمن‌ الطبيعي‌ أن‌ يتم‌ التناسق‌ في‌ التطبيق‌.

           3- الموازنة‌ بين‌ الالزام‌ التشريعي‌ والتطوع‌ الفردي‌ أو الاجتماعي‌.

           4- التوازن‌ بين‌ التحديد في‌ المجالات‌ الثابتة‌ والمرونة‌ في‌ المجالات‌ المتطورة‌.

           5- الموقف‌ المتوازن‌ من‌ الحرية‌ الانسانية‌.

           فلا يعمل‌ الاسلام‌ علي‌ الانفتاح‌ المطلق‌، ولا يسمح‌ بالتحديد التام‌، وإنما يتم‌ تخطيط‌ واقعي‌ سليم‌.

           الثاني‌: تناول‌ كل‌ نظام‌ من‌ النظم‌ الاسلامية‌ والعمل‌ علي‌ اكتشاف‌ جنبات‌ التوازن‌ فيه‌ .

           ونشير هنا مثلاً الي‌ أن‌ نظام‌ العبادات‌، عندما يتم‌ التركيز عليه‌، يعرض‌ علينا أروع‌ صور التوازن‌، تارة‌ بين‌ الحرية‌ الانسانية‌ والعبودية‌ للّ'ه‌. وأخري‌ في‌ مجال‌ الاشباع‌ المتوازن‌ لغريزة‌ التدين‌. وثالثة‌ بين‌ عزل‌ المسجد عن‌ الحياة‌ وحصرها فيه‌. ورابعة‌ بين‌ المصلحة‌ الذاتية‌ والمصلحة‌ العامة‌. وخامسة‌ بين‌ الاتجاه‌ العقلي‌ المحض‌ والاتجاه‌ الحسي‌ المحض‌. وسادسة‌ بين‌ الغيبية‌ من‌ جهة‌، ووعي‌ المصالح‌ من‌ جهة‌ أخري‌، ولكل‌ من‌ هذه‌ الجوانب‌ حديث‌ مفصل‌.

 الخاتمة‌:

           المجتمع‌ الاسلامي‌ بين‌ العلمنة‌ والتطرف‌

           بعد هذه‌ الجولة‌ السريعة‌ في‌ ميادين‌ التوازن‌، نود أن‌ نقف‌ قليلاً عند الحد الوسط‌ الاسلامي‌ في‌ الفرد والمجتمع‌.

           إن‌ الحد الوسط‌ في‌ الفرد والمجتمع‌ يتلخص‌ في‌ تطبيق‌ التعاليم‌ الاسلامية‌، والتحلي‌ بمكارم‌ الخصال‌، والقيام‌ بالمسوولية‌ الرسالية‌ الشاهدة‌ الملقاة‌ علي‌ عاتق‌ الفرد والامة‌. فإذا آمن‌ الفرد بأصول‌ العقيدة‌ وأصلها التوحيد. وإذا سار التوحيد في‌ كيانه‌ حتي‌ غمر وجوده‌ ووجه‌ حياته‌. وإذا فجّر التوحيد عواطفه‌ وصاغها صياغة‌ اسلاميةً تبدأ من‌ حب‌ الذات‌ حباً طبيعياً وتنتهي‌ الي‌ حب‌ الله‌ تعالي‌ والذوبان‌ فيه‌، وإذا كانت‌ هذه‌ العقيدة‌ والعاطفة‌ روحاً لكل‌ التزام‌ يقوم‌ به‌ بأحكام‌ الشريعة‌ فلا يبصر الا من‌ خلال‌ القرآن‌، ولا يسمع‌ الا من‌ خلال‌ القرآن‌، ولا يستهدف‌ الا أهداف‌ القرآن‌، ولا يستهدي‌ الا هدي‌ القرآن‌ والرسول‌ العظيم‌9 ، ولا يتخلق‌ إلا بأخلاقهما فذلك‌ هو الفرد الوسط‌ الشاهد.

           وإذا سرت‌ روح‌ الايمان‌ في‌ المجتمع‌، واتجهت‌ العواطف‌ وجهة‌ منسجمة‌ فيه‌ مع‌ الايمان‌، وشكّلا معاً أرضية‌ مناسبة‌ لتطبيق‌ الطروحات‌ الاسلامية‌ في‌ كل‌ مجالات‌ الحياة‌: الحقوقية‌، والاجتماعية‌، والعبادية‌، والسياسية‌، والاقتصادية‌، والاخلاقية‌، والتربوية‌، والجزائية‌، والادارية‌، وغيرها. وكان‌ معيار السير الحياتي‌ هو رضا اللّ'ه‌ تعالي‌ لا غير، وهو الكفاح‌ المرير ضد الطغيان‌ ومظاهر الطاغوت‌، سواء علي‌ الصعيد الداخلي‌ في‌ قلب‌ الامة‌، أو علي‌ الصعيدالخارجي‌ في‌ مجال‌ العلاقات‌ الدولية‌، وانتفت‌ كل‌ المعايير اللاإسلامية‌ من‌ حياة‌ المجتمع‌ من‌ قبيل‌ الامتيازات‌ المادية‌، والعنصرية‌، والجغرافية‌، والقومية‌، والطبقية‌، وأمثالها، فان‌ ذلك‌ المجتمع‌ هو المجتمع‌ الرسالي‌ الوسط‌ والشاهد.

           وأمام‌ هذه‌ الصورة‌ الوسط‌ المتوازنة‌ حالتان‌ منحرفتان‌:

           الحالة‌ الاولي‌ : العلمنة‌ - إذا صحّت‌ صياغة‌ هذا المصدر - وأقل‌ ما يقال‌ في‌ هذه‌ الحالة‌ هو أن‌ يعود المجتمع‌ غير مكترث‌ بالقوانين‌ الاسلامية‌، وغير آبه‌ بتطبيقها التطبيق‌ السليم‌، وأن‌ يعمل‌ النظام‌ الحاكم‌ فيه‌ علي‌ استيراد القوانين‌ من‌ الشرق‌ أو الغرب‌، وترويج‌ أنماط‌ من‌ الحرية‌ الكاذبة‌ التي‌ لا يرضاها الاسلام‌، وترتفع‌ هذه‌ الدرجة‌ حتي‌ تصل‌ الي‌ مستوي‌ الصراع‌ ضد الاسلام‌ ومظاهره‌ العبادية‌، والسياسية‌، والاقتصادية‌، وغيرها. وهنا تكمن‌ الطامة‌ الكبري‌ ويكون‌ الكفر بعينه‌، علي‌ رغم‌ بقاء المظهر الاسلامي‌ الاسمي‌.

 والحالة‌ الثانية‌ : أن‌ يتخذ المجتمع‌ سبيل‌ ترجيح‌ أحد طرفي‌ أنماط‌ التوازن‌ التي‌ أشرنا إليها - أو التي‌ لم‌ نوفق‌ للاشارة‌ إليها - ليتم‌ نوع‌ من‌ الاءفراط‌ في‌ ذلك‌.

           ولنضرب‌ مثلاً علي‌ ذلك‌.

           باتخاذ المرء موقف‌ الثقة‌ بالنفس‌ الي‌ الحد الذي‌ ينسيه‌ التوكل‌ علي‌ الله‌ ويوقعه‌ في‌ الغرور القاتل‌، أو موقف‌ الرجاء الكبير بالله‌ مع‌ نسيان‌ الخوف‌ من‌ عقابه‌، أو موقف‌ الرهبنة‌ والتركيز علي‌ الا´خرة‌، وإهمال‌ الدنيا، مما يقعده‌ عن‌ اتخاذ دوره‌ الحضاري‌ المطلوب‌، أو موقف‌ البرهنة‌ وطلب‌ الدليل‌ في‌ كل‌ شي‌ء، وإلا ترك‌ الايمان‌ به‌ - وهو موقف‌ خطير يفقد الانسان‌ المسلم‌ أولي‌ خواصه‌، وهي‌ خاصية‌ التسليم‌ المطلق‌ للّ'ه‌ جل‌ وعلا - وأمثال‌ ذلك‌.

           لا أريد هنا أن‌ أسوغ‌ السلوكات‌ المنحرفة‌ والتصورات‌ التافهة‌، وإنما أريد أن‌ نمنح‌ كل‌ شي‌ء حقه‌ بقدر، وأن‌ نفسح‌ المجال‌ لاختلاف‌ الرأي‌، وأن‌ نظلّ نعتقد أن‌ الخلاف‌ الذي‌ نهينا عنه‌ ليس‌ الخلاف‌ الفكري‌ مطلقاً، كيف‌ والقرآن‌ كتاب‌ الفطرة‌، وكتاب‌ الدليل‌، والنظر، وهو منسجم‌ مع‌ كل‌ الحالات‌ الطبيعة‌، ومنها الاختلاف‌ الفكري‌، وإذا كان‌ قد نهانا عن‌ الخلاف‌ فهو يشير الي‌ التنازع‌ العملي‌ المقيت‌ بلا ريب‌، ويدعونا للاعتصام‌ بحبل‌ الله‌ جل‌ وعلا.

           أعود فأقول‌: إن‌ الحالتين‌ معاً منحرفتان‌ عن‌ الخط‌ الاسلامي‌ الوسط‌ . وإذا أردنا أن‌ ندين‌، كان‌ علينا أن‌ ندينهما معاً، ندين‌ حالة‌ العلمنة‌ وكل‌ أولئك‌ الذين‌ يقفون‌ وراءها محتجين‌ بحجج‌ واهية‌ من‌ قبيل‌: ملاحظة‌ مقتضيات‌ التطور والتعقيد الاجتماعي‌. ولزوم‌ استخدام‌ الوسائل‌ والنظريات‌ العلمية‌. وجمود المفاهيم‌ والتعاليم‌ الدينية‌!! ووجود الاقليات‌ في‌ المجتمع‌. وتركيز الدين‌ علي‌ خصوص‌ الشوون‌ الفردية‌. وانعدام‌ النظام‌ السياسي‌ في‌ التشريع‌ الاسلامي‌. وضرورة‌ الانسجام‌ مع‌ النظام‌ الدولي‌ العام‌. والانفتاح‌ علي‌ الفكر الحديث‌ في‌ مجال‌ الدولة‌ الحديثة‌. وأمثال‌ هذه‌ الاقاويل‌ التي‌ ناقشها المفكرون‌ الاسلاميون‌ وأثبتوا بطلانها وفساد اللجوء إليها. ثم‌ ندين‌ حالة‌ الافراط‌، وعدم‌ التوازن‌، وتجاوز الحد، والتطرف‌، من‌ جهة‌ أخري‌، آخذين‌ علي‌ دعاته‌ أنهم‌ لا ينسجمون‌ مع‌ الروح‌ الاسلامية‌ الوسط‌، وملاحظين‌ أن‌ ادعاءاتهم‌ من‌ قبيل‌: أن‌ مجال‌ العمل‌ الطبيعي‌ لتطبيق‌ الاسلام‌ معدوم‌ - نظراً للوضع‌ القائم‌. وأن‌ الاخذ بالشدة‌ ضروري‌ ليتم‌ لنا الحد الوسط‌. وأن‌ الحدة‌ والرسالية‌ تقتضيان‌ هذه‌ المواقف‌ المتشددة‌. وأن‌ العدو جارح‌ فيجب‌ الرد بالمثل‌ عليه‌. وأن‌ القرآن‌ ينهي‌ عن‌ المساومة‌، فلكم‌ دينكم‌ ولي‌ دين‌. كل‌ هذه‌ الادعاءات‌ ربما كانت‌ صحيحة‌ في‌ مواردها، إلا أنها لا ترسم‌ لنا خطاً عاماً يدعونا لعدم‌ التزام‌ التوازن‌ الاسلامي‌ المطلوب‌، ونسيان‌ الخلق‌ الاسلامي‌ الحميد، في‌ الوقت‌ الذي‌ نقسو فيه‌ علي‌ أعداء اللّ'ه‌، ونتبرأ منهم‌، ونقارع‌ سلطانهم‌ الكافر، ونعمل‌ علي‌ اجتثاث‌ بنيانهم‌ من‌ الاساس‌.

 الروابط‌بين‌ وضع‌ الانسان‌ والنعم‌ الالهية‌ والحضارة‌ عموماً

           لو تتبعنا الا´يات‌ القرآنية‌ التي‌ تتحدث‌ عن‌ الجانب‌ الحضاري‌، ومنه‌ المادي‌ للشعوب‌، نجدها تركّز علي‌ كيفية‌ تعامل‌ الانسان‌ مع‌ الدين‌ ومع‌ الله‌، أي‌ مع‌ وظيفته‌ تجاهه‌ تعالي‌، فتجعل‌ نوعية‌ التعامل‌ سبباً للرقي‌ والنصر إن‌ كانت‌ ايجابية‌، وللانهيار والضياع‌ إن‌ كانت‌ سلبية‌، وهذا ما توكده‌ الا´يات‌ القرآنية‌، منها:

           ( ولو أن‌ أهل‌ القري‌ آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم‌ بركات‌ من‌ السماء والارض‌ )  .

           ( وما كنا مهلكي‌ القري‌ إلا وأهلها ظالمون‌ )  .

           فاذا كان‌ الانسان‌ هو المغيّر أولاً.. واذا كان‌ الذي‌ يقبل‌ التغيير، هو الشكل‌ العام‌، لا القوانين‌ الواقعية‌ - ومنها الفطرة‌ بمقتضياتها - ثانياً... فان‌ من‌ الطبيعي‌ أن‌ نتوقع‌ للاءسلام‌ الخلود لانّه‌ يعمل‌ علي‌ تربية‌ الانسان‌ - إرادة‌ وتعقلاً - في‌ مختلف‌ الحالات‌. ويعمل‌ علي‌ أن‌ يضع‌ له‌ القواعد العامة‌ والمفاهيم‌ المستمدة‌ من‌ تصورات‌ واقعية‌، كل‌ ذلك‌ في‌ سبيل‌ أن‌ يقوم‌ (الانسان‌ الاعلي‌ فكراً من‌ غيره‌ والمنزه‌ من‌ الانحرافات‌، ونعني‌ به‌ الامام‌ وفي‌ طوله‌ الحاكم‌ الشرعي‌ المجتهد العادل‌) بتطبيق‌ تلك‌ القواعد علي‌ الجانب‌ المتغير، أو قل‌: ملاحظة‌ مدي‌ إمكانية‌ الصورة‌ من‌ الحياة‌ الملائمة‌ مع‌ الواقع‌ الثابت‌، ومدي‌ مساهمتها في‌ تحقيق‌ الاهداف‌ الانسانية‌ العالية‌، فيقبلها أو يرفضها علي‌ ضوء ذلك‌.

           يخاطب‌ نوح‌ 7  قومه‌ فيقول‌:  ( فقلت‌ استغفروا ربكم‌ إنه‌ كان‌ غفاراً، يرسل‌ السماء عليكم‌ مدراراً، ويمددكم‌ بأموال‌ وبنين‌ ويجعل‌ لكم‌ جنات‌ ويجعل‌ لكم‌ أنهاراً