فيما تشتد دوامه الصراع

المثقف امام فوضي المشهد الاجتماعي

طالب الاحمد

 

     كثيراً ما تفرز التغيرات السياسيه تغيرات اجتماعيه متساوقه لها او لاحقه لها، بالنظر لتداخل و تساند العوامل المؤثره في خلق الظاهره السياسيه و الظاهره الاجتماعيه. و في بلدان العالم الثالث و منها بلدان العالم الاسلامي يلعب العامل السياسي دورا كبيرا في التأثير علي مسارات التغير الاجتماعي و مضامينه و التحكم في آليات الحراك الاجتماعي و استبدال منظومته المعياريه و القيميه بمنظومه خاضعه لتوجهات خطاب السلطه السياسي المؤدلج عاده. و تتبدي هذه الظاهره بوضوح في النظم المشموليه «التوتاليتاريه» الطامحه لاعاده تشكيل البني الاجتماعيه التقليديه و اخضاعها بالكامل لادواتها السلطويه.

     من جانب آخر، تمارس تغيرات السياسه العالميه هي الاخري دورا مؤثراً علي تحولات المشهد الاجتماعي في تلك المجتمعات بالنظر لتبعيه معظم النظم السياسيه (العالم ثالثيه) للغرب في اكثر من مجال.

     و من هذا المنطلق نقول: ان التغيرات السياسيه التي اجتاحت مختلف بقاع العالم في حقبه ما بعد الحرب البارده و تشكل بنيه النظام الامبريالي الجديد الساعي الي بلقنه العالم الثالث، و ما صاحب هذا التشكل من طغيان اعلامي للامبرياليه الثقافيه التي تمارسها وسائل الاتصال الجماهيري الهائله الخاضعه لها، فرصت علي مجتمعات العالم الاسالمي بصوره عامه تحديات جديده باتت تهدد بشكل مباشر عناصر البنيه الاساسيه للبناء الاجتماعي العام. فاذا كانت التحولات السياسيه، السابقه تاريخيا للتغيرات الجديده، قد جعلت مجتمعات العالم الاسلامي تمر في مرحله انتقاليه ضبابيه تتصارع فيها انماط ثقافيه متباينه في توجهاتها و قيمها و معاييرها، فان المرحله الحاليه المتسمه بالعنف و الفوضي باتت تهدد في تقديرنا الاجيال الجديده في تلك المجتمعات بالضياع في دوامه الازمات الاجتماعيه الناجمه عن تفتت البني و المؤسسات التقليديه، و هشاشه بدائلها التحديثيه سواء في ذلك مؤسسات الدوله او المجتمع المدني الامر الذي يعني انها ستدخل مرحله المجتمع الجماهيري الفوضوي المنفلت من قوانين الضغط الرسمي و وسائل الضبط الاجتماعي المقترنه بالمنظومه القيميه للمجتمع. و هذا ما نلاحظه في الوقت الراهن في اكثر من مجتمع اسلامي خاضع لهيمنه نخب سياسيه متسلطه تخوض ضده حرب الهويه بكل ابعادها.

     و حتي المجتمعات الاسلاميه التي لم تشهد بعد عنفا اجتماعيا سياسيا ظاهرا، نراها تواجه في عمق الساحه الاجتماعيه عنفا خفيا بات يهدد هويتها الحضاريه و تراثها الثقافي المكتسب عبر أجيال عده.

     و في ظل الاوضاع الجديده تتباعد باضطراد الفواصل ما بين الدوله و المجتمع، و من ثم تختزل الدوله في تنظيمات ميلشياويه ذات مضمون عشائري مهمتها تعويم الارهاب الرسمي في الوسط الاجتماعي.

     اما المجتمع المقموع فانه يتفتت بدوره الي أثنيات و طوائف و قبائل تقدم بدائل الانتماء القشري للرموز الاجتماعيه، الامر الذي سيهيء الارضيه الخصبه للغزو الثقافي الامبريالي، و الاستتباع الحضاري المتساوق معه من خلال التشتت الهائل في الولاءات التقليديه النافره عن بُني الحداثه الاجتماعيه و الثقافيه المُسقطه.

 

قوي الوسط الحضري و انثيالات خطاب الحداثه:

     و اذا ما نظرنا الي القوي الاجتماعيه في الوسط الحضري في معظم مجتمعات العالم الاسلامي التي يعول عليها غالبا في قياده التغيير الاجتماعي و السياسي، سنجد انها باتت في المرحله الراهنه اقرب ما تكون الي «الحشد» في طريقه تعاملها مع انثيالات خطاب الحداثه الاعلامي. و يمكن ملاحظه ذلك مثلا من خلال استقراء ردود الفعل لتلك القوي الاجتماعيه تجاه مفردات الخطاب الاستهلاكي الحداثوي، و تلذذها الماسوشي لما تفرضه تقنيات وسائل الاتصال الحديثه من اختراق ثقافي في غايته النهائيه نشر التغريب و التضليل الثقافي في اوسع مديات الاُفق الاجتماعي.

     و تعبر هستيريا الاقبال علي الهوائيات الفضائيه في العديد من المجتمعات الاسلاميه مجتمعات الخليج و الشمال الافريقي بشكل خاص بوضوح عن فوضويه تحولات المشهد الاجتماعي في الوسط الحضري و انفلاته من مرجعيته القيميه التقليديه ليهيم في مدارات الثقافه الاستهلاكيه الوافده، فالعائله الممتده تنهار لتحل محلها العائله النوويه، و المرأه المحجبه تحارب سلطويا «لتحل محلها المرأه الجديده بكل مطالبها من عالم الأزياء و التجميل، و نظام التعليم القديم قضي عليه تدريجيا من الكتاب الي مدارس حفظ القرآن، لتحل محلها المدرسه الجديده. حتي المسجد اعتبر جزءا من المجتمع القديم و انشئت بجانبه دور السينما و البارات و المقاهي كأمكنه حديثه للاجتماع»(1).

     و للتدليل علي عمق الازمه الناجمه عن التحولات الفوضويه للمشهد الاجتماعي نشير علي سبيل المثال الي حادثه الاغتصاب التي تعرضت لها فتاه مصريه في منطقه «باب العتبه» في القاهره عام 1992 جيث هاجمها ثلاثه شبان في وضح النهار و اغتصبوها بكل ساديه أمام الألوف من الأعين و الأصوات في الميدان المزدحم!!(2). و تجدر الاشاره هنا ايضا الي ان احد المراقبين «رصد ظاهره لم يكن لها مثيل علي مر الاجيال السابقه في مجتمعاتنا، ففي قريه عربيه حيث تعود الفلاح فيها علي النوم بعد صلاه العشاء و القيام قبل صلاه الفجر، اصبح هناك العشرات من فلاحي القريه اصبح هناك العشرات من فلاحي القريه اصبح هناك العشرات من فلاحي القريه يواصلون سهرهم حتي منتصف الليل في بعض المقاهي التي تتكفل عرض افلام الفيديو، - الممنوعه قانونا لهم في آخر المساء(3). هذان المثالان يشيران بلاشك الي عمق الازمه المجتمعيه الجديده و قابليتها للانشطارات المتتاليه مادامت قوي التسلط الخارجي و الداخلي تتظافر معا لتفعيل الآليات المتحكمه فيها و تزوير الوعي الاجتماعي و تسطيحه بشأن ابعادها الخطيره الآن و في المستقبل.

 

مثقفو السلطه و تزوير الوعي الاجتماعي:

     و هذا ما نلمسه في احتدام النقاش و الجدل في منابر الثقافه و الاعلام السلطويه بشأن الحركات السياسيه و الاجتماعيه الاسلاميه الداعيه للعوده الي الاصول الثقافيه للامه الاسلاميه كسبيل لتجاوز احباطات خطاب الحداثه التلفيقي. حيث يري مثقفو السلطه علي اختلاف مشاربهم و توجهاتهم الايديولوجيه. ان هذا الدعوه بمثابه «ظلاميه جديده» تعيد عقارب ساعه التاريخ الي بدايات ظهور ارهاصات المشروع النهضوي عند جيل الصدمه الاولي!!.

     و تتغافل المؤسسات و القوي التي تدير النقاش و الازمه الاجتماعيه في آن واحد عن حقيقه مهمه هي ان التغيرات السياسيه و الاجتماعيه التي حلت بالمنطقه الاسلاميه طوال المرحله المساه بـ«مرحله الاستقلال الوطني» لم توصل المشروع التحديثي التغريبي الي احباطات مفجعه و حسب، بل خلقت مناخات جديده للتبعيه و للتكليف الاجتماعي مع ثقافه «الآخر» بأساليب فجه جعلت من مفردات المشروع التحديثي و خطابه الثقافي جزءاً اساسياً من بنيه التخلف في مجتمعات العالم الاسلامي، و هذا يعني ان القوي العلمانيه الموجهه للمشروع لم تتوجه الي القوي التي تخلق التبعيه و التخلف في مجتمعاتنا علي الرغم اعلام الرفض الهذياني للآخر الذي ادمنته طوال عقود عده.

 

اخفاقات الرؤيه الحداثويه للأزمه المجتمعيه:

     ان ظاهره اعاده الخطاب النهضوي بذات النزعه التوفيقيه الساعيه لانتقاء ما يبهرها من عناصر في ثقافه «الآخر» و دبلجتها في سياقات ثقافه المجتمع المحلي، لن تقدم للازمه المجتمعيه الراهنه حلا جذريا قادرا علي تحشيد قوي التغيير في مشروع نهضوي ذي ابعاد حضاريه، ذلك ان انتقال العناصر الثقافيه من مجتمع الي آخر لا تتعلق فقط بدرجه مرونه البناء الاجتماعي كما يتوهم دعاه الحداثه الجدد و انما تتعلق قبل كل شيء بقدره العناصر الوافده علي داء ذات الدور الوظيفي الذي كانت تؤديه في منظومتها الثقافيه الاصيله. و تبدو اخفاقات الرؤيه الحداثويه لتجاوز الازمه المجتمعيه بشكل واضح في تصور امكانيه استنساخ تجربه المجتمع المدني التعددي في الغرب، او في تصور «الديمقراطيه» كنظام سياسي قادر علي معالجه الاشكالات الناجمه عن التنوع الاثني و الطائفي في مجتمعات العالم الاسلامي و المبالغه في اطلاق الاماني التي ستكفل ديموقراطيه الغرب تحقيقها بذات الطريقه التي صورت فيها امكانيات «الاشتراكيه» في مرحله الحرب البارده.

 

دور المثقف الاسلامي في مواجهه تحولات المشهد الاجتماعي:

     و امام توالي الاخفاقات تلك و تفاقم الظواهر السلبيه للازمه المجتمعيه ثمه سؤال يطرح نفسه هنا، هو كيف يواجه المثقف الاسلامي تحولات المشهد الاجتماعي المتسارعه؟ و ما هو دوره في معالجه الازمات الناجمه عنها؟

     لقد انبري العديد من المفكرين و الباحثين الاسلاميين للاجابه عن هذا التساؤل بصيغ تلتقي في المضمون و الهدف و تختلف نوعا ما في تحديد الآليات و الاساليب التي تعين المثقف الاسلامي علي مواجهه تغيرات العصر الكبري و انعكاساتها علي الواقع الاجتماعي الذي يتعامل معه و يسعي للنهوض به. و أري ان اختلاف الآراء النسبي حول اساليب المواجهه يعود الي تباين اشكال المعوقات التي تقف في وجه الدور الرسالي للمثقف الاسلامي من مجتمع اسلامي الي آخر، و ايضا الي طبيعه النظم السياسيه الحاكمه في العالم الاسلامي، و هامش العمل الاعلامي و الثقافي المتاح للمثقف الاسلامي.

     و نستطيع ان نحدد بايجاز ثلاثه اساليب لاغني للمثقف الاسلامي عنها في ادائه لدوره الريادي في مواجهه التحولات الجديده للمشهد الاجتماعي:

     الاسلوب الاول: خلق الوعي الاجتماعي الاسلامي بخطوره التماهي مع تداعيات الاثهيار في منظومه المجتمع القيميه، و تشخيص نقاط التقاطع بين ضوايط الشريعه الاسلاميه و مفاهيمها، و انماط السلوك الفردي و الاجتماعي الهجينه و المتغربه.

     الاسلوب الثاني: مواجهه التضليل الاعلامي و الثقافي الذي تقوده قوي التسلط و التغريب من خلال برامج ثقافيه مضاده تتوجه الي جمهور المتلقين بلغه واضحه كفيله بتقويه الولاءات التقليديه للمرجعيه الثقافيه الاسلاميه و اعتبارها المعيار الاساس للحكم القيمي علي التغيرات الاجتماعيه الجديده.

     الاسلوب الثالث: ايجاد الفاعليه الاجتماعيه للافكار، و امتلاك «الحدس الاجتماعي» في العمل الرسالي الاجتماعي من خلال التفاعل مع قضايا المجتمع الاسلامي و الاطلاع باستمرار علي ظروف العالم و ملابساته و التجارب التي قام بها الآخرون(4).

     و باختصار نقول في خاتمه مقالنا: ان المثقف الاسلامي بحاجه دائمه الي احياء قيم العمل الجماعي وفقا لخطه استراتيجيه تحدد بدقه الاهداف و آليات تحقيقها في ظل واقع تحاصره قوي التخلف و التضليل و التسلط الارهابي.

 

الهوامش

     (1) بشير موسي. «مجتمع الحداثه و الظاهره النفطيه». مجله العالم، العدد 57 ، في 16-3-1985.

     (2) تنظر مقاله يحيي جابر «ابواب في الممنوع و المرغوب» المنشوره في مجله الناقد، العدد 53، السنه الخامسه، تشرين الثاني 1992.

     (3) مجله العالم. مصدر سبق ذكره.

     (4) للاستزاده ينظر «المحنه» للمفكر الشهيد محمد باقر الصدر «رض».

 

الوحده العدد 168