التنمية‌ الاقتصادية‌ في‌ العالم‌ الاسلامي‌

 رؤية‌ لمفهومها وعناصرها ومقوماتها

 د. محمد علي‌ الحسيني‌

 يقسم‌ العالم‌ اقتصادياً ـ كما هو معروف‌ ـ الي‌ مجاميع‌ دولية‌ بعدة‌ اساليب‌ أو طرق‌، أشهرها تلك‌ التي‌ تقسّم‌ العالم‌ الي‌ ثلاث‌ مجموعات‌ دولية‌: الدول‌ الصناعية‌ المتقدمة‌، الدول‌ في‌ مرحلة‌ التحول‌ الاقتصادي‌ (دول‌ التخطيط‌ المركزي‌ سابقاً)، والدول‌ النامية‌. وهناك‌ نموذج‌ آخر يري‌ ان‌ العالم‌ ينقسم‌ الي‌ قسمين‌: الشمال‌ الغني‌، والجنوب‌ الفقير. وهناك‌ أساليب‌ اخري‌ للتقسيم‌، لكن‌ جميع‌ الاساليب‌ لا تضع‌ الدول‌ الاسلامية‌ في‌ قائمة‌ الدول‌ المتقدمة‌، بل‌ تصنفها ضمن‌ لائحة‌ البلدان‌ النامية‌.

 تجدر الاشارة‌ هنا الي‌ ان‌ اصطلاح‌ الدول‌ النامية‌ بدأ تداوله‌، للمرة‌ الاولي‌، في‌ بداية‌ ستينات‌ القرن‌ الماضي‌، لتمييز (دول‌ العالم‌ الثالث‌) عن‌ دول‌ الكتلتين‌ الاُخريين‌، ولقي‌ قبولاً من‌ قبل‌ شعوب‌ هذه‌ البلدان‌، ذلك‌ لانه‌ لا ينطوي‌ علي‌ معني‌ يمس‌ كبرياءها القومي‌، خصوصاً اذا ما قورن‌ بالالفاظ‌ التي‌ استخدمت‌ قبله‌، كالدول‌ المتخلفة‌، غير المتحضرة‌، الملونة‌، السوداء، وغيرها من‌ التعابير النابية‌.

 ويعتبر اصطلاح‌ الدول‌ النامية‌ أكثر الالفاظ‌ شيوعاً في‌ المؤلفات‌ العلمية‌ والكتابات‌ المتخصصة‌ وغير المتخصصة‌، رغم‌ بعده‌ عن‌ الدقة‌. فالنمو (لغوياً) يعني‌ اتجاه‌ الشي‌ء نحو الزيادة‌، كنمو الاشجار والزروع‌، ونمو الاطفال‌، وكذلك‌ الاقتصاديات‌، فكل‌ الاقتصاديات‌ متحركة‌ (ديناميكية‌) وما يفرق‌ بينها في‌ درجة‌ التقدم‌ والتخلف‌ هو معدل‌ الحركة‌ ومقدار سرعته‌ واتجاهه‌ نحو النمو. لهذا من‌ الخطأ القول‌ بأن‌ هناك‌ دولاً نامية‌ واخري‌ لا تتمتع‌ بخاصية‌ النمو او الحركة‌، ربما تكون‌ الترجمة‌ الاصح‌ لكلمة‌ ( Developing Countries ) هي‌ (البلدان‌ الا´خذة‌ بالنمو)  .

 ان‌ مجـموعة‌ الدول‌ النامية‌ تعد الاكبر بين‌ المجـاميع‌ الثـلاث‌، فمن‌ ناحـية‌ المساحة‌ يشكل‌ مجـموع‌ مساحات‌ هـذه‌ البلدان‌ أكثر من‌ نـصف‌ اليابسة‌، اما من‌ ناحية‌ التعـداد السكاني‌ فيتـجاوز حالـياً ثـلاثة‌ أربـاع‌ المعـمورة‌. تجدر الاشارة‌ هـنا الي‌ التـباين‌ الكبـير في‌ المسـتويات‌ الانـمائية‌ لهذه‌ البـلاد، الذي‌ اتـسع‌ بشكل‌ مـلحوظ‌ في‌ القرن‌ الماضي‌  ، الامر الـذي‌ أدّي‌ الي‌ تقسيم‌ دول‌ العالم‌ النامي‌ الي‌ مجموعات‌ أصغر وفقاً لمواقعها الجغرافية‌، أوثرواتها الطبيعية‌، او مستوياتها الانمائية‌، مثل‌ الدول‌ النفطية‌، الدول‌ الصناعية‌ حديثاً، الدول‌ الصحراوية‌ ( Land -Locked )، الدول‌ الواقعة‌ في‌ الجزر ( Island) )، الـدول‌ التي‌ تتأثر اكثر من‌ غيرها بالازمات‌ ( Most Seriously Affected ) والدول‌ الاقل‌ نمواً ( Least Developed Countries ).

 في‌ هذا السياق‌ لابد من‌ ذكر حقيقة‌ مرة‌: هي‌ أنّه‌ لا توجد منظمة‌ اقتصادية‌ تضم‌ جميع‌ الدول‌ الاسلامية‌، كمنظمة‌ التعاون‌ الاقتصادي‌ والتنمية‌ ( OECD ) رغم‌ اننا نمتلك‌ أهم‌ أسس‌ وقواعد وركائز هكذا منظمة‌ تدافع‌ عن‌ مصالح‌ المسلمين‌ الاقتصادية‌، قال‌ تعالي‌:  ( والمؤمنون‌ والمؤمنات‌ بعضهم‌ أولياء بعض‌ )  ، وقال‌ تعالي‌:  (انّما المؤمنون‌ اخوة‌ )  . لقد ألّف‌ الله‌ بيننا وفرقتنا الاهواء والدسائس‌.

 خصائص‌ الدول‌ الاسلامية‌

 علي‌ الرغم‌ من‌ ان‌ البلاد الاسلامية‌ متباينة‌ الظروف‌ والامكانيات‌ والاستعداد النفسي‌ والمادي‌ للتقدم‌، فان‌ هناك‌ قدراً من‌ التماثل‌ لا يمكن‌ انكاره‌ يجمع‌ بين‌ هذه‌ البلاد في‌ مجموعة‌ واحدة‌. ان‌ اهم‌ ما يميز الدول‌ الاسلامية‌ عن‌ الدول‌ الصناعية‌ المتقدمة‌، هو تأخر الفن‌ الانتاجي‌، الاعتماد الشديد علي‌ التبادل‌ التجاري‌ مع‌ الدول‌ المتقدمة‌  ، ارتفاع‌ نسبة‌ العمالة‌ في‌ قطاع‌ الزراعة‌، فعلي‌ سبيل‌ المثال‌ في‌ عام‌ 1998 بلغت‌ نسبة‌ المزارعين‌ في‌ بنغلادش‌ 60 بالمئة‌ من‌ اجمالي‌ القوي‌ العاملة‌ في‌ البلد، في‌ الجزائر 21 بالمئة‌، في‌ حين‌ لم‌ تتجاوز نسبة‌ فلاحي‌ المانيا في‌ العام‌ المذكور 1 بالمئة‌، فرنسا 3 بالمئة‌، ايطاليا 5 بالمئة‌. ورغم‌ اهمية‌ قطاع‌ الزراعة‌ في‌ انشاء الدخل‌ القومي‌ في‌ البلاد الاسلامية‌، الا ان‌ هذه‌ البلاد تستورد المواد الغذائية‌ (او تعاني‌ من‌ المجاعة‌)، فعلي‌ سبيل‌ المثال‌ في‌ عام‌ 1997 وصلت‌ نسبة‌ مساهمة‌ قطاع‌ الزراعة‌ في‌ انشاء الناتج‌ المحلي‌ الاجمالي‌ 6 بالمئة‌، مصر 18 بالمئة‌، الجزائر 11 بالمئة‌  . وتتصدر معظم‌ الدول‌ الصناعية‌ المتقدمة‌ قائمة‌ البلدان‌ المصدرة‌ للمواد الغذائية‌، مثل‌: ايطاليا، الولايات‌ المتحدة‌ الامريكية‌، هولندا.

 في‌ الفترة‌ 1996 ـ 1998 انتج‌ كل‌ فلاح‌ ألماني‌ ما قيمته‌ 22759 دولاراً، في‌ حين‌ انتج‌ الفلاح‌ الجزائري‌ 1943، المصري‌ 1189، البنغالي‌ 276 دولاراً، (كافة‌ الارقام‌ بدولارات‌
 عام‌ 1995).

 يذكر ان‌ متوسط‌ عدد الجرارات‌ الزراعية‌ التي‌ استخدمت‌ في‌ الفترة‌ 1995 ـ 1997 من‌ قبل‌ كل‌ 1000 فلاح‌ ألماني‌ بلغ‌ 911 جراراً زراعياً، في‌ حين‌ استخدم‌ نظراؤهم‌ المصريون‌ 11 جراراً، الجزائريون‌ 41 جراراً، ولم‌ يستخدم‌ الفلاحون‌ البنغال‌ شيئاً من‌ هذا النوع‌ من‌ المكائن‌ الزراعية‌.

 يمكن‌ القول‌ اذن‌: ان‌ وسائل‌ الانتاج‌ في‌ البلدان‌ الاسلامية‌ مازالت‌ بدائية‌. وفي‌ هذا الاتجاه‌ بلغ‌ متوسط‌ عدد الحواسب‌ الشخصية‌ المستخدمة‌ من‌ قبل‌ كل‌ 1000 مواطن‌ ألماني‌ عام‌ 1997، 233 حاسوباً شخصياً، واستخدم‌ نظراؤهم‌ الجزائريون‌ في‌ العام‌ ذاته‌ 3، المـصريون‌ 6، الكويتـيون‌ 74 حاسوباً شخـصياً. لا غرابة‌ اذن‌ في‌ انخـفاض‌ انتاجية‌ المســلمين‌.

 ومن‌ السمات‌ المميزة‌ الاخري‌ للدول‌ الاسلامية‌ (كدول‌ نامية‌)، هو ارتفاع‌ معدلات‌ النمو الطبيعي‌، ففي‌ الفترة‌ بين‌ 1990 ـ 1998 وصل‌ معدل‌ النمو الطبيعي‌ في‌ افغانستان‌ الي‌ 5 بالمئة‌، في‌ الامارات‌ العربية‌ المتحدة‌ 4.9، في‌ الجزائر 2.4 بالمئة‌، وطبعاً لا ضير في‌ ارتفاع‌ عدد السكان‌ بحد ذاته‌ شرط‌ ان‌ تتسع‌ قدرات‌ المجتمع‌ (المادية‌ وغيرها) الي‌ استيعاب‌ الاجيال‌ الجديدة‌، وتوفير متطلبات‌ العيش‌ الكريم‌ لها، لاسيما ان‌ العديد من‌ الدول‌ الاسلامية‌ تـعاني‌ حالـياً من‌ المجـاعة‌، كما هو الحـال‌ في‌ العـراق‌، الصومال‌، اثـيوبيا وغـيرها من‌ الدول‌ الفقيرة‌.

 يعتبر الفقر احد السمات‌ المميزة‌ للدول‌ الاسلامية‌، تشير الارقام‌ الواردة‌ في‌ الجدول‌ المذكور في‌ الصفحة‌ التالية‌ الي‌ التباين‌ الكبير في‌ مستويات‌ الرفاه‌ الاجتماعي‌ (الدخل‌ القومي‌) بين‌ الدول‌ الاسلامية‌، ففي‌ عام‌ 1998 وصل‌ نصيب‌ الفرد من‌ اجمالي‌ الناتج‌ المحلي‌ في‌ البحرين‌ 8998 دولاراً، في‌ حين‌ لم‌ يصل‌ المؤشر المذكور في‌ بنغلادش‌ مستوي‌ 350 دولاراً.

 ان‌ من‌ خصائص‌ الدول‌ الاسلامية‌ الاخري‌، هي‌ الاعتماد علي‌ انتاج‌ وتصدير محصول‌ واحد (غالباً ما تكون‌ المواد الاولية‌ والخامات‌)، وتعتمد اقتصاديات‌ الدول‌ الاعضاء في‌ منظمة‌ الاقطار المصدرة‌ للنفط‌ (أوبك‌) اعتماداً شديداً علي‌ النفط‌، حيث‌ تلعب‌ صادرات‌ النفط‌ دوراً مهيمناً وتمثل‌، في‌ معظم‌ الحالات‌، أكثر من‌ 80 بالمئة‌ من‌ اجمالي‌ الصادرات‌  .

 وترتفع‌ النسبة‌ في‌ بعض‌ الاقطار الاعضاء في‌ المنظمة‌ لتصل‌ الي‌ اكثر من‌ 95 بالمئة‌ من‌ اجمالي‌ الصادرات‌، كما هو الحال‌ في‌ العراق‌، ليبيا وغيرهما من‌ كبار منتجي‌ ومصدري‌ النفط‌. وتتميز الدول‌ التي‌ تمتلك‌ احتياطات‌ نفط‌ كبيرة‌ بثرائها بالقياس‌ الي‌ الدول‌ الاخري‌  .

 وتختلف‌ الدول‌ الاسلامية‌ عن‌ دول‌ العالم‌ المتقدم‌، بتفشي‌ الامية‌، الجهل‌، التخلف‌، التبعية‌ الاقتصادية‌... وطبعاً ليس‌ هذا هو كل‌ ما يميز الدول‌ الاسلامية‌، اضف‌ الي‌ ذلك‌ ان‌ الخصائص‌ الواردة‌ اعلاه‌ لا يجب‌ ان‌ تنطبق‌ علي‌ كافة‌ الدول‌ الاسلامية‌ بنفس‌ النسب‌، لكنها تكفي‌ لتصنيف‌ الدول‌ الاسلامية‌ ضمن‌ قائمة‌ غير تلك‌ التي‌ تضم‌ دول‌ العالم‌ المتقدم‌.

 غير أن‌ الدول‌ الاسلامية‌ تشترك‌ بسمتين‌ اثنتين‌ هما: التخلف‌ والتبعية‌. لقد اضعفت‌ هاتان‌ السمتان‌ مكانة‌ الدول‌ الاسلامية‌ في‌ تقسيم‌ العمل‌ الدولي‌، وجعلتا قدرات‌ هذه‌ البلدان‌ التنافسية‌ مع‌ الدول‌ الرأسمالية‌ المتقدمة‌ محدودة‌، اذ ان‌ التفوق‌ الذي‌ تمتاز به‌ الدول‌ الرأسمالية‌ المتقدمة‌ لا ينحصر في‌ مجال‌ معين‌ فحسب‌ بل‌ يمتد ليشمل‌ الانتاج‌، التكنولوجيا، التبادل‌ التجاري‌، المعونات‌ المالية‌، وغير ذلك‌.

 

ان‌ سمات‌ الدول‌ الاسلامية‌ المتقاربة‌، ولو بشكل‌ عام‌، وموقع‌ هذه‌ البلدان‌ المتواضع‌ في‌ سوق‌ العمل‌ الدولي‌، افرز امكانية‌ تصنيفها ضمن‌ مجموعة‌ الدول‌ النامية‌ من‌ ناحية‌، وقاربت‌ مصالحها من‌ ناحية‌ ثانية‌، ولكن‌ رغم‌ كل‌ هذا لم‌ تنجح‌ الدول‌ الاسلامية‌ في‌ تفعيل‌ العمل‌ المشترك‌ فيما بينها، وتوحيد سياساتها (علي‌ الاقل‌ الاقتصادية‌)، لمواجهة‌ سياسات‌ وشروط‌ الغرب‌ الظالم‌ عليها، ويظهر ذلك‌ واضحاً من‌ خلال‌ الحروب‌ والمنازعات‌ والتنافس‌ والتناحر بين‌ الدول‌ الاسلامية‌. ان‌ السياسات‌ التي‌ تنتهجها بعض‌ الدول‌ الاسلامية‌ ليست‌ وفقاً لمصالحها المشتركة‌، كما تفعل‌ الدول‌ الاوربية‌ مثلاً، ولا وفقاً لشرع‌ الله‌، قال‌ تعالي‌:  ( وتعاونوا علي‌ البر والتقوي‌ ولا تعاونوا علي‌ الاءثم‌ والعدوان‌ ) .

 

 

 

 فرغم‌ ثراء بعض‌ الدول‌ الاسلامية‌ إلاّ انها لم‌ تنجح‌ في‌ تحقيق‌ التنمية‌ الاقتصادية‌ المنشودة‌، أي‌ ان‌ الذي‌ تحقق‌ هو نمو اقتصادي‌ وليست‌ تنمية‌.

 مفهوم‌ النمو الاقتصادي‌ والتنمية‌

 في‌ البداية‌ لابد من‌ التأكيد علي‌ حقيقتين‌:

 أولاً : ليس‌ عيباً ان‌ نقارن‌ انفسنا بغير المسلمين‌، ولا ضير في‌ الاستفادة‌ من‌ تجارب‌ الشعوب‌ غير المسلمة‌، تلك‌ هي‌ فطرة‌ الله‌، قال‌ تعالي‌:  ( يا أيها الناس‌ انا خلقناكم‌ من‌ ذكر وانثي‌ وجعلناكم‌ شعوباً وقبائل‌ لتعارفوا )   اذن‌ يجب‌ ان‌ نستفيد من‌ النتائج‌ الايجابية‌ للشعوب‌ والحضارات‌ غير المسلمة‌ للتخلص‌ من‌ أية‌ سلطة‌ اقتصادية‌ مفروضة‌ من‌ الخارج‌ تريد استغلال‌ خيراتنا، ولكن‌ يجب‌ علينا ان‌ نتعامل‌ مع‌ تجارب‌ الا´خرين‌ ضمن‌ الحدود التي‌ ترضي‌ الله‌، والا فسنرتطم‌ بالحرام‌ والفشل‌ معاً، فبعض‌ تجارب‌ الغرب‌ قائمة‌ علي‌ الحلال‌، كسعيهم‌ لطلب‌ العلم‌ الذي‌ حقق‌ لهم‌ تقدماً هائلاً في‌ مختلف‌ المجالات‌، اما البعض‌ الا´خر فقائم‌ علي‌ الحرام‌ كالربا مثلاً وغيره‌ من‌ الفواحش‌ التي‌ جلبت‌ لهم‌ الويلات‌، من‌ امراض‌ نفسية‌ وعضوية‌، لا يمكن‌ حلها الا باتباع‌ شرع‌ الله‌.

 ثانياً : ان‌ التنمية‌ الاقتصادية‌ لا تعتبر هدفاً بل‌ وسيلة‌ لتحقيق‌ الهدف‌، ألا وهو التنمية‌ الاجتماعية‌، وهناك‌ علاقة‌ وتأثير متبادل‌ ومباشر بين‌ التنمية‌ الاجتماعية‌ والتنمية‌ الاقتصادية‌. ان‌ إشباع‌ اكبر قدر من‌ الحاجيات‌ والمتطلبات‌ والرغبات‌ (المشروعة‌) للفرد والمجـتمع‌، يـشكل‌ حافزاً مبـاشراً للتـنمية‌ الاقتـصادية‌، التي‌ تعـتبر القاعـدة‌ المـادية‌ للتنمية‌ الاجتماعية‌.

 يفرق‌ الاقتصاديون‌ بين‌ مفهومي‌ النمو الاقتصادي‌ والتنمية‌ الاقتصادية‌، ففي‌ القرن‌ الماضي‌ سجل‌ العديد من‌ الدول‌ الاسلامية‌ معدلات‌ نمو عالية‌، فعلي‌ سبيل‌ المثال‌ في‌ ستينيات‌ القرن‌ الماضي‌ (1960 ـ 1970) سجلت‌ ليبيا نمواً اقتصادياً مذهلاً وصل‌ الي‌ 8 , 24 بالمئة‌.   لكن‌ ليبيا لم‌ ترق‌ الي‌ مستوي‌ الدول‌ المتقدمة‌. فالنمو الاقتصادي‌ يعني‌ ارتفاع‌ النسبة‌ المئوية‌ للانتاج‌ العام‌ مقاساً بالاسعار الثابتة‌، أي‌ الارتفاع‌ الحقيقي‌ للدخل‌ القومي‌. اذن‌ يمكن‌ للبلد الذي‌ يعتمد اقتصاده‌ علي‌ انتاج‌ وتصدير النفط‌، الغاز، القهوة‌، او الحديد ان‌ يحقق‌ نمواً اقتصادياً عن‌ طريق‌ رفع‌ انتاج‌ هذه‌ المواد (طبعاً شرط‌ ان‌ لا تنخفض‌ اسعار المواد المعنية‌ في‌ الاسواق‌ العالمية‌). ان‌ النمو السريع‌ والقصير الاجل‌ لا يسفر عن‌ تنمية‌ اقتصادية‌ حقيقية‌، بمعني‌ حدوث‌ تغير في‌ هيكل‌ او بنيان‌ الاقتصاد يؤدي‌ الي‌ تحسن‌ في‌ حياة‌ المجتمع‌.

 ولوصف‌ المستوي‌ الانمائي‌ الذي‌ ارتقاه‌، اقتصاد ما، تستخدم‌ عادة‌، عبارات‌: خطة‌ ـ  (Process)  الدخل‌ القومي‌ الحقيقي‌ ـ Real National Income ) )، والاجل‌ الطويل‌ ـ
 (
Long Term )  . فالتنمية‌ الاقتصادية‌ لا ينبغي‌ ان‌ تفهم‌ علي‌ انها تغير كمالي‌، سطحي‌، مرحلي‌، عابر، يقتصر علي‌ عنصر معين‌ من‌ عناصر التنمية‌، انما هي‌ خطة‌ معقدة‌، وشاملة‌ ومتشابكة‌ تستهدف‌ تغيراً جوهرياً في‌ البنيان‌ الاقتصادي‌، يمتد ليمس‌ كافة‌ العلاقات‌ الاقتصادية‌، ويسفر عن‌ رفع‌ معدل‌ الانتاجية‌ ( Per Copita Productivity ) بقدر كفاءة‌ استخدام‌ الموارد القومية‌ والعالمية‌ والمستوي‌ التكنولوجي‌ المتاح‌.

 لا شك‌ في‌ ان‌ هذه‌ العملية‌ شاقة‌ لدرجة‌ الخطورة‌، فليس‌ من‌ السهل‌ احداث‌ هكذا تغير، فالهياكل‌ الاقتصادية‌ تبدي‌ مقاومة‌ ضد أي‌ تغير، وكلما كان‌ الاقتصاد اكثر تخلفاً، كلما زادت‌ شدة‌ المقاومة‌، والعكس‌ صحيح‌.

 الدخل‌ القومي‌ الحقيقي‌ يجب‌ ان‌ يفهم‌ علي‌ انه‌ مجموع‌ ما ينتجه‌ المجتمع‌ من‌ سلع‌ وخدمات‌ نهائية‌، خلال‌ فترة‌ من‌ الزمن‌ (غالباً ما تكون‌ سنة‌) مقاساً بالوحدات‌ المادية‌، وفي‌ حال‌ استخدام‌ النقد مقياساً للدخل‌ ينبغي‌ احتساب‌ معدلات‌ التضخم‌.

 كذلك‌ يرتبط‌ اصطلاح‌ التنمية‌ الاقتصادية‌ بالاجل‌ الطويل‌، فكما ورد اعلاه‌، قد يكون‌ ارتفاع‌ الدخل‌ القومي‌ لفترات‌ قصيرة‌ ولا يسفر عن‌ تطورات‌ هامة‌ في‌ هيكل‌ الاقتصاد، لذا يجب‌ ان‌ يكون‌ ارتفاع‌ الناتج‌ القومي‌ مستمراً وغير متقطع‌ لاجل‌ طويل‌، والاجل‌ الطويل‌ ينبغي‌ ان‌ لا يقاس‌ ببضع‌ سنين‌، بل‌ يجب‌ ان‌ يستمر لخمسة‌ عشر عاماً علي‌ الاقل‌.   والحقيقة‌ ان‌ استمرارية‌ التنمية‌ الاقتصادية‌ مشكلة‌ تعاني‌ منها البلدان‌ الغنية‌ والفقيرة‌، لكن‌ الاسراع‌ في‌ التنمية‌ يعد الاهم‌ بالنسبة‌ للبلدان‌ الفقيرة‌.

 ان‌ النمو الاقتصادي‌ يتطلب‌ جهوداً وتضحيات‌ جبارة‌، بعضها قابل‌ للقياس‌ والا´خر غير قابل‌ لذلك‌، مضاعفة‌ الادخار مثلاً، او استيراد وسائل‌ انتاج‌، او التضحية‌ بنقاء البيئة‌. لكن‌ الامر يزداد تعقيداً حينما يتعلق‌ بالتنمية‌ الاقتصادية‌، التي‌ من‌ شأنها معالجة‌ جوانب‌ من‌ الهيكل‌ الاقتصادي‌ والسياسي‌ والاجتماعي‌. اذن‌ لابد للنمو الاقتصادي‌ ان‌ يسبق‌ التنمية‌ الاقتصادية‌، فمن‌ الصعب‌ تصور تنمية‌ اقتصادية‌ من‌ غير ارتفاع‌ الدخل‌ القومي‌ الحقيقي‌. النمو الاقتصادي‌ اذن‌ شرط‌ اساسي‌ للتنمية‌، لكنه‌ ليس‌ دائماً الشرط‌ الاوحد.

 عناصر النمو الاقتصادي‌ والتنمية‌

 ان‌ مقومات‌ وعناصر وشروط‌ النمو الاقتصادي‌ والتنمية‌ خصوصاً في‌ البلدان‌ الاسلامية‌، ليست‌ ذات‌ طبيعة‌ اقتصادية‌ فحسب‌، بل‌ سياسية‌، ديموغرافية‌، ثقافية‌ وجغرافية‌.

 يري‌ بعض‌ الاقتصاديين‌ امكانية‌ تقسيم‌ عناصر النمو الاقتصادي‌ والتنمية‌ الي‌ قسمين‌:   موسعة‌، شاملة‌ ( Extensive ) ومركزة‌ ( Intensive )، في‌ القسم‌ الاول‌ يندرج‌ ما هو مادي‌، مثل‌: وسائل‌ الانتاج‌، الثروات‌ الطبيعية‌، الطاقة‌ وهكذا. اما العلاقات‌ والكفاءات‌ والنشاط‌ البشري‌ فيحسب‌ علي‌ القسم‌ الثاني‌، الذي‌ يعمل‌ علي‌ رفع‌ مدي‌ الاستفادة‌ (انتاجية‌) ما يضمّه‌ القسم‌ الاول‌.

 البعض‌ الا´خر من‌ الاقتصاديين‌ يري‌ امكانية‌ تقسيم‌ عناصر النمو الاقتصادي‌ والتنمية‌ الي‌ مجموعتين‌  : داخلية‌ وخارجية‌، الداخلية‌ تشمل‌ تلك‌ العناصر التي‌ يمكن‌ السيطرة‌ عليها بسهولة‌ من‌ قبل‌ سلطات‌ اقتصاد البلد، كعرض‌ النقود، قوانين‌ التجارة‌ الخارجية‌، قوانين‌ الاستثمار.. وهكذا. اما الخارجية‌ فتلك‌ التي‌ لا يمكن‌ السيطرة‌ عليها من‌ قبل‌ سلطات‌ الاقتصاد المحلية‌، مثل‌: اسعار الاستيراد والتصدير العالمية‌،
 (
trems trade )، الاوضاع‌ الاقتصادية‌ العالمية‌، ركود، انتعاش‌..الاوضاع‌ السياسية‌ والعسكرية‌ للبلدان‌ المجاورة‌ او داخل‌ البلد نفسه‌  ، استقرار، حرب‌، سلام‌.. وهكذا. وتتفوق‌ البلدان‌ الصناعية‌ المتقدمة‌ علي‌ بلداننا، كدول‌ نامية‌، بمرونة‌ اقتصادياتها، وبالتالي‌ قدراتها علي‌ تحمل‌ الصدمات‌، الداخلية‌ والخارجية‌.

 وهناك‌ من‌ يجمل‌ عناصر النمو الاقتصادي‌ والتنمية‌ بما يلي‌:

 1ـ العمالة‌ المناسبة‌ من‌ ناحيتي‌ العدد والمهارة‌

 إنّ الكفاءة‌ والخبرة‌ شرطان‌ لابد منهما لكي‌ تستطيع‌ العمالة‌ التعامل‌ مع‌ طرق‌ ووسائل‌ الانتاج‌ الحديثة‌. بعبارة‌ اخري‌ ان‌ الاعداد الهائلة‌ من‌ العمالة‌ غير المدربة‌، غير الكفوءة‌، غير الماهرة‌، أي‌ التي‌ لا قدرة‌ لها علي‌ التعامل‌ مع‌ ماكنة‌ حديثة‌ او حاسوب‌ معقد، قد تشكل‌ عائقاً امام‌ التنمية‌ الاقتصادية‌. ويظهر هذا واضحاً في‌ الكثير من‌ البلدان‌ الاسلامية‌ التي‌ تعاني‌ من‌ بطالة‌، وتوظف‌ عمالة‌ اجنبية‌ ماهرة‌ في‌ كافة‌ قطاعات‌ العمل‌ خصوصاً الصناعة‌ والخدمات‌. ناهيك‌ عن‌ اصحاب‌ الكفاءات‌، كأساتذة‌ الجامعة‌، مدراء المصارف‌، الاطباء.

 2ـ رأس‌ المال‌

 والقصد هنا وسائل‌ الانتاج‌ المناسبة‌ كمّاً ونوعاً بما في‌ ذلك‌ مستلزمات‌ الاستفادة‌ منها، ان‌ عرض‌ رأس‌ المال‌ يعتمد علي‌ مستوي‌ الادخار، وهذا الاخير يشكل‌ الفرق‌ بين‌ الدخل‌ والانفاق‌، تعاني‌ البلدان‌ الفقيرة‌ قلّة‌ رؤوس‌ الاموال‌، ذلك‌ لان‌ الناس‌ ينفقون‌ معظم‌ دخولهم‌ علي‌ الاستهلاك‌.

 3ـ الثوابت‌ الطبيعية‌ كمّاً ونوعاً

 والحقيقة‌ ان‌ هذا العنصر يعتبر مساعداً، فعلي‌ سبيل‌ المثال‌، لا تمتلك‌ اليابان‌ الكثير من‌ الثروات‌ الطبيعية‌، لكنها عملاق‌ اقتصادي‌، ومعظم‌ البلدان‌ العربية‌ تحتوي‌ علي‌ كميات‌ هائلة‌ من‌ الثروات‌ الطبيعية‌، لكن‌ هذه‌ البلدان‌ ما تزال‌ نامية‌.

 4ـ التكنولوجيا المناسبة‌

 أي‌ معرفة‌ السبل‌ الكفيلة‌ بتحويل‌ الخامات‌ الي‌ سلع‌ وخدمات‌، ودور التكنولوجيا يظهر في‌ الانتاجية‌ اكثر من‌ ظهوره‌ في‌ اختراع‌ انواع‌ جديدة‌ من‌ السلع‌ او تطوير الموجود منها. بعبارة‌ اخري‌ ان‌ عناصر الانتاج‌، الارض‌، العمل‌، ورأس‌ المال‌، بحاجة‌ الي‌ انواع‌ عديدة‌ من‌ التكنولوجيا لكي‌ تثمر العديد من‌ السلع‌ والخدمات‌.

 

 

 5ـ ادارة‌ وتنظيم‌ العمل‌ بشكل‌ يتفق‌ مع‌ عادات‌ وتقاليد واعراف‌ ومعتقدات‌ المجتمع‌

 كما هو واضح‌ ان‌ معظم‌ عناصر النمو الاقتصادي‌ والتنمية‌، ان‌ لم‌ تكن‌ كلها، قائمة‌ علي‌ العلم‌، فالعلم‌ هو الذي‌ يؤمّن‌ التطور التكنولوجي‌، ادارة‌ وتنظيم‌ العمل‌، اعداد وتدريب‌ العمالة‌ للاستفادة‌ من‌ وسائل‌ الانتاج‌ بغية‌ تحويل‌ الثروات‌ الطبيعية‌ الي‌ سلغ‌ وخدمات‌، وبالنتيجة‌ رفع‌ كفاءة‌ اقتصاد البلد وقدرته‌ علي‌ التصدي‌ للظروف‌ الطارئة‌، الداخلية‌ منها والخارجية‌.

 ان‌ سـبب‌ التـقدم‌ الكبير الذي‌ احرزه‌ الغرب‌ يـعود لاهـتمامهم‌ بالعلم‌ الذي‌ أمّن‌ لهم‌ تـقدماً هائـلاً لا ينكره‌ أحـد، اما معاناة‌ شعوبـهم‌ النفسية‌ وغـيرها فسببها عصـيان‌ الله‌ من‌ جـانب‌ آخر  .

 معوقات‌ التنمية‌ الاقتصادية‌ في‌ الدول‌ الاسلامية‌

 ان‌ امتلاك‌ عناصر التنمية‌ الاقتصادية‌ آنفة‌ الذكر من‌ قبل‌ بلد ما، وحسن‌ استغلالها او التصرف‌ بها وفقاً لقدرات‌ البلد وامكانياته‌ وطموحاته‌، لاشك‌ في‌ انها تشكل‌ ارضية‌ رائعة‌ للانطلاق‌ نحو مستقبل‌ مزدهر، كما يحدث‌ في‌ الدول‌ الصناعية‌ المتقدمة‌، التي‌ تمتل