الاصاله اما المعاصره

التمايز و التباين الثقافي
د. حكمت الله ملاصالحي

 

     نعيش الآن مرحله تاريخيه تقتضي ارادتها و ثقافتها ان ينشغل فكرنا و ذهننا بالاجابه عن اسئله اعتقد انه لا مفر من طرحها و اثارتها. ففي عصرنا الراهن قلما تجد مجتمعاً، او «ثقافه» لا يفكر بتحديد و تجديد مساحات تمايز تاريخه و ميراثه و ثقافته عن الآخر. حتي اكثر الشعوب و القبائل انزواء و بدائيه، بدأت تشعر بضروره البحث عن الهويه المنسيه و الميراث الضائع، و اعاده اكتشاف و صياغه حدود تمايز عاداتها و تقاليدها و تراثها و تاريخها عن الآخر.

     في الحقيقه ان حريم التمايز بين ثقافات الشعوب و ميراثها و تاريخها، لم يكن عرضه للتشويش و الاضطراب و انعدام الروح، في ميادين هجوم العقل و الفكر و العلم و الفن الغربي، بمثل ما هو عليه في العصر الحديث من الشده و السرعه و الوسعه.

     لقد عطل نبيذ العقليه المعاصره عادات و تقاليد اقوام و مجتمعات كثيره و هشم ميراث اباريقها العتيقه. فلم يعد احد يفكر في جمع النبيذ المهراق، بل الجميع منهمك في الصاق و اصلاح الاباريق المهشمه. فـ «الآخر» يعي تماماً اي فعل مهول اقدم عليه، لذا يسعي باضطراب و عجاله للخروج من الورطه التي لا مفر منها. فعلي ضوء اسئلته و تصوراته، انتخب و اختار نظرته و موقفه و موقعه في المرحله الجديده، في مواجهته للعلم و الانسان و تاريخه. و مع قليل من التأني و الدرايه يمكن التعرف علي نمط التفكير و الفهم و الفلسفه و المعني الذي يبدو من افق عقيدته و فكره، في الجانب الآخر من ملامح تصوراته الجديده عن الانسان و ماضيه. ان الشعوب و المجتمعات التي سارعت علي عجاله من امرها، الي تكييف نفسها مع متطلبات هذه المرحله، سعت دائماً الي تقليد الآخر في طيها للسبل التي قطعها. فالضروره و مقتضيات اراده العصر دفعت اذهان هؤلاء و افكارهم الي طرح و اثاره اسئله و استفهامات تستبطن عدم ثبات ايه عقيده او تفكير.

     و لكي يتضح مدي نفوذ الخلط و التشويش و رسوخه في فكرنا و لغتنا، اتصور ضروره تركيز بحثنا اولاً حول مصطلحين وردا كثيراً في الاسئله التي اثيرت، الاول مصطلح Culture، و الثاني مصطلح Civilization؛ اضافه الي مئات المصطلحات الاخر من هذا السنخ، التي علي ‌الرغم من ان لها جدوراً و استخدامات قديمه جدا في مسيره الفكر الغربي و بيانه، الا انها تعبتر حديثه الوضع و دخيله في مفهومها و معناها المعاصر. فبالنسبه للعقل و الفكر الغربي، الذي يرتكز علي جبل من المعلومات و المعارف، و يمتلك كما هائلاً من التفاسير و النظريات و التعاريف الحديثه عن معاني «التاريخ» و «الثقافه» و «الحضاره»؛ فان مصطلحات من هذا السنخ لم تعد مفاهيم غامضه و غير محدده.

     لقد اوجدت المعارف و العلوم المعاصره لكل واحد من هذه المفاهيم اوصافاً و تعاريف و معاني محدده. اما الي اي حد هذه الاوصاف و التعاريف و المعاني محكمه او متزلزله فهذا بحث آخر. بيد ان رؤيه الغرب و تصويره و تصوره الانسان و التاريخ، و لمعني و مفهوم «الثقافه» و «الحضاره» - المفهوم الرحماني او الشيطاني؛ الاخروي او الدنيوي؛ السماوي او الارضي؛ الراسخ او المتزلزل؛ التحرري او الباعث علي الضياع واضحه و محدده؛ و لم يعتوره اي خوف او تحفظ في تقليل الشأن القدسي الي الدنيوي، و «ماوراء التاريخ» الي التاريخ، و اعتبار جميع تاريخ الانسان و ميراثه و شؤون ثقافته و مراتبها، ادواه للمعرفه. فكل ابعاد تاريخ الانسان، بدءاً من حدود التاريخ الطبيعي و انتهاءً باكثر مجتمعات و شعوب و قبائل عصرنا تخلفاً و بدائيه، هي اليوم محل لاقتناصه و ميدان لأبحاثه و تجارب اكتشافاته. ففي ميدان التنقيب و البحوث الاثريه وحده؛ تستخدم اليوم عشرات النظريات و الاساليب و الطرق الحديثه، في تشريح «ثقافات» الانسان و «حضاراته»، و دراسه كل جزء فيها دراسه مستفيضه. و من خلال جمعهم لكم هائل من الاكتشاف و الانجازات و اعتمادهم كثره المعلومات و المعارف الحاصله، وضعوا اوصافاً و تعاريف كثيره في متناول ذهن الانسان المعاصر و فكره، حتي بات يتصور انه لم يعد يوجد للتفكير و الرؤيه خارج نطاق التصوير و التصور اللذان طرحهما العقل و الفكر الغربي امام مرآه ضميرنا.

     و الاعجب من ذلك هو اننا لو اخذنا بنظر الاعتبار هذا الكم الهائل من المعلومات و التعاريف المبتكره عن تاريخ الانسان و تراث الانسانيه، فان مصطلحات من قبيل «التاريخ» و «الثقافه» و «العادات و التقاليد»، و «الحضاره»، لم تتدن معانيها و مفاهيمها في اي عصر من عصور التاريخ منذ العصر القديم و ما تلاه، بمثل ما هي عليه في عصرنا هذا؛ و ان هذه الحقيقه لم نعهد لها مثيلاً في اي عصر آخر. ان تجزئه و تصنيف التاريخ و «الثقافه» و «المجتمع» و «الحضاره»، الي علوم مختلفه ضمن دائره المعرفه، و كذلك توصيفها و توضيحها علي ضوء‌ الاكتشافات و المعلومات العلميه، تشير في الظاهر الي سعه افق تفكير الانسان قياساً بما كان عليه في الماضي، بيد ان الحقيقه هي ان العقل و الفكر الغربي الذي لا يقر له قرار، قد شتت اوصال كيان العالم الواحد المنسجم، و لا يتصور انه من السهل ان تعاد اليه الروح و الحياه مره ثانيه. و هكذا الحال بالنسبه لمصطلح Civilization، اذ عرضت العلوم المعاصره تعاريف كثيره حتي الآن عن وجوه تمايزه و تباينه عن مصطلح Culture.

     ففي نطاق مشاهدات و بحوث علم الآثار، تتواصل عشرات الابحاث و الدراسات بحراره وجديه، حول هذين المصطلحين. فمنذ غوردون جايلد (م. 1950) و حتي اينسو، حرصوا دائماً علي تسميه الخصوصيات الجديده الطارئه علي المجتمع و ثقافه الانسان في مرحله خاصه من مراحل تاريخيه، و غالباً ما تكون غير موجوده، باسم «الحضاره»، بعضهم الآخر ايضا، من امثال هنري فرانكفورت (م. 1951)، غالين رينفوبو (م. 1972) و اعتبروا «الحضاره» صوره و نمطاً اكثر تعقيداً من «الثقافه». الحقيقه ان في معرض هجوم الاكتشافات المستحدثه لحظه بلحظه و في مجري تدفق المعلومات الذي لا يهدأ، من الصعب تصور موضع يمكن التوقف عنده و النظر من خلاله لمعرفه حقيقه ما يجري.

     الا تتصورون اذا ما اراد احد ان يستعين بتاريخه و ثقافته، مهما كان متحمساً و مندفعاً في البحث عن تعريف و فلسفه و معني اكثر جده و حداثه لتراث الانسان، فسوف ينعته الآخر بأنه اقل عمقاً و اقل نجاحاً و توفيقاً.. فبالنسبه لنا نحن الذين نقف علي هامش عقل الآخر و فكره، ان استئصال المفاهيم المحوريه و فصلها عن منطلقاتها الاصيله، و تفريغها من معانيها الحقيقيه، و تحميلها معاني ضخمه و متباينه و مستحدثه اولاً بأول، و معاصره؛ سوف يدفع اذهاننا و فكرنا باتجاه ازمه المفاهيم و خلط البحوث و التشتت اللغوي. فهل حصل ان سألنا انفسنا و نحن نردد مصطلحات نظير الثقافه، الحضاره، ماذا نقصد بها؟ و ما هو مصدر فهمنا و تعريفنا لها، و الي ايه عقيده او فكر ينتسب؟

     هل من الممكن اعتبار روح الانسان نفخه إلهيه، و النظر الي ثقافته و ميراثه نظره سمائيه، و لكنه في النهايه يبقي ارضيا؟ نحن لا ننفي كوننا في ارض الهبوط، و ليس في صالحنا ايضاً ان نغض الطرف عن الحقائق و نهمل الواقع العالمي الموجود و نتجاهل كل معطياته و انجازاته؛ بيد أنه ليس في صالحنا ايضاً ان نخطو خطوات عمياء في طريق قطعه الآخر بأربعه قرون بقلق و اضطراب و جرأه و لم يصل الي غايته. ان المفاهيم التي كانت تجليات و انعكاسات لعقيدتنا و ايماننا و عقولنا و فكرنا الاسلامي و اسلاميتنا، و ان كل واحد منها قد اتخذ له شأناً و موقعاً و درجه و معني خاصاً في مسيره فكرنا و ذكرنا و عقلانيتنا؛ بامكانها ان تجسد حدود تباينها و حريم تمايزها عن الآخر، و تظهرها للعيان، اذا ما انطلقت من قواعدها الاصيله و الحقيقيه، وسعطت في مرآه ضمائرنا، و اضاءت آفاق تفكيرنا، و تجلت في عقيدتنا و ايماننا و تفكيرنا و اسلوبنا بلغه حديثه و بيان جديد.

     اذا ما نحن انفسنا حطمنا حد التمايز و حريمه، و قبلنا مفهومنا للانسان و التاريخ و الثقافه و الحضاره بالمعني الذي لقننا اياه الآخر و فرضه علينا، غافلين عن المرتبه و المعني اللتين منحتهما اياهم عقيدتنا و ايماننا السماوي؛ فما الحاجه بعد ذلك الي تحديد و تعيين حدود تمايز ثقافه الاسلام و اسلاميتنا عن الآخر؟

     الحقيقه هي اننا نسعي اليوم من خلال عقل الاجنبي و فكره و لغته، الي تعيين و تبيين حدود تمايز «كلامنا» و عقيدتنا و فكرنا و لغتنا، و الي اعاده فهم حريمنا الذاتي و تباينه عن الآخر.

     لماذا تجاهلنا هذه الحقيقه المؤسفه و هي: ان عقل الآخر و فكره و لغته القي بظلاله علي تاريخ و ثقافه و تراث جميع شعوب العالم و اممه؟. لماذا لا نريد ان نقبل هذه الحقيقه المسلمه و هي ان من اولي شروط و قواعد تمايزنا عن الآخر- أياً كان- و اكثرها رسوخاً و ثباتاً، غائبه عنا، و قد حل بدلاً منها انطفاء نور العقيده، و خفوت شعله الايمان، و ضياع لغتنا و نسيانها. فالي اي «كلام» و «سنه» و «تراث» استندنا، لكي تلقي بظلالها علي اجواء و مظاهر و صور جميع شؤون ثقافنا و حضارتنا و مساحات تاريخنا، و تمنحها مفهوماً و معني، حتي نشعر بتمايزها و تباينها عن حدود الثقافات و الحضارات الاخري، و ان نفكر باعاده اكتشافها و فهمها؟

     ألا تتصورون أنه طالما بقي الخلط و السفسطه و التشويش و الاضطراب و الازمه، يلقي بظلاله علي فكرنا و لغتنا، و طالما كنا غافلين عن «كلامنا» و لغتنا الحقيقيه؛ لا يمكن ان ننتظر من الاسئله التي نثيرها ان نحصل علي اجابات مطلوبه و منطقيه. فهل يمكن بالرجوع الي جبل المعلومات و الكم الهائل من المعارف التي وضعتها العلوم المعاصره في متناول عقولنا و افكارنا؛ وضع الكثير من مظاهر و ظواهر ثقافتين و حضارتين و امتين و حقبتين، الي جوار بعض و المقايسه بينهما؟ طبعاً هذا ايضاً يتطلب تحقيق شرط المعرفه الكافيه بالآخر.

     بيد أن اكثر منطلقات التمايز ثباتاً بين شعبين و ثقافتين و حضارتين و مرحلتين، و الحدود التاريخيه لكل امه، هو الاراده العقيديه لهما..

     المنطلق هو «كلام» استمدت عقيدته و ايمانه و عقله و فكره روحها منه و ظهرت فيها الحركه: انه الوحي و الالهيه، بمعناه الحقيقي القرآني؛ سر ميثاق الازل؛ ادعائيه خلافه الانسان الالهي؛ الظهور برمز الاسماء الالهيه الحسني؛ مكاشفه الهبوط من مقام العصمه و حرم الوعي؛ مكاشفه الولايه و الانتظار المقدس؛ الحضور و الحياه في الزمن المقدس و عهد الربوبيه «من الميثاق الي المعاد»؛ مكاشفه معني البدايه و النهايه و المقصد و المراد من التاريخ في المشيئه، و الاسرار الالهيه في نور هدايه كلمه الله. كل هذه منطلقات ثابته لتمايزنا و تبايننا عن الآخر، و قد تركت تأثيرها و نفوذها علي جميع مساحات التاريخ و شؤون و مراتب ثقافتنا الالهيه، بدءاً بالفن و الفنان و العرفان و العارف و الحكمه و الكلام و انتهاء بآداب الجلوس و القيام و النظر؛ و منحتها معني و مظهراً ربانياً، بنحو بحيث ان تقليلها الي مستوي تاريخ المعارف و العلوم و الاسئله بالاسلوب و المعني المعاصر، لم يكن في الماضي بهذه الدرجه من السهوله التي تبدو لنا اليوم.

     ان دعوه القرآن المكرره للانسان للتمعن و التأمل في ماضيه، و كذلك التصوير الذي يلقيه الوحي في مرآه ضميرنا عن ظهور الامم و اعتلائها و انحطاطها، ليست هي من باب الحث علي الكشف و التنقيب الأثري بالمعني المعاصر لهما. ان تاريخ الانسان و ماضيه يمكن ايضاً التعرف اليه من خلال نظره استكشافيه تنقيبيه، الا ان المكاشفه الإلهيه للتاريخ تكون عبر الدعوه الي الانس و الحضور المعنوي و الشهود و مشاهده الباطن لتقدير الانسان و قدره المؤلم في ارض الهبوط تجاه المشيئه الإلهيه، و التداخل العميق لهذه المشيئه في حركات الانسان و سكناته و ثنايا حوادث التاريخ. مثل هذه الملامح بالنسبه للفكر الغربي و عمله ليس اكثر من اسطوره و خيال. و مما يؤسف له هو اننا نحن ايضاً لم نهتم بالانسان و تاريخه و ثقافته بهذه الصوره و النظره الإلهيه، و في الوقت نفسه لا نحيط علماً بالآراه و النظريات التي تطرحها المعارف و العلوم المعاصره.

     خلاصه الكلام هي انه ينبغي لنا ان لا نبحث عن حدود تمايزنا الثقافي عن الآخر في حريم المقابر. ان كون أثر او بقايا كفن بامكانه ان يكون بمثابه حد من حدود تمايز ثقافتنا عن الآخر، حقيقه واقعه، الا ان ذلك ممكن اذا ما كان مسبوقاً و مترتباً علي تلك العقيده و ذلك الفكر.