تأثيرات انتشار الاسلام على الحياه في جنوب الصحراء الافريقيه الكبرى

الدكتور حامد عبد الرحمن تراوري *

 

     تهدف هذه الدراسه إلى تناول انتشار الاسلام و بعض جوانب آثاره على الحياه السياسيه و الاجتماعيه و الاقتصاديه و الثقافيه في افريقيا (جنوب الصحراء الكبرى) فى مراحل زمينه مختلفه. و لكنها متصله و متكامله فى الوقت نفسه، انطلاقاً من الديانات الاسلاميه، ذلك الامتزاج الرائع الذي شكل الأرضيه الاجتماعيه، التي بدورها انتجت ثقافه اسلاميه في افريقيا (جنوب الصحراء الكبرى) لها جذورها منذ عشره قرون و يزيد، و ذلك من أجل اعطاء القارىء صوره للتفكير في الوعي بانتشار الاسلام و آثاره على الحياه السياسيه و الاجتماعيه و الاقتصاديه و الثقافيه في افريقيا (جنوب الصحراء الكبرى).

     تتناول هذه الدراسه بالسرد و التحليل و الرابط بين المعلومات و استخلاصها، ظهورَ الاسلام و انتشاره و آثاره في عده مناطق جغرافيه مهمه من القاره الافريقيه (جنوب الصحراء الكبرى)، و هذه المناطق تشمل: الصومال، اثيوبيا (الحبشه)، السودان، تشاد، النيجر، مالي، و السنغال.

     و سنحاول في هذه الدراسه - رغم ترامي البقعه الجغرافيه التي سوف نخصها بالبحث أن نتلمَّس الخصائص الأساسيه التي دعت الانسان في افريقيا الى أن يقبل على اعتناق العقيده الاسلاميه طواعيه. و لعل المواضيع التاليه تشكل ركيزه مهمه و عناصر جوهريه لهذا البحث، و هي:

     1. ملامح الأبعاد الأساسيه لانتشار الاسلام في افريقيا.

     2. مراحل انتشار الاسلام في افريقيا.

     3. دور التجار و الرحاله و الجغرافيين المسلمين في شرق افريقيا.

     4. انتشار الاسلام المبكر في الحبشه (اثيوبيا) و العوامل المساعده في انتشاره هناك.

     5. الاسلام في الصوامال و أثره على الانتشار في الحبشه (اثيوبيا).

     ليس من شك أن العناصر المطروحه أعلاه متعدده و متباعده زمنياً، الاّ أننا ارتأينا ضروره ذلك، انطلاقاً من شموليه المحاور الثقافيه التي يطرحها هذا البحث.

     و لايتأتى للقارىء استيعاب الأفكار المطروحه في هذا البحث جمله الاّ من خلال استعراض سريع للتطورات السياسيه و الاجتماعيه و الثقافيه، التي واكبت انتشار الاسلام في القاره الافريقيه، و من ثم فان المناطق الجغرافيه المذكوره آنفاً التي وقع عليها اختيارنا هي الأرضيه التي قامت فوقها الأنشطه الاسلاميه، سياسيه كانت أم ثقافيه أم روحيه، فمن خلال شرح هذه التصورات يتبلور عند القارىء استيعاب الأفكار التي وردت في هذا البحث.

 

ملامح الأبعاد الأساسيه لانتشار الاسلام في افريقيا

     يعتبر دخول الدين الاسلامي في افريقيا (جنوب الصحراء الكبرى) من الأحداث المهمه في تاريخ القاره الافريقيه. و مما ميز الاسلام و المسلمين عن غيرهم من الوافدين الى القاره في نظر الأفارقه هو ايجابيه المسلمين باعتبارهم أصحاب رساله، أنهم لم يؤمنوا يوماً بنظريه تفوق الأجناس أو نقائها على غرار ما جاء به المستكشفون و المستعمرون الأوروبيون فيما بعد، بل أن الاسلام جاء بأساسيه في الدعوه الى المساواه بصرف النظر عن اللون أو الجنس، الأمر الذي أعطى المسلمين ميزه متقدمه دفعت الى تمازج و تزاوج المسلمين القادمين الى سكان القاره، بل نجد في فترات متأخره من تاريخ العلاقات بين العرب المسلمين و الأفارقه أن السكان الأصليين تمكنوا بعد اعتناقهم الاسلام من اداره شؤونهم بأنفسهم في اطار علاقات متناغمه قائمه على الاحترام المتبادل. و قد تطورت هذه العلاقات عبر السنين الى انشاء دول و ممالك اسلاميه افريقيه أصيله تدير نفسها في ظل عقيده اسلاميه موحده، انضوت تحت لوائها قبائل عربيه اسلاميه انتقلت الى القاره سواء من شرقها أو شمالها.

     و قد تمخض عن التطورات في العلاقات بين المسلمين و الأفارقه عبر القرون، أن أصبح الاسلام يمثل قويً كبرى في القاره لايقل عن ثلث سكانها. و لاتقتصر هذه القوه على القيمه العدديه للمسلمين الأفارقه فحسب بل تشمل هذه القوه أيضاً النشاط الثقافي و الاقتصادي و السياسي للأفارقه المسلمين في اشتراكهم في الحركات التحرريه لأوطانهم التي اكتوت بمصائب الاستعمار الأوروبي الحديث.

     السؤال الذي يطرح نفسه، هو اذا كان الاسلام بهذا الانتشار في القاره الافريقيه، فكيف اذن نفذ اليها عند ظهور في شبه الجزيره العربيه؟ و أي السبل أو الطرق أو المسالك التي نفذ عبرها هذا الدين الي القاره الافريقيه؟

     ان نظره الى الاحصاءات التي ورد ذكرها في بعض المصادر المعاصره من اعداد الدول الافريقيه عن عدد المسلمين فيها يبدو أن الاسلام في انتشاره بافريقيا قد اخترق نطاق الغابات في غرب القاره كما انتشر على طول الساحل الغربي لها و دخل مع بعض المهاجرين المسلمين المحترفين للتجاره الى مناطق أعمق في القاره، و كذلك الأمر بالنسبه الى تسرب الاسلام عن طريق شرق افريقيا. و من هذه المناطق تمكن الاسلام من التغلغل الى جنوب السودان و هضبه البحيرات الافريقيه و قلب الهضبه الحبشيه (اثيوبيا) و تخطّى ساحل شرق افريقيا الى المناطق الداخليه، و خاصه في بلده «كينيا و تنجانيقا» كما لعب المسلمون المهاجرون من شبه القاره الهنديه دوراً فعالاً في نشر الاسلام في جنوب افريقيا، و قد قام بالدور نفسه أصحاب المذاهب الاسلاميه التي وجدت في الهجره الى افريقيا ملاذاً لها من مطادره بعض الحكام المسلمين كما حدث لاتباع مذهب اهل البيت (ع) في العهد الأموي.

     و يمكن أن نعدد أهم المسالك الجغرافيه التي نفذ منها الاسلام الى القاره الافريقيه، و هي:

     1. طريق شبه جزيره سيناء، ثم برزخ السويس، و منه تدفقت الجيوش الاسلاميه و الهجرات العربيه الاسلاميه الى شمال القاره الافريقيه بصفه خاصه.

     2. و نتيجه لاستقرار الاسلام في الشمال الافريقي تسرب هذا الدين الى جنوب الصحراء الكبرى عبر الطرف الغربي للصحراء الكبرى و امتد جنوباً محاذياً شاطىء الأطلنطي حتى نهر النيجر و بلاد غرب افريقيا، و تم ذلك بصوره خاصه عن طريق الطرق الصوفيه و الدينيه الاسلاميه و التجار المسلمين.

     3. و نفذ الاسلام عن الطرق البحريه عبر مياه البحر الأحمر و خليج عدن و المحيط الهندي، و اتصفت هذه الطرق بصفه التجاره، اذ قام رجال الأعمال المسلمون بدور فعّال في نشر الدعوه الاسلاميه عن طريق الثغور التي راجت فيها تجاراتهم.

     و أهم هذه المنافذ و الجزر، هي: مافيا، زنجبار، بمبا، مالندي، كلوه، ممبسه، و دار السلام.

     4. و امتد الاسلام عن طريق المسالك التجاريه الصحراويه عبر مصر، الماره بأسيوط و واحات الصحراء الغربيه و دار فور أواسط السودان.

     5. منافذ القوافل المتعدده الماره من طرابلس الى فزان، و منها الى تشاد و النيجر و افريقيا الوسطى.

     6. كما أنه وصل الاسلام الى أراضي السنغال و مالي، ثم توغل جنوباً حتى سواحل الأطلنطي، من منافذ القوافل التجاريه الآتيه من مدينه فاس و المدن الأخرى من المغرب الأقصى.

     7. كما أن طريق وادي النيل عبر الصحراء الى بلاد النوبه كان لها دور كبير في نشر الاسلام عن طريق التجاره و الفتح المتأخر، و خاصه في مطلع القرن الثامن عشر1.

     و يجب أن نشير هنا الى أن أكثر الهجرات الاسلاميه فعاليه، تلك التي كانت تتوغل في القاره عن طريق المسالك الصحراويه القادمه من ليبيا، و أهم هذه جميعاً هجرات أولاد سليمان2، و الأدوار الفعاله للدعوات الفكريه الاسلاميه التي انطلقت من المغرب العربي. و من أهم الأبعاد السياسيه و الثقافيه و الاقتصاديه للاتصالات بين المسلمين و الأفارقه، أنه عند دخول الدين الاسلامي الى القاره الافريقيه، حاملاً معه اللغه العربيه لغه الدين الجديد، الذي حاز تدريجياً قبولاً حسناً بين الأفارقه، حدث تسرب للثقافه الاسلاميه، و قد حاول الانسان الافريقي التوفيق بين عاداته و تقاليده المتوارثه و بين الثقافه الاسلاميه الجديده.

     و قد وجدت اللغه العربيه لغه الدين الجديد و التعامل التجاري و وسيله التفاهم الثقافه أيضاً اقبالاً ملحوظاً حتى أنَّها أثَّرت على بعض اللغات الافريقيه مثل: السواحليه، الفولانيه، المندينكيه، و الحوصه، التي اقترضت رصيداً ضخماً من التراث الاسلامي. كما حدث لغيرها من لغات الشعوب التي اعتنقت الاسلام3.

     و برزت مدن في افريقيا، أصبحت مركزاً للاشعاع الفكري الكبير، مثل: الفسطاط، طرابلس، الجغبوب، القيروان، فاس، تونس، تمبكتو، جني، سنار، مقديشو، كلوه، زنجبار، و دار السلام، و غيرها من حواضر الفكر الاسلامي الرائده.

 

مراحل انتشار الاسلام في افريقيا

     و يمكننا أن نقسم المراحل التي انتشر فيها الاسلام في افريقيا الى ثلاث مراحل أساسيه و هي:

     المرحله الأولى: و تبدأ من سنه 640 م و تنتهي في 1050 م، فقد تم في هذه الفتره الزمنيه فتح المسلمين لشمال افريقيا و اعتناق أهلها العقيده الاسلاميه و تشمل هذه المنطقه، السواحل الافريقيه الشماليه امتداداً نحو الجنوب الى السودان و جنوب الصحراء الكبرى. فبعد أن فتحت الجيوش الاسلاميه مصر، اتجهت نحو الغرب منتصره على جيوش الروم و البربر (الجباليين) و كانت سنه 730 م آخر سنه تصدى فيها البربر لفتوحات المسلمين القادمين من الشرق. فاعتباراً من سقوط كاهنتهم «كسيله» اعتنق كثير منهم الدين الاسلامي، بل و أصبح منهم قاده لعبوا دوراً فعّالاً في نشر الاسلام و الدفاع عن نشر مبادئه، و يصح أن نذكر «طارق بن زياد» ابرز مثال على اخلاصهم لعقيدتهم الجديده. و أن نذكر «عبدالله بن ياسين» في مطلع القرن الحادي عشر الذي أسس حركه المرابطين، و عمل على نشر مبادىء الاسلام في غانا القديمه، التي كانت تقع في الشمال الغربي بجمهوريه مالي، و السنغال. و لما اشتد ساعد حركته عاد فاتحاً الى الشمال الافريقي و الأندلس مؤسساً دوله اسلاميه ذات شأن عظيم في نشر الاسلام في افريقيا4.

     المرحله الثانيه: و يؤرخ لهذه المرحله من انتشار الاسلام باعتناق ملك مملكه السونغاي التي كانت تقع في الشمال الشرقي بجمهوريه مالي لهذا الدين و هو الملك المعروف باسم «زاكس» و ذلك في سنه 1010 م5.

     و كانت هذه المملكه تسطير على أراضٍ واسعه، شملت أراضي مالي اليوم حتى المحيط الأطلنطي و غانا الحديثه و نيجيريا اليوم، و كانت مدينه «جني» في مالي اليوم عاصمه لهذه الدوله الاسلاميه، و مركزاً تجارياً و علمياً مهماً.

     و كان اسلام الملك «كنبرو» في مدينه «جني» عاملاً حاسماً في اعتناق كثير من سكان المنطقه للاسلام و تعليم القرآن الكريم.

     أما في «كاتم» الواقعه الى الشمال الشرقي من بحيره تشاد، فقد كان له أثر حميد في نشر الاسلام في مناطق النوبه و السودان الشرقي، و تمكن ملكها «عمر بن ادريس» من توسيع نفوذه تجاه برنو.

     المرحله الثالثه: و يعود تاريخ هذه المرحله الى السباق بين المسلمين و المسيحيين فقد امتد نشاط المسلمين فر هذه المرحله ما بين 1750-1901 م و اشتد ساعد الحركات الصوفيه الاسلاميه و تميزت هذه الفتره بظهور شخصيات متصوفه بارزه لعبت دوراً عظيماً في نشر الاسلام. و يمكن ان نذكر من هولاء العلماء، في مالي، الشيخ الحاج عمر تال و نجله الشيخ أحمد تال، و الشيخ محمد الأمين درامي الامام (اموري بن لافياتورى)، الشيخ المختار الكبير. و في نيجيريا، الشيخ عثمان دان فوديو، و محمد الأمين الكانمي. و في تشاد عمر بن ادريس. و في السودان، محمد المهدي صاحب الدعوه المهديه بالسودان، و امام الصمد، و محمد بن علي الخاطب. و لهؤلاء العلماء جميعاً أدوار جليله في نشر الاسلام في افريقيا، و التصدي لتغلغل الاستعمار في القاره الافريقيه.

     و من أهم خصائص هذه المراحل الثلاث انتشار الرباطات الاسلاميه التي أسهمت بفعاليه بالغه في ارساء شعائر الدين الاسلامي في مختلف أنحاء القاره الافريقيه6.

     و تنقسم الأربطه الاسلاميه الى نوعين:

     أ- رابطه ساحليه.

     ب- رابطه صحراويه.

     و يمثل كل رباط ثكنه عسكريه و مستشفى للمرضى، و داراً للضيافه و مدرسه لتعليم أبناء المسلمين، و خطاً من خطوط المواصلات و الأمن، و مركزاً تجارياً. و تمثل الأربطه البريه أحزمه أمان ضد أيه هجمات مباغته، كما مثلت دوراً لنشر اللغه العربيه و الثقافه و الدين الاسلامي. و مع مرور الزمن تطور الكثير من هذه الرباطات الى مدن و قرى، تجمَّع فيها الكسان نظراً لتوافر الأمن و كسب العيش و طلب العلم.

     كما مثلت هذا الأربطه حلقات وصل بين مختلف أنحاء القاره الافريقيه و ديار الاسلام في مكه المكرمه و المدينه المنوره، و خاصه في أثناء موسم الحج، فنجد الحجاج ينتقلون بقوافلهم من رباط الى آخر متزودين بالعلم و المومن الأخبار في غدوهم و رواحهم من والى مكه و المدينه.

     و قد لعبت هذه الأربطه ادوراً فعّاله، اذ أصبحت مراكز للدعوات الاسلاميه التي انطلقت من الشمال الافريقي، و ساعدت فيما بعد على إقامه هياكل سياسيه و دول و ممالك اسلاميه كالمرابطين و مملكه الفونج و الممالك الثلاثه التي قامت على أراضي مالي في فترات متعاقبه و هي مملكه غانا، مملكه مالي، مملكه السونغاي، و التي اعتنق ملوكها الدين الاسلامي، و سلطنه باجرمي في منطقه تشاد، و امبراطوريه كانم و بورنو، التي ازدهرت منذ مطلع القرن العاشر و امتدت حتى أواخر ذلك القرن.

 

دور التجار و الرحاله و الجغرافيين المسلمين في نشر الاسلام في شرق افريقيا

     لعب العرب المسلمون دوراً مهماً في كشف القاره الافريقيه، فقد جابوا البر و البحر و طوّقوا سواحل القاره الافريقيه الشرقيه كما وصلوا الى اقصى جنوب القاره، قبل أن يصل اليها البرتغاليون بعد قرون من الزمن.

     كما تمكَّن العرب في الوقت نفسه، من الوصول الى أواسط القاره من الشمال الافريقي، و قد انعكست انطباعات الرحاله المسلمين في كتاباتهم و مشاهداتهم التي تركوها لنا، و كان لمسلمي الأندلس نشاط بيِّن على الساحل الغربي للقاره الافريقيه، كما توغَّل المسلمون الى قلب القاره من الشمال و نشروا الدين الاسلامي و طورّوا التجاره و أنشأوا النظم.

     و يهمنا هنا أن نعرف جهود المسلمين الكشفيه في الساحل الشرقي للقاره الافريقيه. فقد جاء المسلمون الى هذا الجزء من القاره من الجزيره العربيه، و خاصه من اليمن و حضرموت و سواحلها المواحهه لطرف القاره الشرقي، و تمكن المسلمون من تطوير تجاراتهم مع سكان هذا الجزء من افريقيا، فازدهرت تجارتهم و توطدت علاقاتهم، فأنشأوا امارات في شرق القاره، شهد بعظمتها و تقدمها كل من زارها من الرحاله المسلمين و الأوروبيين.

     و كان هناك عدد من العوامل التي ساعدت على جذب المسلمين الى هذا الجزء من القاره. فعلاوه على القرب الجغرافي في «نحو 1700 ميل بين زنجبار وعدن» فان العامل المناخي أسهم في دعم و تطوير العلاقه بين سكان شرق افريقيا و العرب المهاجرين اليه. اذ لعب هبوب الرياح من مواطن المسلمين في فصل الشتاء نحو شرق افريقيا و بالعكس في فصل الربيع، دوراً أساسياً في تطوير هذه العلاقات. و علاوه على ذلك، فان طبيعه الجزيره الطارده كانت عاملاً مهماً في دفع الحضارمه اليمنيين الى الاتجار، فوثَّقوا علاقاتهم مع جزر: مافيا، زنجبار، بمبا، مالندي، كلوه، ممبسه، و دار السلام. و تركت هذه الهجرات الاسلاميه العربيه بصماتها على شعوب هذه المنطقه المتمثله في اللغه العربيه و العقيده الاسلاميه و التمازج الاجتماعي7.

     و أخذت الجاليات الاسلاميه بمرور الزمن تتوغل في القاره، بحثاً عن السلع التجاريه، فتوثقت علاقاتهم الاقتصاديه مع شعوب الدواخل، و تحكموا في أسعار السلع الأساسيه الزائده عن حاجه الاستهلاك، حيث عمل المسلمون على رفع مستوى التصدير بدفع الكثير من السلع الافريقيه من الدواخل الى الثغور الافريقيه التي كانوا يهيمنون عليها. و تزاوج هذا العمل بحرصهم على نشر العقيده الاسلاميه على وفق منظور المذاهب الفارَّه من مطارده الأمويين و العباسيين8.

     و يمكن أن نخلص الى أن التوسع الاسلامي في الساحل الافريقي الشرقي انحصر في مرحلتين:

     1. تركزت أنشطه المسلمين في هذه المرحله على المنافذ و الثغور البحريه و بعض الأقاليم المهمه المتاخمه لها.

     2. و مع مرور الزمن طوّر المهاجرون العرب المسلمون علاقاتهم في دواخل القاره و هيمنوا على خطوط المواصلات و تحكموا في الاقتصاد و نشروا العقيده الاسلاميه، الأمر الذي أمَّن لهم الطريق لاقامه امارات و دول اسلاميه مع الأفارقه و اصبحت اللغه السواحليه، هي نتاج من اللغه العربيه و الافريقيه، خاصه لغه «بانتو» لغه لها.

     و يحدثنا عدد من الرحاله المسلمين و الأوربيين عن مدى التقدم و الرقي الذي أحرزته الدول الاسلاميه في مضمار الثقافه و الحضاره العمرانيه و السياسيه و الاقتصاديه.

     فابن بطوطه يذكر أن في «مقديشو» كانت تقوم صناعه الأقشمه الرقيقه الراقيه، فتصدر الى مصر، كما ذكر الادريسي أن مناجم للحديد كانت مستغله من المسلمين. أضِف الى ذلك أن المسلمين العرب المهاجرين أسهموا في تطوير أنواع الأشجار و الفواكه و الخضروات التي جلبوها معهم9.

     و قبل قدوم المسلمين الى افريقيا لم يكن يعرف عنها الاّ القليل، غير أن المعلومات بدأت تتوافر عن هذه القاره بفضل مجهودات الرحاله المسلمين الذين جابوا القاره من جهات مختلفه و في أوقات متفاوته. و من أهم الرحاله المسلمين الذين كتبوا عن افريقيا:

     المسعودي: الذي أمضى عشرين عاماً متجولاً، زار فيها الصين و مدغشقر، و توفي سنه 956 م 10. و قد أشار في كتاباته عن السودان (أراضي مالي الحاليه) و تجاره الذهب بالذات عبر الصحراء الكبرى.

     و أبوعبد الله البكري: جال القاره الافريقيه، و كتب عددا من المجلدات بعنوان، المسالك و الممالك .. معتمداً على وثائق المخطوطات الرسميه (الأرشيف) في قرطبه، كما خصص جزءاً عن السودان (مالي) بعنوان: تذكره النسيان في أخبار السودان11.

     أما الجغرافي «محمد بن عبدالله بن ادريس» المعروف «بالادريسي» المولود في مدينه «سبته» سنه 1100 م، فقد دخل في خدمه الملك الصقلي «روجر الثاني» و قضى حياته متجولاً في افريقيا بقصد تجميع المعلومات الجغرافيه، و خلف لنا كتاباً بعنوان: «صفه المغرب و أرض السودان و مصر و الاندلس» طبع سنه 1869 م.

     و قام محمد بن جبير بثلاث رحلات متواليه، جاب فيها مصر و سواحل البحر الأحمر و الحجاز و الشام و العراق قدّم فيها جميعاً وصفاً حياً و شائقاً للطرق و المسالك الصحراويه و أحوال شعوب الأرض التي مر بها و زارها.

     أما ابن حوقل، فقد ظهر في القرن العاشر الميلادي سنه 340 هـ، و قام برحله طويله عام 977 م جال فيها أصقاعاً شاسعه من العالم الاسلامي مثل: الهند، الصين، الأندلس، افريقيا من شرقها الى غربها، و قدم لنا معلومات شائقه عن أماكن العمران و عادات و تقاليد الشعوب التي زارها. ففيما يتعلق بزيارته للقاره الافريقيه فانه أقلع من البحر الأحمر فزار في طريقه الحبشه (اثيوبيا) و كتب وصفاً عن سكان مدينه زيلع، النوبه، النيل الأبيض، أرض الزنج (زنجبار)، كما وصف لنا الطريق التي قطعها من مدينه الفسطاط الى مدينه الاسكندريه في مصر، و وصف واحات الصحراء المصريه و برقه من ليبيا و تونس و تاهرت و فاس. كما زار نهر النيجر و أعتقد أن نهر النيجر امتداد لنهر النيل. و في وصفه اعطانا صوره عن المعادن المستغله و النواحي الطبوغرافيه للأراضي التي مر بها، كما رسم خرائط في كتابيه اللذين خلفهما لنا12.

     و تعد رحله «ابن بطوطه» من أكثر رحلات الجواله المسلمين نفعاً، اذ أنه قام بثلاث رحلات في الفتره من 1325 الى 1354 م من مدينه طنجه بالمغرب الى الحجاز في شبه الجزيره العربيه. كما زار الساحل الشرقي للقاره الافريقيه و وصل أيضاً الى مالي و جال بين مدنها و أعطانا وصفاً حياً للملوك و أهالي المنطقه و المدن و الثغور الاسلاميه التي مر بها في افريقيا، كما عرف ابن بطوطه بدقه في وصفه الجغرافي للمظاهر الطبوغرافيه13.

     و أخيراً «عبد الرحمن بن عبدالله السعدى» 1596-1655 م الذي ولد في مدينه «تمبكتو» في مالي من عائله ماليه سودانيه، شغل منصب القضاء و الامامه في مدينه «جني» التي كانت مركزاً علمياً اسلامياً مزدهراً و ألف كتاباً بعنوان «تاريخ السودان» نشر في باريس سنه 1898. و تحدث في كتابه عن الدول التي قام بزيارتها في السودان الغربي، مثل: دوله السونغاي التي قامت على أراضٍ شاسعه من مالي، و كانت حدودها الغربيه المحيط الأطلنطي و من الشرق حتى نيجيريا، و يعد كتابه مرجعاً مهما في تاريخ السودان الغربي منذ مطلع القرن السابع عشر14.

 

الهوامش

     * باحث اسلامي و استاذ جامعي من جمهوريه مالي، متخصص في الدراسات الاسلاميه في افريقيا.

     1. عبدالرحمن زكي، تاريخ الدوله الاسلاميه السودانيه بافريقيا الغربيه، المؤسسه العربيه الحديثه القاهره، 1961 م، ص 50-51.

     2. انظر رساله ماجستير أعدها دنيس كورديل عن دور قبائل أولاد سليمان في تعريب الدواخل الافريقيه عن طريق التجاره.

     3. انظر نعيم قاح، حضاره الاسلام و حضاره أوروبا في افريقيا الغربيه، ط