وحدة‌ الامة‌ الاسلامية‌

 

           من‌ ضرورات‌ الدين‌ الاسلامي‌ أن‌ المسلمين‌ أمة‌ واحدة‌ استناداً الي‌ الا´ية‌ الشريفة‌: (إنَّ هذه‌ أُمَّتكم‌ أمة‌ واحدة‌ وأنا ربُّكم‌ فاعبدون‌) [1]؛ فهي‌ أمة‌ إسلامية‌ واحدة‌، وكان‌ النبي‌(ع) يكرر وصف‌ «أمتي‌»، فمن‌ يفعل‌ كذا ليس‌ من‌ «أمتي‌» وشرط‌ الانضمام‌ الي‌ «أمتي‌» هو القيام‌ بالفعل‌ الفلاني‌ وهكذا.

           ومن‌ البديهي‌ أن‌ الاسلام‌ جاء ليبني‌ «أمة‌» أي‌ الجماعة‌ التي‌ تتبع‌ قائداً واحداً، فلا يطلق‌ وصف‌ «الامة‌» علي‌ الجماعة‌ التي‌ لا تتبع‌ نهجاً موحداً، وقد ميّز القرآن‌ الكريم‌ بين‌ الامم‌ علي‌ أساس‌ الدين‌ والمنهج‌ الذي‌ تتبعه‌، وأكد أن‌ كلا منها مسؤولة‌ عن‌ عملها: (تلك‌ أمة‌ قد خلت‌ لها ما كسبت‌ ولكم‌ ما كسبتم‌ ولا تُسألون‌ عما كانوا يعملون‌) .[2]

           استعمل‌ القرآن‌ الكريم‌ كلمة‌ «الامّة‌» بمعانٍ مختلفة‌ ذكروا منها مطلق‌ الجماعة‌، ومنها الاءمام‌ والقدوة‌: (إن‌ ابراهيم‌ كان‌ أمة‌ قانتاً) .[3]

           يقول‌ الشيخ‌ الطوسي‌ في‌ تفسير التبيان‌ [4] بعد ذكر معاني‌ الامة‌: «والامة‌ أهل‌ الملة‌ الواحدة‌ كقولهم‌ أمة‌ موسي‌ وأمة‌ عيسي‌ وأمة‌ محمد».

           ثم‌ يقول‌: «والملة‌ والنحلة‌ والديانة‌ نظائر» أي‌: ذات‌ معني‌ واحد.

           ومن‌ معاني‌ «الملة‌» الجادة‌ المعبدة‌، فيكون‌ معني‌ ملة‌ ابراهيم‌(ع) طريقه‌ الواضح‌ المعبّد الذي‌ فتحه‌ لاتباعه‌ أي‌ دينه‌(ع).

           وعليه‌ تشترك‌ الامة‌ والملة‌ في‌ المعني‌ وتلتقيان‌ في‌ نقطة‌ واحدة‌ والاءمام‌ والامة‌ مشتقان‌ من‌ أصل‌ واحد.

           فالجماعة‌ التي‌ تتبع‌ باسم‌ الاءسلام‌ إماماً واحداً - بالمعني‌ اللغوي‌ العام‌ - هو الرسول‌ الاكرم‌ - (ع) هي‌ أمة‌ الاسلام‌.

           فأشياع‌ موسي‌ كانوا أمة‌، وأتباع‌ عيسي‌ كانوا أمة‌، وهكذا حال‌ الامم‌ الاخري‌ من‌ أتباع‌ الانبياء:.(ع)

           والمسلمون‌ - من‌ أي‌ لونٍ وقومية‌ وعنصر وقبيلة‌ ومن‌ أهل‌ أي‌ لغة‌ ومن‌ شرق‌ الارض‌ أو غربها - يشكلون‌ جميعاً أمة‌ واحدة‌ هي‌ الامة‌ الاسلامية‌ الواحدة‌.

 أنواع‌ الوحدة‌ في‌ القرآن‌

           نقدم‌ للكلام‌ عن‌ الامة‌ الاسلامية‌ الواحدة‌ بالاشارة‌ الي‌ أن‌ القرآن‌ الكريم‌ يقر ثلاثة‌ أنواع‌ من‌ الوحدة‌ هي‌:

           1- وحدة‌ البشر:

           (يا أيها الناس‌ إنا خلقناكم‌ من‌ ذكرٍ وأنثي‌ وجعلناكم‌ شعوباً وقبائل‌ لتعارفوا إن‌ أكرمكم‌ عند اللّ'ه‌ أتقاكم‌)[5] .

           والهدف‌ من‌ هذه‌ الا´ية‌ الكريمة‌ توجيه‌ الاختلافات‌ القبلية‌ والقومية‌ بالاتجاه‌ السليم‌؛ فالحروب‌ والنزاعات‌ التي‌ شهدها ويشهدها العالم‌ ناشئة‌ - في‌ الاغلب‌ - من‌ العوامل‌ القومية‌ والعشائرية‌، فالنزاعات‌ تقع‌ بين‌ هذه‌ القبيلة‌ وتلك‌، وبين‌ هذه‌ القومية‌ وتلك‌، والاسلام‌ يقر التمايز القبيلي‌ والقومي‌ بين‌ الناس‌، فهم‌ شعوب‌ و قبائل‌ مختلفة‌، فنقول‌ الشعب‌ الايراني‌ والشعب‌ العربي‌، وهذه‌ ظاهرة‌ من‌ صنع‌ اللّ'ه‌: (جعلناكم‌ شعوباً وقبائل‌).

           والقبيلة‌ دائرة‌ أصغر من‌ الشعب‌ وتنضوي‌ تحت‌ لوائه‌، فالشعب‌ الايراني‌ يشتمل‌ علي‌ قبائل‌ مختلفة‌، و كذلك‌ حال‌ الشعب‌ المصري‌ والشعب‌ الصيني‌.

           و الله‌ تبارك‌ و تعالي‌ هو الذي‌ جعل‌ البشر قبائل‌ أيضاً، فما هو الهدف‌ من‌ ذلك‌؟ لقد تم‌ استغلال‌ التمايز القبيلي‌ و توظيفه‌ لاغراض‌ سيئة‌ منذ بداية‌ التاريخ‌ الاءنساني‌ الي‌ اليوم‌، فهل‌ هذا هو الهدف‌؟!

           لا وحاشا، فالقرآن‌ الكريم‌ يحدّد الهدف‌ بقوله‌: (لتعارفوا) أي‌: لاءيجاد الالفة‌ بين‌ البشر، فلا يلغي‌ أحدكم‌ خصوصيات‌ الا´خر، ولا يسعي‌ شعب‌ لتدمير شعب‌ آخر، فالجميع‌ يرجعون‌ الي‌ آدم‌:

 الناس‌ من‌ جهة‌ التمثال‌ أكفاء                      أبوهم‌ آدم‌ والام‌ حواء

           فلا ينبغي‌ أن‌ يكون‌ التمايز القومي‌ والقبلي‌ وسيلة‌ للتفاخر والمباهاة‌ والتعالي‌ والتسلّط‌ وسيادة‌ قبيلة‌ علي‌ أخري‌، أو قوم‌ علي‌ قوم‌.

           فالهدف‌ - علي‌ حسب‌ تعبير أحد المفسّرين‌ - هو: لتعارفوا لا لتناكروا، ولا لينفي‌ بعضكم‌ سجايا البعض‌ الا´خر وإنسانيته‌ وحقوقه‌. فالهدف‌ هو «التعارف‌».

           يذكرون‌ أن‌ كلمة‌ «الاءنسان‌» مشتقة‌ من‌ مادّة‌ «أنس‌» فالناسُ خلق‌ يأنس‌ بعضهم‌ ببعض‌، ولا ينبغي‌ أن‌ ينكر أحدهم‌ الا´خر، ويسعي‌ لتدميره‌.

           فالا´ية‌ الكريمة‌ تبين‌ أسس‌ الوحدة‌ الاءنسانية‌، فتقر وجود الاختلافات‌ القوميّة‌ والقبلية‌ وأنها من‌ صنع‌ اللّ'ه‌ - تبارك‌ و تعالي‌ - و الهدف‌ منها هو الالفة‌ و التعارف‌، و ليس‌ النزاع‌ و التناحر، فلا فضل‌ لاحد علي‌ آخر بسبب‌ الانتماء القومي‌ أو القبيلي‌.

           أجل‌؛ ثمة‌ معيار للتفاضل‌ وهو اكتسابي‌، وأحد أهدافه‌ ردع‌ بني‌ الاءنسان‌ عن‌ التفاخر فيما بينهم‌ بالانتماء القومي‌، و هو التقوي‌ كما تصرح‌ بذلك‌ الا´ية‌ الكريمة‌: (إن‌ أكرمكم‌ عند الله‌ أتقاكم‌)[6] ، فالاتقي‌ هو الاقرب‌ الله ‌ - عزوجل‌ - و التقوي‌ هي‌ معيار أفضلية‌ قوم‌ علي‌ قوم‌، أوقبيلة‌ علي‌ أخري‌، أو شخص‌ علي‌ آخر.

           و معني‌ التقوي‌ هو أن‌ يلجم‌ الاءنسان‌ نفسه‌ عن‌ الوقوع‌ في‌ أسر الاهواء والشهوات‌ ويسيطر عليها، ولا يسمح‌ لها بالتعالي‌ علي‌ أحد. إذن‌ معيار التفاضل‌ بالاكرمية‌ عند الله ‌ هو التقوي‌.

           و الله‌ - تبارك‌ وتعالي‌ - خلق‌ بني‌ الاءنسان‌ سواسية‌، والاقرب‌ اليه‌ هو الذي‌ يجتهد في‌ التزام‌ عري‌ التقوي‌، فيكرمه‌ الله ‌ لتقواه‌.

           والتقوي‌ - كما نعلم‌ - تردع‌ الانسان‌ عن‌ ظلم‌ غيره‌ - حتي‌ من‌ هو دونه‌ - وعن‌ التعالي‌ والتفاخر عليهم‌.

           إذن‌ المستفاد من‌ الا´ية‌ أيضاً أن‌ هذا التفاضل‌ هو «عند الله‌» وليس‌ علي‌ الخلق‌.

           و إضافة‌ الي‌ هذه‌ الا´ية‌ ثمة‌ آيات‌ أخري‌ - لايسع‌ المجال‌ لتناولها - توضح‌ أساس‌ الوحدة‌ البشرية‌ وتوكد أن‌ معيار التفاضل‌ ضمن‌ إطار هذه‌ الوحدة‌ هو التقوي‌ مع‌ الاءقرار بوجود الخصوصيات‌ القبلية‌ والقومية‌، فيما تضم‌ آيات‌ كريمة‌ أخري‌ العلم‌ الي‌ التقوي‌ - التي‌ تعبر عنها بالايمان‌ - نظير قوله‌ تعالي‌: (يرفع‌ الله‌ الذين‌ آمنوا منكم‌ والذين‌ أُوتوا العلم‌ درجات‌)[7] .

           2- وحدة‌ الاديان‌ التوحيدية‌

           النوع‌ الا´خر من‌ الوحدة‌ في‌ العرف‌ القرآني‌ هو بين‌ أتباع‌ الاديان‌ التوحيدية‌ التي‌ ترجع‌ أصولها إلي‌ السماء والوحي‌.

           والا´يات‌ المتحدِّثة‌ بهذا الموضوع‌ كثيرة‌ أتلو بعضها، وأشير الي‌ مفاهيم‌ أخريات‌.

           ثمة‌ آيات‌ تتحدث‌ بحقيقة‌ الاءسلام‌، فتقول‌: (إن‌ الدين‌ عند الله‌ الاسلام‌)[8] ، أو: (ومن‌ يبتغ‌ غير الاسلام‌ دينا فلن‌ يقبل‌ منه‌) [9]، وقد فسَّروها علي‌ نحوين‌ غير متعارضين‌:

           الاول‌: هو أن‌ المراد من‌ «الاسلام‌» هو ديننا، فقد أطلق‌ الله‌ عليه‌ اسم‌ الاسلام‌، وهذه‌ من‌ مفاخره‌؛ لان‌ الاديان‌ الاخري‌ تنسب‌ الي‌ أسماء الانبياء أو قومية‌ أتباعها، فالمسيحية‌ تعني‌ دين‌ المسيح‌(ع) واليهوديّة‌ مشتقة‌ من‌ اسم‌ قومية‌ أتباعها اليهود، أو ينسب‌ أتباعها الي‌ صفة‌ نبيهم‌ موسي‌ الكليم‌، فيطلق‌ عليهم‌ اسم‌ «الكليميين‌».

           أما ديننا، فله‌ اسم‌ خاص‌ هو الاءسلام‌، واليه‌ ينسب‌ أتباعه‌، فلا يقال‌: «محمديون‌» بل‌ «مسلمون‌».

           هذا هو المعني‌ المعروف‌، ولكن‌ يستفاد من‌ عدد من‌ الشواهد والقرائن‌ أن‌ المراد من‌ «الاسلام‌» في‌ هذه‌ الا´يات‌ حقيقة‌ الدين‌ الالهي‌ المشتركة‌ بين‌ جميع‌ الاديان‌، يقول‌ أمير المومنين‌ الامام‌ علي‌ (ع) (لانسبنّ الاسلام‌ نسبة‌ لم‌ ينسبها أحد قبلي‌، الاسلام‌ هو التسليم‌، والتسليم‌ هو اليقين‌، واليقين‌ هو التصديق‌، والتصديق‌ هو الاءقرار، والاقرارُ هو الاداء، والاداء هو العمل‌) .[10]

           التسليم‌ اللّه‌ هو أن‌ يعبده‌ الانسان‌ وحده‌ ويطيعه‌ ولا يعصيه‌، وهذا هو عصارة‌ تعاليم‌ جميع‌ الاديان‌ السماوية‌، يقول‌ - تعالي‌ - : (قل‌ يا أهل‌ الكتاب‌ تعالوا إلي‌ كلمة‌ سواء بيننا وبينكم‌ أن‌ لا نعبد الا الله‌ ولا نشرك‌ به‌ شيئا) .

           إن‌ هذه‌ الا´ية‌ الكريمة‌ تتحدث‌ عن‌ نمط‌ من‌ الوحدة‌ بين‌ مختلف‌ الاديان‌ السماوية‌، وتبين‌ الحد الفاصل‌ بينها وبين‌ أديان‌ الشرك‌. جميع‌ أتباع‌ أنبياء اللّ'ه‌ يشتركون‌ في‌ أصل‌ توحيدي‌ هو كونهم‌ عباداً لله‌: (وما أمرواإلا ليعبدوا الله‌ مخلصين‌ له‌ الدين‌) [11] فنوح‌ النبي‌(ع) يقول‌: (وأمرت‌ أن‌ أكون‌ من‌ المسلمين‌)  [12]وابراهيم‌ الخليل‌ يقول‌: (ولا تموتنّ الا وأنتم‌ مسلمون‌) [13]، فهذا الاءسلام‌ والتسليم‌ هو جوهر الاديان‌ الالهية‌ كافة‌: (ماكان‌ إبراهيم‌ يهودياً ولا نصرانياً ولكن‌ كان‌ حنيفاً مسلما) .[14]

           والحنيف‌ هو الموحد في‌ العبودية‌ والمسلم‌ صفة‌ من‌ التسليم‌ لله

           إذن‌؛ حقيقة‌ الدين‌ الالهي‌ الحق‌ الموحي‌ الي‌ جميع‌ الانبياء واحدة‌، وهي‌ التسليم‌ لله وهوتوحيده‌ وعبادته‌ والاخلاص‌ له‌.

           وهذه‌ التعبيرات‌ المختلفة‌ ترتبط‌ حتما بالتقوي‌، فمالم‌ يكن‌ الانسان‌ متقياً، فلن‌ يكون‌ مخلصاً ولا موحدا حنيفاً ولا مسلماً للّه‌.

           فهذا هو الحدّ الفاصل‌ بيننا وبين‌ عبدة‌ الاوثان‌ والمشركين‌ الذين‌ لم‌ يخاطبهم‌ القرآن‌ أبداً بمثل‌ الخطاب‌ المتقدم‌ لاهل‌ الكتاب‌، والسبب‌ هو عدم‌ الاصل‌ المشترك‌ و«الكلمة‌ السواء» بيننا وبينهم‌ فهم‌ يعبدون‌ الاصنام‌ ونحن‌ نعبد الاله‌ الواحد.

           أما عنوان‌ أهل‌ الكتاب‌، فهو وان‌ كان‌ يطلق‌ عادة‌ علي‌ اليهود والنصاري‌، فإنّه‌ يشمل‌ أتباع‌ الاديان‌ ذات‌ الاصل‌ السماوي‌ كافّة‌.

           هذا نمط‌ من‌ الوحدة‌ يثبته‌ القرآن‌ بين‌ جميع‌ الاديان‌ السماوية‌ لاشتراكها في‌ أصل‌ التوحيد:

           (إنا أوحينا إليك‌ كما أوحينا إلي‌ نوح‌ والنبيين‌ من‌ بعده‌ وأوحينا إلي‌ إبراهيم‌ وإسماعيل‌) .[15]

           (شرع‌ لكم‌ من‌ الدين‌ ما وصّي‌ به‌ نوحاً والذي‌ أوحينا إليك‌ وما وصّينا به‌ إبراهيم‌ وموسي‌ وعيسي‌ أن‌ أقيموا الدين‌ ولا تتفرَّقوا فيه‌) .[16]

           (نعبد إلهك‌ وإله‌ آبائك‌ إبراهيم‌ وإسماعيل‌ وإسحاق‌ إلهاً واحداً ونحن‌ له‌ مسلمون‌) .[17] والا´يات‌ بهذا المعني‌ كثيرة‌، وهي‌ تتحدّث‌ عن‌ وحدة‌ الاديان‌ السماوية‌.

           ومن‌ الضروري‌ هنا التنبيه‌ علي‌ نقطة‌ مهمّة‌ ترتبط‌ ارتباطا وثيقاً بوحدة‌ الاديان‌ في‌ نظر المحافل‌ الماسونية‌ في‌ أوربا وغيرها، فان‌ ما يقصدونه‌ هو جميع‌ الاديان‌، فيدخلون‌ فيها مشارب‌ المشركين‌ والهندوسية‌ والبوذية‌، ويزعمون‌ أنها جميعاً الهية‌ في‌ حين‌ أنها ملوثة‌ بالشرك‌ قائمة‌ عليه‌ وليس‌ علي‌ التوحيد.

           أما ما نقصده‌ نحن‌، فهووحدة‌ الاديان‌ السماوية‌، وليس‌ مطلق‌ الاديان‌، وأوكد هذه‌ النقطة‌، لكي‌ لا يستغل‌ البعض‌ الدعوة‌ لوحدة‌ الاديان‌، فيقول‌ : إنّها جميعاً تشترك‌ في‌ أصل‌ واحد.

           لا؛ فحقيقة‌ بعض‌ الاديان‌ الموجودة‌ شرك‌ محضٌ، ولا مشاركة‌ بينها وبين‌ الاديان‌ التوحيدية‌.

           أما القضية‌ الاخري‌ التي‌ ينبغي‌ التنبيه‌ عليها هنا، فهي‌ أن‌ القاسم‌ المشترك‌ بين‌ الاءسلام‌ وبين‌ الاديان‌ السماوية‌ الاخري‌ هو في‌ الاصل‌ والجوهر، وهو التسليم‌ لله‌، وليس‌ في‌ القوانين‌ بل‌ (لكل‌ جعلنا منكم‌ شرعة‌ ومنهاجاً ولو شاء الله‌ لجعلكم‌ أمة‌ واحدة‌) [18]. أي‌ أمة‌ تنهج‌ شريعة‌ واحدة‌، والشريعة‌ تعني‌ القانون‌ والاحكام‌.فأنتم‌ تقيمون‌ الصلاة‌ علي‌ نحو معين‌ وهم‌ يصلون‌ بكيفيات‌ أخري‌، وهكذا الحال‌ في‌ قوانين‌ الزواج‌ وغيرها.

           فالاحكام‌ مختلفة‌، ولكن‌ حقيقة‌ الاديان‌ الالهية‌ واحدة‌ وهي‌: التسليم‌ للّه‌.

           3- وحدة‌ الامة‌ الاءسلامية‌:

           النمط‌ الثالث‌ هو وحدة‌ الامة‌ الاءسلامية‌ وهو محور حديثنا، يقول‌ تعالي‌: (إنّ هذه‌ أمّتكم‌ أمة‌ واحدة‌)[19]  وقد ورد تفسير هذه‌ الا´ية‌ - بحسب‌ سياقها - علي‌ نحوين‌:

           فقال‌ البعض‌: إنها تخاطب‌ أتباع‌ جميع‌ الانبياء، لان‌ الا´يات‌ السابقة‌ لها تناولت‌ الانبياء الا´خرين‌، ثم‌ وجهت‌ لاتباعهم‌ الخطاب‌ الوارد في‌ هذه‌ الا´ية‌، كما أن‌ الا´يات‌ اللاحقة‌ لها تصدّت‌ للاختلاف‌: (وتقطعوا أمرهم‌ بينهم‌ كل‌ إلينا راجعون‌) .

           وهذا الاختلاف‌ ناتج‌ من‌البغي‌ والظلم‌ والعدوان‌:(بغيا بينهم‌) ؛ فلا مسوغ‌ له‌.

           فاذا أخذنا بهذا التفسير للا´ية‌، جعلناها من‌ الا´يات‌ المتحدثة‌ بشأن‌ وحدة‌ الاديان‌ السماوية‌، لان‌ الخطاب‌ - علي‌ حسب‌ هذا التفسير - موجّه‌ لاتباع‌ جميع‌ الانبياء، فالا´ية‌ تدعوهم‌ الي‌ عبادة‌ اللّ'ه‌ وحده‌، لان‌ التوحيد لله‌ في‌ العبادة‌ هو - كما قلنا - أساس‌ الوحدة‌ بين‌ الاديان‌ السماوية‌، وختام‌ الا´ية‌ الكريمة‌ (أي‌ الدعوة‌ لتوحيد الله‌ في‌ العبادة‌) يويد هذا التفسير.

           ولكن‌ طائفة‌ أخري‌ من‌ المفسرين‌ يرفضون‌ هذا التفسير ويقولون‌: إن‌ الله‌ عزوجل‌ بعد أن‌ استعرض‌ دعوات‌ الانبياء السابقين‌ في‌ الا´يات‌ السابقة‌ انتقل‌ في‌ هذه‌ الا´ية‌ لمخاطبة‌ المسلمين‌ مشيراً الي‌ أن‌ ماذكره‌ هو حال‌ الامم‌ السابقة‌ وأن‌ المسلمين‌ هم‌ أيضاً أمة‌ واحدة‌ ليدعوهم‌ الي‌ عبادته‌ والي‌ تقواه‌ في‌ آية‌ اخري‌: (إنّ هذه‌ أمتكم‌ أمة‌ واحدة‌ وأنا ربكم‌ فاتقون‌) ؛ وعلي‌ أساس‌ هذا التفسير نفهم‌ أساس‌ اعتبار الجماعة‌ أمة‌ واحدة‌، فنحن‌ أمة‌ الاءسلام‌ أمة‌ واحدة‌ لاننا موحدون‌ نعبدالله‌ وحده‌ ونتبع‌ رسولاً واحداً ومنهجاً وشريعة‌ واحدة‌.

           وتوجد تعبيرات‌ أخري‌ عن‌ موضوع‌ الوحدة‌ الاءسلامية‌، كما يوجد مفهوم‌ آخر هو «الاخوة‌ الاءسلامية‌» واكتفي‌ هنا بالاشارة‌ - علي‌ نحو الاجمال‌ - الي‌ أن‌ الوحدة‌ الاءسلامية‌ أو وحدة‌ المسلمين‌ ذات‌ أبعاد سياسية‌ واجتماعية‌ بالدرجة‌ الاولي‌، أما الاخوّة‌ الاءسلامية‌، فذات‌ بعد عاطفي‌ بالدرجة‌ الاولي‌، فالمسلمون‌ مدعوون‌ الي‌ أن‌ يتعاملوا وفق‌ عواطف‌ الاخوة‌.

           القرآن‌ يدعو أولاً الي‌ الاعتصام‌ بحبل‌ الله‌ وعدم‌ التفرق‌، ثم‌ يخاطب‌ المسلمين‌ في‌ صدر الاءسلام‌ بالتذكير بأنّهم‌ كانوا أعداء، فألف‌ الله بين‌ قلوبهم‌ ، فأصبحوا بنعمته‌ إخواناً  .

           فالاخوة‌ تعني‌ ألفة‌ القلوب‌ وانسجام‌ المشاعر والعواطف‌، وهي‌ فرع‌ من‌ الرأفة‌ الاءسلامية‌. والمسلمون‌ ينبغي‌ أن‌ يكونوا كالاءخوة‌ في‌ مشاعرهم‌ والالفة‌ العاطفية‌، مثلما يجب‌ أن‌ يكونوا متحدين‌ في‌ الميادين‌ السياسية‌ وعالمها المضطرب‌، وفي‌ المجالات‌ الاجتماعية‌ والاقتصادية‌ والقضايا العامة‌ وفيما يرتبط‌ بأحكام‌ الشريعة‌ وفي‌ وحدة‌ المصير.

           لقد اهتم‌ القرآن‌ كثيراً بالوحدة‌ الاءسلامية‌، ولم‌ يترك‌ تبيان‌ شي‌ء يعين‌ علي‌ تحققها وترسيخها بين‌ المسلمين‌ بما يضمن‌ سعادتهم‌ كما يتضح‌ للمتدبر في‌ الا´يات‌ الكريمة‌ والذي‌ يسعي‌ لتعرف‌ دقائقها، ولكن‌ المسلمين‌ غافلون‌ عنها، فقد ابتعدنا عن‌ القرآن‌، نحن‌ بعيدون‌ عنه‌ حتي‌ عندما نتلوه‌ وعندما يفسره‌ لنا المفسرون‌.

           فمثلاً لم‌ أرَ الي‌ الا´ن‌ من‌ يفرق‌ بين‌ الوحدة‌ الاءسلامية‌ والاخوة‌ الاءسلامية‌ أو بين‌ توحيد المسلمين‌ والتقريب‌ بين‌ المذاهب‌ وهما قضيتان‌ مستقلتان‌، وإن‌ كانتا مترابطتين‌، فالتقريب‌ بين‌ المذاهب‌ مقدمة‌ للوحدة‌.

           إذن‌؛ المسلمون‌ امة‌ واحدة‌، وهذه‌ من‌ بديهيات‌ الاءسلام‌، وهي‌ تعني‌ أن‌ عليهم‌ أن‌ يحفظوا أواصر الوحدة‌ بينهم‌، وسبيل‌ تحقيق‌ ذلك‌ علي‌ حسب‌ ما بيّنه‌ القرآن‌ الكريم‌ في‌ قوله‌ تعالي‌: (واعتصموا بحبل‌ اللّ'ه‌ جميعا)  لا ينحصر في‌ وقوفهم‌ في‌ صف‌ واحد فقط‌.

           فليست‌ هذه‌ هي‌ الوحدة‌، بل‌ يجب‌ أن‌ يلتفوا حول‌ محور واحد ويتمسّكوا بحبل‌ واحد هو «حبل‌ اللّه‌» ، وقد وردت‌ آراء عديدة‌ في‌ تفسير المقصود منه‌ كالقول‌ بأنه‌ القرآن‌ أو الدين‌، أو الاءسلام‌، أو الاحكام‌.

           هذا الاصل‌ العام‌ المشترك‌ هو الاشتراك‌ في‌ العقيدة‌، إذ أن‌ للوحدة‌ الاءسلامية‌ أساسين‌؛ الاول‌ عقيدي‌ والثاني‌ عملي‌، ونقصد بـ «الاصل‌ العام‌ المشترك‌» المبادي‌ الاءسلامية‌ الثابتة‌ التي‌ يجمع‌ عليها المسلمون‌ كافة‌، وثبتت‌ بالقرآن‌ والسنة‌ وأذعن‌ المسلمون‌ جميعاً للاقرار بها، فهم‌ جميعاً يومنون‌ بالتوحيد والنبوة‌ والمعاد وبوجوب‌ الصلاة‌ والصيام‌ والزكاة‌ والحج‌ والامر بالمعروف‌ والنهي‌ عن‌ المنكر.

           أصول‌ الدين‌ المتفق‌ عليها ثلاثة‌: التوحيد والنبوة‌ والمعاد؛ وما عداها من‌ الامور المختلف‌ عليها بين‌ المذاهب‌ هي‌ من‌ الاصول‌ المذهبية‌؛ فلكل‌ مذهب‌ أصول‌ خاصة‌ به‌.

           جمعنا الله‌ سبحانه‌ وتعالي‌ علي‌ طريق‌ الخير والهدي‌ والعقيدة‌ الحقة‌ إنه‌ تعالي‌ سميع‌ مجيب‌.


[1] 1ـالانبياء/92

[2] ـ البقره /134

[3] ـ النحل / 120

[4] ـ التبيان في تفسير القرآن 1/477

[5] ـالحجرات/ 13

[6] الحجرات /13

[7] ـ المجادله /11

[8] ـآل عمران /19

[9] ـ آل عمران /85

[10] ـ نهج البلاغه  الكلمات القصار /125

[11] البينه /5

[12] ـيونس /72

[13] ـ البقره /132

[14] ـآل عمران 67

[15] ـ انساء/163

[16] ـ الشوري /13

[17] ـ البقره 133

[18] ـ المائده / 48

[19] ـ الانبياء /92