آثار الحروب الصليبية في جغرافية الصفحات الشرقية الاسلامية

الدكتورعبد الله ناصري طاهري

 

     تمثل الحروب الصليبية فصلا مهما في حياة الشرق و الغرب و التصادم بين الاسلام و المسيحية، بصرف النظر عن ارتباطها باي من الدينين او المواجهة بين حضارتي الشرق و الغرب، الحروب الصليبية لم تعلن بصفتها اول تجربة استعمارية للغرب خارج حدوده، بل كانت استمرارا في السياسات التوسعية التي كان يتبناها حكام الغرب. كانت تلك الحروب، من حيث كونها عاملا في يقظة اوروبا و انتشالها من ظلام التوحش الى ساحة التمدن - كما يقول برنارد لويس - اول حركة غربية نحو بسط سلطتهم. و فيما يتعلق بتاثير الحروب الصليبية في المغرب، فهناك تآليف عديدة للغربيين، و للمسلمين ايضا في العصر الحديث، و لكن الذي لقي القليل من الاهتمام هو تاثير تلك الحروب الطويلة في البلاد الاسلامية، و على الاخص في شرق البحر الابيض المتوسط. و هذا ما يتناوله الكاتب في هذا المقال.

     ان عدم وجود نظرة تحليلية الى الحروب الصليبية كان واحدا من اهم نقاط الضعف عند المؤرخين المسلمين. ان ما نقراه في المصادر التاريخية لا يتجاوز وصف الوقائع العسكرية و بعض الاحداث السياسية، من دون اي تحليل او دراسة للدوافع و الآثار.

     و قبل الدخول في صلب الموضوع، اي دراسة آثار تلك الحروب في العالم الاسلامي، لابد من الاشارة الى نقطتين اثنتين:

     الاولى هي اولا ضعف التدوين التاريخي عند المسلمين، و هذا يتضح عند دراسة النصوص التاريخية عن الحروب الصليبية في الاسلام و المسيحية، بعضهم، مثل غابرييل، يشير الى شعور الاعتقاد بافضلية المسلمين على الغرب [غابرييل، 98]، و ثانيا عدم عناية المسلمين بالتدوين الموضوعي للتاريخ، و خاصة في تلك الظروف العصيبة، التي كان الاسلام يمر بها. ان الخصومات و المشاجرات الطائفية و المذهبية، و خاصة بين اهل السنة و الشيعة الاسماعيلية، كانت تحمل كل طرف على الاعتقاد بان الطرف الآخر هو العدو، واضعا الهجوم الصليبي في المرتبة الثانية بعد ذلك(1).

     الثانية اسباب الحرب التي يجب البحث عنها في الغرب، لا شك في ان الدافع الديني كان من اهم الاسباب، كما يتضح في الكلام المعروف الذي جاء على لسان البابا اوربانوس الثاني في مجمع كلرمون بفرنسا(2). كما ان النظرة الاسلامية ترى الدافع الديني من اهم الاسباب، و ذلك لان الخصومة بين الاسلام و المسيحية و اليهودية كانت منذ القديم لازمة تاريخية لا يمكن تجنبها. يقول الله تعالى في القرآن المجيد: «لن ترضى عنك اليهود و لا النصارى حتى تتبع ملتهم»(3) [البقرة/120] اعلن رينالد دوشاتيون، الحاكم الصليبي على كرك(4) - المعروف في النصوص العربية باسم ارباط و يعتبر من الد اعداء المسلمين - ان هدفه هو مهاجمة الحجاز و هدم مقابر المدينة و الكعبة في مكة [دورانت، ج 4، 799] من مؤرخي الحروب الصليبين الغربيين، المؤرخ المجهول فوشه دوشارتر، و ريمون داجيل، ويليام صوري، و آلبرت داكس، و جوانقيل، و بودري دي بوركي، و رابرت و من المعاصرين ارنست‏باركر، و ستيفن رانسيمان، و رنه جروسه، يعتقدون بان الحروب الصليبية كانت دينية [ناصري، 1373 ه. ش 1994 م، الفصل الاول]، ان واحدا من اوضح اسباب اعلان الحرب كان الحالة الاجتماعية في اوروبا. كما ان سلطة الملاكين على الشؤون الاقتصادية، و القحط و الجفاف و شيوع الامراض المختلفة، كالطاعون، كانت تقلق الغرب. ان حرمان افراد العائلة - باستثناء الابن الارشد - من ارث الاب، و رغبتهم في الهجرة الى الاراضي الخصبة بهدف الحصول على الرزق، كان من الاسباب المهمة لتلك الحروب الواسعة، بالاضافة الى الاهداف الاجتماعية و الاقتصادية المذكورة، تجب ملاحظة موقف الجمهوريات الثلاث، و جن و بيزا، في الحرب [ناصري، 64- 65]، حتى يمكن بهذه الطريقة بيان اهمية الاهداف الاقتصادية في اشعال نيران الحروب الصليبية.

كذلك ينبغي ان لا نغفل عن الجذور التاريخية لتلك الحرب. كان البابا جريجوري السابع منذ البداية يحمل في راسه فكرة الحرب مع المسلمين، ففي حرارة المبارزة مع هنري الرابع، قال:

     التضحية بالنفس في سبيل تحرير الاماكن المقدسة احلى في نظري من حكم «العالم باسره‏» [دورانت، ج 4، 785] في المغرب الاسلامي قام منصور بن ابي عامر(5)، بهدف تحرير الاندلس في سنة 352 ه (963م)، بحرق مدينة سنت جيمز في (كامبوستلا) المقدسة عند المسيحيين، بعد بيت المقدس، و منذئذ ابدى البابا و الكنيسة اهتماما اكبر بقضايا الاندلس، فطلب غريغوري من الامراء ان يساهموا في اعداد الجيوش لحرب المسلمين [رانسيمان، 1371ه، 115] ان حرب زلاقة سنة 479 ه (1086م) التي وقعت ‏بين المسلمين بقيادة يوسف بن تاشفين (رئيس دولة المرابطين)، و المسيحيين بقيادة الفونس السادس ملك كاستيل، و التي انتهت ‏باندحار المسيحيين، كانت ما تزال تؤلم الصليبيين(6).

     و حرب منازجرد او ملازجرد (464 ه/1071م) بين الب ارسلان و رومانوس ديوجانوس، امبراطور بيزنطة، التي ادت الى هزيمة المسيحيين تلك الهزيمة المنكرة بوقوع الامبراطور في الاسر، كانت من تجليات الحروب التي وقعت ‏بين المسلمين و المسيحيين(7). و قبل نحو قرن من ذلك التاريخ قام سيف الدولة الحمداني، رئيس الدولة الشيعية في حلب، بمحاربة الروم اربعين مرة(8).

     البابا الجديد، اوربانوس الثاني، و بالذهنية التاريخية التي كان يحملها، مثل سلفه غريغوري، سعى الى التعبئة العامة ضد المسلمين، فتحرك سنة 1059م من روما الى شمال ايطاليا، و عقد اول اجتماع صليبي في مدينة پياكنزا، استجابة لطلب امبراطور روما الشرقية لتقديم الغرب العون له في حربه ضد المسلمين. و لكن بالنظر للاختلافات بين البابا و الامبراطور، لم يحصل شيء [محمود العروسي المطوي، 54] الا انه بعد بضعة اشهر تحقق هذا الامر في مجمع كلرمون.

     و من جهة اخرى، و على العكس من القرون الاولى لحياة المسيحية التي كانت تعتمد على الجانب الالهي للسيد المسيح اكثر من جانبه البشري، منذ اوائل القرن الخامس الميلادي و تاسيس المذهب النسطوري و تجليل المعراج و صلب المسيح، اصبح الحج الى بيت المقدس من شعائر المسيحيين الكبرى، و شيدت هلنا، ام قسطنطين امبراطور روما الشرقية، كنيسة القيامة. و في القرن العاشر، عند استتباب شي‏ء من الامن للغربيين في البحر الابيض المتوسط، ازداد عدد الحجاج الى بيت المقدس، و هذا التحسن في ظروف الحج، كما يقول رانسيمان، كان له تاثيره في الفكر الديني بحيث ان الحج الى بيت المقدس اعتبرته الكنيسة بمثابة الاستغفار و التوبة من الاثم [رانسيمان، 62] لذلك كان من الطبيعي ان يكون تحرير كنيسة القيامة و قبر المسيح احد اسباب نشوب الحروب الصليبية.

     كثير من حجاج بيت المقدس عند رجوعهم كانوا يطرحون قضية عدم وجود امان للمسيحيين، مع انه قبل الحروب الصليبية، خلال حكم الفاطميين في فلسطين، كانت لهذه الدولة علاقات حسنة مع المسيحيين و صرفت مبالغ كبيرة لترميم كنيسة بيت المقدس [دورانت، ج 4، 738] جاء في رحلة ناصر خسرو: «كل سنة ياتي خلق كثير الى هناك للزيارة، و ملك الروم ياتي في النهاية بحيث لا يعلم به احد» [ناصر خسرو، 1370 ه. ش، 44] و يعتقد رانسيمان، الذي يحمل شيئا من التعصب ضد المسلمين، ان امن المسيحيين في الحكومة الاسلامية اكثر منه في الحكومة الرومانية [قدري قلعجي، 1399ه، 29] هذا المؤرخ نفسه ينقل عن دائرة المعارف الاسلامية، مؤكدا ان في عصر تتش السلجوقي، و ارتق، عامله على بيت المقدس، لم يظهرا اي عداء ضد المسيحيين(9) [رانسيمان، 99] و في كتاب تاريخ بطريق الاسكندرية يقول ان حكم الاتراك في فلسطين كان افضل بكثير من حكومة فرانكني التي جاءت بعدهم [رانسيمان، 103]. ان الغربيين، بهذه النظرة الدينية، و ماضيهم التاريخي و الحاجات الاجتماعية و الاقتصادية، هجموا على المناطق الشرقية من البحر الابيض المتوسط، او ارض اللبن و العسل. الا ان هذا الهجوم الخارجي و حضور الصليبيين الظالم في الجانب الآخر من البحر الابيض المتوسط (الذي دام نحو قرنين) لم يكن كافيا، و انما الحالة الاجتماعية في العالم الاسلامي كانت ‏بحيث انها ساعدت على تقدم العدو و ابقائه في تلك المنطقة.

 

الحالة في العالم الاسلامي

     الخلافة في بغداد كانت اشبه بمؤسسة تشريفاتية، و الخليفة كان شخصا عديم الارادة و ضعيف الشخصية، و لم يكن قادرا على القيام بالتعبئة العامة، لا معنويا و لا عسكريا. ان شمس عظمة التركمان التي كانت قد صاغت امبراطورية السلاجقة العظمى افلت‏ بعد موت ملكشاه، و بقي كل جزء من تلك الدولة الكبيرة السنية المذهب بيد امير او اتابكي. و الفاطميون الذين كانوا يضاهون السلاجقة من حيث القوة، كان مصيرهم مصير السلاجقة بعد موت ثامنهم، المستنصر بالله. كان الانحطاط الاخلاقي و السياسي في ساير نقاط شمال افريقيا، مثل الاندلس و صقلية، دليلا على ضعف الامبراطورية الاسلامية. و كانت جميع الدول الاسلامية في نزاع دائم مع بعضهم (باستثناء الدولة الفاطمية) على الرغم من انها كانت تطيع الخليفة في بغداد و تدين بالولاء الديني للخلافة العباسية. يقول ابن الاثير:

     «تفرقت فيه بالمسلمين الآراء و اختلفت الاهواء و تمزقت الاحوال». {ابن الاثير، 1408ه ج 6، 221} الا ان اهم دافع لاستمرار الحروب الصليبية و توسعها في الجغرافية الاسلامية هو النظرة التي كان يحملها فقهاء اهل السنة عن المذهب المخالف، خاصة الاسماعيلية، و من الوجوه البارزة في هذا الخضم هو ابو حامد محمد الغزالي الذي بين نظرية مشروعية الخلافة و الحكومة النابعة من القوة، و ايد في كتاباته عزم الخليفة و الحاكم، معتبرا المخالفين ضد الدين و اهدر دماءهم(10). و استنادا الى هذه النظرية افتى بقتل الشيعة، و الاسماعيليين بصفة خاصة، و اتباع الخلافة الفاطمية. و لكنه، على الرغم من حضوره في الشام و مشاهدته المذابح الصليبية بنفسه، لم يصدر اي فتوى ضدهم، و لم يحرض الخليفة و لا السلطان و لا الناس على الجهاد ضد الكفار، و قد حاول بعض الباحثين العرب الذاهبين مذهب الغزالي ان يسوغوا سكوت الغزالي ازاء الصليبيين بشكل من الاشكال.

     اعلن الدكتور عمر فروخ، في مؤتمر احياء ذكرى الغزالي الذي عقد في دمشق سنة 1961م، ان سبب سكوت الغزالي كان مرضه النفسي و اتجاهه نحو التصوف، بمثلما فعل كل من محيي‏الدين بن العربي و ابن الفارض بصفتهما من ابرز وجوه التصوف يومذاك و لم يصدروا اي فتوى ضد الكفار. و اذا كان هذا التسويغ مقبولا بالنسبة لامثال ابن العربي‏و ابن الفارض طبقا لمشربهم في التصوف الفلسفي، فانه لن يكون مقبولا لدى الغزالي الصوفي و المتعصب في الدين و ضد الفلسفة، و ذلك لانه كتب اكثر ما كتب ضد الاسماعيلية خلال تلك الفترة من ازمته الروحية.

     الدكتور زكي مبارك، في كتابه الاخلاق عند الغزالي، يعتبر انشغال الغزالي بالاوراد و الاذكار و الاعتكاف سببا في سكوته، مؤيدا بذلك راي عمر فروخ. اما الدكتور عبدالكريم عثمان فيعتقد ان الغزالي لم يكن في الشام اثناء احتلال الصليبيين بيت المقدس، لذلك فلا لوم عليه [عبدالكريم عثمان، بلا تاريخ، 24- 27] ان الحرب الصليبية كانت قضية كل المسلمين و العالم الاسلامي. لذلك كان على الغزالي، حيثما كان (في خراسان او في بغداد او في الشام)، و بصفته مجدد الثقافة السائدة يومذاك، اي التسنن، ان يتخذ موقفه و يصدر فتواه(11).

     و ثمة باحث عربي معاصر آخر ممن سوغوا خطا الغزالي هو الدكتور عبدالله الشرقاوي الذي يقول ان رد الغزالي على المسيحيين في كتابه الرد الجميل لالوهية عيسى بصريح الانجيل(12) انما هو استنكار و تخطئة للحروب الصليبية.

     الباحث العربي المعاصر الآخر، احمد عرفات القاضي، في كتابه الفكر السياسي عند الباطنية و موقف الغزالي منه، يسوغ الامر تسويغا آخر و يبرئه من الخطا. لابد، على كل حال، من ملاحظة ان المرحوم المينوي ينسب رسالة بعنوان تحفة الملوك(13) الى الغزالي. و في الباب الحادي عشر منها، و تحت عنوان «الحث على الجهاد» يدعو المسلمين و السلاطين و الامراء الى محاربة الصليبيين. و مما جاء في هذه الرسالة ما مضمونه: «و خير من ذلك ان تنفق العمر في رضا الله تعالى و ان تسترجع بيت المقدس، قبلة الانبياء، من ايدي الكفرة»(14)، و لكن بالنظر الى ان كاتب الرسالة يصدر مختلف الفتاوى بموجب الفقه الحنفي، يستبعد ان يكون كاتبها هو الغزالي الشافعي المتعصب.

     و عالم آخر من العلماء و الفقهاء الذين عاصروا الحروب الصليبية هو شرف الدين ابو سعد عبدالله بن محمد بن هبة الله التميمي المعروف بابن ابي عصرون (492- 585 ه/1098- 1189م)، و هو من الفقهاء و القضاة الشافعيين في العراق و الشام، و معاصر الاتابكيين في الموصل و الايوبيين، و يعتبر من اساتذة عمادالدين الكاتب الاصفهاني و المؤرخ المعروف. من مفاخره انه، بعد زوال الدولة الفاطمية في مصر على يد صلاح‏الدين، قام سنة 567 ه (1171م) على راس وفد بالسفر الى بغداد الى الخليفة العباسي و بارك له عودة سلطة الخلافة العباسية على القاهرة [ابن الجوزي، 1412ه، ج 10، 273] ان فرحة اهل السنة بالقضاء على الحكم الفاطمي كان على درجة حمل ابن الجوزي، المؤرخ المشهور، و صاحب المنتظم، ان يؤلف كتابا في ذلك بعنوان النصر على مصر [ابن الجوزي، ج 10، 273] جاء في التاريخ انه بعد موت نورالدين زنكي، عقد امراء دمشق سنة 570ه (1174م) معاهدة سلام مع المحاربين الصليبيين، دون ان ينبس ابن عصرون هذا ببنت ‏شفة على الرغم من طلب صلاح الدين بعدم السكوت، فكتب اليه رسالة يوبخه فيها على صمته(15) [ابو شامة، 1956- 1962م، ج 1، 231] كثير من المؤرخين المبرزين، مثل ابن الاثير، جعلوا احد الاسباب المهمة للحروب الصليبية هو خوف الفاطميين من نفوذ السلاجقة الى مصر، و انه كان الدافع لهم على تبادل الرسائل مع الصليبيين و دعوتهم للوقوف بوجه السلاجقة [ابن الاثير، ج 6، 337] على الرغم من ان الفاطميين كانت لهم مراسلات مع المسيحيين، و لكنهم في اول حرب لهم مع الصليبيين و كانت اهم تلك الحروب و اوسعها - بذلوا تضحيات كبيرة، و هذه حقيقة اعترف بها المؤرخون المسيحيون المعاصرون لتلك الحروب، مثل ويليام صوري، و فوشه دشارتر يشيرون في كتبهم الى ان دولة الفاطميين كانت اقوى دولة اسلامية في المشرق دافعت عن كيان الاسلام(16). فوشه دشارتر، الذي شهد الحملة الصليبية الاولى بصفة مؤرخ و مخبر، لم يشر في اي من مؤلفاته الى مذاكرات الفاطميين و مراسلاتهم مع الصليبيين(17). ان الاشارة الى معاهدة صلح بين المسيحيين الصليبيين و الفاطميين جاءت من جانب اهل السنة الذين كانوا يرون في الفاطميين عدوهم الاول و يسعون الى تشويه سمعتهم، و كذلك من جانب المصادر اللاتينية المعاصرة(18).

     تشير المصادر المسيحية و الاسلامية كافة الى انه بعد سقوط بيت المقدس، كان الافضل بن بدر الجمالي، وزير الفاطميين المستعلى بالله، اول المدافعين عن حريم المسلمين(19). حتى ابو المحاسن بن تغرى بردى، المعروف بين المؤرخين بالتعصب ضد الفاطميين، كتب يقول: التحق افضل، بعد سقوط القدس الشريف، بجيش مصر المتجه الى الشام. و يضيف:

«فان الافضل شاهنشاه ابن امير الجيوش بدر الجمالي، بلغه ان الفرنج ضايقوا بيت المقدس، فخرج اليهم في عشرين الف من عساكر مصر وجد في السير» [ابن تغرى بردى، بلا تاريخ، ج 5، 145] ابن القلانسي ايضا يشير الى هذه الواقعة [ابن القلانسي، 1403ه، 136] و لكيلا نطيل في المقال نهي هذه المقدمة و نعرج على الموضوع الاصلي، اي آثار الحروب الصليبية.

 

آثار الحرب في جغرافية شرق البحر الابيض المتوسط

     على اثر بدء الحملات الصليبية بدات الهجرات الكبرى من الغرب الى الشرق، كما ان مناطق من شرق البحر الابيض المتوسط، و خاصة المناطق الساحلية، خلت، ببدء الحرب، من سكانها المسلمين و اصبحت ماوى للمسيحيين، من الجنود و غيرهم من المهاجرين. مثلا، اول امارة صليبية نشات في جغرافيا الاسلام كانت (رها) او (ادسا) اكثر سكان هذه المدينة كانوا مسلمين، ثم من السريان و النسطوريين و الارمن. و عند هجوم الصليبين اصبح معظم سكنة رها من المسيحيين اللاتين او المغاربة.

     و في امارة اخرى، انطاكية - التي قال عنها ويلبراند انه رآها في 1212م - كان يسكن الاثرياء الافرنج و السريان و اليونانيون و الارامنة و المسلمون [قاسم عبده قاسم، 1990، 200] في سنة 1241م اشار فيتري الى ان المارونيين من الطبقات الرئيسة في المجتمع الشامي، فقال:

     «المارونيون ينتسبون الى مارمارون، القسيس المسيحي في القرنين الرابع و الخامس الذين كانوا يسكنون شمال غربي سوريا، و هم في الاصل شعبة من الروم الشرقيين الذين سكنوا قبل الاسلام منطقة شمال سوريا، و على اثر الصراعات الطائفية في القرن السادس الميلادي، هاجروا الى شمال لبنان. و في الحروب الصليبية كان المارونيون من اهم المتعاونين مع الصليبيين، نظرا لان معظم هؤلاء كانوا من فرنسا. لذلك ففي سنة 648 ه (1250م) عقدت معاهدة صداقة بين الروم و لويس التاسع، و قد جاء في الرسالة التي ارسلها لويس الى بطريق المارونيين:

     اننا نتعهد بحماية الشعب الماروني كما نحمي الفرنسيين انفسهم، فالمارونيون جزء من الشعب الفرنسي» [قاسم عبده قاسم، 200]».

     ان الآثار العمارية و البنايات الباقية في المنطقة من الصليبيين، و خاصة في لبنان، تدل على تزايد عدد المسيحيين بعد الحروب، على الرغم من ان العديد من العمارات غير العسكرية، قد انهارت لاسباب طبيعية او سياسية او دينية. و من تلك الابنية كنيسة ماريوحنا في جبيل بشمال لبنان، و كنيسة مارمرقس في صور، و كنيسة ماريوحنا في بيروت [ناصري طاهري، 97- 99] بالاضافة الى الاستعاضة بالمسيحيين في المنطقة، فان الاهمية الطبقية للمسلمين قد تغيرت ايضا بسبب الحرب. مثلا، الاكراد الذين كانوا يسكنون في المنطقة، اصبحت لهم اهمية خاصة بظهور صلاح‏الدين و دوره العسكري في الحروب الصليبية، و كثيرا ما جرت مصادمات بينهم و بين التركمان و خلقوا بعض المشاكل [احمد رمضان، 1977م، 55] بعد احتلال بيت المقدس و اخراج باقي المسلمين و حتى اليهود، اصبحت هذه المدينة عاصمة للمسيحيين في قلب العالم الاسلامي.

     على اثر تلك التطورات في الجغرافية المدنية للشام، هاجرت اعداد كبيرة من مسلمي الشام الى مصر، و بعد اخفاق الصليبيين في الاستيلاء على مصر كما استولوا على الشام ازدادت الهجرة اليها(20). اما المسلمون الذين كانوا يسكنون المناطق الداخلية من الشام بصفتهم اقلية، فقد حافظ بعضهم على معنوياتهم و تعاونوا مع المحاربين المسلمين. يقول اسامة بن منقذ ان المسلمين من سكنة عكا كانوا يخفون الاسرى من المسلمين و يهربونهم الى المناطق الاسلامية الاخرى [اسامة بن منقذ، 1981م، 82] هذه الاقلية من المسلمين في المناطق المحتلة سعوا الى الاحتفاظ بهويتهم الدينية و الثقافية في قبال الاكثرية الصليبية(21)، على الرغم من ان التاريخ يذكر لنا ان المسلمين في بعض المناطق اضطروا، تحت ضغط المحتلين الصليبيين و ظلمهم الشديد، الى ترك دينهم و اعتناق المسيحية للابقاء على حياتهم(22).

     انتشار التصوف و الدروشة كان من النتائج السلبية للحروب الصليبية. ان التشتت السياسي في العالم الاسلامي قبل الحروب الصليبية - الذي كان بذاته من الاسباب المهمة في تقدم الصليبيين في حروبهم - تحول الى نوع من اللاابالية عند المسلمين بعد الحرب الصليبية الاولى و احتلال بيت المقدس. بعد احتلال القدس الشريف، عندما قام اهل الشام بصحبة قاضي دمشق بالسفر الى الخليفة في بغداد و طلبوا عونه باكين، حال الخصام و النزاع السياسي و الفكري فيما بين الدول الاسلامية دون حصولهم على المساعدة المطلوبة. و بعد الحرب الصليبية الاولى، التي ادت الى احتلال الصليبيين الكثير من الارض الاسلامية، انتشرت روح اللاابالية و حب العزلة انتشارا واسعا بين اهل الشام و طلاب الحق في تلك الديار، في الوقت الذي كانت فيه النساء المسيحيات ياتين من الغرب لاعانة رجالهن و يحاربن جنبا الى جنبهم، بينما هرب اكثر المسلمين من الحرب، و بدلا من امتشاق الحسام و محاربة العدو، راحوا يرفعون ايديهم بالدعاء. يخاطب القاضي الفاضل العسقلاني كاتب صلاح الدين الايوبي قائلا:

     ليس لك من المسلمين كافة مساعدة الا بدعوته، و لا مجاهد معك الا بلسانه . . . تدعوهم الى الله و كانما تدعوهم لنفسك، و تسالهم الفريضة و كانما تكلفهم النافلة [ابو شامة، ج 2، 166] عمادالدين الكاتب الاصفهاني ايضا يقول في احدى رسائله:

     و ما ينقضي‏عجبنا من تضافر المشركين و قعود المسلمين . . . و ليس احد من الفرنجة يستشعر ان الساحل اذا ملك و رفع فيه حجاب عزهم و هتك، يخرج بلد عن يده و تمتد يد الى بلده، و المسلمون بخلاف ذلك قد وهنوا و فشلوا و غفلوا و كسلوا و لزموا الحيرة و عدموا الغيرة. {الاصفهاني، 1331 ه، 47} احد الشاميين المجاهدين يخاطب صديقه الذي فر من الجبهة و عكف في المسجد يدعو و يتعبد، فيقول له موبخا:

يا عابد الحرمين لو ابصرتنا      لعلمت انك في العبادة تلعب

من كان يتعب خيله في باطل      فخيولنا يوم الكريهة تتعب

لو كان يخضب خده بدموعه      فنحورنا بدمائنا تتخضب

ريح العبير لكم و نحن عبيرنا      رهج السنابك و الغبار الاشهب

و لقد اتانا عن مقال نبينا      قول صحيح صادق لا يكذب

لا يستوي غبار خيل الله في      انف امرئ و دخان نار تلهب

{الكيلاني، 1982، 44}

     من القاعدين الآخرين الذين انعزلوا في معاكفهم يتغنون بوصف الشراب و المعشوق، و لم يستخدموا شعرهم حتى في تحريض المسلمين على الجهاد و مقارعة الاعداء، كان ابن الفارض(23).

     كان لحالة اللاابالية و الضعف نتيجة اخرى، و هي انصراف الناس و العلماء الى الاحلام و رؤية الانبياء و الاولياء في المنام، بحيث ان كآبتهم و قلقهم من احتلال المدن الاسلامية عالجوها، بدلا من الحرب، بالرؤى و الخيال. فمثلا، ابو الحسن الهروي(24)، الرحالة المعروف الذي فقد امواله و كتبه في الحملات الصليبية [ناصري طاهري، 79]، يقول فى كتاب رحلاته:

     و دخلت عسقلان سنة سبعين و خمسمائة، بت في مشهد ابراهيم «عليه السلام» و رايت في ذلك الموضع رسول الله في المنام و هو بين جماعة، فسلمت عليه و قبلت‏يده و قلت: يا رسول الله ما احسن هذا الثغر لو انه للاسلام. فقال: سيصير للاسلام و يبقى عبرة للانام. فاستيقظت و كتبت صورة ما رايته على حائط . . و فتح القدس و عسقلان سنة ثلاث و ثمانين و خمسمائة [. . . الهروي، 1953، 32] هذا كان الاتجاه الفكري يومذاك و الذي انبرى لمكافحته بعد ذلك ابن تيمية، و تلميذه ابن قيم الجوزية(25).

     من جهة اخرى، عند مطالعة كتب تاريخ الفن و العمارة الاسلامية نلاحظ انه في العصرين الايوبي و المماليك، كان في مصر و الشام العديد من التكايا و الزوايا بحيث اننا لا نرى مثل ذلك قبل الايوبيين(26). و كان هناك اصحاب الطرق و الفرق الصوفية الكثيرة التي تشكلت ‏خلال تلك الفترة، مثل الفرقة الاحمدية التي انشاها السيد احمد البدوي سنة (596- 675 ه/1199- 1276 م .) في طنطا بمصر(27)، و الفرقة الرفاعية المنسوبة الى احمد الرفاعي (متوفى 578 ه/1183 م)، و الفرقة الشاذلية &#