من تاريخ الاستشراق مرحله ما بعد الحروب الصليبيه

الدكتور محمد الدسوقي

 

     الدارس لتاريخ الاستشراق يلاحظ أنه بدأ أولى خطواته في رعايه الكنيسه، و أن الجيل الأول من المستشرقين كان من الرهبان و القساوسه، و مازال بعضهم حتى الآن من رجال اللاهوت، و أن روح التعصب و الأفكار الكنيسه و النظره إلى الإسلام نظره غير موضوعيه قادت الفكر الاستشراقي عبر تاريخه الطويل حتى العصر الحاضر.

     على أن الاستشراق مع هذا مر بعده مراحل أو فترات تاريخيه و يمكن تقسيمها على النحو التالي:

 

1. المرحله الأولى:

     و تبدأ بعد فتح الأندلس، و ازدهار الحياه العلميه فيها، و كذلك جزر البحر المتوسط و جنوب إيطاليا، و تنتهي هذه المرحله بانتهاء الحروب الصليبيه.

 

2. المرحله الثانيه:

     و تبدأ بعد الحروب الصليبيه، و تمتد إلى منتصف القرن الثامن عشر الميلادي تقريباً.

 

3. المرحله الثالثه:

     و قد بدأت في منتصف القرن الثامن عشر على وجه التقريب؛ و استمرت إلى نهايه الحرب العالميه الثانيه.

 

4. المرحله الرابعه:

     و بدأت بعد الحرب العالميه الثانيه، و مازالت مستمره حتى الآن.

     و قد روعي في هذا التقسيم تميز كل مرحله بخصائص معينه، و إن كان هناك قاسم مشترك بين كل هذه المراحل، و خاصه تلك التي بدأت بعد الحروب الصليبيه.

     و في الصفحات التاليه حديث موجز عن المرحله الاولى، حديث يهتم بالكليات دون الجزئيات، أو الحقائق العامه دون التفصيلات الفرعيه. أو ثم التركيز على المرحله الثانيه (مرحله مابعد الحروب الصليبيه)، و نترك الحديث عن باقي المراحل لبحوث قادمه.

 

بدايات الفكر الاستشراقي

     من المعروف تاريخياً أن الغرب كانت له محاولات قبل الإسلام لمعرفه الشرق و الشرقيين1، بيد أن هذه المحاولات ما كانت تسعى إلى ما يسعى إليه الغرب بعد ظهور الإسلام، و دخوله أوربا في مستهل القرن الهجري الثاني.

     إن اوربا بعد فتح الأندلس و جزر البحر المتوسط، وَلّت وجهها نحو الشرق لأن نوراً جديداً انبثق فيه، و اكتسح ظلمات الفرس و الروم، هذا النور الذي بدد دياجير الوثنيه في الجزيره، و وحد بين القبائل العربيه المتصارعه، و أنشأ منها قوه عادله ضاربه مزقت أكبر القوى في ذلك العصر، و مكنت لدين الله في الأرض، فانتشر الإسلام في فتره زمنيه و جيزه بين شعوب و أقطار متباينه اللغات و العقائد و العوائد، مما أثار دهشه أهل أوربا، و حملهم على أن يقفوا على سر تلك الظاهره الفريده في تاريخ البشريه، و أن يلموا بثقافه و علوم هؤلاء المسلمين الذين أصبحوا مثلاً أعلى للتقدم و الحضاره، و أصبحت حواضرهم مثاباتٍ للبحث و الدرس و مراكزَ للثقافه و الفكر.

     إن أوربا التي كانت حين حمل العرب الإسلام إليها تغظُّ في سُبات الجهل و التخلف، و المعتقدات الفاسده، و الصراع الطبقي، و التناحر حول الزعامه و السلطه، سعت لأخذ علوم المسلمين و ثقافتهم، و كذلك لمعرفه مناط قوتهم، و عوامل مجدهم، و أسباب وصولهم إلى مراكز القياده في العالم الذي كان معروفاً حين ذاك2. و كان من مظاهر ذلك، هجره شباب أوربا لطلب العلم في مراكز الثقافه الإسلاميه و خاصه في الأندلس، و إرسال البعثات التعليميه الرسميه إلى هذه المراكز، و إقامه صلات الموده بين بعض الحكام، كما حدث بين الرشيد و شارلمان، و كذلك إنشاء المدارس في أوربا على غرار ما كان في البلاد العربيه، و استقدام الأساتذه و العلماء المسلمين للتدريس فيها مع الأساتذه الأوربيين الذين أتموا دراستهم في الديار الإسلاميه، ثم نقل التراث العلمي الإسلامي إلى اللغه اللاتينيه التي كانت لغه العلم في أوربا في ذلك الوقت، و بدأت حركه الترجمه في القرن التاسع الميلادي، و نمت بعد ذلك، و لا سيما بعد سقوط طليطله عام 478 هـ، 1805 م، فقد أنشأ رئيس أساقفتها ديواناً للترجمه كان يضم بعض العرب الذين تعلموا اللاتينيه و قام هذا الديوان بنقل التراث العربي برمته من فلسفه و أدب و فلك و طب .. إلخ .. إلى هذه اللغه ..

     و تعد صقليه من أهم مراكز الترجمه التي أثرت في أوربا تأثيراً بالغاً و خاصه في مجال العلوم الطبيه.

     لقد حكم العرب هذه الجزيره اكثر من قرنين و نصف من الزمان (212-484 هـ) و نشروا في ربوعها حضاره مزدهره كانت لها انعكاساتها الإيجابيه على نهضه أوربا، و تطور الحياه العلميه فيها.

     لقد كانت أوربا تتلمذُ على أيدي العرب، كانت تتعلم لغتهم، و تترجم علمهم، و تنشىء المدارس على غرار مدارسهم، و تضع لها المناهج الدراسيه المنقوله عن المناهج العربيه، و من ثم لم يكن للعلماء الأوربيين في تلك الحقبه إنتاج علمي خاص، لاعتماداً كلياً على التراث العربي، و كل ما ظهر من مؤلفات لاتينيه لاتعدو أن تكون ترجمات لمولفات إسلاميه أو نقلاً عنها3.

     و يصف بعض الأوربيين اقبال غير المسلمين، و خاصه الشباب على تعلم العربيه، و دراسه الكتب الإسلاميه فيقول: «النصارى كانوا يحبون قراءه القصائد و القصص العربيه و دراسات الفقهاء و الفلاسفه العرب لا لدحضها، بل لامتلاك ناصيه لغه عربيه سليمه جميله، فأين سوى رجال الدين من يقرأ الآن التعاليق اللاتينيه على الكتاب المقدس، أو يدرس الإنجيل و الرسل و الحواريين؟ وا أسفاه!! إن الشباب النصراني يدرس و يقرأ بحماس الكتب العربيه، إنه يجمع مكتبات كثيره بأثمان باهظه، و يحتقر الأدب النصراني، و لايعيره اهتماماً، لقد نسي الشباب لغتهم، و في مقابل شخص واحد يستطيع كتابه رساله إلى صديقه باللاتينيه، هناك ألف شخص ممن يستطيعون التعبير في رساله بالعربيه، و ينظمون في هذه اللغه قصائد أجمل مما يفعل العرب أنفسهم»4، و لكن أوربا، مع أخذها عن المسلمين، و على الرغم من شده حاجتها إلى ما أخذت، كانت تشعر بشعور المعاداه و البغضاء تجاه من يأخذون عنهم، و كان ذلك بسبب الانتصارات الحربيه التي حققها المسلمون منذ معركه مؤته (8 هـ) إلى معركه بلاط الشهداء (114 هـ).

     إن الإسلام الذي انتشر في فتره زمنيه و جيزه في بقعه فسيحه من العالم كان المشكله البعيده المدى بالنسبه لأوربا، و لهذا قاومته مقاومه عنيفه، في شتى المجالات، و كان رفضها إِيّاه يكاد يكون شاملاً من كل الجوانب5.

     و كان النصر العسكري الذي أحرزه المسلمون تتراءى صورته في مخيله الأوربيين، و لا سيما الحكام و القاده، فتزعج خواطرهم، و تبعث في نفوسهم روح التوجس و الخوف من أن تفاجِئهم الجيوش الاسلاميه، و تغزوهم في عقر دارهم. و قد اذكى هذا الشعور بالمعاداه و القلق موقف الكنيسه من حركه الفتوحات الإسلاميه، و هيمنه الفكر الإسلامي على شباب أوربا. فقد كانت، بلا جدال، ترى في هذه الفتوحات تقليصاً لنفوذها، و في إقبال الأوربيين على دراسه العلوم العربيه تقويضاً لسلطانها، لقد كانت تقود الحياه في مختلف مجالاتها من منظور الفكر الكنسي، و هو فكر يناهض النظر العقلي، لأن هذا النظر يكشف عن تناقض ذلك الفكر، و أنه يسلم بقضايا يرفضها العقل. فإقبال الأوربيين في حماس بالغ على دراسه العلوم العربيه و الثقافه الإسلاميه بما تمثله من حريه دينيه و فكريه، و بما تؤكده من أن الناس جميعاً أمام خالقهم سواء، و أن أحداً و لو كان نبياً مرسلاً لايملك لأحد نفعاً و لا ضراً، و أن الله فرد صمد لم يلد و لم يولد، و ان المسيح (ع) بشر كسائر البشر، يؤدي لا محاله إلى انهيار ما تتمتع به الكنيسه من نفوذ، زعمت أنه حق خوله الله إياها، و إلى نبد ما تدعو إليه و تحاول فرضه من مفاهيم ملوثه بالخرافات و الأساطير، و التقت أهداف الكنيسه مع حكام أوربا في الوقوف ضد المد الإسلامي، سواء أكان هذا المد في صوره فتح جديد، أو صوره نشر الفكر الإسلامي و اللغه العربيه، و اتفق الجميع على القيام بعمل مشترك يحول دون بلوغ ذلك المد غايته في القضاء على السلطتين، الدينيه و الزمنيه في أوربا، و كانت الكنيسه تجمع بينهما بوجه عام.

     لقد أخذت الكنيسه عن طريق رجالها في تحذير الجماهير من الهجره إلى بلاد المسلمين، و دراسه العلوم الإسلاميه، لأن في ذلك خطراً على عقيدتهم النصرانيه، و لكن الكنيسه، على ما بذلت من جهد، لم تنجح في وقف تيار الرحله للاغتراف من مناهل الثقافه الإسلاميه، و بدا لها أن الأمر يقتضي عملاً منظماً يحقق ما تصبو إليه في منع الهجره إلى العالم الإسلامي، و تشويه صوره الإسلام و المسلمين لدى الأوربيين، و تمثل هذا العمل في امرين:

     الأول: قامت الكنيسه بإيفاد عدد من القساوسه الذين أُعِدُّوا إعداداً خاصاً إلى بعض العواصم الإسلاميه في الأندلس و المغرب العربي لدراسه العربيه و علومها، رائدهم في هذا تتبع العورات، و تلمس الشبهات، ليقوموا بعد عودتهم إلى بلادهم بتأليف الكتب و إِلقاء المحاضرات المشحونه باختلاق المثالب، و إثاره الحفاظ ضد المسلمين.

     الثاني: انشاء بعض المدارس العربيه في روما و غيرها، لإعداد أجيال من المتخصصين في العلوم الإسلاميه على نحو يؤهلهم لنشر كل مايسيء إلى الإسلام و المؤمنين به، حتى يفتر حماس الرغبه في الرحله إليهم، و تلقي العلم عنهم.

     و كان أولئك القساوسه الذين أوفدوا إلى ديار الإسلام، طلباً للمعرفه المغرضه، و هؤلاء الذين تعلموا في المدارس العربيه الأوربيه، و على وفق التخطيط الكنسي الذي كان يتغيا مقاومه العقيده الإسلاميه، كان كل هؤلاء هم الطلائع الأولى للاستشراق، و كانت آراؤهم في الإسلام و نبيه و معجزته، و المسلمين و حضارتهم، هي بدايات الفكر الاستشراقي، و هذه البدايات ما كان لها أن تعرف الموضوعيه، أو الأمانه العلميه، لأنها خضعت لتوجيه أراد منها ان تكون حرباً فكريه تحقق ما عجزت كل ما سبقها من محاولات عن تحقيقه.

     إن آراء الجيل الأول من المستشراقين اتسمت بالجهل المتعمد بالإسلام، و الخلط الغربيب بينه و بين غيره من الأديان، و الرغبه العارمه في مقاومه ما يمكن أن يكون لهذا الدين من تأثير، فمحمد، فيما كتبه هؤلاء، ساحر هدم الكنيسه في إفريقيا و في الشرق عن طريق السحر و الخديعه، و ضمن نجاحه بأن أباح الاتصالات الجنسيه، و المسلمون يعبدون ثلاثين إلها، و القرآن يمزج على غير نظام بين تعاليم العهدين القديم و الجديد، او بين التوراه و الإنجيل إلخ .. تلك الأفكار الحاقده الفاسده، المستمده من الأوهام، و آراء العوام، و الكتاب المقدس، و لا علاقه لها بمصدر علمي أو موضوعيه و أمانه.

     فالفكر الاستشراقي إذن نشأ في رعايه الكنيسه، و خضع فيما صدر عنه لتوجيهاتها، و من ثَمَّ لم يكن عملاً علمياً على نحو من الأنحاء، و إنما كان لوناً من ألوان المقاومه للمد الإسلامي.

 

الفكر الاستشراقي بعد الحروب الصليبيه

     لقد كانت الكنيسه في اوروبا كما ذكرنا من وراء كل المواقف المضاده للإسلام، منذ دخل هذا الدين تلك القاره، فقد بذلت كل ما استطاعت من جهد في سبيل الحيلوله بين الأوربيين و الوقوف على تعاليم الإسلام و آدابه، و لكنها على ما بذلت لم تحقق ما سعت إليه، و ظل الأوربيون يقبلون على تعلم العربيه، و الهجره إلى مواطن الثقافه الإسلاميه، و ظل الفكر الإسلامي له تأثيره في عقول الأوربيين و مشاعرهم، فهم ما زالوا يدرسونه، و يترجمون آثاره، بل تضاعف نشاطهم في هذا..

     و لما بدا للكنيسه أن ما قامت به لم يكفل لها بلوغ الغايه في مقاومه المد الإسلامي فكرياً و حضارياً، اتجهت نحو إثاره العامه ضد المسلمين، و شد أزرها في هذا بعض النبلاء و الحكام الطامعين في كنوز الشرق و خيراته، و أتاح التمزق الذي شهده العالم الاسلامي في القرن الخامس الهجري، و ظهور بعض الدول المستقله عن الخلافه في بغداد، للكنيسه فرصه تحويل تلك الإثاره إلى حملات مسلحه تعبر البحر المتوسط لمهاجمه المسلمين في الشرق تحت ستار حمايه الصليب، و انقاذ القبر المقدس من أيدي البرابره المتوحشين، أي المسلمين، كما كانت تعبر عنهم الكنيسه. و تعددت الحملات التي عرفت باسم الحملات الصليبيه، لأن الصلبان و زعت على الحاضرين في مجمع كلرمونت سنه: 1095 م، حيث ألقى البابا أوريان الثاني موعظته التي حث فيها العالم المسيحي على الحرب، لتخليص القبر المقدس من المسلمين، و وعدهم بأن تكون رحلتهم إلى الشرق غفراناً كاملاً لذنوبهم، كما وعدهم بهدنه عامه تحمي بيوتهم في أثناء غيبتهم. و كانت هذه الموعظه الشراره التي أشعلت نار الحملات الصليبيه التي استطاعت أن تحتل منطقه الشام، و تدخل القدس، و ترتكب من الجرائم البشعه ما لايصدقه عقل، إذ قتل نحو سبعين ألفاً من المسلمين في المسجد الأقصى، ما بين رجل و أمراه و طفل، حتى خاضت الخيول في دماء الشهداء. و مكث الصليبيون في أرض الإسلام نحو مئتي عام، و تمكن صلاح الدين بعد أن وَحَّد بين البلاد العربيه من أن يهزم هؤلاء البغاه في موقعه حطين سنه 583 هـ، و كانت هذه الهزيمه بدايه نهايتهم و طردهم من ديار الاسلام. و على الرغم من أن الصليبين عرفوا المسلمين عن كثب، و نقلوا كثيراً من مؤلفاتهم العلميه، و انتفعوا بها في بلادهم، على الرغم من كل هذا لم تتغير صوره الإسلام و المسلمين لدى أوربا، و ظلت مشاعر التعصب متأججه في نفوس أهلها، و زادت الهزيمه في حطين من مواقف العداء، و أيقن الأوربيون أن الإسلام هو مصدر الخطر على مطامعهم في الشرق، و مع هذا تعد نهايه الحملات الصليبيه بدايه مرحله جديده للفكر الاستشراقي امتدت إلى نحو منتصف القرن الثامن عشر الميلادي، و قد تميزت هذه المرحله بما يلي:

     اولاً: أدرك الغرب من خلال حروبه الصليبيه أن الشرق يتفوق عليه فكرياً و حضارياً و اقتصادياً، و أنه يجب على الغربيين أن يسيروا في نفس الطريق الذي سارت فيه شعوب الشرق، لكي ينهضوا و يتقدموا.

     ثانياً: تضاعف الاهتمام باللغه العربيه، و إنشاء الكراسي العلميه الخاصه بها، كما تضاعف الاهتمام بإنشاء المدارس و المعاهد و الجامعات لدراسه الحضاره الإسلاميه، و كانت المؤلفات العربيه في مجال العلوم الهندسيه و الفلكيه و الطبيه و الفلسفيه تدرس في هذه الجامعات التي أنشئت تقليداً مطلقاً للجامعات الإسلاميه في الأندلس و صقليه، و ظلت تلك المؤلفات ماده البحث و الدراسه الجامعيه لنحو سته قرون6.

     ثالثاً: قويت حركه نقل التراث العربي إلى أوربا، و تسابق أهلها في الحصول على اكبر قدر منه، و اشترك في هذا الحكام و المستشرقون و بعض الرحاله و المغامرين الذين كانوا يلجأون إلى السرقه و الخداع و التضليل.

     و ما كان كل هؤلاء فيما يسعون إليه ينتقون من هذا التراث، و إنما كانوا يجمعون منه ما تصل إليه أيديهم، ثم يقومون بتصنيفه بعد نقله إلى بلادهم. و لعل تفرق أجزاء الكتاب الواحد في أكثر من مكتبه في العالم، أو فقد بعض هذه الأجزاء يرجع إلى ذلك.

     لقد ذكر «فيليب دي طرازي / ت: 1956 م» في الجزء الثاني من موسوعته «خزائن الكتب العربيه في الخافقين .. أن في بعض مكتبات لبنان مخطوطه من كتاب «وفيات الأعيان» لابن خلكان، على هامشها حاشيه بقلم قنصل فرنسا في بيروت في منتصف القرن السابع عشر، خلاصتها أنه في سنه 1671 م أرسل عالي الجناب الملك لويس الرابع عشر رسله إلى بلدان الإسلام لشراء المخطوطات، و زود مبعوثيه بأوامر شريفه إلى جميع القناصل الفرنسيه ليضعوا رجالهم و أموالهم في خدمه هذه الغايه. 

     و قام المستشرق الإنجليزي إدوارد يوكوك (ت: 1691 م) الذي عاش خمس سنوات في مدينه حلب السوريه مبشراً، برحله إلى الآستانه: 1637، و جمع مجموعه نفسيه من المخطوطات العربيه، و هي التي تكوّن الآن قسماً من أثمن المخطوطات في المكتبه البودليه في اكسفورد7.

     كذلك قام المستشرق الهولندي يعقوب جوليوس (ت: 1667 م) برحلتين إلى المغرب الأقصى و سوريه اشترى فيهما كثيراً من المخطوطات العربيه، و نقلها إلى مدينه ليدن، و نشر بعضها بين سنوات: 1623-1656.

     لقد نقل الأوربيون آلاف المخطوطات من العالم الإسلامي، و سلكوا في سبيل ذلك طرقاً متباينه، منها السرقه، و التودد إلى بعض القائمين على المكتبات بالهدايا، و التظاهر باعتناق الإسلام، و إبداء الرغبه في الاطلاع على ما خطته أقلام العلماء المسلمين.

     و كانوا بعد نقل تلك المخطوطات إلى أوربا يصنفونها و يفهرسونها، و قد ساعد الاستشراق في هذا بعض علماء الشرق الذي استقدموا لهذه المهمه، كما قاموا بترجمه الكثير مما نقلوه، و خاصه ما يتصل منه بالعلوم الرياضيه و الطبيه إلى اللاتينيه، ثم إلى اللغات الأوربيه، و طبع بعضه بالعربيه بعد اختراع الطباعه.

     و الذي لا مراء فيه أن التراث الإسلامي الذي نقل إلى أوربا قد أسهم بدور فعال في انبثاق عصر النهضه، و اخراج أوربا من ظلمات العصور الوسطى، و لكن الأوربيين كانوا يتجاهلون فضل المسلمين عليهم، و كانوا، في مؤلفاتهم التي أخذت عن الكتب العربيه، أو ما ترجم منها، يزعمون أنهم لم يعتمدوا على مصادر عربيه8، و كشفت الدراسات العلميه المعاصره عن انتحال الأوربيين لمؤلفات و آراء مفكري الإسلام في تلك المرحله من مراحل الاستشراق، فقد اثبتت مثلاً أن هارفي (ت: 1657 م) الذي ادعى أنه أول من اكتشف الدوره الدمويه، قد ترجم ترجمه حرفيه من اللاتينيه التي نقل إليها ما قاله ابن النفيس (ت: 687هـ=1288 م) في هذا الموضوع، فهذا العالم المسلم الذي سبق هارفي بنحو أربعه قرون هو أول من اكتشف هذه الدوره في تاريخ الطب، و ليس ذلك الدعي الذي انتحل ما ليس له.

     رابعاً: و إذا كانت الكنيسه في المرحله الأولى للاستشراق قد جندت بعض الرهبان لدراسه الإسلام، بقصد تنفير الأوربيين منه، و إذا كانت أيضاً قد أنشأت بعض المدارس لتخريج من يتصدى لتأثير الإسلام النفسي على الأوربيين، فإنها في المرحله الثانيه قررت مواجهه هذا الدين على نطاق واسع، ولا سيما بعد أن فتح الأتراك مناطق البلقان، و حاصروا فينا و إنها بعد أن نجحت في العمل على انحسار المد الإسلامي في شبه جزيره أسبانيا لم تنسَ هزيمتها المنكره في حطين، و أزعجها المد الجديد للإسلام في شرق أوربا، و أخذت تخطط لمقاومه الإسلام لا بين الأوربين فحسب، و انما بين المسلمين أنفسهم. فأكثرت من إنشاء المدارس و المعاهد التي تدرس العربيه و العقيده الإسلاميه، لإعداد مبشرين يعلمون على تنصير المسلمين، أو تشكيكهم فيما هم به يؤمنون، و من ثَمَّ عرفت هذه المرحله الاستشراقيه التبشير بالمسيحيه بين المسلمين، و كان يرحل من أجل ذلك إلى البلاد الإسلاميه بعض المستشرقين لجمع المخطوطات من جهه، و للتبشير من جهه أخرى، و أصبحت شخصيه المستشرق تجمع بين الباحث و المبشر، و من هؤلاء من أقام في بلادنا عده أعوام لتلك المهمه.

     و يعد بطرس الكلوني (ت: 1156 م) أول راهب متحمس لحرب المسلمين عن طريق السلاح و الفكر، و كان في رسائله للملوك الصليبين يدعو إلى تنصير المسلمين، فذلك أنفع للمسيحيه من قتلهم، و لهذا كان يعتقد أن المهمه الأولى للحروب الصليبيه هي تنصير المسلمين، و لكنها تحولت إلى عمل سياسي و عسكري، ففقدت بذلك القيام برسالتها، و أرجع بطرس فشل هذه الحروب في القيام بما كان يجب عليها أن تقوم به إلى جهل المسيحيين بحقيقه الدين الإسلامي، و لذا أوجب على نفسه، و حض سواه، على دراسه الإسلام و محاجه المسلمين، و اقناعهم بالتخلي عن الإسلام و اعتناق المسيحيه. و كان مما قام به بطرس للتبشير بالمسيحيه بين المسلمين تكليف مجموعه من المترجمين لترجمه بعض الكتب، للتعرف على الإسلام و دراسه تعاليمه، و لكن هذه الكتب التي ترجمت ألفها يهود متنصرون، أو نصارى مستعربون، و من ثَمَّ كانت أبعد ما تكون عن الإسلام الحقيقي، بل هي إلى الأساطير أقرب منها إلى الدراسه العلميه.

     و من هذه الكتب و نحوها اطلع الغرب على الاسلام، و ترسب في وجدان الأوربيين أن هذا الدين محض افتراء، و أن الذين يؤمنون به و يجاهدون في سبيله قوم مضللون، و أن على الكنيسه أن تتصدى لهذا الدين لا بسيف الحرب، و إنما بسيف التبشير بالإنجيل و التنصير، و مع ما بذله أمثال بطرس الكلوني و غيره من الحانقين و الحاقدين من جهد في سبيل التبشير بالمسيحيه لم يحقق التبشير مهمته، و لم ينجح في أن يدخل في المسيحيه مسلماً واحداً، بيد أن هذا النشاط التبشيري و إن أخفق في مهمته لكن ترتب عليه التواسع في دراسه الدين الإسلامي، و لغه القرآن، و ترجمه الكثير من المؤلفات الإسلاميه إلى اللاتينيه، ثم إلى بعض اللغات الأوربيه، و ترجمه الكتاب المقدس إلى اللغه العربيه.

     خامساً: ترجم القرآن الكريم في هذه المرحله إلى أكثر من لغه أوربيه، و كانت أول ترجمه له قد أنجزت في دير كلوني تحت اشراف بطرس، الذي سبقت الإشاره إليه، فقد جند هذا الراهب المتعصب بعض من يجيدون اللغه العربيه من القساوسه و غيرهم لترجمه القرآن، و بعض الكتب التي ذكرتها آنفاً، ليتخذ من ذلك سلاحاً للهجوم على الإسلام، و الاستهانه به، حتى يستطيع أن يبشر بالمسيحيه بين المسلمين.

     و كانت هذه الترجمه هي الأولى للقرآن الكريم إلى اللغه اللاتينيه، و لم تكن ترجمه بالمعنى العلمي، فقد سيطرت على من قام بها روح العداء و السخريه و الحقد و الكراهيه، و من ثم جاءت مجافيه لمقصود القرآن الكريم، و مشحونه بالأباطيل و الأكاذيب، و يكفي داله على هذا أن من قام بها و صف عمله بأنه تعريه لمبادىء الإسلام للضوء، بعد ما سمح الدارسون في الكنيسه لهذا الكفر أن يتسع و يتضخم، و ينتشر لمده تجاوزت خمسه قرون، و أنه بذلك قشع الدخان الذي أطلقه محمد (ص). ثم يخاطب قارئه قائلاً: لعلك تطفئه بنفخاتك9.

     ما الذي يتوقع من مترجم لكتاب ينظر إليه هذه النظره السوداء؟ لا مراء في أنه سيتعامل معه من منطلق التصرف في أصله، و التحريف في مضمونه و التشويه لحقائقه، و الإضافه الفاسده إليه  ]يريدون أن يطفئو