|
تحوّل القبلة ومسجد القبلتين تحقيق :
محمد علي
المقدادي قال الله
تبارك
وتعالى في
كتابه
العزيز : {سَيَقُولُ
السُّفَهآءُ
مِنَ
النّاسِ
ماوَلّهُمْ
عَنْ
قِبْلَتِهِمُ
الَّتى
كانُوا
عَلَيْها
قُلْ للهِِ
الْمَشْرِقُ
وَالْمَغْرِبُ
يَهْدى مَنْ
يَشآءُ اِلى
صِراط
مُسْتَقيم *
وَكَذلِكَ
جَعَلْناكُمْ
اُمَّةً
وَسَطاً
لِتَكُونُوا
شُهَدآءَ
عَلَى
النّاسِ
وَيَكُونَ
الرَّسُولُ
عَلَيْكُمْ
شَهيداً
وَما
جَعَلْنَا
الْقِبْلَةَ
الَّتى
كُنْتَ
عَلَيْهآ
اِلاّ
لِنَعْلَمَ
مَنْ
يَتَّبِعُ
الرَّسُولَ
مِمَّنْ
يَنْقَلِبُ
عَلى
عَقِبَيْهِ
وَاِنْ
كانَتْ
لَكَبيرَةً
اِلاّ عَلَى
الَّذينَ
هَدَى اللهُ
وَما كانَ
اللهُ
لِيُضيعَ
إيمانَكُمْ
إنَّ اللهَ
بِالنّاسِ
لَرَءُوفٌ
رَحيمٌ * قَدْ
نَرى
تَقَلُّبَ
وَجْهِكَ
فِى
السَّمآءِ
فَلَنُوَلِّيَنَّكَ
قِبْلَةً
تَرْضها
فَوَلِّ
وَجْهَكَ
شَطْرَ
الْمَسْجِدِ
الْحَرامِ
وَحَيْثُ ما
كُنْتُمْ
فَوَلُّوا
وُجُوهَكُمْ
شَطْرَه
وَإنَّ
الَّذِينَ
اُوتُوا
الْكِتابَ
لَيَعْلَمُونَ
أنَّهُ
الْحَقُّ
مِنْ
رَبِّهِمْ
وَمَا اللهُ
بِغافِل
عَمّا
يَعْمَلُونَ
*
وَلَئِنْ
أتَيْتَ
الَّذينَ
اُوتُوا
الْكِتابَ
بِكُلِّ
ايَة ما
تَبِعُوا
قِبْلَتَكَ
وَما أنْتَ
بِتابِع
قِبْلَتَهُمْ
وَما
بَعْضُهُمْ
بِتابِع
قِبْلَةَ
بَعْض
وَلَئِنِ
اتَّبَعْتَ
اَهْوآءَهُمْ
مِنْ بَعْدِ
ما جآءَكَ
مِنَ
الْعِلْمِ
إنَّكَ
اِذاً
لَمِنَ
الظَّالِمينَ
*
الَّذينَ
اتَيْناهُمُ
الْكِتابَ
يَعْرِفُونَه
كَما
يَعْرِفُونَ
أبْنآءَهُمْ
وَإنَّفَريقاً
مِنْهُمْ
لَيَكْتُمُونَ
الْحَقَّ
وَهُمْ
يَعْلَمُونَ
*
الْحَقُّ
مِنْ
رَبِّكَ
فَلا
تَكُونَنَّ
مِنَ
الْمُمْتَرينَ
*
وَلِكُلّ
وِجْهَةٌ
هُوَ
مُوَلّيها
فاسْتَبِقُوا
الْخَيْراتِ
أيْنَ ما
تَكُونُوا
يَأْتِ
بِكُمُ
اللهُ
جَميعاً
إنَّ اللهَ
عَلى كُلِّ
شَيء قَديرٌ * وَمِنْ
حَيْثُ
خَرَجْتَ
فَوَلِّ
وَجْهَكَ
شَطْرَ
الْمَسِجدِ
الْحَرامِ
وَإنَّه
لَلْحَقُّ
مِنْ
رَبِّكَ
وَمَا اللهُ
بِغافِل
عَمّا
تَعْمَلُونَ
* وَمِنْ
حَيْثُ
خَرَجْتَ
فَوَلِّ
وَجْهَكَ
شَطْرَ
الْمَسجِدِ
الْحَرامِ
وَحَيْثُ ما
كُنْتُمْ
فَوَلُّوا
وُجُوهَكُم
شَطْرَه
لِئَلاّ
يَكُونَ
لِلنّاسِ
عَلَيْكُمْ
حُجَّةٌ
إلاَّ
الَّذينَ
ظَلَمُوا
مِنْهُمْ
فَلا
تَخْشَوْهُمْ
وَاخْشَوْنِى
وَلاُتِمَّ
نِعْمَتِى
عَلَيْكُمْ
وَلَعَلَّكُمْ
تَهْتَدُونَ}1 . إن تحوّل
القبلة من
بيت المقدس2 إلى
الكعبة
المشرَّفة
من أهم
الوقائع
التي حدثت في
غرب المدينة
المنورة ،
بعد هجرة
رسول الله(صلى
الله عليه
وآله) إليها
من مكّة
المكرّمة ،
وبعد مضي
أكثر من أربع
عشرة سنة من
أداء الصلاة
ودفن الموتى
وذبح
الذبائح إلى
القبلة
الاُولى
ببيت المقدس . هذه
الواقعة حوت
مراتب كبيرة
من الاُمور
الدينية
والتشريعية
والأخلاقية
والتربوية
والتأريخية
، نستعرضها
في خمسة
محاور
وبالله
التوفيق . أولاً :
البواعث
التي أدّت
إلى تحويل
القبلة . ثانياً :
تفسير
الآيات
الواردة حول
هذا الموضوع . ثالثاً :
الروايات
الواردة في
شأن نزول تلك
الآيات
الشريفة . رابعاً :
ما هو السبب
لجعل بيت
المقدس قبلة
أولا ، ثم
الكعبة
ثانياً؟ خامساً :
زمان تحول
القبلة
ومكانه ،
وكيفية
وقوعه . 1 ـ
البواعث
التي أدّت
إلى تحويل
القبلة لا شك في
أنّ رسول
الله(صلى
الله عليه
وآله) لم يزل
مطيعاً
لأوامر الله
سبحانه
وراضياً بها
، ولم يكن في
نفسه
الشريفة
كراهة حتى
للحظة واحدة
بالنسبة إلى
القبلة
الأولى ، لأن
الكراهة لا
تجتمع مع
الإطاعة ،
ولكنه كان
منتظراً
ومتوقعاً
نزول الوحي
في أمر
القبلة ، كما
يشير إليه
القرآن
الكريم : {قد
نَرى
تقلُّبَ
وجهك في
السماء . . .}3وذلك
لبواعث نذكر
بعضها : 1 ـ نقل
المفسرون
والمؤرخون
أن اليهود
كانوا
يعيّرون
المسلمين ،
ويتفاخرون
عليهم
ويقولون : نحن
أقدم منكم
زماناً
لعبادة الله
نحو الصخرة
في بيت
المقدس ،
وأنتم
اتّبعتم
قبلتنا ،
فاغتمّ
رسولُ الله(صلى
الله عليه
وآله) بذلك
غمّاً
شديداً ، كما
دلّت عليها
الأخبار
الواردة من
طرق
الفريقين ،
الشيعة
والسنة ،
سنذكرها . قال
العلاّمة
الطباطبائي(قدس
سره) : إن
اليهود
كانوا اُمّة
لا يرون لغير
المحسوس من
عالم
الطبيعة
أصالة ، ولا
لغير الحسّ
وقعاً ، إذا
جاءَهم حكم
من أحكام
الله معنوي ،
قبلوه من غير
تكلم عليه ،
وإذا جاءَهم
أمر من ربّهم
صوري متعلق
بالمحسوس من
الطبيعة
كالقتال
والهجرة
والسجدة
وخضوع القول
وغيرها ،
قابلوه
بالانكار
وقاوموا
عليه ودونه
أشد
المقاومة . وبالجملة
فقد أخبر
الله سبحانه
عمّا
سيعترضون به
على تحويل
القبلة
وعلّم رسوله
ما ينبغي أن
يجابوا
ويقطع به
قولهم . أمّا
اعتراضهم :
فهو أن
التحول عن
قبلة شرعها
الله سبحانه
للماضين من
أنبيائه إلى
بيت ما كان به
شيء من هذا
الشرف
الذاتي ، ما
وجهه؟ فإن
كان بأمر من
الله ، فإن
الله هو الذي
جعل بيت
المقدس قبلة
فكيف ينقض
حكمه وينسخ
ما شرعه ،
واليهود ما
كانت تعتقد
النسخ (كما
تقدم في آية
النسخ) ، وإن
كان بغير أمر
الله ففيه
الانحراف عن
مستقيم
الصراط
والخروج من
الهداية إلى
الضلال ، وهو
تعالى وإن لم
يذكر في
كلامه هذا
الاعتراض ،
إلاّ أن ما
أجاب به
يلوّح بذلك؟ وأمّا
الجواب : فهو
إنّ جعل بيت
من البيوت
كالكعبة ، أو
بناء من
الأبنية أو
الأجسام
كبيت المقدس
، أو الحجر
الواقع فيه
قبلة ، ليس
لاقتضاء
ذاتي منه
يستحيل
التعدّي عنه
، أو عدم
إجابة
اقتضائه ،
حتى يكون
البيت
المقدّس في
كونه قبلة لا
يتغيّر حكمه
ولا يجوز
إلغاؤه ، بل
جميع
الأجسام
والأبنية
وجميع
الجهات التي
يمكن أن
يتوجه إليه
الإنسان في
أنها لا
تقتضي حكماً
ولا يستوجب
تشريعاً على
السواء ،
وكلها لله ،
يحكم فيها ما
يشاء ، وكيف
يشاء ، ومتى
يشاء ، وما
حكم به من حكم
فهو لهداية
الناس على
حسب ما يريد
من صلاحهم
وكمالهم
الفردي
والنوعي ،
فلا يحكم
إلاّ ليهدي
به ولا يهدي
إلاّ إلى ما
هو صراط
مستقيم إلى
كمال القوم
وصلاحهم4 . 2 ـ قال
الزمخشري :
كان رسول
الله(صلى
الله عليه
وآله) يتوقع
من ربّه أن
يحوّله إلى
الكعبة;
لأنها قبلة
أبيه
إبراهيم ،
وأدعى للعرب
إلى الإيمان;
لأنها
مفخرتهم
ومزارهم
ومطافهم ،
ولمخالفة
اليهود ،
فكان يراعي
نزول جبريل(عليه
السلام)
والوحي
بالتحويل5 . 3 ـ وذكر أن
الباعث
للتحويل هو
اختبار
المسلمين
وامتحانهم
لاتّباع
النبي(صلى
الله عليه
وآله) بما
أمرهم به وما
نهاهم عنه ،
قال الإمام
أبو محمد
العسكري(عليه
السلام) : إن
هوى أهل مكّة
كان في
الكعبة ،
فأراد الله
أن يبين متبع
محمّد(صلى
الله عليه
وآله) من
مخالفيه ،
باتباع
القبلة التي
كرهها ،
ومحمّد(صلى
الله عليه
وآله) يأمر
بها ، ولما
كان هوى أهل
المدينة في
بيت المقدس ،
أمرهم
بمخالفتها
والتوجه إلى
الكعبة ،
ليبيّن من
يوافق
محمداً(صلى
الله عليه
وآله) فيما
يكرهه ، فهو
مصدقه
وموافقه . . .
الحديث6 . 4 ـ وقد ذكر
أيضاً ، أن
الكعبة كانت
مشغولة في
صدر الإسلام
بأصنام
المشركين
وأوثانهم ،
وكان
السلطان
معهم ،
والإسلام لم
يقو بعد بحيث
يظهر قهره
وقدرته ،
فهدى الله
رسوله إلى
استقبال بيت
المقدس ،
لكونه قبلة
لليهود ،
الذين هم
أقرب في
دينهم من
المشركين
إلى الإسلام
، ثمّ لمّا
ظهر أمر
الإسلام
بهجرة رسول
الله(صلى
الله عليه
وآله) إلى
المدينة ،
قرب زمان
الفتح وتوقع
تطهير البيت
من أرجاس
الأصنام ،
جاء الأمر
بتحويل
القبلة7 . وسنذكر
مطالب اُخرى
في المحور
الرابع إن
شاء الله
تعالى . 2 ـ تفسير
الآيات
المباركة
حول التحويل الآيات
الواردة في
سورة البقرة
من رقم 142 إلى 150
تحكي واقعة
تحويل
القبلة ، وما
هو مربوط
بتلك
الواقعة من
توطين
الرسول(صلى
الله عليه
وآله) نفسه
للجواب عمّا
يثيره
اليهود
والمشركون
حول هذه
المسألة ،
ومن ابتلاء
المسلمين ،
وقبول
صلواتهم
تجاه القبلة
الأولى من
قِبلِ الله
سبحانه
وتعالى ،
وغيرها من
النكات . وقد
ادّعى بعض
المفسرين
تقدم بعض هذه
الآيات على
بعضها الآخر
ونسخ بعضها
بعضاً ، قال
العلاّمة
الطباطبائي(قدس
سره) : الآيات
مترتبة
متَّسقة
منتظمة في
سياقها على
ما يعطيه
التدبر فيها
وهي تنبئ عن
جعل الكعبة
قبلة
للمسلمين ،
فلا يصغى إلى
قول من يقول :
إن فيها
تقدماً
وتأخراً ، أو
إن فيها
ناسخاً
ومنسوخاً ،
وربما رووا
فيها شيئاً
من الروايات
، ولا يعبأ
بشيء منها
بعد
مخالفتها
لظاهر
الآيات8 . إذا عرفت
هذا فلنشرع
ببيان ما ورد
في تفسير هذه
الآيات
البينات ،
ولنبدأ بما
قاله المفسر
المتألّه
الفيض
الكاشاني(رحمه
الله) قال : قوله
تعالى : {سيقول
السفهاء من
الناس} الذين
خفّ أحلامهم
أو
استمهنوها
بالتقليد
والإعراض عن
النظر ، يريد
المنكرين
لتغيير
القبلة من
المنافقين
واليهود
والمشركين ،
وفائدة
تقديم
الإخبار به ،
توطين النفس
وإعداد
الجواب {ما
وَليّهم} ما
صرفهم {عن
قبلتهم التي
كانوا عليها}
يعني بيت
المقدس {قل
لله المشرق
والمغرب} لا
يختص به مكان
دون مكان {يهدي
مَن يشاء إلى
صراط مستقيم}
وهو ما
يقتضيه
الحكمة
والمصلحة من
التوجّه إلى
بيت المقدس
تارةً ، وإلى
الكعبة
اُخرى9 . وقال
العلاّمة
الطباطبائي(قدس
سره) في ذيل
هذه الفقرة
من الآية
الشريفة : {قل
لله المشرق
والمغرب} ،
اقتصر من بين
الجهات
بهاتين
لكونهما
المعينتين
لساير
الجهات
الأصلية
والفرعية ،
كالشمال
والجنوب ،
وما بين كل
جهتين من
الجهات
الأربعة
الأصلية ،
والمشرق
والمغرب
جهتان
إضافيتان
تتعينان
بشروق الشمس
أو النجوم
وغروبهما ،
يعمان جميع
نقاط الأرض
غير نقطتين
موهومتين ،
هما نقطتا
الشمال
والجنوب
الحقيقيتان
، ولعل هذا هو
الوجه في وضع
المشرق
والمغرب
موضع الجهات . ثمّ ذكر(قدس
سره) للفقرة
الأخيرة من
الآية
الشريفة {يهدي
من يشاء إلى
صراط مستقيم}
ما هذا لفظه :
تنكير
الصراط ، لأن
الصراط
يختلف
باختلاف
الاُمم في
استعداداتها
للهداية إلى
الكمال
والسعادة10 . قوله
تعالى : { . . . وما
جعلنا
القبلة التي
كنت عليها
إلاّ لنعلم
من يتَّبع
الرسول . . . وما
كان الله
ليضيعَ
إيمانكم إنّ
الله بالناس
لرءُوف رحيم}
ذكر
الزمخشري11 أن رسول
الله(صلى
الله عليه
وآله) كان
يصلي بمكّة
إلى الكعبة ،
ثم أمر
بالصلاة إلى
صخرة بيت
المقدس بعد
الهجرة
تألفاً
لليهود ، ثم
حوّل إلى
الكعبة
ثانياً بعد
الهجرة . ثم نقل
الزمخشري عن
ابن عباس :
كانت قبلته
بمكّة بيت
المقدس ،
إلاّ أنه كان
يجعل الكعبة
بينه وبينه . أقول : إن
الزمخشري
بعد أن ادّعى
ذلك لم يذكر
دليلا
للمدّعى بل
نقل عن ابن
عباس تلك
الرواية
التي
ذكرناها
تعارض ما قال
ولا تفيده
شيئاً . نعم ، بما
أن رسول الله
كان موحّداً
ومؤمناً
إبراهيمياً
وكان عابداً
لله سبحانه
وتعالى من
أوّل عمره
إلى آخره فهل
صلواته في
مكّة
المكرّمة
قبل البعثة
وبعدها كانت
تجاه الكعبة
أو بيت
المقدس؟
لهذا البحث
مجال واسع
يتطلب محلا
آخر . وقال
السيد
عبدالله
شبَّر12 :
وقيل : المراد
الكعبة ، أي
ما رددناك
إلى ما كنت
عليها إلاّ
لنعلم
الثابت من
المرتد لأنه
صلّى الله
عليه وآله
كان يصلّي
بمكّة إليها . هذا ،
ولكن روى
الفيض
الكاشاني(قدس
سره) في
تفسيره
الصافي ، عن
كتاب
الاحتجاج
أنه : «لما كان
رسول الله(صلى
الله عليه
وآله)بمكّة
أمره الله
عزّوجلّ أن
يتوجّه نحو
بيت المقدس
في صلاته
ويجعل
الكعبة بينه
وبينها إذا
أمكن ، وإذا
لم يمكن
استقبل بيت
المقدس كيف
كان ، وكان
رسول الله(صلى
الله عليه
وآله) يفعل
ذلك طول
مقامه بها . . .»13 . وأنت كما
ترى لا يمكن
أن يكون مثل
هذه الطائفة
من الأخبار
دليلا لو فرض
أن الزمخشري
وغيره قد
استفاد منها
، وسياق
الآيات
الكريمة
وظاهرها لا
يساعده ، مع
أنّه نجد غير
واحد من
المفسرين
يخالف هذا
الادّعاء
كالفيض
الكاشاني
والعلامة
الطباطبائي
و . . . . قال في
تفسير
الميزان :
وظاهر الآية
أنه دفع لما
يختلج في
صدور
المؤمنين من
تغيير
القبلة
ونسخها ، ومن
جهة الصلوات
التي صلّوها
إلى القبلة ،
وما شأنها؟
ويظهر من ذلك
أن المراد
بالقبلة
التي كان
رسول الله(صلى
الله عليه
وآله) عليها ،
هو بيت
المقدس لا
الكعبة ، فلا
دليل على جعل
بيت المقدس
قبلة مرتين ،
وجعل الكعبة
قبلة مرتين ،
إذ لو كان
المراد من
القبلة في
الآية
الكعبة ، كان
لازم ذلك ما
ذكر14 . وفي
تفسير آلاء
الرحمن : {وما
جعلنا
القبلة التي
كنت عليها}
ظاهر قوله
تعالى في
الآية التي
بعد هذه {فلنولّينك
قبلة} أنها
نزلت قبل
تحوله(صلى
الله عليه
وآله) إلى
الكعبة ،
وظاهر السوق
أن هذه الآية
نزلت قبل تلك
، مع أن ظاهر
قوله تعالى : {التي
كنت عليها}
كنت تتوجّه
إليها فيما
مضى وصرفت
عنها ، فتشكل
هذه الظواهر . ولأجل
ذلك قال
بعضهم : إنّ
كان تامة
بمعنى أنت
عليها . وقال
في الكشاف : إن
{التي كنت
عليها} مفعول
ثان لجعلنا ،
والمقصود من
الموصول مكة
، أي وما
جعلنا
القبلة مكة .
وفيه تعقيد
ومخالفة
للاعتبار مع
أن الإشكال
المذكور على
حاله . ويرتفع
من أصله بأن
قوله تعالى : {كنت
عليها} لا
يختص بما بعد
الانصراف
عنها
وانقطاع
الكون ، بل
قيل باعتبار
الكون
الماضي
وتوجهه(صلى
الله عليه
وآله) إلى
البيت
المقدس
أشهراً
عديدة من دون
نظر إلى
الانقطاع
نحو : {وكان
الله غفوراً
رحيماً} أي :
وما جعلنا
بيت المقدس
قبلة لك هذه
المدة {إلاّ
لِنعلم}
اللام
للعاقبة ،
والحصر إنما
هو باعتبار
العاقبة لا
حكمة
التشريع15 . قوله
تعالى : { . . . إلاّ
لِنَعلم مَن
يتّبع
الرسول ممن
ينقلب على
عقبيه وإن
كانت
لكبيرةً إلا
على الذين
هدى الله وما
كان الله
ليضيع
إيمانكم إن
الله بالناس
لرَءُوف
رحيم}16 قال
البلاغي(رحمه
الله) في
تفسيره :
وكبيرة
ثقيلة ، ومن
اللازم أن
يكون
استقبال بيت
المقدس
ثقيلا على
قريش والعرب
إلاّ الذين
هداهم الله
إلى الإيمان
برسول الله(صلى
الله عليه
وآله)فيعلمون
أن ذلك أمر من
الله الحكيم {وما
كان الله
ليضيع
ايمانكم إن
الله بالناس
لرَءُوف
رحيم} في
الكافي عن
ابن أبي عمير
الزبيدي عن
أبي عبدالله(عليه
السلام) في
الآية : إن
الله سمّى
الصلاة
ايماناً .
وذكر الصدوق
في الفقيه :
قال
المسلمون :
صلاتنا إلى
بيت المقدس
تضيع يا رسول
الله؟ فأنزل
ذلك . وذكر
أنّه أخرج
حديثه في
كتاب النبوة .
وفي رواية
العياشي :
أنّه لما
حولت القبلة
قالوا : ما
حالنا؟ أي في
صلاتنا
الماضية ،
وما حال من
مضى في
صلاتهم إلى
بيت المقدس؟
فأنزل الله : {وما
كان الله
ليضيع
ايمانكم} . وفي
الدرّ
المنثور عن
ابن عباس
نحوه وصحّحه
الحاكم17 . ونقل
الطبري في
تفسيره عن
ابن عباس قال :
لمّا وجه
رسول الله(صلى
الله عليه
وآله) إلى
الكعبة
قالوا : كيف
بمن مات من
إخواننا قبل
ذلك وهم
يصلون نحو
بيت المقدس؟
فأنزل الله
جلّ ثناؤه : {وما
كان الله
ليضيع
إيمانكم}
ونقل أيضاً
عن أبي إسحاق
عن البراء
قال : مات على
القبلة قبل
أن تحول إلى
البيت رجال
وقتلوا فلم
ندر ما نقول
فيهم ، فأنزل
الله تعالى
ذكره : {وما
كان الله
ليضيع
إيمانكم}18 . قوله
تعالى : {قد
نرى تقلب
وجهك في
السماء
فلنولّينك
قبلةً
ترضيها فولّ
وجهك شطر
المسجد
الحرام . . .} . تقدم
سابقاً
تفسير هذه
الآية
الشريفة في
المحور
الأول من
المباحث
فراجع . قال علي
بن إبراهيم
القمي(رحمه
الله) في
تفسيره : إن
اليهود
كانوا
يعيرون
برسول الله(صلى
الله عليه
وآله)
ويقولون : أنت
تابع لنا ،
تصلي إلى
قبلتنا ،
فاغتم من ذلك
رسول الله(صلى
الله عليه
وآله) غمّاً
شديداً ،
وخرج في جوف
الليل ينظر
في آفاق
السماء
ينتظر بأمر
الله تبارك
وتعالى في
ذلك ، فلمّا
أصبح وحضرت
صلاة الظهر
كان في مسجد
بني سالم [بني
سلمة]19 قد صلى
بهم الظهر
ركعتين ،
فنزل جبرئيل(عليه
السلام) فأخذ
بعضديه
فحوّله إلى
الكعبة . . .20 . قال
العلامة
الطباطبائي(قدس
سره) : قوله
تعالى : {وإن
الذين اوتوا
الكتاب
ليعلمون
أنّه الحق من
ربهم} وذلك
لاشتمال
كتابهم على
صدق نبوة
رسول الله(صلى
الله عليه
وآله) أو كون
قبلة هذا
النبي
الصادق هو
شطر المسجد
الحرام ،
وأيّاً ما
كان فقوله : {اوتوا
الكتاب} يدل
على اشتمال
كتابهم على
حقيقة هذا
التشريع ،
إمّا
مطابقةً أو
تضمناً {وما
الله بغافل
عمّا يعملون}
من كتمان
الحق ،
واحتكار ما
عندهم من
العلم21 . قوله
تعالى :{ولئن
أتيت الذين
اوتوا
الكتاب بكلّ
آية ما تبعوا
قبلتك وما
أنت بتابع
قبلتهم . . .}22 . قال
البلاغي(رحمه
الله) : {ولئن
أتيت الذين
اوتوا
الكتاب} ولم
يوفقوا
للإيمان بك {بكل
آية ما تبعوا
قبلتك} أي
الكعبة {وما
أنت بتابع
قبلتهم}
اتباعاً
خصوصاً
بعدما أُمرت
بالتوجه شطر
المسجد
الحرام {وما
بعضهم بتابع
قبلة بعض} فإن
النصارى
تتوجّه إلى
المشرق
واليهود إلى
بيت المقدس {ولئن
اتبعت
أهواءَهم . . . }هذا
توبيخ لهم
وتبكيت
بأنهم أصحاب
أهواء فاسدة
لا يتبعها
إلاّ
الظالمون .
وخوطب بذلك
رسول الله(صلى
الله عليه
وآله) لقطع
أطماعهم
ولبيان فضله
، لأنه لا
يتّبع
أهواءَهم
أبداً بدليل
قوله تعالى : {وما
أنت بتابع
قبلتهم}23 . وفي
الميزان :
قوله تعالى : {ولئن
أتيت الذين
اُوتوا
الكتاب بكل
آية} تقريع
لهم بالعناد
واللجاج ،
وأنّ
اِباءَهم عن
القول ليس
لخفاء الحق
عليهم ، وعدم
تنبيه لهم ،
فانهم
عالمون
بأنّه حق
علماً لا
يخالطه شك ،
بل الباعث
لهم على بث
الاعتراض
وإثارة
الفتنة ،
عنادهم في
الدين
وجحودهم
للحق ، فلا
تنفعهم حجة ،
ولا تقطع
إنكارهم آية
، فلو أتيتهم
بكل آية ما
تبعوا قبلتك
لعنادهم
وجحودهم
،وما أنت
بتابع
قبلتهم; لأنك
على بيّنة من
ربك ، ويمكن
أن يكون قوله :
{وما أنت }نهياً
في صورة خبر ،
وما بعضهم
بتابع قبلة
بعض ، وهم
اليهود
يستقبلون
صخرة بيت
المقدس
أينما كانوا
، فلا هذا
البعض يقبل
قبلة ذاك
البعض ، ولا
ذاك يقبل
قبلة هذا
اتباعاً
للهوى24 . وقال
الشيخ
الطوسي(رحمه
الله) في
التبيان :
قوله : {وما
أنت بتابع
قبلتهم} قيل
في معناه
أربعة أقوال : أولها ـ
أنّه لمّا
قال : {ولئن
أتيت الذين
اُوتوا
الكتاب بكلّ
آية ما تبعوا
قبلتك وما
أنت بتابع
قبلتهم . . .} على
وجه
المقابلة
كما تقول : ما
هم بتاركي
إنكار الحق
وما أنت
بتارك
الاعتراف به
، فيكون الذي
جرّ الكلام ،
التقابل
للكلام
الأول ، وذلك
حسن من كلام
البلغاء . الثاني ـ
أن يكون
المراد أنه
ليس يمكنك
استصلاحهم
باتباع
قبلتهم
لاختلاف
وجهتهم ، لأن
النصارى
يتوجهون إلى
المشرق ،
واليهود الى
بيت المقدس ،
فبيّن الله
تعالى أن رضا
الفريقين
محال . الثالث ـ
أن يكون
المراد حسم
طمع أهل
الكتاب من
اليهود ، إذ
كانوا طمعوا
في ذلك وظنوا
أنه يرجع إلى
الصلاة إلى
بيت المقدس
وماجوا في
ذكره . الرابع ـ
أنه لما كان
النسخ
مجوزاً قبل
نزول هذه
الآية ،
فأنزل الله
تعالى الآية
، ليرتفع ذلك
التجوّز25 . ثم إنه
ذكر الشيخ
الطوسي(رحمه
الله) قولين
آخرين في ذكر
هذه الفقرة
من الآية : {وما
بعضهم بتابع
قبلة بعض} هذا
نصّه : قيل في
معناه قولان : أحدهما ـ
قال الحسن ،
والسدي ،
وابن زيد ،
والجبائي :
إنه لا يصير
النصارى
كلهم
يهودياً ،
ولا اليهود
كلهم يصيرون
نصارى أبداً
، كما لا يتبع
جميعهم
الإسلام .
وهذا من
الإخبار
بالغيب . |