تأريخ نشوء الحوزة العلمية

حكمت الرحمة ـ في عصر الحضور: لقد انبلج الصبح وانقشع الظلام وجاء الحبيب المصطفى مشرقاً بنوره لينير الطريق ويحطم كل أصنام الجاهلية.. لقد جاء مبلغاً رسالة ربه معلناً الدين الجديد الذي أعاد للإنسانية قيمتها وعرفها بحقيقتها بعد أن مرّت بأدوار من الجهل والظلام. لقد أرسل الله رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون (...ديناً قيماً ملة إبراهيم حنيفاً وما كان من المشركين) (1). وقد تحمّل الرسول في سبيل ابلاغ دينه وإرساء قواعده كافة أنواع الأذى والبلاء حتى إنه لم يؤذَ نبي كما أُوذي صلى الله عليه وآله، فلم ينثنِ عزمه ولم تقل حيلته، بل راح يمضي قدماً في نشر أصوله وفروعه، فبلّغ القرآن للناس تبليغاً كاملاً وأمر بتدوينه وجمعه تحت إشرافه ووفق تعليماته (2). كما انه قام بتبليغ سنته التي تشكل مع القرآن الكريم الكم الكافي والمتكامل في تزويد الإنسان بما يحتاجه من قواعد الأحكام. ونصب من بعده أُمناء على وحيه، حفّاظاً لشريعته من الإندراس والضياع وهم أئمة أهل بيت العصمة والطهارة الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيراً، فكانوا هداة مهديين يأمرون بالحق وبه يعدلون، فقد ارتضعوا من ثدي الوحي وارتووا من معدن الرسالة وورثوا علمهم من رسول الله صلى الله عليه وآله، وقد ورد عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام أنه قال ضمن كلام طويل له: «فما نزلت على رسول الله صلى الله عليه وآله آية من القرآن إلاّ أقرأنيها،وأملاها عليَّ فكتبتها بخطّي، وعلمني تأويلها وتفسيرها وناسخها ومنسوخها، ومحكمها ومتشابهها، وخاصّها وعامها، ودعا الله أن يعطيني فهمها وحفظها، فما نسيت آية من كتاب الله ولا علماً أملاه علي وكتبته. منذ دعا الله لي بما دعا، وما ترك شيئاً علمه الله من حلال ولا حرام، ولا أمر ولا نهي كان أو يكون، ولا كتاب منزل على أحد قبله من طاعة أو معصية إلاّ علمنيه وحفظته، فلم أنسَ حرفاً واحداً...» (3). وهكذا يكون الرسول قد بلّغ رسالته وأدّى أمانته ولم يرتحل من هذهِ الدنيا إلاّ بعد أن نصب على أُمته من يكمل الشوط من بعده في تشييد معالم دينه وتبيين غوامض كتابه وحفظ شريعته المقدسة من الاندراس والضياع. وحينئذ يتضح أنّ التشريع الإسلامي يعتمد على مصدرين أساسيين وهما الكتاب والسنة المباركة، والسنة مضافاً لشمولها قول وفعل وتقرير الرسول صلى الله عليه وآله فانها شاملة لأقوال وأفعال وتقرير الأئمة الإثني عشر من بعده، فانه صلَّى الله عليه وآله جعلهم من بعده أمناء على الوحي وحفاظاً للشريعة، وأمر بالتمسك بهم مع القرآن. ولكن وبعد أن رحل الرسول الأكرم صلَّى الله عليه وآله وقع الافتراق في الأُمة وبرزت هناك مدرستان، أحدهما: اعتمدت الرأي والاستحسان في كثير من استنباطاتها الفقهية. والأخرى: تمسكت بالنصّ ولم تحد عنه قيد إنملة، وهذه هي مدرسة أهل البيت التي مثلت الإسلام المحمدي الأصيل واقتدت بسنة الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله. وقد عانى الأئمة آلاماً مريرة في الحفاظ على الإسلام المحمدي الأصيل في قبال تلك المدرسة التي حاولت طمس الآثار الصحيحة للرسول صلى الله عليه وآله، واتخذت المنهج الاجتهادي الذي يتناسب مع ميولها وأهوائها ويصب في خدمة مصالحها الخاصة.. ومن أبرز المصاديق البارزة لمخالفة سنة الرسول الأعظم صلَّى الله عليه وآله بل ومخالفة القرآن الكريم. هي سنة معاوية في سب أمير المؤمنين عليه السلام من على المنابر، رغم الآيات القرآنية والنصوص النبوية المتواترة عن النبي في مدح علي وذكر مناقبه وفضائله وأنّه مع الحق والحق معه، ولعلّ من أصرح الروايات التي تقف بوجه اجتهاد معاوية هو قول الرسول صلى الله عليه وآله: «مَن سبَّ علياً فقد سبني» (4). ونحن لا نريد أن ندين معاوية هنا لأنه «اجتهد فاخطأ»!! وعلى كل حال فلقد كان وجود الأئمة الأطهار المنبع الفياض الوحيد الذي استطاع الحفاظ على الشريعة المحمدية الحقة رغم الضغوط والمراقبة والفترات العسيرة التي مرّوا بها، فكان عملهم وتبليغهم للدين الإسلامي يتناسب مع الأحداث عكسياً، ففي حين يزداد الظلم ويشتد التضييق تقل الحركة التبليغية والتربوية للأئمة، وفي فترات السبات والهدوء يستغل الأئمة الوقت ويكشفوا عن أسرار الشريعة المحمدية المباركة. ولقد كان أول السائرين على نهج الرسول الأمين عليَّ أمير المؤمنين فقد مثل المدرسة المحمدية المباركة خير تمثيل، وقام بتشييد معالمها وتبيين أُصولها وفروعها، وكان له كتاب يُسّمى بـ(الجامعة)، وهو صحيفة طولها سبعون ذراعاً بذراع رسول الله صلى الله عليه وآله، وإملائه من فَلقِ فيه، وخط عليّ عليه السلام بيمينه، فيها كل حلال وحرام، وكل شيء يحتاج إليّه الناس حتى الإرش في الخدش.. وقد توارث الأئمة هذا الكتاب من بعده (5). ويعد كتاب الجامعة ـ وما يطلق عليه في بعض الأخبار بالصحيفة أو كتاب عليّ (6) ـ أول كتاب دوّن في العلم على عهد رسول الله صلَّى الله عليه وآله وتكرر ذكرها في أخبار الأئمة عموماً وأخبار المواريث خصوصاً. وإذا تجاهل بعض المسلمين، أحاديث الوصّية والخلافة لمصالح سياسية فانه لم يتسنَ لهم أن يغفلوا دوره العلمي ويتجاهلوا قول رسول الله صلى الله عليه وآله: «أنا مدينة العلم وعليّ بابُها فَمن أرادَ العِلَم فليأتِ بابه» (7). وغيرها من النصّوصّ الدالة على أعملية علي عليه السلام على غيره، ولذا فإن المسلمين قد التفوا حوله وأخذوا ينتهلون منه معالم دينهم حتى إن الخليفة عمر لم يجد بداً من الاشادة بعلمه وقضائه والرجوع إليه في الكثير من الأحكام، وقال فيه كلماته المأثورة: «لا يفتين أحد في المسجد وعلي حاضر»، «لا بقيت لمعضلة ليس لها أبو الحسن»، «لولا علي لهلك عمر» (8). وحينئذٍ فإنّ أول قناة حافظت على الشريعة السمحاء بعد الرسول صلى الله عليه وآله هو أمير المؤمنين عليه السلام، واستمر من بعده أئمة الهدى وأنوار الدجى، يُضيئون طريق الإنسان المسلم بعلومهم المحمدية الأصيلة، رغم الظروف المجحفة التي عانوها.. وكما أشرنا فان مقدار تحركهم وتبيينهم مناهج الحق كانت تتناسب عكسياً مع الضغوطات واجواء التشدد؛ فكلما كانت هناك فترة انفراج انطلق الأئمة ينشرون نهج الحق والرسالة، وكلما ازداد الضغط قل نشاط الأئمة عليهم السلام، ولذا نلاحظ أنه قل ما روي عن الحسنين عليهما السلام في أمور الفقه والدين بسبب الضيق والحرج الذي كانا يعانيانه من الحكومة الأموية الجائرة، ولكن بعد مقتل الإمام الحسين عليه السلام وافتضاح البيت الأموي قلّ الضغط نوعاً ما على العلويين مما حدا بالإمام زين العابدين عليه السلام إلى نشر العلوم المحمدية بطرق مختلفة والتي منها حلقاته الدرسية التي كان يعقدها في مسجد رسول الله صلى الله عليه وآله وفي بيته، ومن الذين كانوا يستقون من معين درسه من الصحابة والتابعين: جابر بن عبد الله الأنصاري، وعامر بن واثلة الكناني، وسعيد بن المُسيّب، وسعيد بن جهان الكناني مولى أُم هانئ، والقاسم بن محمد بن أبي بكر، وسعيد بن جبير، ومحمد بن جبير بن مطعم ، وأبو خالد الكابلي، والقاسم بن عوف الشيباني، وإسماعيل بن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب، وإبراهيم بن محمد بن الحنفية، وحبيب بن أبي ثابت، ويحيى بن أُم الطويل، وسلمة بن دينار المدني. وجاء بعد وفاة الإمام زين العابدين دور الإمامين (9) الباقر والصادق في تشييد علوم الرسالة المحمدية، فكان عصرهما عصر ازدهار العلوم الدينية سواء في الفقه أو الكلام أو الفلسفة بل حتى بقية العلوم كالكيمياء والفلك وغيرها. وقد استغل هذان الإمامان ضعف الدولتين: الأموية، والعباسيّة. حيث كانت الأولى في أواخر سنيّها والثانية في أوائل حكمها، فالتجأوا الى إنشاء المدارس وتبيين الفقه المحمدي الأصيل. والوقوف بوجه الرأي والقياس. ويُعد عصر الإمامين الصادقين العصر الذهبي للفقه الإمامي حيث تخرّج من مدرستهما آلاف العلماء والطلاب كان من أبرزهم: زرارة بن أعين، ومحمد بن مسلم الطائفي، وأبان بن تغلب الكوفي وغيرهم. ولعلّه يمكننا القول إنّه كان في عصرهما ابتداء انشاء المدارس الفقهية الشيعية بصورة جليّة وواضحة، فكانت المدينة والكوفة مراكزاً للدراسة وطلب العلوم، وكانت تقام الندوات والمحاججات في مختلف العلوم. كما أنه نشطت في هذا العهد حركة التأليف والتدريس بسبب تشجيع الصادقين على ذلك؛ فقد جاء عن المفضل بن عمر أن أبا عبد الله الصادق عليه السلام، قال: «اكتب وبثّ علمك في إخوانك، فان مت فورث كتبك بنيك، فانه يأتي على الناس زمان هرج ما يأنسون فيه إلاّ بكتبهم» (10) وورد عن أبي بصير أنّه سمع الصادق عليه السلام يقول: «اكتبوا فانكم لا تحفظون حتى تكتبوا»، (11) الى غير ذلك من التوصيات والتعليمات التي تحث على التدوين والكتابه. كما انه انبثقت في الوسط العلمي والوسط الاجتماعي الشيعي آنذاك بما يُسمى بمدرسة (الفقهاء الرواة)، والتي اتسم منهجها في مجال الاجتهاد والافتاء على فهم دلالة النصّ فيما رُوي فيه نصّ وبتطبيق القاعدة المنصوصة على موردها فيما لا نص خاص فيه. وقد ذكر أبو عمرو الكشي اثني عشر فقيهاً من فقهاء هذا العهد وهم: 1ـ زرارة بن أعين الكوفي. 2ـ معروف بن خربوذ. 3ـ بريد بن معاوية. 4 ـ ابي بصير الأسدي. 5ـ الفضل بن يسار النهدي البصري. 6ـ محمد بن مسلم الثقفي الطائفي الكوفي. 7ـ جميل بن دراج النخعي. 8ـ عبد الله بن مسكان الكوفي. 9ـ عبد الله بن بكير الكوفي. 10ـ حماد بن عيسى الجهني البصري. 11ـ حماد بن عثمان الرؤاسي الكوفي. 12ـ أبان بن عثمان الأحمر البجلي. قال الكشي في رجاله: «اجتمعت العصابة على تصديق هؤلاء الأولين من أصحاب أبي جعفر وانقادوا لهم بالفقه، فقالوا أفقه الأولين ستة: زرارة، ومعروف بن خربوذ، وبريد، وأبو بصير الأسدي، والفضيل بن يسار، ومحمد بن مسلم الطائفي، قالوا: وأفقه الستة زرارة، وقال بعضهم مكان أبي بصير الأسدي أبو بصير المرادي وهو ليث بن البختري» (12). ثم قال في موضع آخر: «اجمعت العصابة على تصحيح ما يصح من هؤلاء وتصديقهم لما يقولون، واقروا لهم بالفقه من دون أولئك الستة الذين عددناهم وسميناهم، ستة نفر: جميل بن دراج، وعبد الله بن مسكان، وعبد الله بن بكير، وحماد بن عيسى، وحمّاد بن عثمان، وأبان بن عثمان. قالوا: وزعم أبو إسحاق الفقيه يعني ثعلبة بن ميمون: أن أفقه هؤلاء جميل بن دراج وهم أحداث أصحاب أبي عبد الله» (13). على أنه يوجد غير هؤلاء من الفقهاء الرواة نغمض عن ذكرهم خوف الاطالة وتوخياً للاختصار. كما أنه في ذلك العصر وردت احتجاجات كثيرة من الصادقين على القائلين بالقياس والرأي. ويمكن القول بأنه قد تكامل بناء مدرسة أهل البيت في التشريع الإسلامي في عهد الصادقين عليهما السلام. وجاء بعد الصادقين دور الإمامين موسى بن جعفر وعلي بن موسى الرضا مكملاً للدور السابق، فجهدا جهدهما، وشمّرا بذراعيهما، وسقيا غرس التشيع بدمائهما الطاهرة، فلقد كان عصرهما عصر تشديد وتضييق ومطاردة للعلويين لكن ذلك لم يثنِ عزمهما عن مواصلة الدرب في تبيين معالم الدين وتشييد شريعة سيد المرسلين. وحيث إن عصر الصادقين كان عصر انتشار التشيع أرضاً ونفوساً، نلاحظ أنه كثر السؤال شفاهة وكتابة في عصر الكاظمين حول مختلف المسائل العقائدية والفقهية والفكرية وغيرها، كما أن الأموال والحقوق أُخذت تجمع من مختلف أصقاع العالم وتسلم للإمام الكاظم في وقته، وقد أخاف هذا التوسع الشيعي الخليفة هارون الرشيد مما حدا به الى اعتقال الإمام موسى بن جعفر وزجه في ظلمات السجون ومن ثم قتله بالسم، لكن سجن الإمام لم يكن ليمنع اتصال الشيعة والموالين بالإمام مكاتبة او مشافهة. وبعد أن رحل الإمام الكاظم خشي المأمون العباسي من المد الشيعي المتزايد فقام باشخاص الإمام الى خراسان ليوليه العهد بالاجبار وليجعله تحت رقابته ونصب عينيه، لكن المأمون لم يفلح في ذلك فقد حول الإمام عام ولاية العهد الى عام ازدهار للمذهب الحق فقد اثبت إمامة أهل البيت في الكثير من مناظراته، كما أنه أفحم الخصوم والمناوئين له وكتب رسالة «جوامع الشريعة» والتي تتضمن جميع المطالب العقائدية الرئيسية والفقه الشيعي؛ إلى فضل بن سهل، وبين حديث الإمامه المعروف لعبد العزيز بن مسلم في مرو. وقد ادت تلك الإحتجاجات والمناظرات الى شيوع ذكر الإمام حتى أن الناس أخذت تقول: إنه والله أولى بالخلافة. وقد اغتاظ المأمون من ذلك فعاد سائراً على نهج أسلافه ليكون الإضطهاد والقتل هو آخر سلاح يملكه تجاه المد المحمدي الأصيل. إذن فان التحجيم والتضييق لم يكن ليحد من نشاط مدرسة الإمامين الكاظم والرضا بل إنّ مدرستهما كانت زاخرة بألوان العطاء، وان كان ذلك العطاء يمد حيناً ويجزر آخر بسبب الظروف المشار إليها. وقد تخرج من هذهِ المدرسة جملة من الفقهاء الكبار الذين كان لهم الدور المشرف في حفظ منهج أهل البيت وتراثهم الأصيل ومن هؤلاء: يونس بن عبد الرحمن، صفوان بن يحيى، محمد بن أبي عمير، أحمد بن محمد بن أبي نصر البزنطي وغيرهم من الأجلاّء والثقات. قال الكشي في تسمية الفقهاء من أصحاب ابي إبراهيم وابي الحسن الرضا: «أجمع أصحابنا على تصحيح ما يصحّ عن هؤلاء وتصديقهم، وأقرّوا لهم بالفقه والعلم، وهم ستة نفر آخر دون الستة نفر الذين ذكرناهم في أصحاب أبي عبد الله عليه السلام، منهم: يونس بن عبد الرحمن، وصفوان بن يحيى بيّاع السابري، ومحمد بن أبي عمير، وعبد الله بن المغيرة، والحسن بن محبوب، وأحمد بن محمد بن أبي نصر. وقال بعضهم: مكان الحسن بن محبوب: الحسن بن علي بن فضال وفضالة بن أيوب. وقال بعضهم: مكان ابن فضال: عثمان بن عيسى، وأفقه هؤلاء يونس بن عبد الرحمن وصفوان بن يحيى» (14). كما وأنه في هذهِ الفترة نشطت حركة التأليف وكانت أوسع رقعة وأكثر عدداً من سابقتها. وجاء بعد هذه الفترة دور الأئمة الثلاثة من أبناء الرضا وهم: الإمام الجواد، والإمام الهادي والإمام العسكري. وقد لاقوا صنوفاً عديدة من أنواع الضيق والتشديد، واتخذت الحكومات تجاههم سياسة الدمج بحاشية البلاط العباسي وزجت بعضهم في ظلمات السجون، إلاّ أن ذلك الحصار والتضييق لم يمنع من اتصالهم بشيعتهم وتبيينهم لهم معالم الدين وإن قل، كما أن المناظرات والإحتجاجات التي كان يقيمها السلاطين وتهدف إلى الاطاحة بمقام الأئمة قد ساعدهم على نشر علومهم وأفكارهم وكانوا دائماً هم المنتصرين مما أدى الى شيوع ذكرهم أكثر. وقد تخرج من مدرسة أبناء الرضا مجموعة من الفقهاء الرواة أمثال: الفضل بن شاذان، وأحمد بن اسحاق الاحوص الأشعري، وعلي بن مهزيار، وزكريا بن آدم، والحسين بن سعيد الأهوازي، ومحمد بن الحسن الصفار وغيرهم. كما أن حركة التأليف والكتابة استمرت في هذهِ الفترة أيضاً. وبنهاية هذهِ الفترة أي في سنة 260هـ حيث وفاة الإمام العسكري عليه السلام، يكون اللقاء المباشر بالإمام عليه السلام قد انتهى وبدأ عصر جديد أخذ فيه الفقه الشيعي ينحا منحاً آخر في تحصيل الحكم، معتمداً بالأساس على القرآن الكريم وعلى السنة المباركة التي خلفها لنا أهل البيت عليهم السلام، والتي كان للفقهاء الرواة والأصحاب الدور الأعظم في حفظها ووصولها إلينا. نعم اللقاء بالمعصوم لم ينقطع بالكلية في أوائل عصر الغيبة بل كان الناس يتصلون بالإمام عن طريق سفرائه الأربعة الذين نُصّبوا نواباً عنه ـ عجل الله تعالى فرجه الشريف ـ، وعند وفاة آخر سفير انقطع الاتصال بالإمام تماماً، ولهذا فان عصر الغيبة قسم إلى قسمين: الأول: ما يُسمّى بعصر (الغيبة الصغرى). الثاني: ما يُسمّى بعصر (الغيبة الكبرى). وبعد أن أنهينا الكلام مختصراً عن عصر الحضور ننقل الكلام من الآن فصاعداً الى عصر الغيبة. ـــــــــــــــ (1) الانعام: 161. (2) على أنّ القرآن هل جمع في زمن النبي أم فيما بعده أخذت حيزاً من النقاش بين الأعلام ليس هنا محل التعرض له. (3) أصول الكافي: ج1، كتاب فضل العلم ب21، ص118. (4) خصائص أميرالمؤمنين، النسائي: ص81. (5) على أنا نعتقد أن علم الأئمة عن ريق اللهام الالهي وأنهم متى أرادوا أن يعلموا شيئاً علموا، وأن وجود مثل هكذا كتاب عندهم لا يعني أنهم كانوا يقرأونه عند الحاجة، ولعلّه من باب القاء الحجة على المخالفين بأن ما نقوله إنّما هو سنة الرسول الأكرم بشهادة هذا الكتاب والله العالم. (6) فقد استظهر البعض بأن كتاب علي والصحيفة والجامعة هي في الحقيقة كتاب واحد ورد ذكره باسمأء مختلفة. (7) أعيان الشيعة: ج2، ص38، عن الاستيعاب. (8) شرح نهج البلاغة: ج1، ص18. (9) إنّما ذكرنا دور الصادقين معاً ودور الإمامين الكاظم والرضا ـ على ما يأتي ـ معاً، كما ذكرنا دور الأئمة الثلاثة من أبناء الرضا معاً لتقارب الظروف في كل فترة؛ وإلا فان كل إمام قام بدوره في وقته مستقلاً ومكملاً لمن قبله. (10) البحار: ج2، ص150، ح26. (11) البحار: ج2، ص152، ح38. (12) رجال الكشي: ص238، رقم 431. (13) رجال الكشي: ص375، رقم 705. (14) رجال الكشي: ص556، رقم 1050.