تونس في عهد بني خراسان (1058 ـ 1158)

حمادي الساحلي

 

تعيين عبد الحقّ بن خراسان واليا علي تونس:

     بعد غزوه بني هلال في سنه 1052، اختلّ النظام و انعدم الأمن في إفريقيّه التي عاث فيها الأعراب فسادا. فاضطرّ الأمير الصنهاجي المعزّ بن باديس إلي مغادره القيروان و المنصوريّه و اللّجوء إلي المهديّه حيث سلّم مقاليد الحكم إلي ابنه تميم. و لم يمض وقت طويل حتي عمّت الفوضي في البلاد، و خرجت أغلب المدن عن طاعه بني زيري، مثل قفصه وسوسه و باجه، «و انقطع أمر المعزّ بن باديس من تونس»، علي حدّ تعبير ابن عذاري.

     و لم تكتف مدينه تونس بالخروج عن طاعه بني زيري، بل وجّهت وفداً من شيوخها و أعيانها في سنه 1058، إلي قلعه بني حمّاد، ليلتمسوا من صاحبها الناصر بن علّناس بن حمّاد تعيين وال عليهم. فاقترح عليهم أن يختاروا شيخا منهم للقيام بهذه المهمّه، فاختاروا أحد أعيانهم لإراده شؤونهم «لكنّه استعفي من قبول الولايه لضعف الحاميه يومئذ». فولّي الناصر علي مدينه تونس، عبد الحقّ بن عبد العزيز، مؤسّس دوله بني خراسان.

 

ولايه عبد الحقّ بن خراسان (1058 ـ 1095):

     و يشير بعض المؤرّخين القدامي، لاسيما منهم ابن خلدون، إلي أنّ عبد الحقّ بن خراسان من أصل صنهاجي، لكنّه ولد في مدينه تونس. و ليس من المستبعد ـ كما يدّل علي ذلك لقبه ـ أن يكون جدّه منحدرا من أحد الجنود الخراسانيّين الذين قدموا إلي تونس مع الفاتحين المسلمين. و مهما يكن من أمر فإنّ هذا الوالي الذي كان تابعا نظريّا لمملكه بني حمّاد، قد كان يتصّرف عمليّا تصرّف الأمير المستقّل، رغم أنّه أبي أن يتلقّب بالأمير، مقتصرا علي حمل لقب «الشيخ». و كان حريصا علي تشريك أهل تونس في إداره شؤون مدينتهم، فأحبّوه، و اعترفوا بفضله عليهم، إذ وضع حدّا لأعمال النهب و السلب الذي كان يقوم بها الأعراب في ناحيه تونس منذ غزوه بني هلال.

     و في سنه 1067 اغتنم تميم بن المعزّ صاحب المهديّه، هزيمه ابن عمّه الناصر بن علّناس ابن حمّاد في سبيبه، ليقوم بحمله عسكريّه قصد استرجاع مدينه تونس. فزحف عليها علي رأس جيش عرمرم، و بعد حصار دام أربعه عشر شهرا، تمكّن من فتحها و أبرم مع أميرها الخراساني اتّفاقيّه تقضي بدخول تونس من جديد في طاعه بني زيري، لكنّها ظلّت عمليّا متمتّعه باستقلاليّتها.

     و قد توفّي عبد الحقّ بن خراسان سنه 1095 و خلفه ابنه عبد العزيز الذي مارس السلطه بالاشتراك مع أخيه إسماعيل.

 

ولايه أحمد بن عبد العزيز بن خراسان (1107 ـ 1129):

     و إثر وفاه عبد العزيز سنه 1107 خلفه ابنه أحمد الذي بقي واليا علي تونس مده 22 سنه. و قد بادر من أوّل وهله إلي تغيير السياسه التي سنّها جدّه عبد الحقّ، و واصل تطبيقها والده عبد العزيز. فألغي سلطه الشيوخ، و استبدل لقب شيخ بلقب أمير، و استبّد برأيه في أمور تونس «و أخرج جماعه من أهلها و نفاهم إلي المهديّه و غيرها و شرّدهم». ثم «اشتدت وطأته و طالت مدتّه»، حسب روايه ابن عذاري، فطغي و تجبّر و أفضي به الأمر إلي قتل عمّه إسماعيل «الذي كان أحقّ منه بالإماره»، و قد فرّ ابن الهالك ـ أبو بكر بن إسماعيل بن عبد الحقّ ـ إلي بنزرت و أقام بها.

     تلك هي روايه ابن عذاري التي نقلها بحذافيرها فيما بعد ابن أبي الضياف في «الإتحاف». أمّا ابن خلدون فقد اعتبر الأمير أحمد ابن عبد العزيز أبرز أفراد أسره بني خراسان.

     و قد بلغت مدينه تونس الخراسانيه ذروه ازدهارها في مدّه ولايته الطويله. إذ أحاط المدينه بالأسوار و بني بها قصرا فخما سمّي «قصر بني خراسان»، و أقنع الأعراب بالتزام السهر علي أمن المسافرين. و قد مدحه الشاعر الذائع الصيت ابن حمديس الصقلّي، و منّوها بخصاله و حزمه.

 

تناقس بني زيري و بني حمّاد علي مدينه تونس:

     و في سنه 1116 قرّر الأمير الصنّهاجي الجديد علي بن يحيي بن تميم بن زيري الهجوم علي مدينه تونس لإرجاعها إلي حظيره الدوله الصنهاجيّه. «فحاصر عسكره المدينه و بها أحمد بن خراسان، و ضيّق علي من بها فصالحه صاحبها علي ما أراد»، أي الاعتراف بسلطه بني زيري. فكان ردّ صاحب بجايه العزيز بن المنصور بن حمّاد الهجوم علي مدينه تونس في سنه 1120 و إرغام أحمد بن خراسان علي الدخول في طاعته. لكنّ هذا الأخير استمّر في تطبيق سياسه الاستقلالي تجاه دوله بني حمّاد. فوجّه إليه أمير بجايه الجديد يحيي بن العزيز ابن حمّاد في سنه 1128 جيشا بقياده مطرّف بن علي الذي فتح مدينه تونس و نقل أميرها الخراساني أحمد بن عبد العزيز إلي بجايه، فأقام بها إلي أن أدركته المنيّه. و منذ ذلك الحين أصبحت مدينه تونس ولايه تابعه مباشره لدوله بني حمّاد. و في سنه 1148 ثار أهلها علي السلطه الحماديه و أجبروا والي المدينه علي الهروب إلي بجايه.

 

رجوع بني خراسان إلي الحكم:

     و بعد فتره من التردّد، رأي أعيان تونس أنّ الحلّ الأفضل يتمثل في إرجاع أحد أحفاد بني خراسان إلي الحكم، ربّما لأنهم ملّوا الاضطرابات و الفتن، و شعوراً منهم بالخطر الذي أصبح يهدّد مدينتهم بعد استيلاء النرمان علي المهديّه. فوجّهوا وفدا إلي أبي بكر بن إسماعيل بن خراسان الذي مازال مقيما في بنزرت ليطلب إليه القدوم إلي تونس، حتّي يتسلّم مقاليد السلطه. فاستجاب لهذا الطلب و قدم إلي تونس حيث تقلّد زمام الحكم حوالي سبعه أشهر إلي أن غدر به عبد الله بن أخيه عبد العزيز و رماه في البحر فمات سنه 1148.

     فتولّي الحكم في مدينه تونس عبد الله بن خراسان زهاء العشر سنين. و في أيّامه وجّه الخليفه الموحّدي عبد المؤمن بن علي «رائدا يستكشف حال تونسس و قوتّها و المجاورين لها». و بعد عام وصل جيش من عبد المؤمن إلي تونس سنه 1158، فحاصرها مدّه قليله ثم أقلع عنها.

     و بعد وفاه عبد الله خلفه ابن أخيه علي بن أحمد بن عبد العزيز الخراساني الذي لبث في الحكم خمسه شهور. ثم زحف عبد المؤمن بن علي بجنوده إلي إفريقيه، في سنه 1159. فانقاد عليّ لطاعته، و قد اشترط عليه الخروج من تونس و التّحول إلي بجايه «فوقع الشرط علي ذلك و تسلّم عبد المؤمن منه تونس، و خرج ابن خراسان منها من يومه فمات في الطريق»، و انقرضت أسره بني خراسان التي حكمت مدينه تونس زهاء القرن. 

 

آثار بني خراسان في مدينه تونس:

     لقد ابتني الخراسانيّون في مدينه تونس، و علي وجه التحديد في حيّ باب مناره عدّه معالم مازالت بعض آثارها ماثله للعيان إلي يومنا هذا، من بينها المعالم التاليه:

     1- الجامع الكبير الذي شيّده أمراء بني خراسان علي أنقاض كنيسه قديمه و يعرف اليوم باسم «جامع القصر».

     2- القصر الأعلي الواقع في ساحه القصر بحيّ باب مناره و الذي أطلق عليه بنو خراسان اسم «قصر الإماره»، تمييزاً له عن بقيّه القصور التي بنوها هناك.

     و قد أقيم علي أنقاضه في مطلع القرن التاسع عشر قصر فخم بني حسب الطراز المعماري التونسي الأصيل، يعرف في وقتنا الحاضر باسم «دار حسين» و يحتضن منذ الاستقلال مقّر المعهد الوطني للتراث، بعد أن كان طيله عهد الحمايه، مقرّا للقائد الأعلي للجيش الفرنسي بتونس.

     3- مقبره قديمه و زاويه تعلوها قبّه خضراء، يطلق عليها اليوم اسم «سيدي بوخريصان»، بناها أميران من أمراء بني خراسان سنه 1091.

     و قد جاء حول موقع المعالم المذكوره، في كتاب «تاريخ معالم التوحيد» للمؤرّخ التونسي الشهير الجنرال محمّد بن الخوجه ما يلي:

     «و يلوح أنّ البناءات الموجوده لهذا الزمان ربّما كانت بقيّه من ديار و دواوين بني خراسان، و أنّ «القصر الأعلي» الذي هو قصر الولايه، قد أصبح سرايا القائد السامي للجيوش الفرنسيّه، و ذلك بعد أن تناوله التهذيب في الأزمنه المتأخرّه، و لاسيما في عهد، {رئيس بلديه مدينه تونس} الأوّل الجنرال حسين المنسوبه إليه تلك الدار .. ».

 

المصادر و المراجع:

     ـ ابن الأثير: كتاب الكامل في التاريخ، 10/12، طبعه القاهره، 1301 هـ.

     ـ إدريس (الهادي روجي): الدوله الصنهاجيّه، تعريب حمادي الساحلي، 1/310 ـ 398 ـ دار الغرب الإسلامي، بيروت، 1992.

     ـ ابن خلدون: كتاب العبر طبعه بيروت 1958، 173/6.

     ـ ابن الخوجه (محمد) تاريخ معالم التوحيد، ص 165، دار الغرب الإسلامي، بيروت، 1985.

     ـ ابن أبي الضياف (أحمد): إتحاف أهل الزمان بأخبار ملوك تونس و عهد الأمان: الجزء الأول، ص 186 ـ 91 ـ النشره الثانيه، تونس 1976.

     ـ ابن عذاري: البيان المغرب في أخبار الأندلس و المغرب، الجزء الأوّل، ص 315 و ما بعدها، بيروت، 1983.