شهر رمضان دوحة الايمان ومرفأ العقيدة

 

كوثر مهدي

 

رمضان .. يا شهر الله الاعظم، ياشهر الاسلام والصيام والقيام، وشهر الطهور والتمحيص، يا شهراً فضله الله على سائر الشهور

وجعل أيامه خير الايام ولياليه خير الليالي، وساعاته افضل الساعات، شهرا اوله رحمة واوسطه مغفرة وآخره عتق من النار.

شهر حبا الله أيامه المعدودات بمآثر وخصه بمكرمات وابان فضيلته ومنزلته بأن حجر فيه المطاعم والمشارب، وحرم فيه ما احل في غيره

من الطيبات.

شهر أنزل الله فيه القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان وجعل فيه ليلة القدر خيراً من ألف شهر، تتنزل الملائكة فيها بآيات

العفو والسلام حتى مطلع الفجر.

 

رمضان مدرسة الروح والفكر

 

رمضان مدرسة تطهيرية تربوية، لما آثره الله بفريضة الصيام الذي يحرر النفس من احابيل الغريزة ومكايدها ، وينمي الارادة الانسانية

لتذوب وتنصهر في ارادة بارئها وخالقها، ويطهر الروح والفكر ويعتقهما من اصرهما وأغلالها، ويكف الجوارح الا عما رسم الله لها،

ويزهر القلب بالذكر والدعاء والتبتل والانقطاع.

فهو اذا محطة محاسبة تستحم فيه الروح من أدران المادة وسخائم الذنوب ، وتنفض عنها كدورات احد عشر شهرا تعرضت فيه

لمختلف الاجواء ومارست صنوف الاعمال، وهو ايضا محطة تموين واستعداد ينطلق منها المؤمنون بركائز روحية زاخرة تؤهلهم لخوض

غمار الحياة ومعترك الصراع لسنة جديدة حتى اذا اشرفت ذخائرهم على النفاد أدركهم رمضان آخر يتزودون منه مرة اخرى بطاقات

معنوية جديدة تعينهم على مواصلة الجهاد والانطلاق في طريق ذات الشوكة.

 

فلسفة الصيام

 

الانسان بفطرته وتكوينه البشري كتلة من طين ونفحة من نور، وكلاهما غايات ورغبات، تخلد به احداهما قبضة التراب.. الى الارض

وتشيع فيه شهوات المادة ونزوات الحس.. وترنو به الاخرى - نفحة القدس الالهية - الى مصاف العقل وسبحات التكامل والعز، وبين

هذين التناقضين - المادة واللامادة - كيان متوحد ولكنه في صراع دائم أيهما انتصر وايهما كان أقوى ، يكون له القياد وتأتمر له قوى

النفس وتنصاع له مطالب الجسد.

من هنا فان صيام شهر رمضان هو بمثابة تكييف روحي وترويض جسدي يعمل على تطهير الروح مما اصابها من ادران المادة وشوائبها

ويعطي الزمام للعقل والروح كي ينشطا بعد سكون شهوات الجسد في نظام رتيب واوقات معينة ولهذا كانت صفة التقوى هي الهدف

من ا لصيام وكما اشارت اليه آيات الذكر الحكيم «يا ايها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم

تتقون»البقرة/183

والتقوى هي الاتقاء من المعاصي وترك الطرق المؤدية اليها، وليس شيء ادعى للمعصية والذنب من غريزة  الطعام وشهوة الجنس،

وهذان الطريقان اللذان قد يتغلغل الشيطان منهما الى اعماق بني آدم ويضله ويغويه بهما يكون الصيام قد سدهما ونظمهما بما يضمن

حقوقهما وبنفس الوقت يعطي للروح انطلاقتها.

ومن هنا كان افضل الاعمال في هذا الشهر الكريم هو الورع عن محارم الله كما جاء في الحديث عن رسول الله (ص) حيث سأله امير

المؤمنين علي (ع) من افضل الاعمال في هذا الشهر ـ شهر رمضان - فأجابه قائلا (ص): «يا أبا الحسن أفضل الاعمال في هذا الشهر

الورع عن محارم الله عزوجل».

 

درجات الصائمين

 

الصوم هو الاستجابة لامر الله وامتثال طاعته في الامتناع عن جميع المفطرات - التي ورد ذكرها في كتب الفقه - وكف النفس وجميع

الجوارح عن كل ما يخالف ارادة الله ويتباين العباد فيما بينهم في